من إسهامات

الشيخ  أبي  الحسن  الندوي

في  دراسات  إعجاز  القرآن

بقلم

أ.د. حسن  محمد  باجودة

أستاذ الدراسات القرآنية بجامعة أم القرى بمكة المكرمة

 بسم الله الرحمن الرحيم

الدراسات القرآنية، تظل إسهاماً جاداً في سبيل خدمة كتاب الله سبحانه وتعالى، وتِبيان آياته للناس من قِبل العلماء المختصّين. . وعالمنا الإسلامي زاخر بالعديد من كبار العلماء الذين اشتغلوا بتفسير القرآن وتبيان إعجازه في كل مجالات الإعجاز، في اللغة، في التشريع، في البيان والوضوح، وفي آيات إعجازه في الكون والخلق.

وهذه الدراسة تبيّن فضل أحد هؤلاء العلماء المشتغلين بدراسات القرآن الكريم وهو (الشيخ أبو الحسن النَّدْوي) ومحاولاته في تسجيل الإعجاز العلمي للقرآن الكريم.

وهذه الدراسة قدمت للنّدوة العالميّة للأدب العربي التي عقدت في جامعة روضة العلوم ( فاروق – كيرالا ) في الهند في شهر شوال 1414ه‍ .

تـمــهـــيـــــد :

ثمة بعض الأمور التي يجمل التّنبيه عليها بين يدي الحديث عن إسهامات أبي الحسن النَّدْوي في دراسات إعجاز القرآن وهي في النّقاط التّالية :

أولاً: كتب الشيخ أبو الحسن النَّدْوي مقدّمة كتاب: تأمّلات في سورة الكهف ، في الخامس والعشرين من شهرشعبان سنة خمس وتسعين وثلاثمائة بعد الألف من الهجرة(1) أي قبل تسع عشرة سنة، وكان قد مضى عليه آنذاك زهاء خمس وعشرين سنة معلماً للتفسير في دار العلوم ندوة العلماء(2).

ثانياً: تأملات في سورة الكهف ليست تفسيراً لهذه السُّورة على أسلوب المفسرين، إنما هي تأملات ونظرات عامة في هذه السُّورة العظيمة(3).

ثالثاً: ما أكثر أحاديث المصطفى ] صلى الله علية وسلم [ التي تحذّر من فتنة المسيح الدّجال والتي تصف تدجيله وكذبه وتمويهه(4)، ومما جاء في إحدى روايات الحديث في صحيح مسلم (5): « فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف ».

وبشأن سورة الكهف والعصمة من الدّجال تدور أحاديث المصطفى ] صلى الله علية وسلم [ حول عصمة الله تعالى من قرأ من أوَّل سورة الكهف أو من آخرها، أو من أولها وآخرها، أو من قرأها كلها، وإليك بعض هذه الأحاديث، روى الإمام أحمد عن أبي الدرداء عن النبي ] صلى الله علية وسلم [ قال: « من حفظ عشر آيات من أوَّل سورة الكهف عصم من الدّجال » رواه مسلم وأبو داود والنَّسائي والترمذي(6). ولفظ الترمذي: من حفظ ثلاث آيات من أوَّل الكهف، وقال حسن صحيح(7).

وروى الإمام أحمد عن أبي الدّرداء عن النَّبِيِّ ] صلى الله علية وسلم [ قال: « من قرأ العشر الأواخر من سورة الكهف عصم من فتنة الدّجال » (ورواه مسلم أيضاً والنَّسائي)(8)، ولفظ النَّسائي: من قرأ عشر آيات من الكهف(9)، وقد رواه النَّسائي في اليوم الليلة أن رسول الله ] صلى الله علية وسلم [ قال: « من قرأ العشر الأواخر من سورة الكهف فإنه عصمة له من الدّجال(10). وروى الإمام أحمد عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه عن رسول الله ] صلى الله علية وسلم [ أنه قال: « من قرأ أوَّل سورة الكهف وآخرها كانت له نوراً من قدمه إلى رأسه، ومن قرأها كلها كانت له نوراً ما بين السماء والأرض »، انفرد به أحمد ولم يخرجوه(11)، وفي المختارة للحافظ الضياء المقدسي عن علي مرفوعاً: من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة فهو معصوم إلى ثمانية أيام من كل فتنة، وإن خرج الدّجال عصم منه(12).

