|
بسم الله الرحمن الرحيم هذا الكتاب بقلم الأستاذ محمد الرابع الحسنى النَّدْوي
الحمد لله رب العالمين، المنـزل للصحف والمفجر لمنابع الحكم، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أوتي جوامع الكلم، وعلى آله وأصحابه القادة إلى السبيل الأقوام، ومن تتبعهم بإحسان ودعا بدعوتهم من الشعوب والأمم. أما بعد فقد كان عام 1400 الهجري سنة افتتاح الدارسة في المعهد العالي للدعوة والفكر الإسلامي لدار العلوم ندوة العلماء، وكان من نجاح هذه السنة أنها ازدانت بسلستين قيمتين من المحاضرات، إحداهما لسماحة أستاذنا أبي الحسن النَّدْوي، وقد تركزت على موضوعات أسلوب الدعوة في القرآن. وأخراهما لفضيلة الدكتور يوسف القرضاوي، وقد أحاطت بموضوعات مهمة للفكر الإسلامي. أما موضوعات أسلوب الدعوة في القرآن فلم تكن من أهم المواد الدراسية في منهج المعهد العالي للدعوة والفكر الإسلامي وحده، بل إنما هي من أهم المواد الدراسية التربوية لدار العلوم ندوة العلماء كلها، ولقد كان من أهم أهداف دار العلوم ندوة العلماء منذ تأسيسها، هي خدمة الدعوة الإسلامية وتربية أبنائها لها، وقد جعلت الاعتماد في ذلك بصورة خاصة على كتاب الله وسنة رسوله، فعندما نستعرض المواد الدراسية في منهج دار العلوم ندوة العلماء نجد أنها تدور حول هذه النقطة مباشرة أو بوجه غير مباشر. واعتنت دار العلوم ندوة العلماء بتعليم اللغة العربية أيضاً كلغة حية عملية كتابة وخطابة وحواراً، وكان ذلك مما سبقت به ندوة العلماء شقيقاتها في شبه القارة الهندية، وهي أداة مهمة لخدمة الدعوة الإسلامية، ولاستقاء الروح والهداية من المنابع الأصلية، تؤيد ليبين لهم (1)"، ومن أهم ما اعنت به ندوة العلماء قبل كل مؤسسة تعليمية أخرى هو تدريس القرآن الكريم بصورة مباشرة، كان ذلك بالاستناد على كتب التفسير المعتبرة ولكنه لم يكن من خلالها. وهاتان مادتان مهمتان جداً يجب المهارة فيهما لكل مشتغل بالدعوة والتربية، ولا يمكن استقاء الهداية والإرشاد الصحيح إلا بالاعتماد على هذين العنصرين الهامين من العناصر الأدبية والفكرية للدعوة، وهما معرفة اللغة معرفة عملية بليغة والاتصال المباشر بنصوص القرآن الكريم. وخير النماذج للداعية الإسلامي هي ما قصة علينا القرآن الكريم من قصص الدعوة والتبشير والإنذار، وما صوره من نماذج نفسية واجتماعية وأدبية مختلفة، وما ذكره من حوار الأنبياء السابقين مع أممهم ومواجهتهم لردها عليهم، وكيف عرضوا عليها الدعوة الفاضلة، وما هو الأسلوب البليغ الذي اتبعوا في ذلك. إن كل ذلك من أهم الدعائم التي تقوم الدعوة الإسلامية عليها، ولا يمكن الاستغناء عنه للداعية الإسلامي في أي عصر ومصر. وكان من سعادة المعهد العالي للدعوة والفكر الإسلامي أن تدريس هذه المادة المهمة للدعوة الإسلامية قد حظي باعتناء الداعية الإسلامي والمفكر الإسلامي سماحة أستاذنا السيد أبي الحسن على الحسني النَّدْوي بصورة خاصة. وهو الذي حاز السبق يفتح المعهد العالي للدعوة والفكر الإسلامي في دار الهند ندوة العلماء، وذلك تحقيقاً للحلم العظيم الذي ساور نفوس بناة ندوة العلماء منذ تأسيها. وكان سماحة أستاذنا من أليق الناس بتدريس هذا الموضوع، ذلك أولاً لأنه درس اللغة العربية دراسة عملية دقيقة وتفهم روحها البلاغة. ومارس الكتابة والكلام فيها بأسلوب بليغ حاز من أهل هذه اللغة التقدير والإعجاب، وثانياً أنه تخصص في علوم القرآن وتفسيره ودرسهما بصورة عميقة أيضاً، ثم اشتغل بتدريسه مدة من الزمن ومن اطلع على كتاباته ومؤلفاته عرف أنها تعتمد على القرآن الكريم قبل أن تعتمد على