الحادي عشر : غياب التربية الإسلامية- فرض نظام التعليم الغربي، وأسبابه:يأخذ موضوع "فرض نظام التَّعليم الغربي" في الأقطار الإسلاميَّة والذي أدَّى إلى غياب التَّربية الإسلاميَّة، أو إضعاف تأثيرها في تربية أبناء المسلمين وناشئتهم، مساحةً واسعة في كتابات الشَّيخ ومحاضراته، وخطبه ورسائله، لإيمانه الشَّديد أنَّ ذلك هو السَّبب الرَّئيسي للمآسي، والمخاطر، والاضطرابات، والفتن التي تصيب تلك الأقطار، ومجتمعاتها، وإنهاكها وإخراجها عن الصبغة الإسلاميَّة، بل وصرفها عن عقائد الإسلام، وغاياته، ومقاصده، وقيمه، ومبادئه، ومفاهيمه، وعن الدِّين وأحكامه وقواعده. إنَّ دراسة ما نجده عند الشَّيخ ممَّا يتعلَّق بالأسباب التي أدَّت إلى فرض نظام التَّعليم الغربي- أو غياب التَّربية الإسلاميَّة تُظهر لنا أنَّها- كما يراها الشَّيخ- على قسمين أسباب خارجيَّة، وأسباب داخليَّة، وسنعرض لكلٍّ منها- بإيجاز- لشدَّة وضوحها في كتبه([1])– ، فيما يلي: القسم الأول- الأسباب الخارجية :1ـ غارة الأمم الغربيَّة- الحضارة الغربيَّة -:يؤكِّد الشَّيخ على هذا السَّبب كثيراً، لأنَّه يراه أُسَّ البلاء والشَّقاء، والأسباب الأخرى، يقول: "كان هذا العصر مدهشاً، مؤلماً للعالم الإسلاميِّ، وكان مماثلاً في شيء كثير بالنِّصف الأوَّل من القرن السَّابع الهجريِّ الذي قضى فيه التَّتار على السُّلطة الإسلاميَّة بالهجوم على مدن العالم الإسلاميِّ، الرَّئيسيَّة المخصبة، ثم باحتلالهم فيها، وأبدلوا عزَّة المسلمين بالذل والعار،.. ولكن غارة الأمم الغربيَّة وبلدانها التي تمَّت في الثلث الأوَّل للقرن الرابع عشر الهجري، وأوائل القرن العشرين الميلادي، اختلفت عنها كلِّياً، فقد رافقتها فلسفات جديدة، ونظام جديد للتَّعليم والتَّربية، وأفكار وقِيَم جديدة، وجيش هائل للإلحاد، والتَّشكيك، ومذهب جديد للمادِّيَّة"([2])، وكانت هذه الحضارة- بمعناها الواسع- مجموع عقائد، ومناهج فكريَّة، وفلسفات، ونظم سياسيَّة واقتصاديَّة، وعلوم طبيعيَّة، وعمرانيَّة، واجتماعيَّة، وتجارب خاصَّة مرَّت بها الشُّعُوب الأوروبيَّة التي تزعَّمت هذه الحضارة في رحلتها الطَّويلة، وكانت مظهر تقدُّم العلم البشريِّ، وعلوم الطَّبيعة، وعلم الآلات، والعلم الرِّياضيِّة، ومجموع نتائج جهود علماء وباحثين عبر القرون"([3]). 2ـ الثَّورة البلشفيَّة :تُعدُّ "الثَّورة البلشفيَّة"- عند الشَّيخ- بمثابة الحضارة الغربيَّة، من أسباب غياب "التَّربية الإسلاميَّة"- بل ربَّما كانت أقوى تأثيراً أو أشدَّ بأساً- حيث ".. لم تكن تتناول التَّاريخ والجغرافية والخريطة السِّياسِيَّة بالتَّغيير والتَّحريف فقط، ولم تكن مقصورة في مجال الاقتصاد والسِّياسة فحسب، إنَّما كانت تهدم أُسُسَ العقيدة، والعمل، والأصول والمبادئ، والأخلاق والمجتمع، بل أساس الحياة الإنسانيَّة، والشُّعور الإنساني بأسره، لكي تقيم على أنقاضه بناءاً جديداً، وكانت تهدف الإسلام والمسلمين بأضرارها، وضرباتها أكثر من أي شيء،. . . ومع الأسف لم يكن هناك من يشعر بهذا الخطر الداهم في وقته ويقاومه إلا قليلاً.. هذه الثَّورة البلشفيَّة لم تشمل دول آسيا المتوسِّطة الخصبة التَّاريخيَّة، ذات السُّكَّان المسلمين، وتركستان الرُّوسيَّة، والصِّينيَّة وحدها، ولم تهدِّدها بالرِّدَّة الفكريَّة والحضاريَّة فحسب، بل جعلت أجيالها الصَّاعدة في مواجهة الرِّدَّة الإيمانيَّة، والعقائديَّة، وأصبحت تعيد تاريخ الأندلس الذي حدث في القرن التاسع، بل الواقع أنَّ الدُّول العربيَّة، ومركز الإسلام فضلاً عن شبه القارة الهنديَّة أجبرت على مواجهة هذا الخطر الكبير.."([4]). 3ـ تطبيق نظام التَّعليم الغربي ، واستعارة مناهجه التَّعليميَّة :يؤكِّد الشَّيخ أنَّ تطبيق نظام التَّعليم الغربي- بشكل عام -، واستعارة مناهجه التَّعليميَّة- بشكل خاصٍّ- كان أقوى الأسباب لغياب التَّربية الإسلاميَّة عن الأقطار والمجتمعات الإسلاميَّة، يقول: "لا يخفى على المطَّلع الخبير أن لنظام التَّعليم روحاً وضميراً كالكائن الحيِّ له روح وضمير، إنَّ روح نظام التَّعليم وضميره، إنَّما هو ظلٌّ لعقائد واضعيه، ونفسيَّتهم، وغايتهم من العلم ودراسة الكون، ووجهة النَّظر إلى الحياة، ومظهر أخلاقهم.. إنَّ هذه الرُّوح هي التي تسري في هيكله تماماً.. تلك هي قصَّة نظام التَّعليم الغربي.. فإذا طبِّق هذا النِّظام التَّعليميُّ في بلاد مسلمة، أو مجتمع إسلاميٍّ يحدث به قبل كلِّ شيء، صراعٌ عقليٌّ، ثم يتدرَّج ذلك إلى تزعزع العقيدة، والرِّدَّة الفكريَّة وأخيراً إلى الرِّدَّة الدِّينِيَّة.. وما أحسن ما كتبه أحد علماء الغرب الناقدين- محمد أسد- فإنَّ التَّنشئة الغربيَّة لأحداث المسلمين، ستقضي حتماً إلى زعزعة إرادتهم في أن يعتقدوا أو ينظروا إلى أنفسهم على أنَّهم هم ممثِّلو الحضارة الإلهيَّة الخالصة، التي جاء بها الإسلام وليس ثمَّة من ريب في أنَّ العقيدة الدِّينِيَّة آخذة في الاضمحلال بسرعة بين المتنوِّرين، الذين