|
بسم الله الرحمن الرحيم الإسلام فوق القوميات والعصبيات كلمة سماحة الأستاذ أبو الحسن الندوي التي ألقاها في اجتماع الندوة الإسلامية في مكة المكرمة وهي ندوة تأسيس رابطة العالم لإسلامي بمكة المكرمة 14 ذي الحجة / 1381ه 18 أيار / 1962م جمعني الحج سنة 1381هـ –وأنا مقيم في مكة- بأبي الحسن، وبالشيخ المعمر الصالح حسنين مخلوف مفتي مصر الأسبق([1])، والشيخ القلقيلي، الذي كان مفتي الأردن([2])، وكان صديقاً عزيزاً، فدُعينا إلى القصر الملكي في الأبطح أي في (المعابدة)، فاعتذرت على عادتي، ولكن المفتِيَيْنِ وأخي وصديقي الأستاذ االصواف ألزموني الحضور، وكانت جلسة مباركة حضر أولها الملك سعود رحمة الله عليه، ثم تولى رياستها المفتي الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمة الله عليه([3])، فولى إدارتها عنه أخانا أبا الحسن، فبدا لي في ذلك المجلس جانب جديد من عبقريته المتعددة الجنبات لم أكن أعرفه من قبل، وهو أسلوبه في الإدارة، وهو أسلوب (زياد) تشبه فيه بالرجل الذي دعاه رسول الله بالعبقري، ولم يدع بذلك غير عمر بن الخطاب، شدة من غير عنف، ولين من غير ضعف، وأنا أقول من قديم: إن القوة قد تكون مع اللين أكثر مما تكون مع الخشونة، فالفأس على لينها ونعومتها تقطع الحطبة على خشونتها. وكانت هذه الجلسة نواة «رابطة العالم الإسلامي»، وكان هؤلاء الأعضاء هم المؤسِّسين الأولين لها، وكنت واحداً منهم… الأستاذ علي الطنطاوي في تقديمه لكتاب في مسيرة الحياة
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى . . أما بعد : فإنه يحلو لي ويسعدني أن أتحدث عن موضوع الأخوة الإسلامية فوق العصبيات في مكان انطلقت منه هذه الفكرة المقدسة، وهذه الثورة التي غيّرت مجرى التاريخ، وفي أيام نودي فيها بهذا المبدأ فعلى غلوه من هذا المكان الذي نجتمع فيه، سمع الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بأعلى صوته (إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظّمها بالآباء. ألا كلكم من آدم وآدم من تراب لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي إلا بالتقوى. يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا. إن أكرمكم عند الله أتقاكم). لقد كان من أعظم ما أتحف الإسلام به الإنسانية الأخوة التي تقوم على أساس العقيدة والفضيلة والكفاية والكفاح تجمعها كلمة التقوى فكان فتحاً جديداً في تاريخ الإنسانية لقد كانت الجامعات والأخوّات تقوم في الزمن القديم – ولا تزال – على أساس السلالة والنسل، والوطن واللون، والحرفة والصناعة واللغات وذلك كل ما عرفه التاريخ. ولا ظلم أعظم من ذلك. فكانت قوالب من حديد لا مرونة فيها. وكانت جدراناً تحول بين أعضاء الأسرة الإنسانية لا يتخطّاها الإنسان ولا يخرقها وإن كان عملاقاً في العلم والفضل والذكاء والصلاح – وكأنما كتب على الأسر الإنسانية أن تظل موزعة مشتتة متناكرة لأنها تقوم على أسس خارجة من نطاقها باقية معها طول حياتها . . لقد كان هذا التوزيع، وهذه الجامعات الضيقة الصغيرة أقوى عوامل الهدم والتخريب والدمار والشقاء والحروب التي لا آخر لها. وقد كانت كل جامعة نم هذه الجامعات قد أحاطت نفسها بهالة من التقديس والتمجيد القصصي والأساطير وترى لنفسها فضلاً على غيرها يخولها حق الاستعباد والاسترقاق وحق التدمير والتخريب تعتبر نفسها من أشرف المخلوقات وصاحبتها من أحطّ الحيوانات، وتعاملها معاملة الدواب والكلاب. فكانت مذابح هائلة وقسوة فظيعة وسخرة ظالمة ومآسي محزنة ومهازل مخجلة ونشأت عصبيات في داخل