|
الدور الذي قام به المسلمون في تحرير الهند : كان مركز المسلمين القائد في حركة تحرير الهند وإجلاء الإنجليز - وقد كان ذلك طبيعياً - لأنهم هم ولاة البلاد وسادتها حين احتل الإنجليز هذه البلاد وبدأ الأخطبوط الإنجليزي ينفث سمومه ، ويبتلع هذه البلاد قطعة قطعة وإمارة إمارة . وأول من انتبه لهذا الخطر الملك الهمام الشهم الغيور " فتح علي خان " المشهور بالسلطان تيبو (1213ه -1799م ) الذي عرف ببعد نظره وألمعيته أن الإنجليز سيزدردون هذه البلاد كلقمة سائغة إذا لم تقم في وجههم قوة منظمة ، فحارب الإنجليز بكل ما كان يملكه من قوة حربية وعدة وعتاد ، وحرض أمراء الهند وأقيالها على القضاء على هذه الجرثومة الإنجليزية السامة ، وحاول الاتصال بالسلطان سليم العثماني والملوك المسلمين وأمراء الهند ، وراسلهم ، وظل يحار الإنجليز حرباً عنيفة لا هوادة فيها ، وكاد ينهار كل ما بناه الإنجليز وأمله في الهند لولا أن نجحوا في ضم أمراء الهند في جنوب الهند إلى معسكرهم ، وسقط الملك الجاهد صريعاً في المعركة ( في اليوم الرابع من مايو سنة 1799م ) وفضل الموت في المعترك على الأسر في يد الإنجليز والحياة في ظلهم وتحت رحمتهم وقال كلمته الخالدة المأثورة في التاريخ : " يوم من حياة الأسد خير من مائة سنة من حياة بان آوى " ولما بلغ القائد (Horse ) شهادة السلطان، حضر وقف على جثته وقال : " اليوم الهند لنا " . ولم تعرف الهند - في تاريخها الطويل - قائداً أعلى هم ، وأبعد نظراً ، و أشد غيرة على الدين والوطن ، وأعظم عداء وبغضاً للمحتل الأجنبي ، من " تيبو سلطان " ولم تكن في الهند شخصية أبغض إلى الإنجليز وأثقل عليهم من تيبو ، حتى ظلوا زمناً طويلاً - وقد أدركنا ذلك العصر - يسمون كلابهم باسمه شفاءً لقلوبهم وإهانة لرمز الوطنية والجهاد " ([1]). وثارت الجنود الإنجليزية في مايو سنة 1857م بعد ما جرب الهنديون الحكم الإنجليزي وغطرسة الإنجليز ، وانتهابهم لثروة البلاد، وقل احتفالهم بالعاطفة الدينية ، وكرامة أهل البلاد ، وانتشرت الثورة في الهند انتشار النار في الهشيم ، فكانت ثورة شعبية عامة ساهم فيها المسلمون والهنادك سوءاً بسواء ، وتوجه الثوار إلى دهلي مقر الملك المغولي الأخير سراج الدين بهادر شاه ([2]). وجعلوه قائداً للثورة ورمزاً للوطنية الموحدة والكفاح الشعبي ونادوا به ملكاً للهند شرعياً ، وخليفة آبائه ملوك الهند الصناديد المغول الأباطرة ، وقاتل الثور في كل بقعة من بقاع الهند تحت رايته وباسمه ، ينظرون إليه كزعيم للجهاد الديني والوطني ، وينظرون إلى دهلي كعاصمة الحكومة الهندية الدائم ولم يشذ عن ذلك شاذ ([3]). وبالرغم من أن هذه الثور أو حرب التحرير - كما يصح أن تسمى - كانت شعبية عامة يقاتل فيها المسلمون والهنادك جنباً بجنب ولم تعرف الهند حماسة وطنية ووحدة شعبية قبل هذه ، كان للمسلمين السهم الأكبر في القيادة والتوجيه ، وكان منهم العدد الأكبر والأهم من القادة والزعماء ، وقد صرح السروليم هنتر بأن جمرات الجهاد التي أشعلها السيد أحمد الشهيد ( 1246ه) هي التي ألهبت نار هذه الثورة . وقد كان من أكبر العلماء والمشايخ الذين قادوا الثور وأشهرهم مولانا أحمد الله مولانا لياقت علي ، وهما اللذان تزعما الحركة ، وكان الجنرال بخت خان هو القائد العام ونائب الملك ([4])، وكان للحاج إمداد الله التهانوي ، ومولانا محمد قاسم النانوتوي ، ومولانا رشيد أحمد الكنكوهي ، والحافظ محمد ضامن الشهيد ، وغيرهم من العلماء والمشايخ هم فيها ، وخاضوا في بعض المعارك ، وقد ذكر الكاتب الهندوسي المعروف سندرلال عدداً من كبار المساهمين في هذه الثورة المسلمين منهم خان بهادر خان ، بير علي ، علي كريم. ويكتب هومز : كان مولوي أحمد الله شاه أكبر أعداء الإنجليزي في شمال الهند ، يقول سندرلال : ما من شك أن اسم الشيخ أحمد الله شاه من شهداء 1857م سيخلد محترماً في تاريخ شهداء الحرية في العالم (ست ستاون 208). وكتب مالي سن " كان المولوي ( أحمد الله ) رجلاً محيراً للعقول وقد على عثر عدة دلائل وبراهين تثبت صلاحيته كقائد لحركة الثورة ، فلا يستطيع أحد غيره أن يدعى الفخر والاعتزاز أنه هزم " الير كالن كيب بل " في ميدان القتال مرتين. وأضاف يقول في كتابه : كان أحمد الله شاه وطنياً مخلصاً ، فلم يلطخ سيفه بدم عن عازل عن السلاح ، يحارب بجرأة وصمود في ساحة القتال ، أولئك الأجانب الذين كانوا اغتصبوا وطنه ، ويجب على كل بطل ومخلص في كل بلد أن يذكر المولوي أحمد الله باحترام وإكرام . ويكتب هومز : مهما يكن الأعداء وحشيين وقساة كان قائدهم صالحاً لقيادة الجيش العظيم ، وحماية هدف نبيل عال من كل ناحية. ولما أخفقت هذه الثورة - لأسباب شرحت في الكتب التي ألفت في هذا الموضوع - صب الإنجليز على أهل الهند جام غضبهم وانتقموا منهم انتقاماً شديداً ([5]) وبطشوا بالهنديين - شعباً وأمة - بطشة جبار لا يعرف الرحمة ، ولا يعرف العدل ، ولا يعرف الإنسانية ، ولا يعرف الحدود ، وكانت مجزرة هائلة جددت ذكرى مذابح جنكيز خان وهولاكو ، وقد قتلوا ثلاثة من أبناء الملك الشبان المأسورين بعد ما أعطوهم الآمان والعهد والميثاق بهمجية وقساوة امتعض منها كثير من الإنجليز ، وقد شنقوا ثلاثة وعشرين من أبناء الأسرة الملكية فيهم مرضى وزمنى وشيوخ عجز ([6]) وأهانوا الملك وحاكموه محاكمة معينة ذليلة وكانوا حريصين على قلته أشنع قتلة إلا أن ضابطاً منهم كان قد وعد أن يحافظ على حياته ، ليسلم نفسه إليه فحكموا عليه بالنفي المؤبد إلى " رنجون " حيث مات طريداً وشريداً مقتراً عليه في الرزق مضيقاً عليه . ودخلت الجيوش الإنجليزية في دهلي فكان تفسيراً لقوله تعالى :) إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة( وقد أذن للجيوش في نهب العاصمة ثلاث أيام فطبقته تطبيقاً فظيعاً ، وقد كتب " جون لورنس " الحاكم الإنجليزي المشهور في ديسمبر 1857م إلى القائد الإنجليزي : 1- " أعتقد أن الطريقة التي انتهبنا بها جميع الطبقات من غير تمييز بينها ستصب علينا السخط العام وستصب علينا اللعنات إلى الأبد وإننا نستحق ذلك "([7]). وقامت سوق القتل والنهب في دهلي على قدم وساق ، والدماء تسفك ، والرقاب تضرب ، والرصاص يطلق من غير تمييز والبيوت تنهب ، وقد خرج كل من استطاع أن ينجو بنفسه وأهله وعرضه ، حتى أصبحت المدينة التي كانت عروس البلاد وعاصمة الهند مقفرة موحشة ليس فيها إلا البيوت الخاوية ، والأنقاض المتراكمة والجثث المتعفنة ، أو الجنود المتفرسة ، وإليك تصوير البلد من قلم قائد قواد الجيوش الإنجليزية ( Roberts Lord) وقد كان مسافراً بجيشه من دهلي إلى كانبور يقمع الثر ، وكان ذلك في اليوم الرابع والعشرين من سبتمبر 1857م بعد ما استولى الجنود الإنجليز على دهلي وتملكوا القلعة الحمراء ([8]) يقول روبرتس في كتبه " إحدى وأربعون سنة في الهند " : 2- " كان المسير من دهلي في نور الصباح الباكر وكان منظراً هائلاً ، خرجنا من القلع من بابها الذي يسمى باب لاهور ، ومررنا بالشارع الكبير الذي هو مركز البلد وأكبر أسواقها "جاندني جوك " لقد كانت دهلي في الحقيقة مدينة الأموات ليس بها داع ولا ومجيب ، فلا صوت إلا صوت سنابك الخيل ، ولم يقع بصرنا على عرق ينبض أو عين تطرف ، لم تكن هنالك إلا جثث هامدة مبعثرة هنا وهناك ، وقد كانت هذه الجثث في أوضاع مختلفة خلفها صراع الحياة والموت في أدوار مختلفة من التفكك ، وكنا لا نتكلم إلا همساً حتى لا نزعج هؤلاء الأشقياء الذي كانوا مستغرقين في نومة الموت، إن ما رأيناه من المناظر كانت هائلة مفزع وكانت مؤسفة محزنة ، وقد كانت بعض الجثث ينهشها كلب ، وكان عند بعضها نسر يرفرف جناحه ويحاول أن يطير فلا يستطيع بفرط الشبع والثقل ، وقد كان بعض الأموات يتراءون أحياء فقد رفع بعضهم يده في الاحتضار فبقيت مرفوعة كأنه يشير إلى جانب ، لقد كان منظراً مهيباً موحشاً لا يمكن تصويره ، وكأن خيلنا قد استولى عليها الذعر فكانت تجفل وتنفتح مناخرها ، وقد كان المحيط كله مروعاً ولا يمكن تصوره، وقد كان تعفن بروائح مضرة تولد الأمراض ([9]). لقد كانت المجزرة شعبية وطنية عامة ، ولكن كان المسلمون بصفة خاصة هدف هذه الإهانات والفتك الذريع ، لأن كثيراً من الإنجليز المسؤولين كانوا يعتقدون أنها ثورة إسلامية ، وأن المسلمين هم مصدر الثورة وأصحاب فكرتها وهم الذين تولوا كبرها ، يقول كاتب إنجليزي (Henry Mead) : 3- " إن هذه الثورة لا يصح في المرحلة الحاضرة أن تسمى ثورة الجنود لقد انفجرت الثورة منهم ولكن سرعان ما تجلت حقيقتها وظهر أنها ثورة إسلامية " . ولذلك كانوا يخصون المسلمين بالقتل والبطش ، يقول مؤرخ معاصر : 4- " قد كان شعار بعض رؤساء الإنجليز أنهم كانوا يعتبرون كل مسلم ثائر وكانوا يسألون الرجل أنت هندوكي أو مسلم ؟ فإذا قال مسلم قتله بالرياض " ([10]). 5- "إن هؤلاء الإنجليز كلما رأوا مسلماً عليه مسحة من جمال أو له جسم قوي اقتنصوه وشفوا قلوبهم بقتله ، وقد قتل عدد كبير من الوجهاء والأشراف وأصحاب البيوت الذين بقوا في البلد ، كانوا يقتلوا الأبناء الشبان أمام آبائهم الشيوخ ، ويقولون للوالد العجوز: أنج بنفسك ، وقلما أفلت من أيديهم مسلم جميل الوجه صاحب حسب ووجاهة حتى أثر ذلك في النسل ، وأصبح لا يولد في دهلي مولود فيه الوسامة والجمال ، فإذا قارون بين المسلمين قبل الثورة والمسلمين بعدها رأى فرقاً واسعاً بين الجبلين في الجمال والوسامة([11]). ثم جاء دور الشنق ، ونصبت مشانق وأعواد على الطرق العامة والشوارع ، وأصبحت مواضع نزعة عامة يتفرج عليها الإنجليز ويتمتعون بمناظر احتضار المشنوقين وهم يدخنون ويتحدثون ، فإذا تم عمل الشنق ولفظ المشنوق نفسه الأخير ، استقبلوه بالضحك والابتسام ، وفي هؤلاء الأشقياء أصحاب الإمارات وكبار الأشراف ، وقد شنق بض الأحياء الإسلامية على بكرة أبيها ، ويذكر مؤرخ معاصر : 6- " إن سبع وعشرين ألف من المسلمين قتلوا شنقاً واستمرت المجزرة سبعة أيام متواليات لا يحصى من قتل فيها ، أما السلالة التيمورية فقد حاول الإنجليز أن يستأصلوا شأفتها فقتلوا حتى الصبيان، وعاملوا النساء معاملة همجية تقشعر منها الجلود " ([12]). يقول ميلي سن : 7- " إن ضباط جيوشنا كانوا يقتلون المجرمين من كل نوع ، وكانوا يشنقون من غير رحمة وألم كأنهم كلاب أو بنات آوى أو حشرات خسيسة" ([13]). ويقول قائد قواد الجيوش الإنكليزية " Lord Roberts " في رسالة كتبها إلى أمة في 21 يونيو سنة 1857م : 8- " إن أهول طريقة للإعدام هو أن يرمى المجرم بالمدفعة، إن حقاً منظر هائل ولكن لا نستطيع في هذا الوقت أن نأخذ بالاحتياط، إن هدفنا أن نثبت للمسلمين الأشرار أن الإنجليز لا يزالون - بنصر الله - سادة الهند " ([14]). وهكذا دفع المسلمون أبهظ ثمن وأغلاه لهذا الجهاد ، وظل قادة