نشأوا على أُسُسٍ غربيَّة"([5])، ثم يذكر الشَّيخ كلام- محمد أسد- عن أجزاء برامج التَّعليم الغربيَّة المختلفة، المؤثِّرة في عقليَّة النَّاشئة المسلمين، ونفسيَّاتهم، وأخلاقهم، ومفاهيمهم([6]). ولذا يقول الشَّيخ "لقد كان نظام التَّعليم الغربي محاولة عميقة وخفيَّة لإبادة العنصر الإسلاميِّ والقضاء عليه، وانتقل مفكرو الغرب من طريقتهم المحقونة القديمة، التي كانوا يؤْثرونها في إبادة الأجيال، والفتك بهم، إلى هذه الطَّريقة الجديدة التي قرَّروا صوغها في قالبهم، فأسَّسوا لهذا الغرض مراكز كثيرة باسم الكلِّيَّات، والجامعات"([7]). وطبَّقوا فيها مناهجهم التَّعليميَّة مع أنَّ "قادة التَّربية والتَّعليم في الغرب لا يرون استيراد منهجٍ تعليميٍّ من بلد إلى بلد، ولو كانا يلتقيان على العقيدة، والفكرة الأساسيَّة في الاجتماع، والنَّظرة الواحدة إلى الإنسان والحياة والكون، فلا تفكِّر إنجلترا في استعارة المناهج التَّعليميَّة، والنَّظريَّات التربويَّة من فرنسا، ولا فرنسا من إنجلترا.."([8]). وكذلك "رفضت البلاد السُّوفيتيَّة الأخذ بمبدأ التَّعليم والتَّربية كمبدأ عامٍّ.. ولم تسمح باستيراد منهج من مناهج التَّعليم في خارج المعسكر الشُّيوعي. ولا بإدخال العلوم والآداب التي نشأت في حضانة المربِّين البرجوازيين والارستقراطيين، كما تقول اللغة السُّوفييتيَّة.."([9]). 4 ـ حركة التَّجديد أو التّقريب :يرى الشَّيخ أنَّ من أسباب غياب التَّربية الإسلاميَّة عن الأقطار والمجتمعات الإسلاميَّة "حركة التَّجديد والتَّغريب في العالم الإسلاميِّ"([10]) ، نتيجة: أ ـ لنظام التَّعليم الغربيِّ([11]). ب ـ للمستشرقين ونفوذهم في ميدان التَّفكير([12]). ج ـ لجهود طلائع المتخرِّجين في أوروبا من أبناء المسلمين([13]). د ـ لفتنة بعض القيادات الفكريَّة والسِّياسِيَّة بحضارة الغرب([14]). القسم الثاني - الأسباب الداخلية :يكشف الشَّيخ عن الأسباب الدَّاخليَّة التي شاركت في غياب التَّربية الإسلاميَّة عن الأقطار والمجتمعات الإسلاميَّة، نذكر منها- بإيجاز- ما يلي: 1 ـ تخلُّف العلوم الإسلاميَّة ، وركود الفكر الإسلامي :يقول الشَّيخ: "ومن العوامل التي أثَّرت في انسياق الطَّبقة المثقَّفة في العالم الإسلاميِّ، وقادته- الذين بأيديهم زمام الحكم- مع الحضارة الغربيَّة، وبُعدهم عن الدِّين، وانصرافِهم عنه، ذلك الجمودُ العقليُّ، والرُّكود الفكريُّ، الذي طرأ على مراكز العلوم الإسلاميَّة، وعلى علمائها من مدَّة طويلة، ومن أجل ذلك عجزت هذه العلوم الحافلة بالحياة والرُّوح، الصَّالحة للنُّمو والازدهار، عن إقامة برهان على صلاحيَّتها التي تتدفَّق بها، ومسايرتها مع الحياة المتطوِّرة، وذلك في عصر كانت حاجتها إلى ذلك أشدُّ وأعظم من حاجة كلِّ عصر.."([15]). 2 ـ ضعف حال المسلمين :تفيد كتابات الشَّيخ ومحاضراته أنَّ من الأسباب التي ساعدت على غياب التَّربية الإسلاميَّة، وانتصار أعدائهم عليهم "حال المسلمين في القرون الأخيرة.. فلم يزدد المسلمون إلا ضعفاً، ولم تزدد أخلاقهم على مرِّ الأيام إلا انحطاطاً وتدهوراً، ولا أحوالهم وشؤونهم إلا فساداً، حتى أصبحوا في فجر القرن الرابع عشر الهجريِّ أمَّة جوفاء، لا روح فيها ولا دم، وصاروا كصرح عظيم من خشب منخور قائم، لا يزال يؤوي النَّاس ويهول من بعيد، أو كدوحة قد تآكلت جذورها، ونُخر جذعها العظيم، ولم تنقلع بعد، وأصبحت بلادهم مالاً سائباً لا مانع له، وأصبحت دولتهم فريسة لكلِّ مفترس، وطعمة لكلِّ آكلٍ.."([16]). 3 ـ ابتلاء المسلمين بالشَّكِّ ، والذُّلِّ النَّفسيِّ :يقول الشَّيخ "فتَّش عقلاؤهم- أي عقلاء الأعداء- عن منابع القوَّة الكامنة في نفوس المسلمين، وقلوبهم فوجدوا أنَّ أكبر منبع للقوَّة والحياة هو (الإيمان).. فعادوه وسلطوا على المسلمين عدوين هما أفتك بهم، وأضرُّ من المغول والتَّتر، ومن الوباء الفاتك، الأوَّل: هو الشَّكُّ وضعف اليقين الذي لا شيء أدعى للضَّعف والجبن منه، والثَّاني: ما يعبَّر عنه بالذُّلِّ النَّفسيِّ، وهو أن صار المسلمون يشعرون بالذِّلة والهوان في داخل أنفسهم، وفي أعماق قلوبهم، ويزدرون كلَّ ما يتَّصل بهم من دينٍ وتهذيب وأخلاق، ويستحيون من أنفسهم، ويؤمنون بفضل الأوروبيِّين في كلِّ شيء، ويعتقدون فيه كلَّ خير.. وإذا تمكَّن هذا الذُّلُّ من نفوس أمَّة، فقد ماتت وإن كانت تراها تغدو وتروح، وتأكل وتعيش..([17])، ولاشكَّ أنَّ هذا جعل نفوسهم ضعيفةً أمام الحضارة الغربيَّة، مستسلمة لمفاهيمها ومبادئها ونظمها التَّعليميَّة والتربويَّة وموادها الدِّراسيَّة، وكتبها.. الخ، ممَّا أدَّى إلى غياب التَّربية الإسلاميَّة. 4 ـ معارضة بعض المربِّين تطوير نظام التَّعليم الإسلاميِّ :تفيد بعض كتابات الشَّيخ أنَّ من الأسباب التي دعت المسؤولين المثقَّفين إلى الانسياق إلى نظام التَّعليم الغربي الذي أدَّى إلى غياب التَّربية الإسلاميَّة، معارضة بعض العلماء المربِّين المسلمين- خشية من الحضارة الغربيَّة ونظامها التَّعليمي- تطوير نظام التَّعليم الإسلاميِّ في مؤسَّساتهم ومراكزهم التَّعليميَّة، ويمثِّل هذه القيادات، علماء الدِّين، الذين لم يمكِّنهم "جوُّهم الخاصُّ الذي عاشوا فيه، وثقافتهم القديمة، من السَّيطرة على هذه الحضارة الغربيَّة والثَّقافة الجديدة، وقيادتها إلى ناحية جديَّة، مجدية، تعود على الإسلام والمسلمين بالنفع والقوَّة.."