العصبيات. وتلك طبيعة العصبيات التي تقوم على أساس غير المبادئ الصالحة وانقسمت الجامعات على نفسها وتكونت فيها جامعات صغيرة ثم تكونت في هذه الجامعات الصغيرة جامعات صغرى قد لا ترى إلا بالمكبرة وحجتها وأساسها حجة الجامعات الأم وأساسها فسلالة أفضل من سلالة والوطن الخاص أفضل من وطن وأبناء قرية أفضل من أبناء بلد وأبناء بلد أحب من أبناء مديرية وأبناء مديرية أعز من أبناء ولاية وهذا كله ما يسوغه منطق الوطنية وتغري به فلسفة تقديس السلالة أو تمجيد الوطن ولون إذا خف في السواد كان أفضل من لون قاتم وأسود حالك أو سواد وإذا أغرق في الحلكة كان أفضل وأدل من سواد يشبه السمرة وأبناء الجد الخامس أفضل من أبناء الجد الثامن والهذليون والناطقون بلغتهم أكرم من بني طيء وبنو عبد شمس أفضل من بني عبد الدار وبنو مخزوم أحق بالسيادة من بني تميم ولكل حجة تعتمد على المآثر والروايات وعلى فلسفة فضل الدم وأصالة النسب وحسن الأرومة وطيب الأعراق وفصاحة اللهجات وهكذا كل حرب على صاحبه. يعامله معاملة العدو البغيض والأجنبي الغريب وأصبح من العسير الشاق إزالة هذه الحواجز وجمع هذه الألوية كلها تحت لواء واحد لواء قبيلة واحد أو شعب واحد فضلاً عن الجامعة الإنسانية التي لم يكن للإنسان القديم أن يحلم بها أو يفكر فيها وأصبح الإنسان يائساً من مستقبله لا يفكر في أفضل من ما هو فيه، لا يسمح المجتمع الهندي ودستوره الذي وضعه الكهنة ورجال الدين أن ينتقل الإنسان من حرفة إلى حرفة أو من طبقة إلى طبقة ولا يسمح القانون الإيراني أن ينتقل إنسان في الإمبراطورية الإيرانية من مجتمع إلى مجتمع آخر ومن مستوى إلى مستوى آخر. وليست الكفايات والمواهب الكفاح في سبيل عقيدة وفضيلة هي القنطرة التي يصل بها الإنسان إلى السعادة بل هي قنطرة الأولاد وقنطرة الدم واللون والنسب التي تصل بالإنسان إلى السعادة، وليست في الحقيقة قناطر وجسور يتدرج عليها الإنسان إلى الرقي والسعادة والتفوق بل هي رافعات تحمل الإنسان من الحضيض إلى السمو طفرة واحدة لا دخل فيها لإرادته ولا لسعيه فإنشاء ذلك في الإنسان اليأس والتشاؤم وعطل ذلك قواه وأخمد همته وجمّد قريحته وأخمد فيه حذوة الذكاء والطموح والتنافس الذي يرجع إليه الفضل في اشتعال المواهب الإنتاج في كل فن من الفنون وفي كل جانب من جوانب الحياة فمصيره معلوم محتوم وحوله خط محدود مرسوم لا يتجاوزه ولا يتخطاه مهما أوتي من النبوغ ومهما تحلى به من الفضائل ومهما تخلق به من أخلاق وفواضل، ومهما كافح في سبيل المجد فابن طبقة هو ابن طبقة وصاحب حرفة هو صاحب حرفة والأسود هو الأسود والأبيض هو الأبيض وجاهل بني ربيعة أكرم من عالم بني تغلب وكل في بني ذويب أفضل من الجواد في بني أسد فكلها حظوظ وجدود جاءت وانحدرت من آباء وجدود. جاء الإسلام وضرب هذا الأساس الذي قام عليه المجتمع الجاهلي الزائف ضربته القاضية الحاسمة المعروفة في التاريخ فنقض هذا الأساس وأسس مجتمعاً جديد على أساس الإيمان والعقيدة وعلى أساس الصلاح والفضيلة على أساس الكفاية والكفاح ونادى بحدة الإنسان وبكرامة الإنسان وبجدارة الإنسان لكل شيء نمرة قال: ] يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً [ ومرة قال: ] ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير من خلقنا تفضيلاً [ ومرة نادى بقوله : ] يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا أن أكرمكم عند الله أتقاكم [ ومرة جهر: ] فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون [ وأعلن أن العمدة والفارق والأساس هو السعي