الفكر والسياسة وأقطاب الحكومة من الإنجليز يعتقدون أن المسلمين هم المسئولون عن ثورة 1857م، لا يتخلون عن تبعاتها جيلاً بعد جيل، وقد قال هنري هملنن تامس " Henry Hamilton Thomas" أحد كبار الموظفين الانكيز في بنغال في كتابه " ثورة الهند الماضية وسياستنا المستقبلة " ( Late Ribellion In India & Our Future Policy ) الذي ألفه في سنة 1858م يعني بعد الثورة سنة فقط ، والكلمة تشرح عقيدة الإنجليز ووجهة نظرهم عن المسلمين بعد الثورة يقول : 9- " لقد قدمت أن الهنادك لم يكونوا أصحاب فكرة في ثورة 1857م ولم يكونوا مصدرها ، وسأثبت في هذه المناسبة أن الثورة كانت نتيجة مؤامرة المسلمين ، إن الهنادك إذا تركت لهم الحرية وكانوا محدودين في وسائلهم لم يكونوا ليساهموا في مثل هذه الثورة وما كانوا يودونها ، إن المسلمين لم يزالوا ولا يزالون منذ عهد الخليفة الأول مستكبرين غير متسامحين ، وظالمين ، لم يزل هدفهم الدائم أن تقوم الحكومة الإسلامية بأي وسيلة كانت ، وإن ينشأ الناس على كراهة المسيحيين ، إن المسلمين لا يستطيعون أن يكونوا رعية وفية لحكومة تدين بغير دين الإسلام لأن ذاك مستحيل في ظل أحكام القرآن " . وقد كانت هذه السياسة المتبوعة في الحكومة الإنجليزية القائمة وهي القاعدة التي يسير عليها موظفوها الكبار ، ورؤساء المصالح ، إقصاء المسلمين عن المراكز الكبيرة في الحكم والإدارة ، وسد أبواب الرزق الشريف عليهم ، ومصادرة الأوقاف والأملاك التي تدر على مدارسهم ومؤسساتهم ، وتأسيس مدارس ونظام تعليمي لا ينشط المسلمون للإفادة منه ([15])، وقد كان يعلن في بعض بلاغات رسمية أن الوظائف الفلانية لا يقبل فيها إلا الهنادك ([16])، يقول هنتر: " إن المسلمين وإن كانوا يملكون المؤهلات والكفاءة المطلوبة لوظيفة ، ولكنهم يمنعون عن ذلك ببلاغ رسمي " ([17]) وقد كان غضب الإنجليز شديداً واضحاً في قضايا المسلمين كلها ، فكانا يؤخذون بأقل تهمة وأبعد وشاية ، وكانوا يؤخذون بالظنة ، ويعاقبون أشد العقاب ، وقد حارب الإنجليز فل المجاهدين المعتصم في الجبال في حدود الهند الشمالية الغربية حرباً شعواء ، وأنفقوا في ذلك نفقات باهظة وتحلموا خسائر عظيمة ، وحاكموا في الهند كل من ظنوا به أقل اتصال بهذه الجماعة - جماعة السيد الإمام أحمد الشهيد- حاكموا جماعة من العلماء الأجلاء والمثقفين والوجهاء والتجار في " بتنه " و " تهانيسر " و " لاهور" سنة 1281ه -1864م محاكمة ظهر فيها حقد الإنجليز وتوترهم من المسلمين بصفة عامة ، ومن هؤلاء الذين سماهم الإنجليز وأعوانهم" وهابيين " بصفة خاصة ، وحكموا على مولانا يحيى علي و محمد جعفر التهانيسري ، ومحمد شفيع اللاهوري بالإعداد ، وقال القاضي في حكمه : " سأكون مسروراً وسعيداً إذا رأيتكم معلقين على المشانق تلاقون جزاءكم " وكان الإنجليز ونساؤهم يأتون إلى السجن ليمتعوا نفوسهم ويقروا عيونهم بالكآبة التي تغشى هؤلاء " الأشقياء " الذين تنتظرهم المشنقة ، وبجزعهم وهلعهم ، ولما رأوا أنهم جذلون مسرورون ينتظرون الشهادة في سبيل الله بقلوب تواقة مؤمنة ، ونفوس راضية مطمئنة ، كبر ذلك عليهم ، وجاء الحاكم الإنجليزي وقرأ حكم المحكمة النهائية بتبديل الإعدام بالنفي المؤبد إلى جزائر " إندمان " قائلاً إنه لا يحب أن يسرهم ويحقق أمنيتهم ويكرمهم بالشهادة التي يعدونها أكبر كرام ، وبهذا الطريق الغريب العاطفي الذي لم يعرف عن أمة دستورية كالإنجليز ، نفي الشيخ يحيى علي العظيم آبادي ، وشقيقه الشيخ أحمد الله العظيم آبادي ، والشيخ عبد الرحمن الصادقبوري ،والشيخ محمد جعفر التهانيسري ، إلى " بروت إندمان" سنة 1865م ومات الشيخ يحيى علي والشيخ أحمد الله في " إندمان" ورجع الشيخ عبد الرحمن والشيخ محمد جعفر بعد ثماني عشرة سنة بعد الحياة الطويلة في الجلاء والبلاء، وصودرت أملاك أسرة صادقبور الواسعة في " بتنة " عاصمة ولاية " بهار " وهدمت مبانيها الضخمة ومشت فيها السكة ، وبنيت على أنقاضها مباني البلدية ودوائر الحكومة ، ونسفت مقابرهم ودرست ، كل ذلك انتقاماً من الأعداء وشفاءاً للغيظ ([18]). وكذلك نفي إلى " إندمان " جماعة من العلماء الأجلاء كالعلامة فضل حق الخير آبادي ، والمفتي عنايت أحمد الكاكوري ، والمفتي مظهر كريم الدريابادي ، ومات العلامة فضل حق في المنفى ، ورجع العالمان الآخران بعد ما مكثا مدة طويلة في الجلاء . إن هذه المعاملة القاسية الشاذة التي استمرت مدة طويلة كانت سبباً لتخلق المسلمين في الثقافة والعلم ومنعتهم عن أن ينالوا قسطهم في الإدارة ومصالح الحكومة ، وقد شغلهم الدفاع عن أنفسهم ونفى التهم التي كانت توجه إليهم بين حين وآخر ، عن المساهمة في سياسة البلاد ومجاراة الشعوب الأخرى التي كانت تتقدم بخطى واسعة، وتنال من الحكومة كل تشجيع وعطف في الوعي القومي والشعور الوطني . قام المؤتمر الوطني العام سنة 1884م وحضره عدد مشرف من وجهاء المسلمين والرجال المثقفين ، وقد رأس حفلته السنوية الرابعة التي انعقدت سنة 1887م في " مدارس " الأستاذ " بدر الدين طيب جي " وحضره الوجيه الفاضل " مير همايون جاه " وتبرع للمؤتمر بخمسة آلاف روبية ، وحضره لفيف من الوجهاء والأغنياء من المسلمين والمحامين والتجار . وكان زعيم الحركة التعليمية الإسلامية " سر سيد أحمد خان" ( مؤسسة الجامعة الإسلامية في عليكرة ) من دعاة الاتحاد الوطني ، إلا أنه بعد فترة قصيرة اتبع سياسة الانفصال عن المؤتمر بدافع الإشفاق على المسلمين ، الذين كانوا لا يزالون ضعفاء في الثقافة والوعي السياسي ومتخلفين في الحياة والاقتصاد والتعليم ، وحذر المسلمين عن الوقوع في نفوذ الهنادك المتحمسين ، والبنغاليين المتطرفين ، الذين بدؤوا ينتقدون السياسة الإنجليزية ويطالبون بحقوقهم ، وأشار عليهم بتكوين جبهة إسلامية والابتعاد عن " السياسة " التي قد تثير عليهم الأحقاد القديمة وتخلق المشكلات الجديدة([19]). إلا أن عدد كبيراً من مفكري المسلمين الأحرار وفي مقدمتهم علماء الذين ، كانوا يرون تأييد المؤتمر ويرون المساهمة في الحركات السياسية الوطنية ، ولا يعتقدون أن السياسة هي الشجرة الممنوعة للمسلمين ، فأصدر الشيخ عبد القادر اللدهيانوي مجموعة فتاوى سماها " نصرة الأبرار " في تأييد المؤتمر الوطني سنة 1887م. كان من الموقعين عليها كبار العلماء في حواضر الهند المشهور وفي المدينة المنورة وبغداد ، ومنهم العالم الرباني الجليل مولانا رشيد أحمد الكنكوهي ، والأستاذ الكبير مولانا لطف الله العليكرهي . وحضر حفلة المؤتمر السنوية الخامسة التي انعقدت في" آله آباد" بعض كبار العلماء ، وهكذا ظل المسلمون يساهمون في نشاط المؤتمر ويشاركون مواطنيهم في هذه المؤسسة الوطنية الكبيرة . وفي سنة 1912م نشبت حرب بلقان وانطلقت موجة عنيفة من السخط العام على الحكومات الأوروبية ، وزعيمتها الحكومية البريطانية وحلفائها ، وانفجر الوعي السياسي الإعلامي الشرقي، وصدرت صحيفة " الهلال " الأسبوعية التي كان ينشئها مولانا أبو الكلام آزاد ، وكانت تنشر مقالات تكتب بقلم من نار ، وتنتقد السياسة الأوروبية الصليبية في قوة وبلاغة لا يعرف لها نظير ، ويتهافت على قراءتها آلاف مؤلفة من الوطنيين ، وصدرت مجلة"كومريد" (Comrade) الإنجليزية التي كان ينشئها مولانا محمد علي([20]) من كلكتا ، ثم انتقلت إلى دهلي ، وينتقد فيها السياسة الإنجليزية في أسلوبه أدبي ساخر ، وكذلك جريدة " زميندار" لصاحبها مولانا ظفر علي خان ، وصحف إسلامية أخرى ، وبذلك التهبت نار الثورة الفكرية في الهند ، واعتقلت الحكومة زعماء المسلمين ، محمد علي ، وشوكت علي ، و أبو الكلام آزاد ، وحسرت موهاني . وكان رئيس أساتذة دار العلوم ديوبند مولانا محمود حسن ( الذي اشتهر بعد بلقب " شيخ الهند " ) من كبار الحاقدين على الحكومة الإنجليزية ، ولا نعرف أحداً بعد السلطان تيبو من يبلغ مبلغه في عداء الإنجليز والاهتمام بأمرهم ، ومن كبار أنصار الدولة العثمانية التي كانت زعيمة العالم الإسلامي ، وحاملة لواء الخلافة ، وكان من كبار الدعاة إلى استقلال الهند ، وتأسيس الحكومة الوطنية الحرة ، وكان من الذين ملكتهم هذه القضية وتفاني فيها ، وحاول الاتصال بحكومة أفغانستان ورجال الدولة العثمانية كأنور باشا وغيره، وقد أسرته ([21]). حكومة الشريف حسين سنة 1916م في المدينة المنور وسلمته إلى الحكومة الإنجليزية التي نفته وزملاءه وتلاميذه ( مولانا حسين أحمد المدني ، ومولانا عزيز كل ، والحكيم نصرت حسين ، والأستاذ وحيد أحمد ) إلى جزيرة مالطا سنة 1335ه -1917م مكثوا هنالك إلى سنة 1338ه - 1920م وكان مولانا عبد الباري الفرنجي محلى مؤسسة جمعية العلماء من كبار المتحمسين للقضية الوطنية ، من كبار قادة حركة الخلافة . وفي سنة 1918م صدر تقرير رولت ( Rowlatt Report) وهوجم فيه المسلمون بصفة خاصة مهاجمة عنيفة ، واتهموا بالثورة، وكان رد الفعل عنيفاً ضد هذا التقرير في طول الهند وعرضها . وفي سنة 1919م أطلق سراح محمد علي وشوكت على وتجلى اتحاد المسلمين والهنادك في أروع مظاهره ، واتحدوا في مهاجمة الحكومة الإنجليزية وسياسة حلفائها في قضية الحكومة العثمانية ، والنداء إلى تحرير الوطن وتأسيس الحكومة الاستقلالية ، وأصبحت الهند كمرجل ثائر يغلي حماسة وثورة . واشترك في هذه الحركة ( التي كانت ترمي في النهاية إلى تكوين الوعي السياسي والحماس الوطني وكراهة الإنجليز ) غاندي بكل نشاط وحماسة وقام برحلات طويلة مع محمد علي شوكت على كان يخاطب فيها الجمهور ويخطب في الحفلات الكبيرة التي لم تشهد البلاد مثلها ، ولا أعتقد أنها ستشهد مثلها ، وكان الجمهور يستقبل هؤلاء الزعماء بحماسة منقطعة النظير ويهتف بحياتهم . وفي سنة 1920م اقترح غاندي ومولانا أبو الكلام آزاد- الذي كان من كبار زعماء الخلافة وحركة التحرير وأحد قادة الفكر في الهند - مقاطعة البضائع الأجنبية ومقاطعة الحكومة الإنجليزية والإضراب عن التعاون معها في دوائرها وفي جيوشها ، فكان أمضى سلاح استعمل في حرب التحرير والكفاح الوطني في أي بلد حسبت له الحكومة الإنجليزية كل حساب وكاد يشل الجهاز الإداري وينشر الثورة العامة . وكان كل ذلك ينذر بانتهاء الحكومة الإنجليزية ويحرج جهاز الحكومة البريطانية في هذه البلاد البعيدة ، إلا أن السياسة الإنجليزية أطلقت سهمها الأخير الذي لا يطيش عادة في البلاد الشرقية ، وهو سهم التفريق والإفساد ، أقنع الحاكم العام ورجال الحكومة أحد زعماء الوطنيين الهنادك بضرورة الدعوة إلى الديانة الهندوكية ، وإرجاع من دخل من أهل البلاد في الدين الإسلامي إلى ديانتهم القديمة، وتنظيم الشعب الهندوكي على أساس ديني قومي حربي ، فقد ظهر تفوق المسلمين وحماستهم وحسن نظامهم في حركة الخلافة والتحرير، وكانت القيادة السياسة في أيديهم، لأن القضية التي كانت تثير