([18]). الثاني عشر- نتائج غياب التَّربية الإسلاميَّة- أو تطبيق نظام التَّعليم الغربي:وضع الشَّيخ في كتاب "التَّربية الإسلاميَّة الحرَّة" فصلاً بعنوان "صوغ نظام التربيَّة والتَّعليم من جديد"([19])، وكان أوَّل ما بحث فيه "نتائج تطبيق النِّظام التَّعليميِّ الغربيِّ في الشَّرق الإسلاميِّ"([20])، ليصل في النِّهاية إلى تقرير أنَّه "لابدَّ من بدء عملِيَّة تطوير المناهج لهذا الغرض،- نداء الوقت وحاجة العالم المعاصر- وسبك منهجٍ تعليميٍّ جديد، يتغلغل في أحشائه الإيمان بالله، ويسيطر على جميع فروعه وجزئياته، في الأوساط العلميَّة في الشَّرق"([21]). وسنذكر هنا بإيجاز بعض هذه النَّتائج التي جاءت في هذا الفصل([22]): 1- روح نظام التَّعليم وضميره- الذي يطبَّق في العالم الإسلاميِّ- ظلٌّ لعقائد واضعيه الغربيِّين، ونفسيَّتهم، وغايتهم من العلم ودراسة الكون، ووجهة النَّظر إلى الحياة، ومظهراً لأخلاقهم. 2- نظام التَّعليم الغربيِّ يختلف في "الأساس، والقيمة، والمعيار" عن نظام التَّعليم الإسلاميِّ. 3- تطبيق نظام التَّعليم الغربيِّ في البلاد المسلمة أدَّى إلى "صراع عقليٍ.. تزعزعِ العقيدة.. الرِّدَّةِ الفكريَّة.. الرِّدَّةِ الدِّينِيَّة". 4- أثَّرت أجزاء برامج التَّعليم الغربيَّة في عقول الطَّلبة، ونفسيَّاتهم، وصياغتهم.. 5- ما حدث في الطَّلبة كان نتيجة تخطيط قادة الفكر الغربيِّ، والدَّعوة إلى التَّجديد والتَّغريب. 6- نظام التَّعليم الغربيِّ بمجمله كان "مؤامرة دقيقة لإبادة العنصر الإسلاميِّ"، قتل في الأمَّة دينها، وخلقها، ومروءتها، ورجولتها، وغيَّر فيها عقليَّتها، ومفاهيمها، وقيمها، وأساليب التَّفكير فيها. 7- اعتراف (سميث) بالتَّأثير العقليِّ الذي يتركه التَّعليم الغربيُّ الحديث، ومراكزه في العالم الإسلاميِّ، فقبلت "الحريَّة والإباحيَّة التي تسود اليوم في العالم الإسلاميِّ". 8- ذكر الشَّيخ عدداً كبيراً من مفاهيم الغرب وقيمه التي هي من "ظلال التَّفكير الغربيِّ في الجيل المثقَّف الحديث" من نحو: الدِّين قضيَّة شخصيَّة، فصل الدِّين عن الدَّولة، حرِّيَّة المرأة، محاربة الحجاب، صرف النَّظر عن الرِّبا والخمر والميسر، والعلاقات الجنسيَّة المنطلقة.. 9- مأساة العالم الإسلاميِّ الكبرى.. أن تظلَّ الأقطارُ الإسلاميَّة وحدها في فوضى تعليميَّة، وغموضٍ والتباسٍ، بل في تناقضٍ ومصارعة. وأجد أنَّ ممَّا يتَّصل بنتائج غياب التَّربية الإسلاميَّة، أو تطبيق نظام التَّعليم الغربيِّ ما جاء في "نظرة محمد إقبال إلى نظام التَّعليم العصريِّ ومراكزه([23])، التي ضمَّها الشَّيخُ إلى كتابه "التربية الإسلاميَّة الحرَّة"، وسأذكر منها مختصراً ما يتعلَّق بجنايات المدرسة- كما يراها محمد إقبال -، وعرضها الشَّيخ: 1- جناية النِّظام العظيمة هي: العناية بتربية العقل، واللسان، دون القلب والعاطفة والأخلاق، "فنشأ جيل غير متوازن القوى". 2- من مآخذ محمد إقبال على التَّعليم أنَّه بعث على "التعطل وحبّ الهدوء والرّاحة" وأنَّه مصاب "بالتقليد والجمود" مجرَّد "من الابتكار والاجتهاد". 3- يرى محمد إقبال أنَّ هذا الجيل قائم بنفسه، ويفكّر بعقله، أنَّه يعتقد أنَّه ظلّ لأوروبا، وأنَّ حياته عارية من الغرب". 4- يرى محمد إقبال "أنَّ نظام التَّعليم الغربي قد أضعف الرُّوح المعنويّة في الشَّباب المسلم، وجنى على رجولته جناية عظيمة..". وسأعرض هنا أخيراً بعض آثار غياب التَّربية الإسلاميَّة، أو تطبيق نظام التَّعليم الغربي التي أجدُها في كتابات الشَّيخ ومحاضراته وخطبه- مع مراعاة عدم التَّكرار مع ما سبق -: 1- وقوع فجوة بين الإسلام والمسلمين([24]). 2- طغيان المادِّيَّة والأنانيَّة([25]). 3- حبُّ الدُّنيا، وتقديمها على العقيدة([26]). 4- حياة البذخ والتَّرف، والتَّسابق في الفخر والزِّينة([27]). الثّالث عشر : حلول مشكلات "نتائج غياب التربية الإسلامية" أو تطبيق نظام التعليم الغربي:يهتمُّ الشَّيخ في كتاباته ومحاضراته وخطبه أن يلفت نظر المسؤولين عن التَّربية والتَّعليم والقادة والحُكَّام إلى الحلول التي ينبغي أن يؤخذ بها للقضاء على المشكلات "النَّتائج" التي أفرزها غياب التَّربية الإسلاميَّة، أو تطبيق نظام التَّعليم الغربيِّ في الأقطار والمجتمعات الإسلاميَّة. ومن هذه الحلول ما يلي: 1 - إعادة نظام التَّعليم الإسلاميِّ- أسلمة نظام التَّعليم -:يؤكِّد الشَّيخ أنَّ السَّبيل الأهمَّ لحلِّ مشكلات "غياب التَّربية الإسلاميَّة" ".. مهما تعقَّد وطال، واحتاج إلى الصَّبر والمثابرة، ليس إلا أن يصاغ هذا النِّظام التَّعليميُّ، صوغاً جديداً، ويلائم بعقائد الأمَّة المسلمة ومعوقات حياتها، وأهدافها، وحاجاتها، ويخرج من جميع مواد روح المادِّيَّة، والتَّمرُّد على الله، والثَّورة على القيم الخلقيَّة والرُّوحِيَّة وتعبُّد الجسم والمادَّة، وينفخ فيه روح التَّقوى، والإنابة إلى الله، وتقدير الآخرة، والعطف على الإنسانيَّة.."