والكفاح وقال: ] ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى [ وأن الفرق في النتائج والجزاء أساسه الفرق في السعر والجدارة ومقدار الكفاح فقال: ] يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات [ وأن السعادة والحياة الطيبة مضمونة لمن أوفى شروطها وأدى حقوقها من أي جنس أو سلالة كان فقال: ] من عمل صالحاً من ذكر وأنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون [. وصرح بأنه ليس الأمر بالأماني والأحلام وبمرد الانتساب إلى أجداد وأديان إنما هو بالعقيدة الصحيحة والعمل الصالح واجتنابه عن المعاصي وأن قانون الجزاء الهي عام شامل لا يميز بين جنس وجنس وسلالة وسلالة وديانة وديانة فقال: ] ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجز به ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيراً [. على هذا الأساس العادل المعقول قام أفضل وأجمل وأكمل مجتمع عرفه التاريخ هو المجتمع الأول الذي أرسى قواعد الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم وأن المقياس فيه التقوى الذي يجمع بين معاني الكفاية والكفاح وكان ذلك مقياس القضاء والزعامة. والرئاسة والشرف وهو آخر مجتمع حكم فيه هذا المقياس وقام المجتمع كله على هذا الأساس، وسمع الناس للمرة الأولى في المجتمع العربي القائم على أساس العربية والفخر بالعنصرية والقرشية سمعوا سيد مضر يقول لفارسي تداولته الأيدي بالاسترقاق والسخرية (سلمان منا أهل البيت) وسمعوا أمير المؤمنين الذي يهابه كسرى وقيصر يقول لعبد حبشي أجحف به الضرب واشتدت به الإهانة (سيدنا بلال) ويعظم سالماً مولى أبي حذيفة ويراه جديراً بالخلافة ويقدم موالي قريش لسابقتهم في الإسلام وحسن بلاءهم في الجهاد على سادة قريش وغطارفتها أبي سفيان والحارث بن هشام وسهيل بن عمرو وعكرمة بن أبي جهل. ولأول مرة في التاريخ ماتت في هذا المجتمع الذي كان يتسع ويتضخم يوماً فيوماً العصبيات الجاهلية القائمة على أساس النسب والدم والعرق واللون والوطن واللغة وتد الهتاف بها والتناصر على أساسها ومحاولة إحياءها رذيلة وإفساداً ورجعة إلى الجاهلية ورجعية فقال القرآن: ] إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية [ وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: ( ليس منا من دعا إلى عصبية وليس منا من قاتل على عصبية وليس منا من مات على عصبته وقال وقد سمع الأنصار يقولون ) يا للأنصار والمهاجرين يقولون يا للمهاجرين اشركوها فإنها منتنة وقد جرى على لسانه وهو مورد الوحي ومعدن الطهر كلمة لم تجر على لسانه في موضوع آخر فقال ولم يقل مثل ذلك قبل ذلك وقال بعد ذلك من تعزّى عليكم بعزاء الجاهلية فاعضوه بهن أبيه ولا تكنوا وتلك نهاية لا ينتظر من نبي أدبه ربه فأحسن تأديبه أكثر من ذلك. وهكذا ظل المجتمع الإنساني قائماً على أساس التقوى وعلى أساس المبدأ والعقيدة يتحكم فيه مقياس الكفاية والكفاح حتى جاء عصر القوميات المشؤوم في أوروبا كانت مرحلة طبيعية في حياتها ومجتمعها فلما انهارت الكنيسة اللاتينية بأخطائها وجناياتها وسفاهتها وتدابير الحركة الاحتجاجية التي قام بها لوثر وبالنهضة العلمية والعقلية التي انبثقت في القرون المظلمة أصبحت الأمم الأوروبية قطعاناً من البقر لا تربط بينها جامعة دينية أو مركز روحي فقد فقدت النصرانية المتعثرة سلطانها على النفوس والرؤوس فلجأت أوروبا بطبيعة الحال إلى قوميات مختلفة تربط بين أفرادها المتشتتين الضائعين وكانت بضاعة المفلس ومأوى الطريد وألهبت بها الشعور السياسي والشعور