الجماهير قضية إسلامية تتصل بمركز الخلافة . ومن هنا ظهرت الدعوة والتبشير بالديانة البرهمية والآرية وتنظيم الهنادك على طراز حربي ، وانتشر دعاتها في الهند ، وظهرت إزاء ذلك حركة الدعوة إلى الإسلام وتنظيم المسلمين على أساس مستقل ، وبدأت المظاهرات الدينية والخطب العاطفية والحماسية وانفجرت الاضطرابات الطائفية في شبه القارة الهندية . وفي المؤتمر الوطني يعمل عمله ويعقد حفلاته ، وقد رأس حفلة سنة 1923م الخصوصية في دهلي مولانا أبو الكلام آزاد والحفلة السنوية العامة في نف السنة " كوكنادا" مولانا محمد علي. واستعرض الاضطرابات وعنفت حتى كانت في سنة 1927م في بعضة شهور فقط خمسة وعشرون اضطراباً ، وكانت هذه الاضطرابات حديث النوادي والصحف والشغل الشاغل للبلاد ، ولم يستطع زعماء المؤتمر وحركة الخلافة أن يوقفوا هذه الاضطرابات ويرجعوا المسلمين والهنادك إلى الصفاء والثقة والتي كانت تسود قبل ذلك ، ولم تزل الفجوة بين الطائفتين - المسلمين والهنادك - تتسع وتعمق ، والجفوة بينهما تقوى وتكبر ، والاتجاه إلى الانفصال في الزعماء يزداد قوة حتى أصبح واقعاً علمياً . وبدأ الناس يشعرون بخمود الحماسة الوطنية أو بضعها في الزعماء الوطنيين وانحيازهم إلى المعسكرات الطائفية وخضوعهم للعواطف الدينية والنعرات الطائفية ، وبدأ الزعماء الوطنيون المسلمون يشعرون بأن الزعماء الوطنيين الهنادك - وعلى رأسهم الزعيم غاندي - لم يستعملوا كل نفوذهم في وقف هذه الاضطرابات الطائفية وفي محاسبة شعبهم وأصحاب ديانتهم – الذين يكونون الأكثرية في البلاد - فيما يصدر منهم من الاعتداء والسبق وإنه لم يظهر من هؤلاء الزعماء من الحياد التام والمساواة بين الطائفتين ما كان ينتظر من زعيم وطني عام . وسواء كان هذا الشعور صحيحاً أو كان فيه شيء من التشاؤم وسوء التفاهم فقد جعل هذا الشعور يضعف نشاط بعض الزعماء الوطنيين المسلمين - الذين كانوا مشعل الحماسة الوطنية ، وكانت لهم مواقف خالدة في الدفاع عن الوطن والكفاح ضد الإنجليز ، كمولانا محمد علي - في تأييد المؤتمر ، وجعلهم ينظرون إلى المسلمين كأمتهم التي يأوون إليها ، ويشكون من زعماء المؤتمر ضيق التفكير ، وضيق الصدور فيما يتصل بالمسلمين . وهكذا انفصل مولانا محمد علي وكثير من زملائه عن المؤتمر وانضموا إلى الجبهة الإسلامية ، وقويت حركة الانفصال التي كان يتزعمها محمد علي جناح رئيس العصبة الإسلامية" Muslim League "الإسلامي وحماسه ، حتى نادت في الأخير بتقسيم الهند ونجحت بفضل عقلية الأكثرية الضيقة وشذوذ معاملتها وتكفيرها مع المسلمين ([22]). وبقى مولانا آزاد ، وكثير من العلماء الذين كانوا يتنسبون إلى " جمعية العلماء " أوفياء للمؤتمر ثابتين على موقفهم القديم ووجهة نظرهم ، وعلى رأسهم وفي مقدمتهم العالم الجليل المجاهد مولانا حسين أحمد المدني ، وهو خليفة شيخه مولانا محمود حسن في العداء الشديد للإنجليز والحماس للقضية الوطنية والإخلاص لها والتفاني في سبيليها ، وقد تحمل هو وزملائه ([23]). أعضاء جمعية العلماء كل سخط وإهانة من العنصر الإسلامي المتحمس المندفع تحت قيادة العصبة الإسلامية وكان مركز نشاط عظيم ودوامة لا تسكن ولا تهدأ ، مع النزاهة التامة وصرامة لا ضعف فيها ودين لا مغمز فيه. كان إخلاصه غير منازع فيه ، يره صديقه ومعارضه ، فلما نالت الهند الاستقلال ، وكانت الفرصة مواتية لجني ثمار الحرية ، والانتفاع من الحكومة المحلية ، وتهافت الناس عليها كانت شخصيته الوحيدة هي التي أبت قبول أي نفع أو كسب فلما أعلن رئيس جمهورية الهند في عام 1952م إكرامه بوسام " بدوم وبهوشن" الفخري ، رفضه الشيخ قائلاً إنه يتنافى مع طريق السلف ، واعتذر، ولا شك أن الأماني والتطلعات العالية التي كان يعقدها بحرية الهند لم تتحقق كلياً ، وأنه مر في عهد الحرية بتجارب قاسية حطمت قلبه، خيبت آماله ، لكنه ظل صامداً متصلباً في مبادئه ونظرياته ومذهبه بعد الحرية كما كان صامداً متصلباً في ساعات العسر ، أيام العبودية الاستعمار . وكان مولانا أبو الكلام آزاد رئيس المؤتمر الوطني لأول مدة تمتع بها رئيس ، وفي أحرج فترة مرت بها البلاد ، وفي عهد رئاسته زارت البعثتان الحكوميتان لحل القضية الهندية والمفاوضة في شروط الاستقلال وتفاصيله ، فكان مولانا أبو الكلام بصفته رئيساً للمؤتمر الوطني ممثلاً للمؤتمر الوطني ولسان حاله ، قد اعترف أعضاء البعثات على رأسهم السياسي الإنجليزي " sir Stafford Cripps" بذكائه ولباقته وحنكته السياسية والفطنة للدقائق الدستورية . وفي عهد رئاسته وتحت إشرافه وتوجيهه نالت الهند الاستقلال، وبدل كتابه " الهند تنال الاستقلال " India Wins Freedom" على نه كان العقل المفكر الموجه في جهاز المؤتمر الوطني وكان يسيطر على زملائه وعلى الجهاز الإداري وسياسة البلاد بعقله النابع ونظره البعيد ، وشخصيته القوية ، وله في حركة استقلال الهند والكفاح الوطني أوفر نصيب يمكن أن يكون لزعيم وطني .
مشكلات الشعب الإسلامي الهندي :
لكل شعب مشكلات تمتحن جدارته للبقاء وتشغل مواهبه وتثير كرامته وتبعث فيه النشاط واليقظة ، كل شعب لا مشكلة له لا يصلح للاعتماد والثقة معرض لخطر الخمود والاستنامة والإخلاد إلى الراحة. وللشعب الإسلامي الهندي مشكلات يعانيها اليوم ويحاول حلها والتغلب عليها ، كان بعضها نتيجة أخطائه ، وبعضها نتيجة رواسب الماضي ومخلفاته الفكرية والسياسية ، وبعضها نتيجة وضع الأحوال والحوادث التي مرت بها الهند في العهد الماضي ، ولاشك أن جميع هذه المشكلات عارضة طارئة ، ستنحل إذا أثبت الشعب الإسلامي صبره واحتماله ، وعالج الأمور بحكمة وأناة ورفق ، وقدرت له القيادة الرشيد المتزنة الجريئة ونذكر هنا أهم مشكلات . إن المشكلة الكبرى من هذه المشكلات هي مشكلة الدعوة الإسلامية ، يعرف الجميع أن الإسلام دين دعوة وهداية عامة ، وكان انتشار الإسلام وازدهاره عن طريق الدعوة والهداية ، العدد الذي دخل في الإسلام في الهند بفضل الدعاة المخلصين من الصوفية والمشايخ والتجار والربانيين أكثر جداً ، من عدد المسلمين الذين نزحوا إلى الهند من الأقطار الإسلامية العريقة في الإسلام كجزيرة العرب وإيران وتركستان ، ولم تزل الدعوة الإسلامية المخلصة تضيف إلى الجسم الإسلامي دما جديداً قوياً في كل عصر ، وتمنح المجتمع الإسلامي في الهند مهتدين جددً أثبتوا نبوغهم وعبقريتهم فيما بعد ، ولم تزل أسر عريقة في الشرف والأصالة معروفة بالذكاء والنجابة تنتقل وتنضم إلى الأسرة الإسلامية الكبيرة ، وفي أعلام الشعب الإسلامي الهندي ورجالاته من ينتمي بنسب قريب أو بعيد إلى أسرة هندوكية ، ومن هؤلاء الماضي القريب مولانا عبيد الله البتيالوي صاحب " تحفة الهند " ، ومولانا عبيد الله السندي ، والعلامة محمد إقبال ، والشيخ ثناء الله الأمر تسرى ، ومولانا أحمد علي اللاهوري ، ومولانا معين الدين الأجميري ، وكلهم علماء ودعاة مصلحون ، وقليل من المسلمين يعرفون أنهم من أسر دخلت في الإسلام أو كان عدد منهم من شرح الله صدره للإسلام فأسلم بنفسه . وكانت الدعوة الإسلامية والهداية الإسلامية تعملان علمهما وتشقان طريهما إلى الأمام في العهد الإسلامي الأخير وإلى آخر عهد الحكومة الإنجليزية ، وكان عدد كبير من غير المسلمين يدخل في الإسلام طوعاً كل سنة لما يمتاز به الدين الإسلامي من المبادئ الحكيمة المعقولة ، ووجود عقيدة التوحيد النقية والعدل والمساواة ، وعدم وجود طبقات متفاوتة واللمس المنبوذ ، وكان القرآن والسيرة النبوية وتعاليم الإسلام تفتح قلوباً جديدا وتنير عقولاً جديدة ، وكان من الممكن المتوقع أن يصبح الإسلام - لو جرت الأمور مجراها الطبيعي - أعظم قوة في القارة الهندية ، ثم أعظم قوة في أسيا . ونشبت المعركة السياسية بين المسلمين ومواطنيهم وحميت في الأيام الأخيرة ، وتوترت منها قلوب الطائفتين وامتلأت ضغناً وحقداً وشكاً ، واتسعت شقة الخلاف ، وكان من نتيجتها انفصال الطائفتين وانقسام الهند وقيام دولتين مستقلتين إحداهما الجمهورية الهندية والأخرى الجمهورية الإسلامية الباكستانية ، ولسنا الآن بصدد الحكم على هذا الوضع ، هل كان من الممكن التفادي عما وقع وهل كان هنالك طريق أفضل ؟ وهل كان عملياً أم لا؟ هذا كله نتركه للمؤرخ السياسي ، والذي يكتب تاريخ الهند بحرية وتفصيل وإنصاف ، ولكن الذي يهمنا الآن وهو أن هذا الوضع السياسي الذي جرت إليه الأحوال والظروف أو لجأت إليه الهند طائعة أو مكرهة ، خلف مرارة في القلوب وشكا في قلب كل طائفة للأخرى ، وزهداً وانصرافاً عن كل ما تتسم به تلك الطائفة من دين وعقيدة وثقافة وحضارة ، بل وكراهة لما تتبناه وتتزعمه بطبيعة الحال ، وكان ذلك حاجزاً كبيراً في سبيل انتشار الإسلام في الهند ، لأنه دين الدولة المنافسة القائمة لها بالمرصاد ودين شعب قامت بينه وبين الشعب الهندي معارك سياسية وحروب طائفية ومناوشات كلامية ، فيبعث ارتفاع عدد المسلمين نسبياً قلقاً وخوفاً في أوساط الأغلبية ، فيفكر بعض الزعماء في قمع نشاطات الدعوة وتحديد النسل . أضف إلى ذلك أن الدول التي تتسمى بالإسلام والمجتمع الذي يدين بالإسلام على الحدود لا يمثلان مع الأسف في الأخلاق والسياسة ما يزيد ثقتهم بالإسلام ويبعث على إجلاله وإكباره ، وزيادة على ذلك أن الأحوال السياسية والاقتصادية في باكستان تبرهن بعض الأحيان عند المتشككين على إخفاق دولة تنمي وتقوم على أساسه، وقد يقرأ الإنسان في صحيفة أو يفاجأ ما يباعد عن الإسلام فيقوم حجاب دون فهم حقيقته ومدى تأثيره في النفوس . هذه هي مشكلة المشكلات في الهند ، ولاشك أن امتداد الأيام وتسحن العلاقة بين باكستان والهند وتغلب العقل على العاطفة سيحل هذه المشكلة ، ويبدأ الإسلام سيره ونشاطه من جديد إذا قام المسلمون بدعوة إسلامية رقيقة خالصة مخلصة ، لا تشوبها السياسة والطموح والكبرياء ، دعوة لا تقصد إلا هداية الناس وإسعاد النفوس وخدمة الخلق والنصح الخالص والإشفاق على مصير بني آدم ، وتحفظهم من مهالك الدنيا والآخرة ، ووافق المسلمون لإخراج كتب في شرح تعاليم الإسلام وعرض السيرة النبوية واللغة الهندية واللغات الإقليمية في أرقى أسلوب عصري وشكل جذاب ، وتغلغلوا في المجتمع الهندي بدعوتهم وأثبتوا تفوقهم الروحي والخلق وإخلاصهم ووفاءهم لبلادهم وحرصهم على تقدمها ورفاهيتها . الأحوال الشخصية : وهي المشكلة الثانية التي تلي المشكلة الأولى ، وقد تفوقها في الخطورة والنتائج ، لأن المشكلة الأولى إنما تقف سداً في سبيل انتشار الإسلام وتوسعه ، حين كانت المشكلة الثانية تهدد وجود الشعب المسلم بإسلاميته وثقافته ومعتقداته . فقد كانت الأحوال الشخصية الإسلامية التي تشتمل على مسائل الطلاق والزواج والإرث ومسائل دينية أخرى بعيدة عن متناول القانون المدني ، وكان يقضى فيها في ضوء الفقه الإسلامي