([28])، ويعبِّر الشَّيخ عن ذلك في إحدى محاضراته بقوله: "قلب نظام التَّربية والتَّعليم المستورد من الغرب، المنتشر السَّائد في العالم الإسلاميِّ، رأساً على عقب، وصوغه صوغاً إسلامياً جديداً.."([29])، لأنَّ ذلك هو السَّبيل "لنقل مركز التَّوجيه من الغرب إلى الشَّرق.. وإقصاء جميع العناصر التي تُفقِد الثِّقةَ بصلاحيَّة الإسلام، وخلود رسالته، وتُحدِثُ البلبلةَ الفكريَّة، والاضطرابَ العقائديَّ، والتَّناقضَ في الحياة والنِّفاقَ وسوءَ الأخلاق، ونقل مركز عمليَّة التَّكوين الفكريِّ والتَّثقيف العاليِّ من الغرب المحارب للإسلام، والمتحرِّر من ربقة الدِّين، الثائرِ على القيم الخلقيَّة إلى الشَّرق الإسلاميِّ، ومن أساتذة ومربين مشكِّكين إلى أساتذة ومربِّين مؤمنين متديِّنين"([30]). 2 - القضاء على ازدواجيَّة التَّعليم :يرى الشَّيخ وجوب القضاء على ازدواجيَّة التَّعليم، لأنَّ "العلم وحدة لا تتجزَّأ ولا تقبل التَّوزيع والتَّصنيف"([31])، ولأنَّ هذه الازدواجيَّة هي السَّبب الأكبر في الحيرة التي يعيشها الشَّباب.. فهنالك تناقض في المواد الدِّراسيَّة.. إنَّ هذا يحتاج إلى قلب نظام التَّعليم رأساً على عقب يعني إحداث نظام تعليميٍّ كوحدة متكاملة متناسقة.. ويحتاج إلى أناس عندهم الأصالة الفكريَّة.. إنَّه يحتاج إلى الاجتهاد في المواد الدِّراسيَّة، وهذا يحتاج إلى مشاريع عملاقة.. تتبنَّاها الحكومات الإسلاميَّة، والمجامع الإسلاميَّة.."([32]). 3 - تربية فريق للبعث الإسلاميِّ الجديد :يرى الشَّيخ أنَّ ممَّا تحتاج الأقطار والمجتمعات الإسلاميَّة فريق إنقاذ ليقود عمليَّة البعث الإسلاميِّ الجديد، ويتمُّ هذا بتربية ".. فريق يتجرَّد عن المطامع، ويخلص للدَّعوة، ويبتعد عن كلِّ ما يوهم بأنَّ همَّه الدُّنيا والمادَّة، والتَّغلُّب على الحكومة، لنفسه أو عشيرته، أو حزبه يحل العُقَد النَّفسيَّة والعقليَّة التي أحدثتها الثَّقافة الغربيَّة، أو أخطاء رجال الدِّين.."([33]). 4 - إيجاد الوعي في الأمَّة الإسلاميَّة ، ونشره بين أفرادها :يرى الشَّيخ خطورة "فقدان الوعي في الأمَّة، واقتناعها بكلِّ دعوة، واندفاعها إلى كلِّ موجِّه، وخضوعها لكلِّ متسلِّط، وسكوتها على كلِّ فظيعة.. وأن تلدغ من جحر مرَّة بعد مرَّة، ولا تنصحها الحوادث، ولا تردَعُها التَّجارب، ويؤكِّد الشَّيخ أنَّ من أعظم ما تخدم به هذه الأمَّة.. هو إيجاد الوعي في طبقاتها، ودهمائها، وتربية الجماهير التَّربية العقليَّة والمدنيَّة والسِّياسِيَّة، ولا يخفى أنَّ الوعي غير فشوِّالتَّعليم، وزوال الأمِّيَّة، وإن كانت هذه الأخيرة من أنجح وسائلها.."([34]). ويرى الشَّيخ أنَّ هذا ما كان "يمتاز به المجتمع الإسلاميُّ الأوَّلُ، المثاليُّ الصَّحابة- y- بفضل التَّربية النَّبويَّة، الدَّقيقة الشَّاملة.."([35]). 5 - إعادة الثِّقة بالإسلام ، وصلاحيَّته للقيادة والتَّوجيه :يرى الشَّيخ أنَّ ممَّا ينبغي أن يعمل على تحقيقه بالمجتمعات الإسلاميَّة لحل مشكلات غياب التَّربية الإسلاميَّة، أو آثار تطبيق نظام التَّعليم الغربيِّ "إعادة الثِّقة في نفوس الطَّبقة المثقَّفة ومن بيدهم القيادة الفكريَّة والتربويَّة والإعلاميَّة في البلاد والحكومات الإسلاميَّة، بصلاحيَّة الإسلام، وقدرته لا على مسايرة العصر وتطوراته وتحقيق مطالبه- فحسب- بل على قيادة الرَّكب البشريِّ إلى الغاية المثلى، وتجديف سفينة الحياة إلى برِّ السَّلام والسَّعادة، وإنقاذ المجتمع البشريِّ من الانهيار، والانتحار الذي تعرَّض لهما تحت القيادة الغربيَّة الخرقاء.. إنَّ ضعف هذه الثِّقة أو فقْدَها هو داء هذه الطَّبقة المثقَّفة النَّاشئة في أحضان الثَّقافة الغربيَّة، أو تحت ضغطها، وهو المسؤول عن كلِّ تصرُّفاتها، وسبب الرِّدَّة الفكريَّة، والحضاريَّة التَّشريعيَّة.."([36]). 6 - عدم إخضاع حقائق الدِّين ومفاهيمه للتَّصوُّرات الغربيَّة :يرى الشَّيخ أنَّ من واجبات علماء الدِّين، وأساتذة الجامعات، والمربِّين، تربية الدُّعاة، والدَّارسين والنَّاشئين على ضرورة "صيانة الحقائق الدِّينِيَّة، والمفاهيم الإسلاميَّة، من التَّحريف وإخضاعها للتَّصوُّرات العصريَّة الغربيَّة، أو المصطلحات السِّياسِيَّة والاقتصاديَّة، والبحث عن تفسير الإسلام تفسيراً سياسياً، والمغالاة في تنظير الإسلام، ووضعه على مستوى الفلسفات العصريَّة، والنُّظم الإنسانيَّة، لأنَّ هذه الحقائق الدِّينِيَّة هي أساس الإسلام الدَّائم، والأصل الذي منه البداية وإليه النَّهاية.."