رابعاً: روى مسلم في صحيحه(13) أن عمران بن حصين قال: سمعت رسول الله ] صلى الله علية وسلم [ يقول: « ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة خلق أكبر من الدّجال، وفي رواية أخرى: أمر أكبر من الدّجال »(14) وهذه الرواية الأخرى هي التي دونها الشيخ أبو الحسن الندوي  واعتمدها وهي التي كانت الملهم لأبي الحسن النَّدْوي كي يتأمل سورة الكهف من زاوية عصمتها بإذن الله تعالى من الدّجال الأكبر، من الفتنة الكبرى لهذه المدنية المادّيّة المعاصرة التي بلغ إتقان الذين تولّوا كبرها في التّمويه والتّدجيل إلى الحدّ الذي عطّل معه الحلماء – إلا من رحم ربّك – حلومهم وألغوا عقولهم واندفعوا معها في اتجاهاتها الخاطئة دون وعي ولا تمحيص »(15).

خامساً: سورة الكهف: هي السُّورة القرآنية الفريدة التي تحتوي على أكبر مادّة وأغزرها فيما يتّصل بفتن العهد الأخير التي يتزعمّها الدّجال ويتولّى كبرها ويحمل رايتها، وتحتوي على أكبر مقدار من التّرياق الذي يدفع سموم الدّجال ويبرئ منها. وإن من يتشرب معاني هذه السُّورة ويمتلئ بها – وهو نتيجة الحفظ والإكثار من القراءة في عامة الأحوال – يعتصم من هذه الفتنة المقيمة المقعدة للعالم، ويفلت من الوقوع في شباكها، وإن في هذه السُّورة الكريمة من التوجيهات والإرشادات، والأمثال والحكايات ما يبين الدّجال ويُشخّصه في كلّ زمان ومكان، وما يُوضّح الأساس الذي تقوم عليه فتنته ودعوته، وتهيّئ العقول والنّفوس لمحاربة هذه الفتنة ومقاومتها، والتّمرد عليها. وإنَّ فيها روحاً تعارض التّدجيل وزعماءه، ومنهج تفكيرهم، وخطة حياتهم في وضوح وقوّة"(16)، ويقول الشيخ أبو الحسن النَّدْوي إنَّه وجد "السُّورة كلّها خاضعة لموضوع واحد، أستطيع أن أسميه: بين الإيمان والمادّيّة، أو: بين القوة المصرّفة لهذا الكون (هو الله) وبين الطّبيعة أو الأسباب، ووجدت جميع الإشارات أو الحكايات، أو المواعظ والأمثال، دائرة حول هذا المعنى، تشير إليه من طريق جليٍّ، أو تنظر إليه من طرف خفيٍّ.

واغتبطت بهذا الفتح، وانكشف لي جانب جديد من إعجاز القرآن، ونبوّة محمّد ] صلى الله علية وسلم [ فما كنت أعرف أنّ هذا الكتاب الذي نزل في القرن السّادس المسيحي – يعني قبل ثلاثة عشر قرناً وزيادة – يحمل صورة صادقة ناطقة بهذه المدنية الدّاجلة التي تولدت في القرن السّابع عشر المسيحي، واختمرت في القرن العشرين، ويصوّر نهايتها وأوجها، وزعيمها الأعظم الّذي يسميه لسان النّبوّة في إعجاز وإيجاز: بالدّجال "(17).