غيره، وتستمد منه الروح والقوة والايمان، وذلك سر قوتها وتأثيرها، فكان خير من يدخل في موضوع قرآني مهم ويبحث فيه عن جدارة وكفاءة. ولقد كان أول ما بدأ به الأستاذ الجليل في مجال خدمة الدعوة الإسلامية، هو إلقاء الخطب العامة والمحاضرات التوجيهية في عامة المسلمين، وإلقاء دروس مستقاة من نصوص القرآن الكريم أمام الطبقة المثقفة من المسلمين، وقد حاز العملان التقدير والإعجاب من السامعين وعرف سماحته بمهارة العرض والشرح وبلاغة القول في ذلك، كما خدم القرآن الكريم بمقالات عملية وأدبية أيضاً، وكانت تنير جوانب البلاغة والحكمة من كتاب الله تعالى، فقد ألف في هذا المجال كتاب " مبادئ دراسة القرآن وأصولها، باللغة الأردية، و"الأدعية النبوية وبلاغتها" باللغة الأردية أيضاً، و "تأملات في التنزيل" باللغة العربية، و "بين الإيمان والمادية" تفسير سورة الكهف باللغة العربية أيضاً وله مقالات وبحوث أخرى في هذا المجال. وهذا كتاب جديد من سلسلته القرآنية، يجمع محاضراته التي ألقاها أمام طلبة المعهد العالي في مادة أسلوب الدعوة في القرآن الكريم في قاعة المعهد العالي للدعوة والفكر الإسلامي ابتداءً من ذي القعدة الحرام 1399هـ (الموافق 16 أكتوبر 1979م) قيدها كتابياً السيد ظريف أحمد الطالب بالمعهد العالي من أشرطة التسجيل، ثم راجعها سماحة الأستاذ وهذبها لإعدادها للطبع والنشر في صورة كتاب، في صورة كتاب، فله الشكر على إلقاء المحاضرات ومراجعتها كما نشكر الطالب محمد صدر الحسن، على ما بذل من جهد في إعداد هذه المحاضرات تقييداً وانتساخاً. وها نحن الآن نعد بتقديم هذا الكتاب للراغبين في الدراسات القرآنية رجاء أن يعم النفع ويمكن الاعتماد عليه عند تدريس هذه المادة. والله ولي التوفيق وبه الثقة.
محمد الرابع الحسني النَّدْوي المدير بالوكالة للمعهد العالي للدعوة والفكر الإسلاميكلمة المترجم حول التعريف بالموضوع كنت على يقين جازم عندما بدأت ترجمة هذه المحاضرات من اللغة العربية إلى اللغة الأردية بأنها ستحمل نكات جديدة للراغبين في فهم معاني القرآن الكريم، وتتصف بندرة وطراوة بالضرورة كما هو معروف في كتابات ومحاضرات سماحة شيخنا الجليل أبي الحسن علي الحسني النَّدْوي حفظه الله ورعاه بأنها لاتخلو من جانب من الجوانب المثيرة للفكر والتأمل ولكنه لم يخطر ببالي أن هذا المؤلف المختصر من الخُطب والمحاضرات (الذي لايشكِّل حجمُه كتاباً مستقلاً) سيفتح آفاقاً جديدة للاستلهام من معاني كتاب الله ويكون بمثابة اكتشاف علمي ثمين. هذه المجموعة من المحاضرات دليل واضح (وكما ورد في الحديث النبوي الشريف عن خصائص كلامه سبحانه وتعالى في بيان إعجازه وحجته الأبدية "لاتنقضي عجائبه") على أن هناك موضوعاً كأن آياته نزلت اليوم، وبقيت على طراوتها ونضارتها بدون أن يعمل فيها قدم الزمان أو يد الحدثان عبر العصور والقرون وإلى هذا اليوم، وقد ظهر خلال هذه المدة المديدة من المباحث حول علوم القرآن الكريم ما يعد بالألوف بل الأصح بالملايين. وكل منا يدرك مدى أهمية الدعوة ووجوبها في كل عصر، وجميع أهل العلم على إلمام تام بالأصلين الثابتين للدعوة وهما الحكمة والموعظة الحسنة ولكن أقلهم اتجهت أنظارهم إلى أنَّ القرآن الكريم لم يدع أمر الحكمة والموعظة الحسنة أمراً غامضاً بل بين ملامحهما وحدودهما بذكر النماذج الدعوية التي قدمها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والتي لايحتاج بعدها العاملون في حقل الدعوة إلى استعارة الأساليب الدعوية من أي حركة أو منظَّمة. ومن ثم يعتبر هذا الكتاب امتداداً عظيماً إلى العلوم القرآنية