([37])، ويرى الشَّيخ أنَّ في "إخضاعها للتَّصوُّرات الحديثة، أو تفسيرها بالمصطلحات الأجنبيَّة، إساءة إليها لا إحسان، وإضعاف لها لا تقوية، وتعريضاً للخطر لا حصانة، ونزولاً بها إلى المستوى الوطيء المنخفض لا رفعاً لشأنها كما يتصوَّر كثير من النَّاس"([38]). 7 - الاستفادة من حضارة الغرب على الوجه المشروع :يرى الشَّيخ أنَّ من حلول مشكلات غياب التَّربية الإسلاميَّة، الاستفادة من حضارة الغرب على الوجه المشروع، ويؤكِّد أنَّ إبرازه لمخاطر هذه الحضارة على الشخصيَّة الإسلاميَّة، وكيان الأمَّة المسلمة لا يقصد منه ".. تحريم الاستفادة من الحضارة الغربيَّة في مرافق الحياة، واقتباس بعض ما توصَّل إليه العلم والصَّناعة، والاختراع في الغرب من وسائل لتسهيل وترفيه، وإغلاق الباب على مصراعيه، فإنَّ ذلك لا يقوله عاقل فضلاً عن مطَّلعٍ على روح الدِّين وتعاليمه، والإسلام لم يزل ولا يزال واسع الأفق، متفتِّح القلب والنَّظر في الاستفادة بكلِّ ما يصلح وينفع.."([39])، ونجد الشَّيخ يوجِّه المسؤولين والقادة إلى وجوب "معادلة الحضارة الغربيَّة، بعلومها، ونظرياتها، واكتشافاتها، وطاقاتها، كمواد خام، يصوغ منها قادة الفكر، وولاة الأمور في العالم الإسلاميِّ، حضارةً قويَّة عصريَّة، مؤسَّسةً على الإيمان والأخلاق، والتَّقوى والرَّحمة، والعدل في جانب، وعلى القوَّة والإنتاج، والرَّفاهيَّة وحب الابتكار في جانب آخر، يأخذون من علوم الغرب ما تفتقر إليه أمَّتُهم، وبلادهم، وما ينفع عملياً وما ليس عليه طابع غرب وشرق، ويستغنون عن غيره، ويعاملون الغرب كزميل وقرين.."([40]). 8 - وجود علماء ربَّانيِّين مربِّين ، والاستفادة منهم :نجد عند الشَّيخ اهتماماً وتأكيداً على التَّعريف بالدَّور الإيجابيِّ الذي يقوم به العلماء الرَّبانيُّون المربُّون في حياة الأمَّة المسلمة، وأفرادها، وبخاصَّة عندما تقع فريسة التَّخلُّف الدِّينيِّ، أو الاجتماعيِّ، أو السِّياسيِّ، ولذا ليس غريباً أن يؤكِّد أهميَّة وجودهم في هذا القرن الخامس عشر الهجريِّ الجديد، وقد وقع المسلمون فريسة الحضارة الغربيَّة ونظامها التَّعليميِّ، وغياب التَّربية الإسلاميَّة، يقول: "وبالمناسبة من أشدِّ حاجات المجتمع الإسلاميِّ الدَّائمة، وجود ربَّانيين صادقين، متَّبعين لا مبتدعين، راسخين في العلم والدِّين، يربطون القلوب بالله- عند النَّكسة التي تصاب الحكومات الإسلاميَّة بها، أو فتنة المادَّة والشَّهوات، والتَّنافس في البذخ والثَّراء التي تمنى بها المجتمعات المسلمة- ربطاً وثيقاً جديداً، ويبعثون في النُّفوس التَّسامي عن الأغراض الخسيسة، والتَّكالب على حطام الدُّنيا، ويكرهون إليها الحياة الذَّليلة، والمتعة الرَّخيصة، والخضوع المستكين للسُّلطات والثَّروات، وبيع الضَّمائر والذِّمم، ويحببون إليها الاستماتة في سبيل العقيدة والمبدأ، والشَّهادة في سبيل الله، ويحاربون اليأس القاتل، ويجدِّدون الأمل في روح الله ونصره، ويشتغلون بالدَّعوة إلى الله، وتربية النُّفوس.."([41]). 9 - أهميَّة المعلِّمين المسلمين المؤمنين بالتَّربية الإسلاميَّة :سنتحدَّث عن ذلك في الفقرة التَّالية : ـ الرابع عشر- المعلم المسلم ، المؤمن بالتربية الإسلامية :نجد في كتابات الشَّيخ ومحاضراته وخطبه ما يفيد شدَّة إيمانه بأهميَّة المعلِّم المسلم المؤمن بالتَّربية الإسلاميَّة، وأغراضها، وأهدافها، ومبادئها، وقيمها ومفاهيمها، في العمليَّة التربويَّة التَّعليميَّة، دوره، وصفاته التي ينبغي أن يتحلَّى بها، وهذا ما نذكره هنا باختصار: 1ـ يؤكِّد الشَّيخ أنَّ كلَّ ما يقال عن مبادئ وأسُس التَّربية والتَّعليم التي يجب أن تطبَّق في الأقطار الإسلاميَّة- كي تحلَّ مشكلاته النَّاجمة عن غياب التَّربية الإسلاميَّة، والأخذ بنظام التَّعليم الغربيِّ- يتوقَّف على نوعيَّة المعلِّمين، يقول: "ولكن كل ما قلناه في التَّربية والتَّعليم يتوقَّف على وجود معلِّمين، يؤمنون بهذه المبادئ والعقائد، والغايات، ويخلصون لها كلَّ الإخلاص، ويدعون إليها بإيمان وحكمة، وتكون حياتهم خير مثال لما يدْعون إليه"([42])، ونجده يقول- أيضاً- "ومفتاح المفاتيح في هذه الجامعة الإسلاميَّة، وجود أساتذة يجمعون بين الإيمان القوي الرَّاسخ، والعلم العميق الواسع، ويجمعون بين القدوة الصَّالحة، وبين دراسات واسعة، يتضلَّعون من القديم، ويفهمون روح العصر الحديث، ومشكلات الشَّباب ونفسيَّتهم، وطرق حلِّها، متصلِّبون في الأصول، متوسِّطون في الفروع، يتورَّعون في دينهم عن المداهنة، وفي العلوم عن الجمود وضيق التَّفكير، أخذوا من القديم الرُّسوخَ والتَّبحُّر في العلم، ومن الجديد الاستطلاع، وحبَّ الواقعيَّة.."([43]). 