سادساً: فاض على قلم سماحة الشيخ أبي الحسن النَّدْوي بعض هذه المعاني والتّمهيد لتفسير هذه السُّورة على الإجمال، وسماحته معلّم التّفسير في دار العلوم، ندوة العلماء، ونشر ذلك في مجلة: ترجمان القرآن، لصاحبها ورئيس تحريرها الأستاذ أبي الأعلى المودودي، التي كانت تصدر من حيدر آباد يومئذ(18) وقد أفصح العلامة الشَّيخ مناظر أحسن الكيلاني رئيس القسم الديني في الجامعة العثمانية بحيدر آباد للشيخ أبي الحسن النَّدْوي حينما نزل الأخير عليه ضيفاً سنة 1366هـ/1946م بأنَّه اطّلع على هذه المقالة القصيرة، وسرّ بها، وأنَّه كتب في هذا الموضوع بإسهاب وتوسّع لمجلة الفرقان، وقد أصدرت مجلة الفرقان عدداً خاصّاً بالرّاحل العظيم نشرت فيه مقالة الشَّيخ أبي الحسن النَّدْوي برمتها(19)، وقد أثار نشر مقالة الشيخ أبي الحسن النَّدْوي من جديد في مجلة الفرقان وما كتبه العلامة الشيخ الكيلاني وما تأكّد في العالم من مادّيّة طاغية وانحرافات خطيرة الرّغبة في الحديث عن سورة الكهف العظيمة(20) وتجلّت تلك الثّمرة اليانعة المباركة في سلسلة مقالات بعنوان: " تأمّلات في سورة الكهف " نشرتها مجلّة المسلمون الغراء في المجلد السّادس عدد 1و2 و3 و4 في عام 76-1377هـ(21) وأبادر إلى تقرير حقيقة غاية في الأهمّيّة، هي أنّ مجلة المسلمون التي كانت تصدر آنذاك من جنيف في سويسرا، والتي كانت تصل تباعاً إلى المركز الإسلامي في لندن، حينما كنّا ندرس هنالك قبل زهاء ثلاثين عاماً، كانت غذاء روحيّاً دسماً لنا نحن المسلمين في بلاد الغرب، وكانت مقالات الشيخ أبي الحسن النَّدْوي لنا بمثابة النّبراس الذي ينير لنا الطّريق في خضم تلك الحضارة المادّيّة. ولا أستطيع شخصيّاً أن أنسى مقالات الشَّيخ أبي الحسن النَّدْوي عن الحجّ في تلك المجلة والتي تضمنّها أخيراً كتاب سماحته الأركان الأربعة، وما أكثر إسهامات سماحته – في أثناء حديثه عن آيات الحجّ – في ميدان إعجاز القرآن الكريم.

لقد آتت جهود الشَّيخ أبي الحسن النَّدْوي المباركة في دراسة سورة الكهف أُكُلَهَا ولله الحمد والمنّة وقد تمثّل ذلك في الثّمرة اليانعة والدّرة الغالية: تأمّلات في سورة الكهف.

وأنا شخصيّاً لا أعرف من استعمل لفظة تأمّلات عنواناً لدراساته في إعجاز القرآن الكريم قبل سماحة الشَّيخ أبي الحسن النَّدْوي، وبعد ظهور: تأمّلات في سورة الكهف لسماحة الشَّيخ النَّدْوي استعمل كثير من المؤلفين لفظة تأمّلات عنواناً لدراساتهم في مجال إعجاز القرآن الكريم. وأنا شخصيّاً – على سبيل المثال – واحد من هؤلاء المؤلفين الذين اقتبسوا هذا العنوان.

لقد ابتدأت الكتابة في مشروع تأمّلات في كتاب الله مع مطلع عام 1392هـ بدراسة متأمّلة في سورة يوسف عليه السّلام بعنوان: " الوحدة الموضوعية في سورة يوسف عليه السّلام "(22) تلتها دراسة متأمّلة في سورة مريم بعنوان: منعم عليهم ومغضوب، دراسة متأمّلة في سورة مريم(23) وحينما أُعيد طبع هذه الدّراسة في القاهرة سنة 1978م حملت عنواناً جديداً هو: تأمّلات في سورة مريم، من أجل توحيد سلسلة الدّراسات المتأمّلة بعد الوحدة الموضوعيّة في سورة يوسف، ابتداء بسورة يس التي طبعت في القاهرة للمرة الأولى سنة 1395هـ – 1975م بعنوان: تأمّلات في سورة يس، قلب القرآن، ثم استمرت الدّراسات المتأمّلة للسور بفضل الله تعالى حتى يوم الناس هذا، وهذه هي السّور التي شملتها الدّراسة على التّوالي: الإسراء، الفرقان، العاديات، النّازعات، الحاقّة، الرّعد، محمّد ] صلى الله علية وسلم [، الفاتحة، الأحزاب، البقرة، آل عمران، النّساء، المائدة، الأنعام، الأعراف،الأنفال. وبذلك يكون مشروع: تأمّلات في كتاب الله، غطّى – بفضل الله تعالى – حتى اليوم أكثر من ثلث القرآن الكريم في أكثر من ثمانية آلاف صفحة خلال فترة تزيد على العشرين عاماً، ولله الحمد والمنة. وهذه الأعمال كلها مطبوعة ولله الحمد والمنة.