رغم أن أصواتاً كانت ترفع من حين لحين بدمج هذه المسائل إلى القانون المدني الموحد ، لكن الحكومة الهندية لم تتخذ إجراءاً لتغيير قانون الأحوال الشخصية الإسلامية ، وأكدت للمسلمين بأنها سوف لا تغيره ما لم يطلب به المسلمون أنفسهم . وقد تفاقم الوضع إثر صدور حكم من المحكمة العليا المركزية في قضية شاه بانو ، محمد أحمد ، التي قضت المحكمة العليا فيها بمنح المرأة المسلمة المطلقة النفقة من زوجها المطلق إلى أن تموت أو تنكح زوجاً غير تطبيقاً لمادة 125 من قانون الجنايات الهندي الذي لا يفرق بين المطلقة والزوجة الشرعية في النفقة ، وادعت المحكمة أن هذا القانون لا يتنافى مع حكم القرآن الكريم تفسيراً خاطئاً لكلمة "المتاع " التي وردت في القرآن ، وتجاوزت المحكمة العليا إلى الاقتراح بتعديل الأحوال الشخصية الإسلامية استناداً إلى بند 44 في الدستور الهندي الذي يقتضي لفرض قانون ندني موحد ينطبق على جميع طبقات الشعب كلياً ، وقد كانت الحكومة الهندية تؤكد كلما احتج المسلمون على المحاولة لتعديل الأحوال الشخصية وفرض قانون موحد أن قانون الأحوال الشخصية سيبقى على حاله ما لم يطالب المسلمون أنفسهم بتغييره ، وفي الوقت نفسه كانت الجهات الرسمية والطوائف المادية للإسلام تتصيد رجالاً منعزلين من التيار الإسلامي ليتقدموا بالمطالبة بتعديل الأحوال الشخصية ، ولكن خيب المسلمون دائماً كل هذه المحاولات باحتجاجهم . إن بقاء قانون الأحوال الشخصية هو الضمان الوحيد لتمسك المسلمين بصبغتهم الدينية ، فإن التعليم الجديد والثقافة القومية قد قضت على كثير من خصائصهم ، فإن الطلاق والنكاح ، والإرث والأمور الأخرى المنصوص عليها في القرآن والسنة ، والتي تفصل بين المسلم وغيره ، إذا غيرت وأخضعت للقانون المدني العلماني ، فقد المسلم كل ما يميزه من غيره ، ثم تأتي العبادات وطرقها والعقائد، وتبذل محاولة لإخضاع كل ركن من أركان الإسلام للطابع القومي ، ثم تأتي مسألة الأسماء الموحدة ويفقد المسلمون شخصيتهم كما فقدوا في بعض البلدان الشيوعية . ولو أن الحكومة الهندية المركزية تؤكد عدم التدخل في تأدية الشعائر الديني ، ولكن لقلق المسلمين مبررات ، فإن جهات معينة تنمى إلى التطرف الهندوكي لا تخفى نواياهم في تهنيد المسلمين كلياً، وترتفع هذه الأصوات في اجتماعات وبيانات صحيفة ، ومن هذا القبيل حركة استعادة المساجد القديمة وتحويلها إلى معابد بدعوى أنها كانت معابد حولها المسلمون في عهد الحكم الإسلامي إلى مساجد ، ولا تتخذ الحكومة إجراءاً صارماً ضد مثل هذه المطالب ما يقنع المسلمين على أنها لا تؤيد هذه الحركة وتضع السلطات التنفيذية قيوداً على بناء مساجد جديدة . وقد جدد حكم المحكمة العليا هذه المخاوف ، فوقف المسلمون صفاً واحداً للاحتجاج ضد هذا الحكم واقتراح المحكمة العليا ، وطالبوا بتعديل في الدستور ، واستثناء الأحوال الشخصية الإسلامية بصراحة ووضوح ، وسن قانون لإبطال قرار المحكمة العليا ، وسد كل باب ومنذ للتوغل في الأحوال الشخصية ، وأن تبقى التعاليم الدينية المنصوص عليها والشعائر الدينية في نجوه من تطبيق القانون الوضعي ، ومن تعسف تأويل القانونيين . وسبق أن قد ألف للحفاظ على الأحوال الشخصية الإسلامية مجلس الأحوال الشخصية الإسلامية لعموم الهند في عام 1972م ، وكان رئيسها الأول الشيخ محمد طيب رئيس دار العلوم ديوبند سابقاً، ورئيسه الحالي مؤلف هذا الكتاب ، ولهذا المجلس دور ملحوظ في مواجهة المحاولات لتغيير الأحوال الشخصية ومقاومة القوانين التي تتعارض مع التعاليم الإسلامية كقانون الأوقاف ، وقانون التبني، ونفقة المطلقة . وبعد وفاة الشيخ محمد طيب انتخبت لرئاسة هذا المجلس ، وفي هذا العهد ثارت المشكلة ، وبعد محادثات شخصية مع رئيس الوزراء، وتقديم مذكرات احتجاج من سائر أنحاء الهند ، التي اتخذت في اجتماعات حاشدة أعرب المسلمون فيها عن استعداد لتقديم أي تضحية في هذا السبيل رضخت الحكومة لمطالب المسلمين ، واتخذت مشروع القانون الخاص بحقوق المرأة رغم معارضة الأغلبية في البلاد التي شنت حملة ضد أي تعديل في الدستور . وقد هدأت هذه العاصفة باتخاذ التعديل ، ولكن لا تزال ترتفع أصوات بفرض قانون موحد للأحوال الشخصية ويواصل المسلمون كفاحهم لتخييب مثل هذه المطالبة . المشكلة الثالثة هي مشكلة التعليم كان دستور الجمهورية الهندية العلماني يكفل حرية العقيدة والديانة والثقافة لكل عنصر من عناصر القومية الهندية ، ويساوي بين العناصر المختلف والطوائف الهندية ، وهو أفضل دستور لقطر يسكنه شعوب كثيرة ذات ديانات كثيرة وحضارات وثقافات متنوع ، وكان أفضل نظام من نظام المعارف في مثل هذه البلاد نظام لا يتبنى ديانة خاصة وعقيدة خاصة ، فإما أن يجمع بين تعاليم أديان مختلفة وينظر إليها بعين واحدة ، وهذا يصب تطبيقه في قطر مثل الهند غني بالديانات والحضارات ، وإما يعتزل جميع هذه الديانات والعقائد ولا يتناولها بالعرض ولا يتعرض لها نفياً ولا إيجاباً ، ويبقى مقصوراً على الثقافة العامة والمعلومات الدينية وما يحتاج إليه الطالب في حياته من مواد دراسية . وقد كان المشرعون وواضعو الدستور الهندي عقلاء بعيدي النظر إذ فضلوا القصم الثاني ، وذلك كان الوضع السائد والخطة المتبعة في العهد الإنجليزي ، هذا ما لا يقبل مناقشة ولا يثير اعتراضاً ، وكان المسلمون مسرورين إذا كان هو الوضع التعليمي في الجمهورية الهندي وولاياتها المختلفة . ولكن من المؤسف المقلق أن هذا لم يتجاوز صفحات الدستور والبلاغات الرسمية ، فقد تبنى واضعو المناهج الدراسية ومؤلفو الكتب المقررة للتدريس في ولايات الجمهوري ، خصوصاً في الولاية الشمالية ، ديانة الأكثرية وعقيدتها بعرض شعائرها وآلهتها ومقدساتها وأساطيرها الدينية مما يتنافى مع تعاليم الإسلام ويضاد عقيدة التوحيد البسيطة ، وما جاء في القرآن من وصف الله تعالى بصفات العظمة والجلال والقدرة والكمال والتفرد والتعالي عن المثال وعدم الحلول والاتحاد ، وينافي عقدية الرسالة والنبوة الإسلامية ، ويدعو إلى تقديس هذه الآلهة الأسطورية وعبادتها ، وتقديس بعض الأنهار والمدن وتأليهها ، ويصور الهند -البلاد التي تسكنها الطوائف الكثيرة - كبلد ليس فيه ديانة غير الديانة البرهمية ومعابدها واحتفالاتها وأعيادها وتقاليدها ومراكزها الدينية والروحية. والكتب التي قررت للمطالعة ليطلع التلاميذ على تاريخهم الماضي ويتعرفوا بالشخصيات الكبيرة قد اقتصرت على شخصيات شعب خاص وديانة خاصة ، وأعرض مؤلفوها - في تصميم وتفكير - عن الحديث عن أي شخصية كبيرة من شخصيات العهد الإسلامي الزاهر سواءً كانت من عباد الله الصالحين أو من الملوك العادلين ، أو المشرعين النابغين ، أو الإداريين الحازمين ، أو العلماء العبقريين، أو الشعراء المفلقين ، مع أنها من مفاخر الهند من أعلامها التي يتباهى بها الهنديون على اختلاف دياناتهم ويتجمل بها تاريخ الهند العام ، وفيها أسوة وحافز للتلاميذ الصغار والشباب الناهضين، وعاملوا العهد الإسلامي ومن نبغ فيه من الرجال وأصحاب الفكر والكمال معامل الأجانب ومعاملة الغرباء ، وإذا ذكروا بعضهم لم يحسنوا تصويرهم أو نسبوا إليه ما يحط من شأنهم بل وربما نسبوا إلى الرسول الأعظم r من الأخلاق والأعمال والحوادث ما لا يليق بإنسان شريف فضلاً عن الرسل ، ويجرح شعور كل مسلم ، ويثيره. إن وجود مثل هذه الكتب المقررة في نظام تعليمي إجباري تفرض دراستها على أولاد المسلمين وشبابهم حين لا يتلقون تعليمهم وثقافتهم عن مصدر آخر وتؤسس مئات آلاف من المدارس في المدن والقرى والأرياف ، وضع محرج للمسلمين يبعث فيهم القلق الشديد والإشفاق على مستقبلهم الديني وعقيدة أجيالهم ، ويهدد كيانهم الملي في هذه البلاد التي يعتبرونها وطناً لهم وقد صموا على الإقامة والبقاء فيها وخدمتها بكفاياتهم ومواهبهم والمساهمة في نشاطها ، ويجعلهم يخافون على أبنائهم وأفلاذ أكبادهم من الردة الفكرية والثقافية ، ومن الردة الدينية والوثنية ، وقد بدت طلائع هذه الردة في الأوساط التي أثر فيها هذا التعليم وانقطعت صلتها عن مصدر ثقافي أو عن الدعوة الإسلامية ، وبدأ الصغار السذج من أبناء المسلمين يتظاهرون بالشعائر البرهمية ويدينون ببعض عقائدها . إنه مبعث قلق عظيم وإشفاق وحذر في أوساط المسلمين وفي المجتمع الإسلامي فذلك انعقد مؤتمر عظيم في إحدى مديريات الولاية الشمالية (بستى) حضره عدد كبير من المسلمين من كل مذهب ومدرسة فكية ، وثلاث مائة ممثل ومندون من مختلف الطبقات وطلبوا من الحكومة أن تصلح برامج التعليم الرسمي وتسحب هذه الدروس التي تنافي العقيدة الإسلامية وتقوم على أساس ديانة خاصة وفكرتها وأساطيرها ، وتحافظ على علمانية المعارف كما يقررها الدستور ، وعزموا على إنشاء كتاتيب ومدارس تعلم أطفال المسلمين التعليم الديني في أوقات الفراغ ، وإنشاء مدارس تعلم المناهج الدراسية المقبولة في المعارف مع مادة الديانة وإضافة دروس تعاليم الإسلام ، وقد كان لهذا المؤتمر تأثير كبير في الوسط الإسلامي ، وانبثت فروعه في أنحاء الولاية ، وانعقدت مؤتمرات عظيمة ، وكانت الفكرة التي يلتقي عليها المسلمون وأفراد الأقلية على اختلاف طبقاتهم ومشاربهم . ولجمعية العلماء أيضاً نشاط في حقل نشر التعليم الإسلامي وتأسيس الكتاتيب والمدارس في المدن والقرى . المشكلة الرابعة هي المشكلة اللغوية ، نشأت لغة أردو باختلاط العناصر المختلفة و الأجناس المختلفة من أهل الهند ، وكانت مزيج الثقافات المختلفة ووليدة اللغات الأربع القديمة : السنسكريتية ، والعربية ، والفارسية ، والتركية ، واقتبست في العهد الأخير من اللغة الإنجليزية مفردات كانت جارية على ألسنة العامة ، وأصبحت لغة الجمهور ولغة الثقافة والعلوم والآداب الرفيعة، والصحافة والسياسة ، وأصبحت أداة التفاهم بين الولايات الهندية والمناطق المختلفة التي لكل منها لغة محلية خاصة ، ويتكلم بها عامة الجمهور في الولايات الشمالية وفي ولاية " بهار وفي دهلي وما جاورها من المدن وفي ولاية حيدر آباد ، وهي اللغة الوحيدة التي يفهمها أكثر أهل الهند في كل منطقة وولاية ويصدر فيها صحف ومجلات تلى الصحف الإنجليزية السيارة في عدد قرائها والمشتركين فيها . كانت " أردو " في اللغة الرسمية ( الثانية بعد الإنجليزية ) التي تستعمل في المحاكم والإدارات والمدارس حتى اقتضت سياسة الإنجليز في عهد الولاية الشمالية ( Sir Antony Maodonalde) أن يشجعوا اللغة الهندية ويحدثوا تنافساً بين اللغتين الشقيقتين ، ويبذروا بذرة العداء بين الطائفتين ، فقرر الحاكم المذكور في 18 من أبريل عام 1900م قبول اللغة الهندية ، واستعمالها في المحاكم ، فمن ذلك الحين برزت إلى الميدان ، واستقلت الهند وانقسمت سنة 1947م وقرر دستور الجمهورية الهندية كما تقول في مادة (343) إن