2 ـ يرى الشَّيخ أنَّ المعلِّمين- إذا أحسن اختيارهم- يمكنهم أن يقوموا بمهام "مجمع علميٍّ إسلاميٍّ"- عند عدم وجوده -، وهذا ما ينبغي أن يحرص عليه في نظام التَّعليم الإسلاميِّ، يقول: "ولكنَّنا إذا فاتنا هذا العمل الجليل في الماضي- أي إقامة مجمع علمي إسلامي -، ولا نستطيع أن نوقف عمليَّة التَّربية، ونعطِّل جهاز التَّعليم، فيمكن أن يتدارك ذلك- إلى حدٍّ مَّا- باختيار أساتذةٍ يجمعون بين متانة العقيدة، والاقتناع بالإسلام كدينٍ خالد أبديٍّ، وبين الاطِّلاع الواسع العميق على العلم الحديث.. ما أحوج هذه الجامعة إلى هذا الضَّرب من العلماء، وما أحسن أثرهم على شباب الجامعة، وما أعظم دوره الذي يمثِّلونه في تكوين العقليَّة الجديدة، وتكوين الجيل الإسلاميِّ الجديد.."([44]). 3 ـ يشير الشَّيخ إلى أنَّ عمليَّة اختيار المعلِّمين الذين سيشاركون في تطبيق نظام التَّربية الإسلاميَّة، عوضاً عن نظام التَّعليم الغربي ليست عمليَّةً بسيطة وسهلة، ولا يجوز أن تتمَّ وفق معايير علماء التَّربية الغربيِّين فقط، وإنَّما لابدَّ من مراعاة معايير أخرى تهتمُّ بها التَّربية الإسلاميَّة، يقول الشَّيخ: "إذاً قضيَّة اختيار المعلِّمين ليست بسيطة سهلة، كما يظنُّ كثيرٌ من رجال المعارف، ليس أساسه العلم وحده، والمقدرة التَّعليميَّة، والمؤهِّلات العلميَّة فحسب، بل يجب أن تكون للسِّيرة والخلق، والمبدأ والغاية، والإيمان والعقيدة المكانةُ الأولى، فالأهميَّة الكبرى في اختيار المعلِّم"([45]). 4 ـ يذكر الشَّيخ بعض الصِّفات التي كان يتحلَّى بها- قديماً- المعلِّمون المسلمون، والتي يعوزها النِّظام التَّعليميُّ الإسلاميُّ- حالياً- فذكر منها ما يلي([46]): أ- الإخلاص والإيثار: .. فكانت أغلبيَّتهم تسعى من وراء التَّعلُّم والتَّعليم إلى نيل مرضاة الله، وحصول الثَّواب، والأجر في الآخرة، وكان يعتبر هذا الشُّغل أفضل عبادة، وسعادة عمل لها . . . ب- التَّكريس على العمل: إنَّ انهماك الأساتذة والمعلِّمين في العهد الماضي في تدريسهم، واستغراقهم فيه، كان قد بلغ أقصى حدِّه، لا يمكن تصوُّره بدون مثال، فقد كان التَّعليم والتَّعلُّم غذاء روحياً لهم، وعبادة وورداً لهم، فكانوا يخصِّصون معظم أوقات حياتهم، وجلَّ وقت نهارهم وليلهم للتَّدريس . . . . ج- الصِّلات مع الطَّلبة والعطف عليهم: كانت تقوم صلات وثيقة بين الطَّلبة والأساتذة، وعلاقات لا يوجد لها مثيل في العصر الحاضر، وفي النِّظام التَّعليميِّ المعاصر، فكانت الطَّلبة مثل أولادٍ للأساتذة، بل أعز منهم، يكفلونهم، ويشركونهم في طعامهم . . . د- إصلاح الباطن، والعلاقة مع رجال القلب: وكانت الميزة الخاصَّة التي تجدر بالذِّكر، أنَّ هذا النِّظام والقائمين به، والمسؤولين عنه كانوا رغم انهماكهم بالعلم، وتبحُّرِهم العلميِّ، وحذقهم في الفنِّ، وشعبيَّتهم والاعتراف بعظمتهم وكمالهم لا يغفلون تزكية نفوسهم، وتوثيق علاقتهم مع الله .. كانوا يبحثون عن أصحاب القلب السَّليم، والشُّيوخ الذين يزكُّون أنفسهم، فكانوا يقومون بخدمتهم، ويلازمون صحبتهم، ويحسبون رضاهم، وحبَّهم مكملاً لسعيهم وجهدهم..". الخامس عشر : مفاهيم ومبادئ تربوية :يجد الباحث في كتابات الشَّيخ ومحاضراته وخطبه ورسائله الكثير من المفاهيم، والمبادئ التربويَّة، التي يؤمن بها، ويكشف عنها، ويدعو إليها، وهي نتيجة دراساته الإسلاميَّة، والتربويَّة، والنَّفسيَّة، والاجتماعيَّة، والتَّاريخيَّة، وخبراته العمليَّة التربويَّة والتَّعليميَّة والدَّعَوِيَّة، واستفادته من المعلِّمين الرَّبَّانِيِّين، وشيوخهم، ورجال الفكر والتَّربية والتَّعليم، الذين عايشهم وخالطهم، وأخذ عنهم، أو الذين سمع منهم، وحاورهم. ومن أهمِّ هذه المفاهيم والمبادئ ما يلي: 1- التَّربية والتَّعليم هي الأمانة الأكبر مسؤوليَّة، والأشدُّ خطراً، والأعمق أثراً في مستقبل الأمَّة وحياتها. ( التَّربية الإسلاميَّة الحرَّة. ص 22 ). 2- التَّربية والتَّعليم، وسيلةٌ وليس غايةً. ( التَّربية . . . . ص73 ). 3- ينبغي التَّفريق بين الوسائل والغايات في عملية التَّربية والتَّعليم. (التربية.. ص57). 4- التَّربية الإسلاميَّة علميَّة تحتاج إلى مناخٍ مناسب لتحقيق أهدافها. (العقيدة والعبادة.. ص52- 53). 5- التَّربية لباس يفصَّل على قامة الشَّعب وملامحه. (التَّربية . . . ص 0 ). 6- إنَّ مسألة التَّربية في البلاد الإسلاميَّة، مسألة مستقلَّة، قائمة بذاتها، لأنَّ الأمَّة الإسلاميَّة أمَّة خاصَّة في طبيعتها، ووضعها، هي أمَّةٌ ذات مبدأٍ وعقيدةٍ، ورسالةٍ ودعوةٍ. ( التَّربية . . . ص 7 ). 7- عقيدة التَّوحيد أساس العمليَّة التربويَّة التَّعليميَّة في الأقطار الإسلامية. ( السِّيرةالنَّبويَّة.. ص ). 8- سياسة التَّربية والإعلام، أقوى المؤثِّرات في صياغة الجيل الصَّاعد (أسبوعان . . ص 151). 9- النِّظام التَّعليميُّ ليس بضاعةً تستورد من بلد إلى بلد. ( التَّربية . . . ص 57 ). 10- نظام التَّعليم الإسلامي- التَّربية الإسلاميَّة- أداة لإنشاء الأجيال التي تؤمن بهذا المبدأ، وتدين بهذه العقيدة، وتحمل هذه الرِّسالة، وتؤدِّي هذه الدَّعوة ( التربية… ص 7 ). 11- نظام التَّعليم الأجنبيِّ: كلُّ تعليم لا يؤدي هذا الواجب، أو يقدر بذمته، ويخون في أمانته . . ( التَّربية . . . ص 7 ). 