سابعاً: كان مع الأسف للنّصرانيّة المحرفة، وهي التي قادت الحضارة في أوربا بعد القرون الوسطى في العالم المتمدن، ولليهوديّة الثائرة الموتورة، دور متشابه – رغم الخلاف الجذري في العقيدة – في توجيه المدنيّة إلى المادّيّة الرّعناء، المجرّدة من الرّوح وتعاليم الأنبياء، والتّأثير في مصير الإنسانيّة على حدّ سواء(24) وقد أسهم اليهود، الّذين مكّن لهم الغرب النّصراني كلّ تمكين بغفلة منه وجهل بمراميهم وطبيعتهم الحاقدة، بأكبر قسط في العلم والفن والاكتشاف والاختراع وفي السّيطرة على هذه الحضارة وتملّك زمامها وتوجيهها في صالحهم(25) وبذلك أتاح لهم كلّ فرصة لم يكونوا يحلمون بها قبل قرون، وكان في ذلك أكبر محنة للإنسانية وأكبر خطر على العالم فضلاً عن العرب الذين يكتوون بنارهم، فضلاً عن المنطقة المحدودة التي يجري فيها هذا الصّراع الحاسم(26) والمعروف أنَّ التّوراة الموجودة اليوم تجرّدت عن ذكر عالم الآخرة والجانب الرّوحي تجرداً يثير العجب مما هو دليل أكيد على أنَّها محرّفة، فلا عجب إذا كان تاريخ اليهود تاريخ التّنافس على المادّة، والنّهامة للثروة، والكفاح للسّيادة السّلاليّة، والكبرياء القومي (27).

ثامناً: يجيء في أوَّل سورة الكهف قول الحقّ جلَّ وعلا: ] إنّا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملاً. وإنّا لجاعلون ما عليها صعيداً جرزاً [ (سورة الكهف/7-8) قال قتادة: الصّعيد الأرض التي ليس فيها شجر ولا نبات(28) والأرض الجرز: التي انقطع نباتها من أصله(29) ويجيء في آخر سورة الكهف الكريمة قول الحقّ جلَّ وعلا: ] قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً. الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنَّهم يحسنون صنعاً [ (سورة الكهف/103-104) "وهكذا أحاطت عقيدة الآخرة وعقيدة الإيمان بالغيب، والإيمان بفاطر هذا الكون، وقدرته المطلقة المسيطرة على كلّ شيء، المتصرّفة في كلّ شيء، بأوّل هذه السُّورة وآخرها، وبجميع جوانبها وهي عقديَّة، ونفسيّة، وعقليّة وطبيعيّة، تأباها المادّيّة التي لا تعتمد إلا على الحسّ والمشاهدة والتّجربة، والمنفعة العاجلة، واللذّة البدنيّة، والسّيادة القوميّة أو العنصريّة، وتتنصّل عنها وتحاربها بكل قوة ووسيلة، فجاءت هذه السُّورة تشتمل على مادّة تستأصل جذور المادّيّة التي قدّر الله أن يكون النّصارى أكبر مربيها ودعاتها، والمشرفين عليها، في رحلة التّاريخ الطّويلة، ثم يتولى قيادتها اليهود الذين حاربوا المسيح منذ أوَّل عهده، ونافسوا المسيحيّة في جميع عهودها، وعلى أيديهم تبلغ هذه المادّيّة ذروتها الأخيرة، وفيهم يظهر الدّجال الذي يكون أعظم بطل من أبطال الكفر والإلحاد، والتّدجيل والتّلبيس "(30).

تاسعاً: سورة الكهف قصَّة الصّراع بين الإيمان والمادّيّة (31).

عاشراً: الأسباب الطّبيعيّة الظّاهريّة التي تتحكم في العالم ويخضع لها الكون إنما تعمل بإرادة الله تعالى مسبب الأسباب. ومشكلة الماديّين أنَّهم آمنوا بالأسباب الطّبيعيّة الظّاهرية واكتفوا بها ونسوا الله تعالى مُسبب الأسباب، ولم يؤمنوا ولم يعلموا: " أنّ هنالك أسباباً مؤثرة أخرى تعمل في هذا العالم، وفي مصير الأفراد والأمم، كالأسباب الطّبيعيّة أو أشدّ، وتتبعها نتائج قد تكون أعظم وأضخم من النّتائج الطّبيعيّة المادّيّة التي تتبع أسبابها، وهي الإيمان والعمل الصّالح، والأخلاق الفاضلة، وطاعة الله، والعدل والعبادة والرّحمة والمحبّة، إلى غير ذلك من المعنويات. وأسباب تعمل عكسها كالكفر والبغي والفساد في الأرض، والظّلم والشّهوات والآثام، إلى غير ذلك من المعنويات أيضاً "(32).