بالواجب وقوة الدفاع عن البلاد والحمية التي تعتمد عليها، وتلتجئ إليها في الأزمات وأنها ولا شك حصن الأمة التي نضب فيها معين العقيدة والروح وأفلست في مقومات الحياة وانهارت في الأخلاق واستعانت أوروبا الحائرة المضطربة بهذا السلاح حيناً من الدهر فاستعمرت بقوتها أقطاراً شرقية سلطت أبناء جنسها على رقاب المحكومين وكانت هذه القومية تصدر قوتها وسر توحدها وانتظامها في سلك واحد حتى بدأت هذه النزعة تعمل عملها في الداخل وتبيض وتفرخ وانقسمت أوروبا نفسها في معسكرات قومية مختلفة فإنكلترا قومية ومعسكر وألمانيا قومية ومعسكر وفرنسا قومية ومعسكر والمجر قومية ومعسكر والنمسا قومية ومعسكر وهكذا. وجاء اليوم الذي لا مفر منه اليوم الذي تحاربت فيه هذه المعسكرات على نفس أساس القوميات فكانت حروب قبل الحرب العالمية الأولى ولم تكن حرب – مبادئ وعقائده أنها كانت حرب قوميات أنها حملت عليها النعرة القومية والطموح القومي وتلك طبيعة الفلسفة القومية إذ أنه نضجت واختمرت ولا تلام الشجرة على ثمارها الطبيعية. وجاءت الحرب الأولى بويلاتها وما يوم حليمة بسر. ولما خرجت أوروبا من هذه الحرب الأولى مثخنة الجراح منهوكة القوى مرهقة بالديون والتبعات بدأ العقلاء في أوروبا يفكرون ويتحدثون على أساس أوسع من القوميات والوطنيات وبدأ الحديث من ذلك الحين عن الإنسانية – والآفاقية ولكنه حديث خافت محدود كأنه مصباح أهب ضعيف يتراءى من بعيد في صحراء مظلمة. وجاءت الحرب الثانية المدمرة ولم تكن إلا على أسا ما أثارته القومية المتطرفة من الطموح المسرف والمجد الكاذب والمغالطات الخداعة والدعايات الكاذبة واستفزاز الشعور القومي ولما وضعت الحرب أوزارها باضطرار من بعض واختيار من بعض قويت حركة الكراهة والتذمر من القومية وأصبح نوابغ الفكر والحديث والمفكرون الأحرار ينكرون عليها في صراحة وقوة ويدعون إلى الجامعة الإنسانية والرابطة العالمية في علم واستدلال ويؤلفون في ذلك كتباً قيمة ومنهم من يقوم بجولة في الشرق والغرب ويلقي محاضرات تقابل بالترحيب وتقدير عظيم أذكر منهم العالم الإنكليزي الشهير والمؤرخ الكبير توئنبى ومحاضراته في هذا الموضوع لا يزال يسمع لها دوي وصدى في الأوساط العلمية. ونبدأ مع الأسف من حيث تنتهي أوروبا فقد ولى عصر القوميات هناك وبدأ في شرقنا الإسلامي وكنا دائماً في غنى عن هذه القوميات والمعصبات بل كنا وحدنا حاملي راية الثورة على هذه النزعة التي هي أثر من آثار الاجتماع الإنساني القاصر الذي لم يبلغ من الرشد وكان علينا أن نحارب هذه النزعة الممزقة لوحدة الإنسان المفرقة لشمول الأديان وكان العمود إليها أو الدعوة إليها عوداً إلى عصر الجهالة والشقاء ورجوعاً بالإنسانية والمدنية إلى الوراء وكفر بنعمة الله التي أنعم الله بها على المسلمين وأغناهم بها عن روابط محمودة ضيقة مصطنعة مفرقة بين الأمم باعثة للأنانيات مثير للشهرات سطحية لا تملك قداسة عقيدة ولا قوة عاطفة ولا تستطيع أن تجمع بين شعوب مختلفة أو بلاد متفرقة وقد ثبت إخفاقها في محاولة الجمع بين شعوب تتكلم بلغة واحدة وتدين بدين واحد وتجتمع في قضايا كثيرة وعددها مشترك أما قوة الجامعة الإسلامية ومتانة الأخوة الإسلامية فلا تحتاج إلى دليل والتاريخ كله مليء بمعجزات هذه القوة وروائعها قد استطاع صلاح الدين الأيوبي وهو زعيم الجهاد الإسلامي وكردي من أصل – عجمي أن يجتمع تحت رايته العرب والأكراد والمصريين والسوريين والسودانيين وغيرهم من الأجناس وسلالات ويثير فيهم روح النجدة الإسلامية والحماسة الدينية واستبسلوا في سبيل