اللغة الرسمية هي الهندية في الحروف السنسكريتية ([24]) وقرر الدستور أربع عشرة لغة هي لغات المناطق كلغات الهند المعترف بها دستورياً ، وفيها أردو ، وقرر الدستور أن كل لغة يتكلم بها عدد يعتد به يعترف بها ويمنح أهلها كل تسهيلات لتعليمها لأبنائها إذا طلبوا ذلك ، واقتنع رئيس الجمهورية بوجود هذا العدد ورغبته في أن هذه اللغة أداة التعليم لأبنائه فتقول المادة (347): " إذا رغب عدد وجيه من أهل ولاية في أن يستعمل لغة يتكلم بها ، وطلب أن تعترف بها حكومة الولاية ، واقتنع رئيس الجمهورية بأن من يطلب ذلك يشكل عدداً لا يستهان به ، فللرئيس أن يصدر أمراً بالاعتراف بهذه اللغة رسمياً واستعمالها للمقاصد التي يصرح بها الرئيس ". ولكن الولايات التابعة للمركز ، وخاصة الولاية الشمالية التي كانت تعتبر مركزاً للغة أردوا فيها تهذبت ورقت - ألغت لغت كمادة دراسة وكأداة التعليم في المرحلة الإعدادية والتحضيرية ، وقررت اللغة الهندي لغة إجبارية وأداة التعليم الوحيدة التي يتلقى فيها التلاميذ المواد الدراسية وإن كانت لغتهم التي يتكلمون بها ويتكلم بها آباؤهم هي لغة أردو ، وطبقت وزارة المعارف في ولاية ( يو بي) هذا القرار بدقة وشدة ، ومنعت دراسة لغة أردو في مدارسها الابتدائية قاطبة ، وهكذا أقصيت لغة أردو من المدارس الابتدائية إقصاءً تاماً. إن إلغاء أردو كمادة دراسية في المدارس وكأداة التعليم كان مؤثراً في ثقافة جميع العناصر ، والطوائف التي تتكلم بها وفي مستقبلها المنوط باللغة ، ولذلك أثار موقف الحكومة المادي إزاء هذه اللغة سخطها واعتراضها ، ولكن تأثيرها في ثقافة المسلمين ومستقبلهم كان أعظم وأعمق . وكان هذا التأثير يتجاوز الثقافة إلى العقيدة والمستقبل الديني ، لأن أردو هي الوسيلة الوحيدة التي تربطهم بالثقافة الإسلامية ففيها المكتبة الدينية وحروفها عربية ، فتسهل بها قراءة القرآن ودارسة اللغة العربية لمن يرغب في هذه الدراسة ، وفيها آدابهم وحضارتهم وتاريخهم ، ومعنى انقطاعهم عن هذه اللغة وجهلها ، الانقطاع عن ثقافتهم وماضيهم ، فاعتبروا بحق إلغاء هذه اللغة في المدارس قصداً على قومتهم وثقافتهم وخصائصهم وكيانهم ، فاحتجوا ضد هذا الموقف الذي تقفه الحكومة نحو هذه اللغة المعترف بها رسمياً، الواسعة الانتشار ، الحية السائدة التي يتكلم بها ملايين من أهل البلاد، فأصدرت الحكومة المركزية قراراً يقول : " ينبغي أن تكون اللغة التي يتكلم بها الطفل والتي هي لغة أبويه أداة التعليم والامتحان في مدرسته ، وإذا كانت لغة الطفل تختلف عن لغة المنطقة واللغة الرسمية ويرغب عدد من التلاميذ لا يقل عن أربعين في المدرسة وعن عشرة في الصف فلابد من تعيين معلم لتعليم المواد الدراسية في هذه اللغة" . وعلى هذا الأساس قدم المسلمون والذين يتكلمون لغة أردو طالباً بتوفير التسهيلات لتعليم أطفالهم لغة أردو وتعيين أستاذ لذلك في مواضع كثيرة ، ففي لكنهؤ وحدها قدم أولياء التلاميذ طلباً بذلك عليه توقيعات عشرات آلاف من الآباء يطلبون من وزير المعارف تهيئة الأسباب لتعليم أردو وتعيين الأساتذة لهذه المادة في المدارس الابتدائية التي يتعلم فيها أبناؤهم وهم حريصون على تعلم أردو ، ولكن كل ذلك لم ينفع ولم يتغير موقف الحكومة ، وبقيت لغة أردو ملغاة خارجة عن المناهج الدراسية المتبعة في هذه الولايات ، وكلما تقدم طالب إلى مدير مدرسة يطلب تعيين أستاذ لتدريس أردو وتقرير دراستها اعتذر المدير بأن عدد الراغبين في ذلك لا يبلغ العدد المعين في القرار الرسمي مع أنهم يتجاوز هذا العدد في المجموع . وبعد كل هذه الاحتجاجات والمحاولات لم ير الناطقون بأردو والمختصون لها حيلة غير أن يلجأوا إلى مادة الدستور رقم (347) التي تمنح رئيس الجمهورية إصدار أمر بالاعتراف بلغة يتكلم بها عدد وجيه من أهل البلاد واستعمالها للمقاصد التي يصرح بها الرئيس، فبدأوا يجمعون توقيعات الأفراد الذين كانوا يتكلمون بأردو ويرغبون في أن يدرسها أبناؤهم ، وكانت حملة ثقافية منظمة تحت إشراف جمعية ترقية أردو ( أنجمن ترقى أردو ) شملت مديريات الولاية الشمالية ، وتأسست لها فروع ومراكز في هذه المديريات والمناطق ، وكانت مع ذلك حملة هادئة تعتمد على الوسائل الأدبية وحدها ولم تستعن بوسائل العنف والتهريج والإرهاب ، ولا بالأساليب السياسية ، ونجحت هذه الحملة فوقع مليونان وخمسمائة ألف من الرجال البالغين وأكثر من مليونين من غير البالغين يطلبون أن يتعرف بأردو كلغة المناطق في الولاية الشمالية ، وأن يسمح بأن تكون أداة التعليم للأطفال الذين يتكلمون بها ، وأن يطبق قرار الحكومة المركزية لتعيين أستاذ للتعليم في أردو إذا بلغ عدد التلاميذ الراغبين في ذلك العدد المطلوب المعين في القرار . وتشكل لهذا الغرض وفد وجيه يشتمل على كبار رجال الثقافة من المسلمين والهندوس يزور رئيس الجمهورية الهندية ويقدم هذا الطلب الذي يشتمل على أكثر من مليونين من التوقيعات ، ولعله أكبر طلب يتحلى بتوقيعات أكبر عدد من الجمهور يقدم إلى رئيس حكومته، وكان رئيس هذا الوفد الدكتور ذاكر حسين من رجال الثقافة العالمين ومدير جامعة عليكرة سابقاً ورئيس الجمهورية الهندية أخيراً، وقد دار هذا الوفد رئيس الجمهورية في دهلي الجديدة ، وطلب زيادة على الاعتراف بلغة أردو في محاكم الولاية الشمالية وإدارتها ، وإصدار البلاغات والمطبوعات الرسمية في أردو كذلك، وتشجيعها وإعطاء الجوائز لمؤلفيها ، وأن تحتضنها المجامع العلمية الرسمية ، كما كان الوضع في السابق ، وأن تعاد أردو ، إلى اعتبارها ومكانتها السابقة في دوائر الحكومة ، وتكون هذا الوفد باثني عشر عضواً نصفهم من كبار المثقفين الهندوس. وقد قابل رئيس الجمهورية هذا الوفد الموقر وأصغى إلى مطالبته وأبدى عنايته لقضيته وعطفه عليها ، ولكن لم يتغير الوضع ولم يحدث شيء جديد يطمئن إليه أصحاب قضية أردو المشفقون على مستقبلها وظلت - ولا تزال - هذه اللغة مجفوة مطاردة في وزارة المعارف وفي المدارس الرسمية ، ولا يزال أبناء الطوائف والعناصر التي تتكلمها محرومين ممنوعين من دراستها في المراحل الابتدائية، وبذلك يزدادون بعداً عن ثقافتها وينشئون على جهلها ، حتى انقطعت عن ثقافتهم القديمة وعن ماضيهم وعن عقيدتهم وشريعتهم التي يدينون بها ، حتى بدأ يظهر جيل جديد لا صلة بينه وبين الأجيال القديمة ، ينشا بعيداً عن محيطه الديني والثقافي ويصعب عليه الاتصال به إن حاول ذلك ، فقد انهدمت القنطرة التي يعبر عليها ثقافته وانقطعت الخيط الذي يربطه بماضيه وأسلافه ، مشكلة معقدة طريفة يقابلها المعلمون في بلادهم الأم ومهدهم ، ونذير بين يدي خطر شديد ومستقبل رهيب ، ولاشك أن الوعي السياسي والقومي سيحل هذه المشكلة ويطبق الدستور بأمانة ، ويتخلص المسلمون والطوائف الأخرى عن هذه الأزمة التي كانوا في غنى عنها ، وكانت البلاد في حاجة إلى ثقة تسود ونشاط يعم وتعاون يشمل ، ولا يكون ذلك إلا إذا اطمأن كل عنصر من عناصر الجمهورية الهندية إلى مستقبله الثقافي والديني ، وجرب أنه ليس في الهند الحرة الديمقراطية استعمار ثقافي ، وليس للغة وإن كانت لغة الأكثر أو لغة الهند الرسمية أن تنشأ وتسود على حساب اللغات الهندية الأخرى ، وأن تبتلعها وتقوم على أنقاضها ، فقد كانت حرب التحرير والكفاح الوطني الموحد على أساس ضمان الحقوق وكفالة الحريات - الدينية والثقافية - وقد شارك فيها كل عنصر وهو يؤمن بأنه سينال بعد الاستقلال والحكم الذاتي حرية العقيدة والثقافة ، ومحيطاً تتحقق به أمانيه ومطامحه تحققاً لم يكن إليه سبيل في عهد الاستعمار والعبودية، ويعيش كل عزيز مقدس من عقيدة وحضارة وثقافة وآداب. المشكلة الخامسة هي مشكلة الأمن والسلامة لحدوث اضطرابات طائفية في المناسبات والأعياد والاجتماعات العامة ، أو لدى حدوث أي نزاع أو خلاف بين فريقين أحدهما مسلم والآخر غير مسلم ، فيتطور هذا النزاع إلى صراع طائفي وكثيراً ما يتطور نزاع عادي يحدث في أي مجتمع ، أو شجار لخلاف أو سوء تفاهم ، أو انفعال شخص من طائفة ضد فرد آخر من طائف أخرى ، إلى اشتباكات تستخدم فيها القوة ، والأسلحة وآلات التدمير ، والإحراق، وتسفك الدماء ، وتنتشر حوادث القتل والإحراق والنهب والسلب إلى مناطق مجاورة ، ويستغرق الوضع مدة طويلة لتهدئة الأعصاب ، وعودة الحالة إلى طبيعتها ، لأن الشائعات والشبهات تشيع وتعكر الصفو، ويتعرض المسلمون لموقف غير محايد من أجهزة الأمن التي تميل إلى الأغلبية التي تنمى إليها ، فلا تتخذ إجراءات صارمة ضد المشاغبين ، كذلك تعلب الصحافة القومية دوراً حاسماً في تغطية الأحداث ، فتغفل عن وجهة نظر المسلمين وتقاطع نشاطاتهم البناءة فلا تنتشر ما يلقى الضوء على تحركاتهم ومجهوداتهم القومية ، ولا تعالج مشاكلهم معالجة محايدة بأمانة صحيفة ، وإنما تقدم تحليلات وتقارير مضللة تحمل المسؤولين مسئولية التخريب وإثارة الفتنة ، وكثيراً ما عقدت اجتماعات حاشدة للمسلمين اشترك فيها مئات ألوف من الناس فكان لها صدى بعيد لكن الصحافة القومية لم تنشر خبراً عنها بينما تغطى اجتماعات منعزلة لعناصر معادية للإسلام والمسلمين ، وإن الأمانة الصحفية تقتضي أن تقوم الصحافة بإعلام القراء بكل ما يحدث في البلاد ، حتى لو عقد الخنافس اجتماعاً حضره عدد ملحوظ ، أو عقدت عصابة مجرمة جلسة لتدبير خطة ، ينبغي على الصحافة أن تغطيها ، لكن موقفها إزاء المسلمين موقف مقاطعة ، وإذا نشرت خبراً نشرته عن زاوية معاكسة ، ويتحمل المسلمون أيضاً مسئولية كبرى عن عدم عرض موقفهم فانهم لم يفكروا في إصدار صحيفة إنجليزية أو هندية واسعة الانتشار تحمل وجهة نظرهم وتغطى نشاطاتهم . تكون وراء هذه الحوادث عادة شائعات ملفقة ونشاطات مهيجة لزعماء متطرفين يحملون الحقد ضد المسلمين ، فينتهزون كل فرصة لنزاع أو أزمة اجتماعية للهجوم على المسلمين ، الذين يصفونهم بأنهم عملاء للدول الأجنبية وغير موالين للوطن ، وتشترك في إثارة هذه التهم والشبهات والكراهية ضد المسلمين صحف الأغلبية ، وتعقد اجتماعات سرية يشترك فيها المتطرفون ويهجون فيها الأعصاب ضد المسلمين ، وتنظم عصابات مدربة على أعمال القتل والنهب للهجوم على المساجد والمنازل والمحلات التجارية والمارة بصورة منظمة. ويشكو المسلمين أن أجهزة الأمن تقف متفرجة أو محايدة خلال هذه النشاطات المثيرة للفتنة ، وأحياناً تتخذ إجراءات سلبية ، وتحول دون الدفاع عن النفس ، ونتيجة لتحركات ونشاطات المتطرفين يتحول المعتدى عليه معتدياً في نظر القانون والسلطات العليا، فيواجه محاكمات ومضايقات إلى أن تتضح الصورة ، وتنقشع سحب الريب والشبهات. وقد عينت الحكومة المركزية لجان تحقيق لدراسة الأسباب المؤدية إلى حدوث هذه الاضطرابات ، كما عينت لجنة الأقليات لحل مشاكل الأقليات ، ولكن المشكلة لا تزال مستمرة ، ولم ينقطع حدوث