حادي عشر: " إنَّ من تمسّك بالأسباب المعنويّة الصّالحة – من غير تعطيل للأسباب الطّبيعيّة – صالحه هذا الكون، وطابت له الحياة، ويسّره الله لليسرى، وخرق له – في بعض الأحيان والمناسبات – بعض عاداته، وأخضع له الأسباب الطّبيعيّة . ومن تمسّك بعكسها من المعنويات والأخلاق والسلوك في الحياة، واعتمد على الأسباب الطّبيعيّة فقط، وأسس عليها حياته، حاربه هذا الكون وخانته القوى التي أخضعها، وهو أحوج ما يكون إليها، وثارت عليه الطّبيعة "(33).

ثاني عشر: الصّراع بين الإيمان والمادّيّة تظهره سورة الكهف في أربع قصص هي قصة أصحاب الكهف والرّقيم، وقصَّة صاحب الجنَّتين، وقصَّة موسى والخضر(34) وقصَّة ذي القرنين.

ثالث عشر: " لم ترد قصَّة أصحاب الكهف في أسفار العهد العتيق، فإنَّها حادثة وقعت في فجر التاريخ المسيحي، وبعدما ظهرت الدّعوة إلى التّوحيد ورفض الأوثان، عن طريق أتباع المسيح عليه الصّلاة والسّلام، وبعدما دوّن آخر سفر من أسفار العهد العتيق "(35).

رابع عشر: قصَّة أصحاب الكهف " من أحبّ القصص الدّينيّة إلى المسيحيين، لأنَّها من أعظم القصص غرابة، وأشدّها دلالة على صرامة أتباع المسيح الأوّلين، وقوة إيمانهم، وتفانيهم في سبيل العقيدة والمبدأ، وغيرتهم على تعاليم المسيحيّة النّقيّة الأولى "(36).

قصَّة أصحـاب الكهـف:

بين يدي القصَّة قررت السُّورة الكريمة أنّ الحمد لله تعالى الذي أنزل على عبده محمد ] صلى الله علية وسلم [ القرآن الكريم والكتاب العظيم الذي لم يجعل له عوجاً بل جعله مستقيماً لينذر عذاباً شديداً منه جلَّ وعلا ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصّالحات بأنّ لهم أجراً حسناً هو الجنّة التي يمكثون فيها أبداً، ولينذر الذين قالوا اتّخذ الله ولداً، وفي مقدمة هؤلاء النّصارى ومشركو العرب الذين قالوا كلمة الكفر والشّرك فما أكبرها وأبشعها من كلمة كاذبة تخرج من أفواههم، ويُنْهى عليه الصّلاة والسّلام أن يهلك نفسه بسبب عدم إيمان قومه بهذا الكتاب العزيز. ولما كان الغالب على الكافرين الثّراء والقوّة، وكان الغالب على المؤمنين الفقر والضّعف فقد كان في السُّورة الكريمة بعد ذلك التّهوين من شأن زينة الحياة الدنيا الأولى الفانية والتّنويه بالعمل الحسن ثمرة يانعة للإيمان، وبذلك يكون في أوَّل السُّورة الكريمة الحديث عن الإيمان بالله تعالى ربّاً وبالرّسول الكريم إماماً وبالقرآن الكريم منهجاً وعن عمل الصّالحات والجزاء الحسن، وكلّ هذه المعاني من متعلقات الإيمان، كما يكون في آخر السُّورة الكريمة كذلك الحديث عن الإشراك مع الله تعالى غيره والكفر بمحمد ] صلى الله علية وسلم [ وبالقرآن وعن عمل السّيئات والجزاء السَّيِّء. وإنَّ هذه الصّفات المتقابلة في الحسن والقبح مهيأة لإدراك جوهر الصّراع في القصص الأربع كلّها في أثناء السُّورة الكريمة بين الإيمان والكفر، الباطن والظّاهر، الرّوح والمادّة، الطّاعة والمعصية.

وقد تحدّثت السُّورة الكريمة أوَّل الأمر في آيات كريمات أربع عن قصة أصحاب الكهف باختصار ثم تحدّثت عن أصحاب الكهف حديثاً مستفيضاً.

وهذه هي الآيات الأربع: قال تعالى: ] أم حسبت أن أصحاب الكهف والرّقيم كانوا من آياتنا عجباً * إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربّنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشداً * فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عدداً * ثم بعثناهم لنعلم أيّ الحزبين أحصى لما لبثوا أمداً [ (سورة الكهف/9-12).