الشهادة ودفع الصليبيين عن الأراضي المقدسة ولم تظهر ثورة أو جموح أو عصيان أو ضجر في جانب من جوانب معسكره العالمي العظيم الذي كان يجمع خليطاً من البشر وهيئة من الأمم وليس الرابطة بينهم إلا العقيدة والحماسة الدينية حسبنا هذا المثال الرائع الذي لا يزال العالم الإسلامي يغتبط به. والذي يحدث العرب باحتضان هذه الديانة الجديدة أو الفلسفة الجديدة يسيء إليهم إساءة لا نظير لها في التاريخ فإنه يحاول أن يقطع صلتهم عن هذا العالم الفسيح الذي يدين بحبهم ويؤمن بإمامتهم إرضاء لأقلية غير مسلمة تعيش في العالم العربي والأقلية المسلمة في الهند وحدها تبلغ عدد أفرادها أربعين مليوناً تفوقها بأضعاف فضلاً عن عدد المسلمين في باكستان وإندونوسيا وفي غيرهما من الأقطار وتلك مساومة خسارة العرب فيها محققة وواضحة ويعطى دعاة القومية المتطرفة في الهند وفي تركيا وفي غيرهما من البلاد ويعطى دعاة الجاهلية في بلاد شرقية كثيرة حجة يقيمونها على المسلمين الذين لا يزالون متمسكين بالجامعة الإسلامية ولا يزالون ينظرون إلى الجزيرة العربية كمركز روحي ومصدر إلهام ويفت في عزم المسلمين ويحرج موقفهم مع دعاة القومية في بلادهم ويفقد العرب شخصيتهم العالمية الرئيسية التي منحهم الإسلام إياها والتي تمتعوا بها إلى مدة طويلة ويجعلهم ينطوون على نفوسهم ويعيشون في عزلة عن العالم وعن قضاياهم الكبرى ثم ينقسمون على نفوسهم ويتوزعون في معسكرات صغيرة وتنشأ قوميات في ضمن قوميات ووحدات في بطن وحدات وتلك طبيعة القومية لا تستطيع أن تسد أبواب القوميات الصغيرة بل هي التي تفتحها وتمهد المعقول وتثير العواطف للاستقلال واستغلال نفس المبدأ ونفس الطريق. لقد كان غير متوقع وأبعد من كل قياس أن تنهض دعوة القومية والعصبيات الجاهلية في بلد عربي وهو البلد الذي تزعم الدعوة الإسلامية ودعا إلى الجامعة الإسلامية ولكن إذ وقع هذا ليعيد الغير المتوقع فعلى الجزيرة العربية وعلى بلد هو مهبط الوحي ومطلع النور ومعقل الإسلام أن يحارب هذه الدعوة الهدامة بكل قولته وعزمه وأن يجند لذلك كل ما أوتي من قوة ووسائل وأن يعتبره افضل جهاد وأعلى عبادة في هذا العصر وأن لا يكون ذلك خاضعاً لمصالح سياسية وعلاقات دولية أو أوضاع محلية فكل ذلك عارض طارئ بل يكون ذلك في سبيل العقيدة والمبدأ قياساً بالواجب وأداء للأمانة ووفاء بالحق ومحاربة للباطل وجهاداً في سبيل الله ونحن المسلمون في خارج العالم العربي لا نرضى ولا نقبل أن تنشر الثورة والدعوة إلى الجاهلية في معسكر محمد صلى الله عليه وسلم وعاصمته ويجب أن لا ترضى بذلك الجزيرة العربية والأقطار العربية وأنا أومن بأن النصر مضمون والفتح موعود إذا صحت النية وأخلصت القلوب ] إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم وكان حقاً علينا نصر المؤمنين [ والقومية في كل جانب من جوانب الأرض سفينة تنخرت وتفككت ألواحها وتناثرت مساميرها وتحارب ربابينها وكتب عليها الغرق فلا يجوز للعرب أن يلتجئوا إلى هذه السفينة المضطربة المشئومة وعندهم سفينة النجاة التي تسع العالم كله وتوصل الناس جميعاً إلى شاطئ السلام. الجمعة 14/ ذي الحجة / 1381ه ( أبو الحسن الندوي ).
([1]) ([2]) ([3])
|
|
H E R A A ربيع الأول 13, 1426
عنوان الموقع الرسمي لندوة العلماء بالهند Nadwatul Ulama`s Website http://nadwatululama.orgعنوان البريد الإلكتروني لندوة العلماء E-mail address nadwa@sancharnet.inعنزان البريد الإلكتروني الخاص برئيس ندوة العلماء E-mail address of Nazim Nadwatul Ulama nadwi@nadwi..net.in
|