12- العالم الإسلاميُّ بحاجة إلى صوغِ نظام التَّربية والتَّعليم من جديد، يلائم عقيدة الأمَّة المسلمة، ومقومات حياتها. (التَّربية . . . ص 23). 13- الجزيرة العربيَّة عاصمة الإسلام، لا يجوز أن يطبَّق فيها غير التَّربية الإسلاميَّة، ومن لا يقبل ذلك، فليغادرها. ( التَّربية . . . ص 85 ). 14- العالم المعاصر بحاجة شديدة للتَّربية الإسلاميَّة. (التَّربية . . . ص40). 15- نحتاج إلى فكر تربويٍّ تعليميٍّ يجمع بين القديم الصَّالح، والجديد النافع، وبين التَّصلُّب في الأصول والغايات، والتَّوسُّع والمرونة في الفروع والآلات. ( ندوة العلماء مدرسة . . . ص 1 ). 16- تحديد أهداف المؤسَّسة التَّعليميَّة ضرورة، لأنَّها يدور حولها نظامها، ومفاهيمها، ويقوم عليها جهازها العظيم، ولها يخضع كلُّ شيء في المؤسَّسة، الكتب، والنُّظم، والأساتذة. . . الخ (التَّربية . . . ص 89 ). 17- من أهداف "التَّربية الإسلاميَّة"، تعريف الطَّلبة رسالتهم، وأنَّهم يتعلَّمون ليستحقُّوا سعادة الدُّنيا والآخرة، وينقذوا أنفسهم وأهليهم من النَّار، وسخط الخالق، والحياة الجاهليَّة، ويُخرجوا النَّاس من الظُّلمات إلى النُّور . . . وليرفعوا رايتهم، وقيمة علمهم، والتَّشبُّع بروح الدَّعوة، والاختلاط بالشَّعب. ( التَّربية . . . ص 16 ). 18- ينبغي أن يكون في التَّدريس نصيبٌ للقلب، مثل نصيب العقل، أو أكثر، فذلك الذي يزكِّي النُّفوس، ويولِّد الخشوع، والإنابة إلى الله، واتهام النَّفس. ( مذكِّرات سائح . . . ص30 ). 19- لا قيمة لتعليم يخفق في بناء الأخلاق والقيم. (التَّربية . . . ص 80). 20- مناهج التَّعليم، الأهداف، العلوم، الكتب، الوسائل. . . لها روح وضمير، كالكائنات الحيَّة. ( التَّربية . . . ص 10 ). 21- مناهج التَّعليم الإسلاميِّ، التَّربية الإسلاميَّة، حاجة أولى من حاجات البلاد الإسلاميَّة، وعمل شاق، يحتاج إلى فريق عمل، متكامل متجانس. ( التَّربية . . . ص 11 ). 22- الدِّين الإسلاميُّ نابع من العلم، فهو وليد المعرفة، والهداية الإلهيَّة، والوحي الإلهي، والعلم الرَّبَّاني. (الطريق إلى السَّعادة . . . ص 91). 23- العلم وحدة لا تتجزَّأ، ولا تقبل التَّوزيع والتَّصنيف، ولا يصحُّ تقسيمه بين قديمٍ وجديدٍ، وشرقيٍّ وغربيٍّ، وعمليٍّ ونظريٍّ، (الطريق إلى السَّعادة . . ص 91 ). 24- أحد دعامتي الحياة الإسلاميَّة الصَّحيحة، منهاج التَّعليم الصَّحيح، الذي يجمع بين العلم المأخوذ من الوحي والنُّبُوَّة، وبين العلوم الطَّبيعيَّة، والمعلومات، والتَّجارب والاكتشافات ( مذكرات سائح . . . ص 80 ). 25- من أهمِّ المواد الدِّراسيَّة في التَّعليم الإسلاميِّ: القرآن الكريم، الحديث النبويُّ، تاريخ الصَّحابة، التربية المعنوية، التربية المدنيَّة، وتضاف في الجامعة فلسفة الشَّريعة، وحكم الشَّريعة، علم الفقه، وأصوله، الأدب العربي، العلوم العصريَّة، السِّياسة الاقتصاديَّة والجغرافيَّة والتَّاريخ، وبعض العلوم الطَّبيعيَّة والعقليَّة (التَّربية . . ص 3 وما بعدها ). 26- قيمة البلد ليست بكثرة جامعاتها ومراكزها التَّعليميَّة، وإنَّما بمقدار تكوين الاختصاصات، والقدرات الممتازة في الدِّراسة والتَّحقيق. (دور الجامعات الإسلامية . . ص 34 ). 27- كلُّ مدرسة لا ينتهي نسبها إلى صفة المسجد النَّبوي- على صاحبها الصَّلاة والسَّلام- لا تستحقُّ أن تسمى مدرسةً. ( الطَّريق إلى السَّعادة . . . ص 21 ). 28- إنَّ مدرسة الإعلام في كلِّ بلد، قد أصبحت أقوى من كلِّ مدرسة، وأوسع من كلِّ مدرسة. ( كيف ينظر المسلمون . . . ص 108 ). 29- للمدرسة الحديثة- التَّربية الحديثة- جنايات عظيمة على أجيال المسلمين. (التَّربية.. ص 43 ). 30- قضيَّة اختيار المعلِّمين هامَّة، وليست سهلة، فأهم معاييرها، السِّيرة والخلق، المبدأ والغاية، الإيمان والعقيدة، العلم والقدرة التَّعليميَّة، المؤهِّلات العلميَّة. (التَّربية ص22). 31- ينبغي مراعاة التيسير والتَّدريج، والحكمة والمصلحة، واستعداد النُّفوس في عمليَّة التَّربية والتَّعليم. ( العقيدة والعبادة . . . ص 37 ). 32- التَّعصُّب اللغويُّ والثَّقافيُّ كارثة. (الإسلام في عالم متغيِّر . . . ص 11). 33- الحقيقة غير الصُّورة، فينبغي تربية المسلمين على حقيقة الإسلام والإيمان، للظَّفر على الحقائق المبثوثة في العالم. ( إلى الإسلام من جديد . . . ص 57 ). 34- من مبادئ التَّربية الإسلاميَّة: الوحدة الإنسانيَّة، والمساواة البشريَّة. ( السِّيرةالنَّبويَّة... ص 544 ). 35- من مبادئ التَّربية الإسلاميَّة: إعلانُ كرامة الإنسان، وسموِّه. (السِّيرةالنَّبويَّة . . . ص 548 ). 36- من مبادئ التَّربية الإسلاميَّة: الجمع بين الدِّين والدُّنيا. (السِّيرةالنَّبويَّة .. ص558). نكتفي بعرض هذه المفاهيم والمبادئ التربويَّة من الكثير الذي يمكن أن يستخرج من ثنايا كتابات الشَّيخ ومحاضراته وخطبه ورسائله، وهي تكشف سعةَ رؤية الشَّيخ التربويَّة، ومدى إحاطته بالكثير من مفاهيمها ومبادئها وأغراضها ومقاصدها الأساسيَّة.