أمّا حديث السُّورة بعد ذلك عن أصحاب الكهف فإنَّه يجمع بين ذكر قصَّة أصحاب الكهف في شيء من التفصيل: " في الأسلوب القرآني المُعجزالمركَّز الهادف، والبلاغة القرآنية التي لا حشو فيها ولا فضول "(37) وبين الإرشاد والتّعقيب.

أمّا القصَّة فقد عرفنا أنَّها قصَّة الصّراع بين الإيمان والمادّيّة لأنّ السُّورة كلّها هي قصة الصّراع بين النّظرتين والعقيدتين والنّفسيتين(38) وأمّا الإرشاد والتّعقيب فإنَّ السُّورة الكريمة بعد الإعثار على أهل الكهف تشير إلى دلالة الإعثار على أهل الكهف أحياء ثمّ موتهم على البعث بعد الموت وإلى يوم القيامة وذلك في قول الحقّ جلَّ وعلا: ]وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أنّ وعد الله حقّ وأنّ السّاعة لا ريب فيها[ (سورة الكهف/21)، وإذا كان المصطفى ] صلى الله علية وسلم [ قد وعد بأن يخبر قريشاً عمّا سألوه عنه غداً ولم يستثن بمعنى أنَّه عليه الصّلاة والسّلام لم يعلّق الإخبار بالمشيئة(39) فإن السُّورة الكريمة يجيء فيها قول الحقّ جلَّ وعلا: ] ولا تقولنّ لشيء إنّي فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله * واذكر ربّك إذا نسيت وقل عسى أن يهدين ربّي لأقرب من هذا رشدا [ (سورة الكهف/23-24)، وإذا كان أشراف مكَّة وكفَّار قريش ومن شاكلهم طلبوا من النَّبِيِّ ] صلى الله علية وسلم [ أن يجلس معهم وحده ولا يجالسهم بضعفاء أصحابه وفقرائهم كبلال وعمّار وصهيب وخبّاب وابن مسعود ومن إليهم(40) فإنَّ ربّ العزّة يوجّه حبيبه صلّى الله عليه وسلم إلى المنهج الأقوم وهو أن يَصْبِرَ نفسه مع أولئك الفقراء الضّعفاء من المؤمنين، قال تعالى: ] واصبر نفسك مع الذين يدعون ربّهم بالغداة والعشيّ يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتّبع هواه وكان أمره فرطاً [ (سورة الكهف/28).

ومما رُوي أنّ المصطفى ] صلى الله علية وسلم [ قال بعد أن فعل ما أمره الله تعالى بأن يفعل: « الحمد لله الذي جعل في أمّتي من أمرني أن أصبر نفسي معهم »(41) ويأتي عقب ذلك تهديد الكافرين بالنار التي ] أحاط بهم سرادقها [ (سورة الكهف/29) أي سورها(42) وتبشير المؤمنين الذين يعملون الصّالحات بجنّات النّعيم.

وتمشّياً مع القول المأثور بشأن أسباب النّزول بأنّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السّبب يوافق الشَّيخ أبو الحسن النَّدْوي أولئك المفسرين الذين يرون أنّ ما يُقال بشأن أسباب النزول وما صحّ من تلك الأقوال إنَّما يعبّر فقط عن بعض الحكم من نزول هذا الجزء من القرآن الكريم أو ذاك، فعلى سبيل المثال يقول في هذا المعنى(43): " حكمة اختيار القرآن لهذه القصَّة، تمسّك المفسرون في سبب ورود هذه القصَّة الغريبة في القرآن بما رواه محمد بن إسحاق عن بعث قريش وفداً منهم إلى أحبار يهود بالمدينة وسؤاله إياهم عن أسئلة يختبرون بها صدق النَّبِيِّ ] صلى الله علية وسلم [، واتّصاله بالسّماء، فاختاروا لهم أسئلة فيها سؤال عن أصحاب الكهف، وهذه الرّواية إن صحت فليست هي السّبب الرّئيسي، والسّبب الوحيد لاختيار القرآن لهذه القصَّة، من بين قصص الاضطهاد الكثيرة والقصص الغريبة التي لا سبيل إلى معرفتها، والإخبار بحقيقتها إلا الوحي، وإنَّ قصص أسباب النّزول، وإن أفاض فيها المفسرون، وعني بها العلماء المتقدّمون العناية الكبيرة، لا تحتل المكانة التي أحلّها فيها كثير من العلماء، وقد كان في مقاصد الإصلاح والتّعليم التي جاء لتحقيقها القرآن، وفي البيئة الفاسدة الموبوءة التي بعث فيها الرسول ] صلى الله علية وسلم [ (و) نزل فيها القرآن، وفي طبيعة البشريّة التي لا تختلف اختلافاً كثيراً، وفي الأزمان والبيئات التي تتوالى وتتجدّد، والحوادث التي تتعاقب وتتكرّر، وفي الأجيال البشريّة التي سيخاطبها القرآن، وتقودها النّبوّة المحمديّة على اختلاف الأعصار والأمصار، كان في كلّ ذلك دواع أقوى وأحقّ بالاستجابة، وأسباب أظهر وأجدر بالاهتمام من سؤال طائفة أو امتحان جماعة، ومن قصة يرويها بعض الرّواة في سبب نزول آية في سورة ".