الاضطرابات الطائفية ، والواقع أنها ترجع أساسياً إلى نفسية خاصة للشكوك والشبهات بين الفريقين ، ونشطات بعض المنظمات التي تقوم يبث الكراهية ضد المسلمين ، وعدم ثقة المسلمين بأجهزة الأمن في تأمين مصالحهم ، فيجب لحل المشكلة اتخاذ تدابير شاملة ، كتحميل أجهزة الأمن مسئولية إقرار الأمن والنظام والقيام بواجبها بحياد، وإزالة الشبهات والشكوك ومكافحة الكراهية في الأغلبية ، وإيجاد جو من الثقة بين مختلف الطوائف ، فإن هذه الاضطرابات الطائفية تكلف البلاد بخسائر جسمية في الأرواح والممتلكات كما تصرف الاهتمام عن تنمية البلاد ، وقد واجهت عدة مدن صناعي اضطرابات طائفية ، كجلبور ، جمشيد بور ،رانجي ، راوكيلا، أحمد آباد ، مراد آباد ، ميرت ، وأبيدت فيها ممتلكات ولقي ألوف من المواطنين مصرعهم ، وقد اعترفت الحكومة أن الجهود التي بذلت للسيطرة على هذه الظاهرة ، لم توفق كلياً ، وأن سلسلة الاضطرابات تستمر في البلاد ، وفيما يلي تقرير رسمي عن الوضع الطائفي: عام 1979 - عد الحوادث 304 الوفيات 261- الإصابات 2397 1980 427 375 2838 1981 319 196 3613 1982 474 238 3025 1983 404 302 3478 هذه أرقام رسمية ، أما الأرقام التي جمعتها المنظمات المطوعة والأحزاب السياسية فهي تفوق كثيراً الأرقام الرسمية ، ولا تشمل هذه الأرقام عدد القتلى والجرحى في آسام ومراد آباد حيث بلغ العدد عدة آلاف . المشكلة السادسة هي المشكلة الاقتصادية ، فما قررته فلسفة التاريخ وأثبتتها تجاب الأمم أن الحالة الاقتصادية لها تأثير كبير في مستوى عقلية الشعب وصحته مواهبه وذكائه وطموحه . فالأزمة الاقتصادية والفقر الذي يعانيه الشعب وما ينتجه من سوء التغذية ، والحرمان من الفرص ، واليأس من المستقبل ، وفتور الهمة، والاعتزال عن الوظائف الكبيرة ، يؤثر في الشعوب تأثيراً عميقاً ، وينزلها من مستوى الشعوب الراقية الذكية الطامحة ، إلى مستوى الشعوب المنحطة الخاملة وطبقة المنبوذين ، وقد كانت موارد المسلمين المهمة إلى عهد الحكومة الإنجليزية ، الإقطاعية ، والملاكية، والوظائف الحكومية والتجارات الكبيرة ، وقد ألغيت الملاكية بعد التقسيم ، ولا تخلو هذه الخطوة الجريئة من إصلاح وفوائد للمجتمع الهندي ، أما الوظائف الحكومي فقد بدأ قسط المسلمين منها يقل ويضعف حتى أصبحت نسبة ضئيلة تنذر بتطور خطير في أوضاع المسلمين الاقتصادية والاجتماعية ، ومن أطلع على أعداد المنتخبين للوظائف خصوصاً في الجيش والشرطة والوظائف الرئيسية ، التي تطلع في الصحف بين حين وآخر وقارن بينها وبين أعداد الموظفين بل التقسيم ، اعتقد أن المسلمين قد غادروا هذه البلاد ولم يبق منهم إلا الأميون الذين لا يستحقون هذه الوظائف واستطاع أن يتنبأ بأن المسلمين سيقصون عن الجهاز الإداري في مدة قليلة ، وإذا أحيل الموظفون الكبار الذين لا يزالون في وظائفهم منذ عهد الإنجليزي على المعاش لا يبقى في الحكومة من يمثل ستين مليوناً من المسلمين ، ومما يلقى الضوء على هذا التدهور في نسبة الموظفين المسلمين ما يثار من الأسئلة بعض الأحيان في بعض مجالس التشريع ، وما يظهر في تقريرات الحكومة وبلاغاتها من الأعداد ، نلتقط منها مثالين فقط : منها ما قيل في مجلس ولاية دهلي التشريعي " أن عدد الموظفين المسلمين في بوليس هذه الولاية كان 1470قبل التقسيم وليس في البوليس الآن إلا 56 موظفاً مسلماً ، ولم ينتخب إلا موظفان مسلمان بعد سنة 1947م المثال الثاني ما قال وزير الدفاع في أبريل 1954م في خطبة ألقاها في جامعة عليكرة، أن نسبة المسلمين في الجيش كانت 32في المائة قبل التقسيم وليس الآن إلا اثنتان في المائة ". ويمكن أن يقاس على ذلك الوظائف المهمة الرئيسية مع أن المسلمين لم يفقدوا ذلك الذكاء وتلك المواهب التي اشتهروا بها في القديم واستحقوا بها ثقة الحكومات ، وتقلد المسئوليات ، ولا يزال عدد المتعلمين يزداد ويتضخم ، والعصر عصر التعليم والثقافة ، وهذا من أسباب انتقال عدد كبير منهم إلى باكستان خصوصاً الشباب المثقفين الذين يحرزون الشهادات العالية في العلوم والآداب ويثبتون نبوغهم ثم لا ينالون ما يستحقون عمن المراكز في الحكومة ، مع أن دستور البلاد قد ساوى بين طبقات الشعب وطوائفه ، وتكفل تكافؤ الفرص لجميع الطوائف والعناصر في الجمهورية الهندية ، والمساواة بين الحقوق ، وهو الذي يضمن زوال هذا الوضع وعدم بقائه لأنه وضع مضاد للدستور ومناف للجمهور إذا سرت روحها في طبقات الشعب وتغلغلت في المجتمع وزالت رواسب العهد الماضي. هذه رؤوس المشكلات التي يعانيها الشعب المسلم الهندي في هذه الفترة التي لابد منها لكل بلد بقى تحت الحكم الأجنبي مد طويلة، ولم يسغ الجمهورية إساغة كاملة ولم يتعودها بالمعنى الصحيح، ولكن نرجو أن هذه الفترة لا تطول لأنها غير صالحة للبقاء في هذا العصر المتحرر الجمهوري ، وسيغلب العقل على العاطفة والوعي السياسي على العصبية الطائفة والعقلية الضيقة ، وحينئذ تنحل هذه المشكلات وينال الشعب الإسلامي كل ما يستحقه من الحرية والكرامة والمساواة كجزء من أجزاء هذا الوطن العزيز وركن من أركان هذه النهضة المباركة ، إذا أثبت جدارته واستقامته وصبره ، واعتماده على الله ، ولله الأمر من قبل ومن بعد ، ويومئذ يفرح بنصر الله .
شخصية الشعب المسلم ([25]). مقوماتها ومصادرها : أرحب بكم على أرض قامت عليها تجربة من نوع فريد في تاريخ الديانات والحضارات والثقافات نجحت نجاحاً منقطع النظير ، تجرب دخول دين يواكبه العلم والحضارة ، ومنهج خاص للحياة لا تربطها به لغة ولا آداب ولا حضارة ، ولا قومية ولا عنصرية ، ولا عادات ولا طبائع ، فبرهنت هذه التجربة على القوة المودعة في طبيعة الإسلام ، وقدرته على إشعال المواهب ، وتفتيق القرائح وإثارة الدفائن ، واستخدام الطاقات البشرية في صالح الإنسانية ، وعلى استجابة الفطرة البشرية السليمة له ، كأنما كانت منه على موعد واشتياق ، معه على تفاهم واتفاق ، وبرهنت كذلك على خصب التربة وكرم المنبت ، وعلى أن العلوم الإسلامية تورق وتثمر في كل بيئة ومناخ ، وقد تكون أكثراً ازدهاراً ، وأفضل ثماراً ، إذا غرست في أرض بكر ، وتناولها عمل التلقيح الحكيم ، و " التأبير" السليم، وعلى أن الشعور بالغربة ، والبعد عن مصدر هذه الهداية ، ومنطلق هذه القافلة ، واليأس من وصول الميرة والمدد ، والاعتماد على نصر الله وحده ، ثم الاعتماد على الرسالة التي تحملها هذه الجالية ، وصلاحيتها للبقاء ، ونفعها للإنسانية المعذبة ، والشعور بكونها على ثغر من ثغور بعيدة عن مركز الإسلام ، كلفها الله حراستها والذود عنها ، يثير في هذه الجالية قوة تصنع العجائب وتأتي بالمنجزات، وتتغلب على كل مقاومة ومحاربة ، ومؤامرة ومعاكسة ، وتكذب تجارب الأمم ، وتبطل المنطق المادي الذي يؤمن بالرياضيات ، وفلسفة الأعداد والعدد ، وخضوع النتائج للمقدمات والمسببات للأسباب. تدخل هذه الجالية في البلاد غريب ، فلا تلبث أن تتخذها داراً وقراراً يحبها أبناؤها وتحبهم ، ويرون فيها الأخ الكريم والأب الرحيم ، والأستاذ الشفيق ، والحاكم الرفيق ، والصانع الحاذق ، والإداري الحازم ، وتصب على هذه التربة أفضل ما عندها من طاقات وكفايات ، وعلوم تجارب ، وتعاليم وآداب ، وإبداع وابتكار ، ونشاط وحماس ، وقوة عمل وقوة إرادة ، وحسن تنظيم وقدرة إدارة ، وتلتقي الفروسية التركية ، وقوة الإرادة المغولية ، والنخوة الأفغانية ، والطبيعة الإيرانية المرحلة القلقة ، الهائمة بالجمال والخيال، ورقم العجم وخفة روحهم ،مع جدية العرب وسلامة ذوقهم ، مع طبيعة البلاد وأبنائها الرقيقة الوادعة ، والولوع بالفلسفة والتصوف ، تسيطر على جميع هذه العناصر والعوامل عقيدة التوحيد النقية ، وتعاليم الشريعة الإسلامية السمحة ، وتصهرها في بوتقة ، فتنشأ من كل ذلك حضارة جديدة تستحق أن تسمى " الحضارة الإسلامية الهندية". وقامت في الهند مدرسة حضارية فكرية علمية ، ذات شخصية خاصة ، وطابع خاص ، أنجبت عدداً كبيراً من النوابغ وأئمة الفنون الإسلامية ، وأصحاب الإبداع والابتكار ، والأصالة العلمية ، كانوا أصحاب مدارس خاصة ، وفاتحي آفاق جديدة ، ليس في العلوم الدينية كالتفسير والحديث ، والفقه والعقائد فحسب ، بل في علوم اللغة والآداب العربية ، أقر لهم علماء العرب بالإمامة والزعامة فيها وعدت كتبهم من المراجع الرئيسية في هذه العلوم ، وبعضها فريد لا نظير له في المكتبة الإسلامية العالمية ([26])، وأمدت هذه المدرسة الحركة العلمية والتأليفية في العالم الإسلامي والعربي التي أصابها الفتور ، وغشيها الإعياء الفكري في بعض الفترات بعد القرن الثامن الهجري ، بدم جديد ونشاط جديد ، وأصبحت معقلاً لبعض العلوم الإسلامية - بعد الزحف التتاري - وصارت أكبر مركز لعلم الحديث الشريف في الزمن الأخير ، ومصدر إشعاع وتصدير بعدما كانت مركز استفاد واستيراد ، ونبغ فيها أكبر علماء هذا الفن ، وألف فيها أحسن الكتب في هذا الموضوع ، وقاد بض رجالها في مختلف العهود حركت الإصلاح والتجديد ، والبعث الجديد، سمع صداها العالي ، ورؤية آثارها الطيبة المباركة في نواحي العالم الإسلامي البعيدة . ثم أراد الله أن تخوض هذه البلاد أكبر معركة حضارية ثقافية فكرية ، شهدها التاريخ المعاصر ، وأن تواجه أعنف صراع بين المبادئ والعقائد والقيم والمفاهيم ، والمعايير والموازيين ، معركة قامت بين الحضارة الغربية والفلسفة الغربية ، وبين الحضارة الإسلامية والفلسفة الإسلامية ، وصراع بين الفكرة الإسلامية والفكر الغربية ، بأوسع معانيها وأدقهما ، فكانت معركة حامية دامية ، وصراع عنيفاً قاسياً ، فقد واجه الشعب الهندي المسلم المثخن بالجراح ، المصاب بدهشة الفتح ، الحضارة الغربية الفتية الدافقة بالحيوية والنشاط وجهاً لوجهة ، لا حاجز بينهما و لا فجوة ودام في ربوع الهند الحكم الإنجليزي الثائر الموتور الحانق على هذا الشعب الذي تسلم منه مفاتيح البلاد ، وذاق من جرائه الثورة العارمة ، والحرب المسعورة قرناً كاملاً ، يحمل الروح الصليبية مع الروح الاستعمارية ، يرى في الشعب المسلم منافسه الحقيقي الدائم في كل زمان ومكان ، ويرى في الإسلام معسكراً يوازي معسكره على طول الخط ، وكل يدعى أنه يقود الحياة ويصوغ المجتمع ، ويشرع ويسن القوانين ، ويملأ الفراغ الذي لابد أن يملأ ، فكان نصيب الشعب المسلم من لهيب هذه المعركة وخسائرها وغراماتها أكثر من نصيب أي شعب آخر ، وكان أكثر حساسية وأكثر حساباً لهذه المعركة من جميع الشعوب بطبيعة الحال ، وقد سجل التاريخ الأمين المنصف ، أنه كان أكثر صموداً ، و أكثر احتفاظاً بشخصيته ومعنوياته ، وأكثر تمرداً واستعصاءً على حركة الإبادة الدقيقة الشاملة من أكثر الشعوب الإسلامية على حركة الإبادة الدقيقة الشاملة من أكثر الشعوب الإسلامية التي اكتوت بنار الاستعمار الأجنبي