يثقل على رغم إيجازه وبكثرة فوائده على أسفار ضخام. وإن كانت هذه المجموعة من المحاضرات تحتوي على نماذج الأنبياء الدعوية وهي التي موضوعها بالضبط ولكنها تتفرع عنها فائدتان لاتقل قيمتهما، الأولى: أنها تُرِى دارسيها ومضات من البلاغة التي يشتمل عليها القرآن الكريم وتشرح أدق الجوانب البلاغية التي يختص بها القرآن عندما تناول سرد قصص الأنبياء عليهم السلام أعمالهم الدعوية وخصوصاً في سيرة إبراهيم ويوسف عليهما السلام، وذلك بأسلوب مؤثر بليغ، فمثلاً ما هو الأسلوب الذي اختاره إبراهيم عليه السلام لما دعا أباه إلى الدين الحق؟ وكيف لامس بخطابه طبيعة الشفقة في قلب أبيه، فغنَّ سماحة أستاذنا المؤلف اتبع لشرح هذه المواقف الدقيقة أسلوباً فذاً مثيراً، لايعرف قيمته ولايتذوق حلاوته إلا أساتيذ الأدب والبلاغة في الجامعات العربية أو من تعمق في دراسة أسرار البلاغة ودلائل الإعجاز للشيخ عبد القاهر الجرجاني والطراز للإمام يحيى بن حمزة اليماني، وكتاب الصناعتين لأبي هلال العسكري، ومعترك الأقران للإمام السيوطي رحمهم الله. ومما يبعث على القلق والأسف أنَّ بلاغة القرآن الكريم التي هي الحقيقة البديهية والتي تحدى بها القرآنُ الناسَ في آياته الكثيرة بأنهم لايقدرون على الإتيان ببضع آيات مثله، عادت هذه المعجزة لنا بسبب فقدنا الذوق العربي والسليقة العربية بمثابة الإيمان بالغيب، وأصبحنا نؤمن ببلاغة القرآن الكريم وإعجازه مثلما نؤمن بالحشر والنشور والبعث بعد الموت، والواقع أنَّ بلاغة القرآن ووجوه إعجازه من الأمور الملموسة، وكان من الواجب علينا أن نشعر بقيمتها وعظمتها مباشرة وبدون أي واسطة، وسوف تفيد هذه المحاضرات بكشف بعض وجوه الإعجاز وجوانب البلاغة في عديد من آيات القرآن عن لم يكن سبباً لذلك في كل القرآن وفي جميع آيه.ويجد العاكفون على القرآن بقواهم العقلية طريقاً ممهداً ثابتاً للاستزادة من جهودهم وممارساتهم عن شاء الله تعالى. إن هذه المحاضرات إلى جانب اشتمالها على نماذج دعوية تتضمن تجلية الجوانب الحية لسيرة الدعاة وخصائص حياتهم الدعوية من الصدق والأمانة ونقاء الفكر والطوية، والإخلاص والموافقة في القول والعمل، ووضع الهدف الأصيل – الدعوة إلى التوحيد الخالص – دائماً نصب العين، فقد كان موسى عليه الصلاة والسلام مسؤولا عن أمرين معاً، إنقاذ قومه من استعباد فرعون ودعوتهم إلى التوحيد، ولكنه لم يؤجل عمل الدعوة إلى الله بحيث ينقذهم أولا من حكم فرعون ثم يدعوهم إلى توحيد الله بذاته وصفاته وأفعاله. كذلك تفيد هذه المحاضرات بأنَّ الأنبياء – على نبينا وعليهم الصلاة والسلام – بدءا من سيدنا إبراهيم عليه السلام وإلى رسولنا العظيم صلى الله عليه وسلم حملوا عبء الدعوة في حالة بالغة من العجز والاستكانة، وفي منتهى البؤس والتعاسة، وعقبهم الله سبحانه بالقوة والغلبة، وذلك من مقتضيات دين الفطرة، ويدل على ذلك النظر في فطرة خلق الله، فكل ما خلق الله سبحانه وتعالى من كوائن العالم يبدأ وجوده على سنة الله في خلقه( وهنا على وهن) وتليه القوة والصلابة في المرحلة الثانية فترتيب الدعوة نشأة وتطوراً وبمقتضى الفطرة في كل شيء وسنة الله في كونه هو ما نجد صورته ومثاله في نماذج دعوة الأنبياء عليهم السلام أجمعين. ولله الحمد والمنة أولا وآخراً، إذ يسَّر لنا بواسطة هذا الكتاب خير زادٍ وأحدث أداةٍ لتجديد الثقة والإيمان بخلود دينه وكتابه، بارك الله في حياة سماحة المحاضر الكريم وصحته الذي هو مدين بروحه الدافئة نفاق سوق العلم والمعرفة.([1]) كتبه بقلمه الدكتور/ عبد الله عباس النَّدْوي 27/5/1401هـ 3/4/1981م |