وانطلاقاً من الحكمة المأثورة عن علماء التّفسير بأنّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السّبب كان من سماحة الشَّيخ النَّدْوي تأملاته العميقة ونظراته البعيدة تحت العناوين الفرعيّة التّالية:

شَبَه بين الممتحنين في مكة وأصحاب الكهف(44):

في الفترة المكيّة التي عانى فيها المسلمون من الكافرين أشدّ العنت ذكر الله تعالى في كتابه العزيز قصص يوسف وموسى عليهما السلام وأصحاب الكهف، وكلّها تهدف إلى تسلية المصطفى ] صلى الله علية وسلم [ والمؤمنين، والحثّ على الصّبر، والتّنبيه إلى أنّ العاقبة للمتقين على نحو ما تبيّن من عاقبة يوسف عليه السّلام مع إخوته، وموسى عليه السّلام مع فرعون، وأصحاب الكهف مع الحاكم الطاغية، وكما لجأ أصحاب الكهف بإذن الله تعالى إلى الكهف لجأ المسلمون إلى المدينة المنوّرة التي كانت تسمى يثرب، وكما رجع أصحاب الكهف إلى المدينة منتصرين دخل المسلمون مكَّة المكرَّمة منتصرين. وينبه الشَّيخ أبو الحسن إلى الفروق الدّقيقة بين أصحاب الكهف وبين المسلمين، فأهل الكهف انعزلوا في الكهف أمّا المسلمون فإنَّهم انساحوا في المدينة المنوّرة ونشروا الإسلام فيها، والمعروف أنّ المدينة المنوّرة فتحها القرآن الكريم منذ أن بعث الرّسول الكريم مصعب بن عمير رضي الله عنه إلى المدينة المنوّرة كي يقرئ المسلمين القرآن الكريم ويفقّههم في الدّين ويدعو إلى دين الله تعالى، وبشأن المسلمين الذين كانوا مستضعفين فرحّبت بهم المدينة المنوّرة ثم رحّبت بهم مكَّة المكرَّمة أراد الله تعالى: " بهم أكثر ممّا أراد بالفتية المؤمنين اللاجئين إلى الكهف في القرن الثاني المسيحي، أراد أن يظهر بهم دينه على الدّين كلّه "(45).

إنَّ على المسلمين في كلّ زمان ومكان أن يعوا هذا الدّرس جيداً كي يكونوا بحقٍّ ] خير أمّةٍ أُخرجت للناس [(46).


 

التاريخ يعيد نفسه مرّة بعد مرّة(47):

يشيير سماحة الشَّيخ أبي الحسن النَّدْوي إلى أن المسلمين المكلّفين بنشر الإسلام والدّعوة إلى الله تعالى وتطبيق تعاليمه جلَّ وعلا وتعاليم حبيبه المصطفى [صلى الله علية وسلم]، بسبب اتّساع الزّمان والمكان، من الطّبيعي أن يمروا خلال أطوار حياتهم بكلّ الأحوال التي تمرّ بها الإنسانية من قوة وضعف، ونصر وهزيمة، وكثرة وقلّة، وموافقة ومعارضة وما إلى ذلك. وممّا قد يصادفه المسلمون الحكومات الكافرة على غرار الحكومة الكافرة التي صادفها أصحاب الكهف والمؤمنون في مكَّة قبل الهجرة، وممّا قد يصادفونه الحكومات التي تتسمى بالإسلام والتي ترى في الدّعوة الإسلاميّة أكبر خطر يتهدّدها، ومع أنّ هذا لا يعرض إلا في الأحقاب المتطاولة، وبالتالي لا يكون للمسلمين حيلة إلا الفرار من المجتمع والّلجوء إلى العزلة، وبذلك تتكرّر قصَّة أصحاب الكهف فإنَّ: "لسان النّبوّة قد أنبأ بذلك، لأنّ النّبوّة المحمّديّة هي نبوّة الأزمان كلّها، وهي المرشدة في الأحوال كلّها، فقال رسول الله ] صلى الله علية وسلم [:      « يوشك أن يكون خير مال المسلم غنماً يتبع به شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن(48) وهناك تغيثه سورة الكهف وتنير له الطّريق »(49).