ووقعت تحت نيره. هذا عدا حرك " التنصير " التي يسميها أصحابها حركة " التبشير" التي واجهها المسلمون في الهند على إثر استقرار الحكم الإنجليزي ، وقد كادت تكتسح البلاد من أقصاها إلى أقصاها، وكانت مسلحة بأقوى الأسلحة وأشدها تأثيرها في الشعب المفتوح المهان، وتتمتع بحماية الدولة التي تعتبر هذه البلاد منحة من السيد المسيح ( على نبينا وعليه الصلاة والسلام ) والسيطرة على البلاد فرصة سانحة للدعوة إلى الدين المسيحي ، ترافق حركة التنصير حملة تشكيكية قوية ، تشكيك في كل ما يتصل بالدين الإسلامي من شريعة وحضارة وثقافة وتاريخ ، وقد قاوم علماء المسلمين كلتا الحركتين بقوة زائدة ، وقدرة فائقة ، وآثروا سياسة الهجوم والنقد العلمي على سياسة الدفاع والتماس العذر ، فانحسرت موجات الدعوة التبشيرية ، والحركية التشكيكية ، وتراجعت إلى الوراء ، وازداد المسلمون إيماناً وثقة بدينهم ، واعتزازاً بحضارتهم وثقافتهم ، واعتداداً بشخصيتهم وتاريخهم . وأم عدد كبير من الشباب المسلمين مراكز الثقافة الغربية في كبرى العواصم الأوروبية ، وتخصصوا في علومها العصرية ، وحذقوا اللغة الإنجليزية كأبنائها ، وكان منهم أدباء ، وكتاب ، ومؤلفون ومعلمون ، وإداريون ، شهد ببراعتهم وتفوقهم علماء الغرب، ولكن كان منهم أكبر نقدة ،وأقوى ثائرين على الفلسفة الغربية المادية ، والفكرية الغربية المتطرفة والمتعصبة للمسيحية أحياناً ، والمتحللة الملحدة أحياناً كثيرة ، وتناولوا الحضارة الغربية ، والفلسفات الحديثة، بنقد على عميق ، وتشريح جريني دقيق ، وتهكم لاذع رشيق، كل على حسب أسلوبه الخاص ، وظروفه الخاصة ، وصدرت من أقلامهم أقوى كتابات في عرض الإسلام كدين كامل شامل ، ومهاجمة الحضارة الغربية في أسلوب ملئ بالثقة والاعتزاز بيد عن كل تأويل واعتزاز ، وأنشأوا جبهة علمية قوية أمام دعوة الفكر الغربية والحضارية ، شعارها إنكار إمامة الغرب ، وعصمته من خطأ ، وبراءته من كل ضعف ، والافتخار بالإسلام كرسالة إنسانية عالمية خالدة، والإيمان بمحمد r كخاتم الرسل ومنير السبل وإمام الكل . ثم واجه الشعب المسلم الهندي تجربة جديدة ، ودخل في فترة كبيرة الأهمية ، وهي تجربة ممارسة الحياة الحرة الاستقلالية ، التي كان من أول دعاتها ، ومن أكبر أبطالها ، والمضحين في سبيلها ، والتي يساهم فيها كأبناء البلاد ، وأفراد الشعب المواطن المناضل ، الحرب الأبي الكريم ، فترة انتقال من الحكم الأجنبي إلى حكم الذاتي، تسن فيه قوانين جديدة ، ويصاغ فيه المجتمع صوغاً جديداً ، ويوضع للتربية والتعليم نظام جديد: وتتحكم في حياة البلاد اتجاهات طائفية أحياناً ، عاطفية وأعصابية أخرى ، والمسلون في كل هذه الظروف أقلية عددية ، وطائفية متخلفة ، قد حرص الحكم الإنجليزي على إضعافها وتأخيرها في ميدان الحياة ، تحيط بها هالات من رواسب الماضي ، ومن شبهات هي منها بريئة كل البراءة ، ومن تصرفات هي منها بعيدة كل البعد ، وكل ذلك يضخم مسئولياتها ، ويضعف موقفها ، ويحرج مركزها ، وهي مع كل ذلك مصممة على البقاء في هذه البلاد ، مع الاحتفاظ التام بشعائر دينها ، وخصائص حضارتها شخصتها ، لا تتخلى عن شيء من ذلك ، فكانت محنة ذكاء ومحنة وفاء ، محنة عقيدة جازمة ، ومحنة وطنية صادقة ، محنة الشخصية القوية العبقرية ، ومحنة الروح الإيجابية البناءة محنة نظيرها في التاريخ الإسلامي القديم ، فلا تمكن الاستنارة به في ذلك ،ويندر الحديث عنه في كتب الفقه والفتاوى ، ومتى وجد ستون مليوناً أو أكثر من المسلمين في أكثرية غير الملمين ، في بلد يحكمه البرلمان ، ويسيطر عليه الدستور ،واتخذ العلمانية له شعاراً ، فلا سبيل إذا في تخطيط الحياة اللائقة العملية الخاضعة لتعاليم الإسلام والحقاق الراهنة، إلا الأصول الإسلامية الحكيمة ، الخالدة العالمية ، والذكاء الألمعي ، والشخصية القوية ، والعزم الصادق ، والإيمان الراسخ ، وإيثار حياة الشرف والكرامة على حياة اللؤم والمهانة ، والاستشراف لبتوء مكان القيادة الخلقية الذي لا يزال منصبها شاغراً ، والظهور على منصة هذه البلاد ومسرحها كداع مخلص رباني ، وقائد خلقي إنساني ، مجرد عن كل شهوة وأنانية ، وأغراض فردية وجماعية ينقذ هذه البلاد من الهوة السحيقة العميقة من الانحطاط الخلقي ، وتقديس المادة والتهالك عليها والانتهازية ، ونسيان فاطر الكون، وذلك هو الطريق الوحيد الذي يرفع هذا الشعب من مستواه الشعبي العام إلى مستوى الرائد ، والقائد الرفيع السامق . وقد عرف الشعب المسلم الهندي في تاريخه الطويل - ولا أزكي على الله أحداً، إنما هو تحديث بالنعمة ، وتقرير الواقع التاريخي - بقوة عاطفته الدينية ، وحبه العميق المتغلغل في الأحشاء لرسول الله r ، وارتباطه بمهد الإسلام ومركزه ، وذلك الذي حماه من أن يذوب ويفقد شخصته ، كما كان الشأن مع الشعوب التي دخلت في هذه البلاد في فترات مختلفة ، وأبدى اهتمامه الشديد بقضايا الإسلام والمسلمين في الزمن الأخير ، قد تبنى قضية لدفاع عن الخلافة العثمانية بحماس منقطع النظير ، ولا تزال " حركة الخلافة " التي كان لها فضل كبير في إثارة الوعي السياسي والوطني في شبه القارة الهندية ،كبرى حركات الهند الشعبية ، وموضع دهشة المستعمرين، وموضوع المؤرخين والمؤلفين ، كذلك أبدى اهتمامه الشديد بقضية فلسطين ، والمسجد الأقصى المبارك ، وكان مرهف الحس ، رقيق الشعور ، شديد الانفعالية في كل ما يقلق المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها . وقد تجلت قوة عاطفته الإسلامية ، وشدة تمسكه بالدين ، وتعاليمه وثقافته ، في شبكة المدارس الدينية والكتاتيب الإسلامية ، الدقيقة الواسعة ، التي قلما خلت منها قرية كبيرة فضلاً عن المدن والأمصار ، وقد أسسها المسلمون في طول الهند وعرضها ، بعد استقرار الحكم الإنجليزي ، وتملكه لزمام التربية والتعليم في القطر الهندي ، وهي تتجاوز المئات ، وتبلغ إلى الألوف ، ومنها عدد كبير يسمى " بالمدارس العربية " لعنايتها الزائدة بالعلوم الإسلامية التي ألفت كتبها في اللغة العربية ، وعنايتها بالقرآن والحديث اللذين هما بلغة العرب ، وهي تعنى غالباً بتدريس الجامع الصحيح للبخاري بصفة خاصة ، وتدريس صحيح مسلم ،وجامع الترمذي ، وسنن أبي داود بصفة عامة ، وتكاد تكون هذه المدارس كلها شعبية يملوها ويكفلها الشعب المسلم ، ويعتبر ذلك سعادة وعبادة ، ويتنافس فيه ، وذلك سر وجود هذا العدد الكبير من العلماء المحتسبين ، والدعاة المتطوعين ، والمعلمين المخلصين في كل زمان ، الذين يعيشون على الكفاف ، وببلغة من العيش يتبلغون بها في نشر العلم ، والدعوة إلى الله ، وتعليم الناس دينهم . ومن سمات العلماء والمتخرجين في هذه المدارس الدينية البارزة ، أنهم كانوا في طليعة المناضلين لتحرير البلاد و إجلاء " المستعمرين " وفي مركز القيادة في هذه الحركة الشعبية القوية ، ومنهم انبثقت فكرة النضال ضد الاحتلال في الحقيقة ، وقد قاد كثير منهم حركات المقاومة الفعالة والثورات المسلحة بمقدرة وشجاعة ، فمنهم من قتل شهيداً ، ومنهم من شنق ، ومنهم من نفي إلى جزائر إندمان ، أو إلى منفى جزيرة مالطة ، ومنهم من قضى شطراً من حياته في السجون والمعتقلات في داخل البلاد ، وتاريخ حركة التحرير والاستقلال مقترن بتاريخ العلماء والشخصيات الدينية في الهند ، متداخل فيه ، بحيث لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر. ومن سماتهم البارزة أنهم قادوا الحركة الأدبية الإنشائية في شبه القارة الهندية ، وكانوا من الدعائم القوية السامقة التي قام عليها قصر الأدب الرفيع والنثر النفي بعد ثورة 1857م ، وكان كل واحد منهم مؤسس مدرسة أدبية خاصة ، لا يزال لها أنصار وأتباع ومقلدون ، وكان كثير منهم رائد نشاط جديد في الإنشاء والتحرير، والنقد وتاريخ الأدب والشعر ، ولا تزال مؤلفاتهم هي المرجع الأصيل والعمدة في هذا الموضوع ، فلم يكن في الهند ذلك الفصام النكد بين علوم الدين والأدب العصري ولغة البلاد ، ولم تكن تلك الفجوة التي وقعت في بعض البلاد بين علماء الدين والشادين بالأدب والشعر ، والهائمين بهما ، الفجوة التي جنت على الدين والأدب في وقت واحد. وأصبح الشعب المسلم الهندي اليوم مكتفياً بالإسلام ، يستمد قوته وصموده من منابع الإسلام الأصيلة ، كالكتاب والسنة ، وسلوك الرعيل الأول من المسلمين ، وجهاده ووفائه وبطولاته وسيرة السلف الصالحين الذين أحسنوا فقه الإسلام ، وأساغوا تعاليمه ، واستقاموا على الطريقة ، قد ربط عقيدته ومصيره وسلوكه بالإسلام ، ولم يربطه بالمسلمين عرباً كانوا أو عجماً ، فليس " إمعة " يقول إن آمن الناس آمنا، وإن كفروا كفرنا ، وإن استقاموا استقمنا ، وان انحرفوا انحرفنا ، ولا يشترط لوفائه للإسلام ، وفاء شعب من الشعوب الإسلامية للإسلام بل يرى ذلك لزامً عليه وشكراً لنعمة الإيمان التي لا نعمة أعظم منها ، وهو يدعو الله أن يبقى متمسكاً بالجامعة الإسلامية ، معتزاً بحضارة الإسلام وفلسفته ، متمسكاً بالدين الإسلامي كدين كامل يقود الحياة كلها والأزمة والمجتمعات كلها ، حين تؤمن شعوب كثير بقومياتها وحضاراتها البائدة ، وفلسفات عتيقة وحديثة ، منافية للإسلام أو منافسة له ، وأن يلهم الثبات على المبادئ والقيم ، والمثل العليا ، مهما كانت قيمته في الحياة المادية والفرص المواتية ، حتى يستطيع أن يخاطب به وينشد : فليتـك تحلو الحـياة مريرة وليتك ترضى والأنام غضاب وليت الذي بيني وبينك عامر وبيني وبين العالميـن خـراب إذا صح منك الود فالكل هين وكل الذي فوق التراب تـراب
شعب يقرر ويعاهد الله