([1]) أهم الكتب التي تناولت هذا الموضوع "التَّربية الإسلاميَّة الحرَّة" و"الصِّراع بين الفكرة الإسلاميَّة، والفكرة الغربية في الأقطار الإسلاميَّة". ([2]) أبو الحسن النَّدْوي- القرن الخامس عشر الهجري . . .- مرجع سابق ، ص 63 . ([3]) أبو الحسن النَّدْوي- الصِّراع بين الفكرة الإسلاميَّة والفكرة الغربية . . .- مرجع سابق ، ص 11- 12 . ([4]) أبو الحسن النَّدْوي- القرن الخامس عشر الهجري . . .- مرجع سابق ، ص 63- 65 . ([5]) أبو الحسن النَّدْوي- التربية الإسلامية الحرَّة- مرجع سابق ، ص 23- 26 . ([6]) المرجع السَّابق ، ص 26- 28 . ([7]) المرجع السَّابق ، ص 30 . ([8]) المرجع السَّابق ، ص 57 . ([9]) المرجع السَّابق ، ص 54- 55 . ([10]) أبو الحسن النَّدْوي- الصِّراع بين الفكرة الإسلامية . . .- مرجع سابق ، ص 177 . ([11]) انظر : المرجع السَّابق ، ص 177- 192 . ([12]) انظر : المرجع السَّابق ، ص 193- 209 . ([13]) انظر: المرجع السَّابق، ص 125- 137 . ([14]) أبو الحسن النَّدْوي- عاصفة يواجهها العالم الإسلامي والعربي- (القاهرة- دار الجهاد ودار الاعتصام) بدون تاريخ ، ص 31 . ([15]) أبو الحسن النَّدْوي- الصِّراع بين الفكرة الإسلاميَّة . . .- مرجع سابق ، ص 209- 216 . ([16]) أبو الحسن النَّدْوي- المد والجزر- مرجع سابق ، ص 38- 39 . ([17]) أبو الحسن النَّدْوي- المد والجزر في تاريخ الإسلام- ط2 (القاهرة- المختار الإسلامي- 1399/1979)، ص40. ([18]) أبو الحسن النَّدْوي- صراع بين الفكرة الإسلامية . . .- مرجع سابق ، ص 74 . ([19]) أبو الحسن النَّدْوي- التربية الإسلامية الحرَّة- مرجع سابق ، ص 23 . ([20]) المرجع السَّابق . ([21]) المرجع السَّابق ، ص 41 . ([22]) علماً أن الشيخ يتناول هذه النّتائج في غير هذا الكتاب، وفي محاضراته وخطبه. ([23]) أبو الحسن النَّدْوي- التربية الإسلامية الحرَّة- مرجع سابق ، ص 43- 48 . ,[24]) انظر : أ ـ أبو الحسن النَّدْوي- خليج بين الإسلام والمسلمين (الهند- دار العلوم ندوة العلماء- 375/995)، ص20- 21 . ب ـ أبو الحسن النَّدْوي- مطالبة القرآن الانقياد التّام والاستسلام الكامل- ط1 (الهند- ندوة العلماء لكنهؤ- 1410/1990) ص 20- 21 . ([25]) انظر:أـ إلى الإسلام من جديد- ط1 (القاهرة-دار النشر المصرية-1330)ص126- 129. ب ـ أبو الحسن النَّدْوي-الطريق إلى السَّعادة والقيادة . .- مرجع سابق ، ص 200 وما بعدها. ([26]) أبو الحسن النَّدْوي- المد والجزر . . .- مرجع سابق ، ص 41 . ([27]) انظر : أ ـ أبو الحسن النَّدْوي- درس من الحوادث (الهند- المجمع الإسلامي العلمي- 1399/1979) ص10-11. ب ـ أبو الحسن النَّدْوي- كيف يستعيد العرب مكانتهم؟ كيف يحافظون عليها؟ ط1 (الهند- ندوة العلماء- لكهنؤ- 1411/1990) ، ص 27 . ([28]) أبو الحسن النَّدْوي- التَّربية الإسلاميَّة الحرَّة- مرجع سابق ، ص 37 . ([29]) أبو الحسن النَّدْوي- القرن الخامس عشر الهجري . . .- مرجع سابق ، ص 76 . ([30]) أبو الحسن النَّدْوي- عاصفة يواجهها . . . " مرجع سابق 38 . ([31]) أبو الحسن النَّدْوي- المجتمع الإسلامي المعاصر: فضله وقيمته، حاجته ومتطلباته، وطريق الانتفاع به، (الهند- ندوة العلماء لكنهؤ- 1410/1989)، ص 28- 29 . ([32]) انظر : - من نهر كابل إلى نهر اليرموك- مرجع سابق ، ص 210- 212 . ([33]) أبو الحسن النَّدْوي- ردة ولا أبا بكر لها- مرجع سابق ، ص 22 . ([34]) أبو الحسن النَّدْوي- كيف يستعيد العرب مكانتهم اللائقة بهم، وكيف يحافظون عليها ، مرجع سابق ، ص 27 وما بعدها . ([35]) أبو الحسن النَّدْوي- الدّعوة إلى الله . . .- مرجع سابق ، ص 8- 9 . ([36]) أبو الحسن النَّدْوي- المجتمع الإسلامي المعاصر . . .- مرجع سابق ، ص 31- 32 . ([37]) المرجع السَّابق ، ص 28- 29 . ([38]) أبو الحسن النَّدْوي- دور الجامعات الإسلامية . . .- مرجع سابق ، ص 29- 30 . ([39]) أبو الحسن النَّدْوي- أهمية الحضارة . . .- مرجع سابق ، ص 27 . ([40]) أبو الحسن النَّدْوي- القرن الخامس عشر الهجري . . .- مرجع سابق ، ص 78- 79 . ([41]) المرجع السَّابق ، ص 36 . ([42]) أبو الحسن النَّدْوي- التربية الإسلامية الحرَّة- مرجع سابق ، ص 99- 100 . ([43]) أبو الحسن النَّدْوي- التربية الإسلامية الحرَّة- مرجع سابق ، ص 99- 100 . ([44]) المرجع السَّابق ، ص 97 . ([45]) أبو الحسن النَّدْوي- التربية الإسلامية الحرَّة- مرجع سابق ، ص 22 . ([46]) أبو الحسن النَّدْوي- المسلمون في الهند- ط2 (الهند- ندوة العلماء لكنهؤ- 396/976) ص 100- 117 . |
|
H E R A A ربيع الأول 13, 1426
عنوان الموقع الرسمي لندوة العلماء بالهند Nadwatul Ulama`s Website http://nadwatululama.orgعنوان البريد الإلكتروني لندوة العلماء E-mail address nadwa@sancharnet.inعنزان البريد الإلكتروني الخاص برئيس ندوة العلماء E-mail address of Nazim Nadwatul Ulama nadwi@nadwi..net.in
|