"نختم هذا الكتاب بالكلمة التي ألقاها المؤلف في مؤتمر التعليم الإسلامي (الذي انعقد في 4 و 5 يونيه عام 1961م في لكهنؤ تحت رئاسته ) في جلسته الأخيرة ، وهي تحدد موقف المسلمين في الهند : مركزهم وتنير الطريق لهم ، وهي من خير ما يختم به هذا الكتاب". أيها السادة : نحن الآن في الجلسة الأخيرة من جلسات المؤتمر، وسترجعون إلى بلادكم ومراكزكم ، وأحرص على أن لا ينفض هذا المجلس إلا وأنتم تحملون رسالة معكم ، ولا تقوموا من هذا المجلس إلا بعد ما عاهدتم الله ، وأخذتم من نفوسكم ميثاقاً ترتبطون به في حياتكم ، وإن مستقبلنا يتوف على هذا الميثاق . إن لهذا الميثاق جزئين : أولهما أن نؤمن بأن هذه البلاد - الهند - هي بلادنا وطننا ، وسنعيش فيها كأبناء ، وحقنا على هذه البلاد لا يقل عن حق أكبر مواطن، وأقدم مولود فيها ، وليس لأعظم شخصية في ربوع الهند - سواءً كان رئيس الجمهورية الهندية أو رئيس الوزراء - أن يدعى أن حقه على هذه البلاد يزيد على حقنا ، فهذا البلد حبيب إلى نفوسنا ، ونحن حرسة دستوره ، لا نسمح بخيانة فيه ، أو مؤامرة ضده ، إن كل شبر من أشبار هذه الأرض الواسعة الجميلة يحمل ذكرياتنا الخالدة ، ويشهد بعهدنا الجميل الزاهر، ومواهبنا النادرة ، وإنتاجنا الضخم ، لقد كانت هبتنا لهذه البلاد ونصيبنا في ترفيهها وترقيتها وتزيينها يفوق نصيب كل شعب حكم هذه البلاد ، لقد ولدت هذه البلاد في عهدنا ولادة جديدة ، ووصلت إلى أوج الحضارة والتمدن ، ومن أراد أن يعرف ما نقله المسلمون إلى هذه البلاد من ثمرات الحضارة ونتاج العقول وما أضافوا عليها من الجمال والكمال فلينظر إلى ما كانت عليه قبل دخول المسلمين ثم يقارن بين ذلك وبين ما تجملت به بعد ما استمر الحكم الإسلامي مدة من الزمان وما هي عليه الآن ، فهذه البلاد بلادنا ، إنه وكرنا الذي نأوي إليه ونطير منه ، وحقنا عليه حق الطائر على عشه ، وعلى روضته التي ولد وعاش فيها ، يتمتع بأنهارها وأشجارها ، ويتغنى بأزهارها وأثمارها ، يجلس على أي غصن شاء ، ويطير في الأجواء في حرية وانطلاق ، ومن غير خوف و إشفاق . فوطنيتنا صادقة ، وحقوقنا المدنية لا تتحدى ولا تناقش يجب أن تكون هذه عقيدتكم ، وأن تكونوا من ذلك على ثقة ووضوح ، لا يخالجكم في ذلك تردد واضطراب ، ولا يساوركم فيه خوف أو ارتياب ، نحن أبناء الهند ، وسنعيش فيها كأبناء وأصحاب البلد ، وسنسهم في تقدمها ورقيها ، وتحقيق مشاريعها العمرانية ورفع مكانتها السياسية ، بكل نشاط وحماسة ، وبلك رغبة وسرور ، وسنظل محافظين على كرامتها وشرفها ، وروح دستورها ، وسنقوم بواجبنا وإن تخلف عن أداء الواجب كل هندي وكل مواطن ، فنحن أبناء بررة وقوم أشراف ومواطنون أوفياء ، هذا هو الميثاق الذي أخذناه من نفوسنا ، ونريد أن نجدده في هذا المجلس . والشطر الثاني من هذا الميثاق أننا عاهدنا أن نعيش في هذه البلاد بكل خصائصنا الملية ، وحضارتنا الإسلامية وشعائرنا الدينية، وبأخلاقنا الاجتماعية وبشخصيته المسلمة ، لا تتخلى عن شعيرة من شعائرنا ، ولا نتنازل عن جزء من أجزائها ، يحرم علينا أن نعيش مجردين عن هذه الخصائص ، وعن هذه الحضارة وعن هذه الشخصية ، ولا لذة في الحياة ولا خير فيها بعد ذلك ، فإذا لم يكن لنا أن ننقل عقيدتنا ، وتراثنا الحضاري إلى أجيالنا وأولادنا ، وأن نعلمهم كما تفرضه علينا مبادئنا وعقائدنا الإسلامية ، وإذا لم يكن لنا كذلك أن نقر عيناً بإسلاميتهم نشأتهم الدينية ، فليست هذه الحياة حياة الأشراف الأحرار فضلاً عن أن تكون حياة المسلمين الأبرار ، إنما هي حياة البهائم والسائمة ، حياة الثيران والحمير والكلاب ، إن الكلب كيفيه أن ينال رابته من أكل وشرب ، وأن يكون مصوناً عن الأعداء ، و أن يكون حراً في الإنتاج ، وأن ينال شبعه وربه على يد سيده ، وكذلك يكفى الثور أن ينال علفه وأن يكون آمناً في مربطه أو حراً في غابته ، فإذا تم له ذلك طابت حياته وتحققت رغباته ، وكملت حريته ، ولا يفكر في تربية أولاده على أسلوب خاص، ولا يفكر في عقيدة ينقلها إلى أولاده أو يأخذها بها ، حتى إذا منع من ذلك وحرم فرصه ووسائله ثار واضطرب وتكدر عيشه . ولكن الإنسان يختلف عن ذلك كل الاختلاف ، فلا يكفيه أن يقطع له من الرزق ، أو يأتيه رزقه رغداً ، ويرتب له غذاؤه وقوته ، وما لا يعيش بغيره ، وأن يحفظ من الاعتداء على النفس العرض و المال ، إنه يريد أن يضم إلى ذلك حرية تربية أولاده وتعلميهم ، وأن ينقل إليهم عقيدته وعقليته وثقافته وما يؤمن به من مبادئ ، ويتمسك به من أصول ، ويستميت في سبيله من دين ، وأن يرى أولاده وخلفاءه وأفلاذ كبده على الطريق الذي اختاره لنفسه وآثره على غيره، لا تسلط عليه عقيدة يكفر بها ، ولا ثقافة يعارضها ، لا يملك من أولاده ومستقبلهم وسيرتهم شيئاً ، ويراهم يرتدون عن دينه وينسلخون عن حضارته ، ويتجردون عن خصائصه ، فلنعاهد الله على أن نعيش عيش الأشراف الأحرار ، عيش بني آدم الذين أكرمهم الله بالإنسانية ، ولا نعيش عيش البهائم الداجنة أو الكلاب المقتناة ، ولا نقتنع بحرية الأكل والشرب ، وضمانة الرواتب وتكافؤ الفرص، في قضاء مأرب النفس وتربية الأجسام وتولي الوظائف فحسب، إننا نفرض هذا الأسلوب من الحياة ، وهذا المنهج من التفكير ، وهذا النوع من الحرية ، وهذا القدر من الوطنية. سادتي : إن في هذه البلاد منبوذين ينحدرون من الشعوب التي استعبدها الذين فتحوا هذه البلاد قبل آلاف من السنين واضطروهم إلى أن يعيشوا في ظلم وفقر وضعف وسخرية ، يتنجس الإنسان إذا مسهم ، ويعاب إذا جالسهم ، ويعاقب إذا واكلهم ، إن هؤلاء الأشقياء جنوا على أنفسهم يوم دخل هذه البلاد الفاتحون من أواسط آسيا جناية يحتملون جريرتها إلى هذا اليوم ، وستحملونها إلى قرون وآلاف من السنين ، كان ذلك أنهم آثروا حياة الذل على موت الشرف ، إن الشعوب تخطئ مرة وتعاقب لآلاف من السنين ، لا نريد أن نرتكب هذا الخطأ ، إننا نعاهد على أن نعيش في الهند حياة كريمة شريفة لا حياة الكلاب ولا حياة المنبوذين . إننا لا نعيش فيها حياة العبيد ، إننا أبناء هذه البلاد ، لنا من الحقوق والحظوظ ما لغيرنا ، إننا بناة هذه البلاد ومن مؤسسي حضارتها ، وأصحاب الفضل عليها ، وليس لقوة في العالم أن تسلبنا هذا الحق الطبيعي ، وهذا الحق الدستوري ، لقد انقضى عهد الاستعباد والاستعمار ، وليس لشعب أن يستبعد شعباً آخر، وليس لحضارة أن تقتل حضارة أخرى ، وليس للغة أن تقضي على لغة أخرى ، ولقد أصبح العالم اليوم أسرة واحدة لا يخفى ظلم أو اضطهاد في قطعة أو بقعة ، لقد استيقظ الضمير العالمي ، فإذا ظلم السود في أفريقيا أو الملونون في أمريكا صرخ الضمير العالمي وثار الرأي العام ، إننا نحت المسلمين - بصفة خاصة - أسرة عالمية منتشرة في الأرض مرتبطة بالعقيدة والدين والأخوة الإسلامية ، لنا أخوان في جميع بقاع الأرض يتألمن بألمنا ، إننا سنحارب كل ظلم، وكل ثورة على الدستور إننا أمة لا تزال تملك المواهب العظيمة التي خدمت بها الإنسانية وهذه البلاد ، إننا لم نفلس في عقولنا وفي أخلاقنا ، إن سحابتنا التي هطلت على الأرض لم تصبح جهاماً، إنها لاقحة غنية بالماء والخصب . إننا أيها الأخوة في هذه الثلث الأخير من الليل الذي تنزل فيه رحمة الله ويجاب الدعاء وتصفو القلوب ، نعاهد بكل إخلاص أننا سنبقى في هذه البلاد بإسلاميتنا ، وإسلامية أجيالنا القادمة ، ونبذل في هذا السبيل كل رخيص وغال ، ونحتمل السراء والضراء ، ونكون من إحدى الطائفتين اللتين ذكرهما الله تعالى في سورة الأحزاب : ) من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ، فمنهم من قضى نحبه ، ومنهم من ينتظر ، وما بدلوا تبديلاً ( . ([1]) كتب الزعيم غاندي في صحيفة " الهند الفتاة " Young India أشاد فيها بعظمة السلطان ووطنيته وتسامحه وقال : لا نعرف أعظم منه في شهداء الوطن والأمة ". ([2]) كان حكهن محدوداً في القلعة الحمراء والإنجليز يحكمون البلاد باسمه ونيابة عنه . ([3]) إلا السيخ - مع الأسف - وبعض الأمراء الذين قمع الإنجليز بهم الثورة . ([4]) كان من جماعة السيد أحمد الشهيد بائع أحد رجال طريقته ، وأخذ منه الشيخ العهد والميثاق لقتال الإنجليز . ([5]) وقع من الثوار - المسلمين وغير المسلمين -الاعتداء على النفوس البريئة والضعيفة والنساء والأطفال من الإنجليز في بعض المناسبات ، وتخطوا حدود الدين والأخلاق والمروة في شدة ثورتهم ولعدم النظام ولكن ما وقع من الإنجليز مقابل ذلك لا يعلل إلا بالجنون والهمجية والضراوة بالدم الإنساني ولا يليق بأمة مثقفة تتزعم العلم والمدنية . ([6]) الأستاذ ذكاء الله في " عروج سلطنت انكلشية " ج3 ص 708 . ([7]) Basworth Smith Life Of Lord Lawrence V-2-p158 ([8]) القلعة الحمراء بناها الإمبراطور شهاه جهان ، وكانت مركز الحكومة المغولية ، وكان فيها في العهد الأخير بهادر شاه . ([9]) Lord Rebets : Forty One Years In India . P142 ([10]) الأستاذ ذكاء الله الدهلوي " عروج سلطنت انكلشية " ص 712 . ([11]) الأستاذ ذكاء الله الدهلوي " عروج سلطنت انكشية " ص 712 . ([12]) السيد كمال الدين حيدر في " قيصر التواريخ " المجلد الثاني ، ص 454 . ([13]) ميل سن ، ج3 ، ص 177 . ([14]) تام ، ص 40 . ([15]) اقرأ تفصيل ذلك في كتب و . و - هنتر " مسلمو الهند " . w.w.Hunter : India Mussalmans ([16]) "مسلمو الهند " للدكتور هنتر ص 158 . ([17]) " مسلمو الهند " للدكتور هنتر ص 158 . ([18]) اقرأ القصة بطولها في مقالتنا : من الشنق إلى النفي " في كتاب " إذا هبت ريح الإيمان " . ([19]) لاشك أن هذه السياسة وهذا الأسلوب للتفكير كان خاطئاً ، وكان نتيجة تأثير الداهية الإنجليزي المستر بيك وخليفته المستر مؤريس اللذين ظلا يقودان عقلية المسلمين وسياستهم مدة طويلة ، وقد جنى هذا الاعتزال عن السياسة على كيان المسلمين وحياتهم القومية . ([20]) الزعيم مولانا محمد علي زعيم حركة الخلافة دفين القدس . ([21]) ([22]) جاء في خطبه مولانا أبي الكلام التاريخية الخالدة التي ألقاها في البرلمان الهندي وقد أشار بعض أعضاء البرلمان الهنادك الذين اعترضوا على مساعدة وزارة المعارف للمؤسسة العلمية المشهورة " دار المصنفين " في أعظم كراه لأنها تنسب إلى المسلمين" إن هذه العقول الصغيرة هي التي كانت سبباً في تقسم الهند " ([23]) نذكر منهم بصف خاص المفتي الأكبر مولانا كفاية الله ، ومولانا محمد سجاد البهاري ، ومولانا حفظ الرحمن الأمين العام للجمعية وعضو البرلمان الهندي . ([24]) كتابة خاصة في حروف خاصة تكتب من الشمال إلى اليمين كاللاتينية . ([25]) مأخوذ من كلمة الترحيب التي ألقاها المؤلف في مفتتح المهرجان التعليمي لندوة العلماء المنعقدة في 25شوال 1395ه (شهر نوفمبر 1975م) تنقله هنا بعد حذف فقرات التحية والترحيب والاستقبال ، فإن المقال يقدم عرضاً موجزاً لأهم أحداث التاريخ الإسلامي في الهند ودور المسلمين في المجالين : التعليمي ، والثقافي ، ويكاد يكون ملخصاً لموضوع الكتاب . ([26]) اقرأ التفصيل كتاب " الثقافة الإسلامية في الهند " للعلامة السيد عبد الحي الحسنى ، طبع المجمع العلمي العربي بدمشق .
H E R A A FOR RESEARCH, PUBLISHING & DISTRIBUTING Thikana, 504/30A, Taigor Marg, Nadwa Road Lucknow 226020, India Email: heraa@nadwi.net.in ربيع الأول 13, 1426
عنوان الموقع الرسمي لندوة العلماء بالهند Nadwatul Ulama`s Website http://nadwatululama.orgعنوان البريد الإلكتروني لندوة العلماء E-mail address nadwa@sancharnet.inعنزان البريد الإلكتروني الخاص برئيس ندوة العلماء E-mail address of Nazim Nadwatul Ulama nadwi@nadwi..net.in |
|
H E R A A ربيع الأول 13, 1426
عنوان الموقع الرسمي لندوة العلماء بالهند Nadwatul Ulama`s Website http://nadwatululama.orgعنوان البريد الإلكتروني لندوة العلماء E-mail address nadwa@sancharnet.inعنزان البريد الإلكتروني الخاص برئيس ندوة العلماء E-mail address of Nazim Nadwatul Ulama nadwi@nadwi..net.in
|