وإذا كان أهل الكهف قد انعزلوا في الكهف مجتمعين على الرّقيم – عن ابن عباس: الرقيم الكتاب(50) – فإنَّ المسلمين هاجروا داخل الجزيرة العربية  إلى مكان واحد هو المدينة المنوّرة واجتمعوا على قرآن ربّهم جلَّ وعلا الّذي تبيّنه سنّة المصطفى ] صلى الله علية وسلم [، وإلى إلهام الله تعالى أصحاب لكهف أن يخرجوا مجتمعين، وإلى هذا الدّرس العظيم المُستفاد من قصَّة أصحاب الكهف يقول سماحة الشَّيخ أبي الحسن النَّدْوي تحت عنوان: "منهج الصّواب في حياة الانسحاب"(51): لقد كان لهم أن يهيموا في أرض الله على وجوههم، ويمضي كلّ أحد منهم لسبيله، أو يأوي كلّ فرد منهم إلى مغارة أرض، أو قمّة جبل، كما فعل المسيحيون في عصر رهبنتهم وانحطاطهم، ولكن الله ألهمهم أن يخرجوا مجتمعين، فارّين بدينهم وعقيدتهم، لاجئين إلى الله، منتظرين منه الفرج القريب، والنّصر المُبين، وهذا هو منهج الصّواب، والطّريق الأقوم، كلّما ضاقت على أهل الإيمان الأرض، وانسدّت في وجوههم الأبواب، وأشرف إيمانهم ودينهم على خطر وضياع"(52).

وتحت عنوان: "دولة الوثنيّة والخلاعة"(53) تحدّث عن الدّولة الكافرة الفاجرة التي هجرها أصحاب الكهف الذين وصفهم بأنَّهم: "ثوار مؤمنون"(54) غلب منطقهم الإيماني التّفكير المادّي والمنطق البرهاني(55) وإنّ الصّراع بين هذين المنطقين الإيماني والمادّي يومئ إليه هذا لعنوان الجانبي: "حياة من غير عقيدة، أو عقيدة من غير حياة"(56) ويسعف الإيمان الفتية وينير لهم الطّريق ويقنعهم بأنّ في أرض الله سعة، وفي نصرة الله ثقة(57) ويجري على لسانهم ] وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربّكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقاً [ (سورة الكهف/ 16)، ويعني بالمرفق ما ترتفقون به من شيء(58).

وتحت عنوان: " جائزة الإيمان والفتوة والفرار إلى الله "(59) يبين الشيخ أبو الحسن أنّ الفتية تحققت فيهم الصّفتان الأساسيتان في دستور النّصرة الإلهيّة وهما الإيمان والفتوة فحقّق الله لهم جميع مواعيده، وعْدَ الزّيادة في الهداية ووعْدَ التّثبيت(60) قال تعالى: ] إنّهم فتية آمنوا بربّهم وزدناهم هدى * وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربّنا ربّ السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلهاً لقد قلنا إذاً شططاً * هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بيّن فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً [ (سورة الكهف/13-15).

وهؤلاء الفتية الذين خرجوا من البلد وتركوا المدنيّة الزّائفة ووطنهم العزيز ومسكنهم الكريم كانوا من بيوت رفيعة ومحتد كريم(61).

ومن جزاء الله تعالى لهؤلاء الفتية أن هداهم جلَّ وعلا إلى كهفٍ واسعٍ صحِّيٍّ، والكهف كالمغار في الجبل إلا أنَّه أوسع منها، " ولا تستطيع المنظمات الكبيرة أن تبني مثل هذه الكهوف والملاجئ الواسعة النّظيفة الصّحيّة، فكان شأنه أن يستفيد من منافع الشمس – وهو النّور والدّفء – ويسلم من مضارها، وهي الحرارة الزّائدة، ويدخله الهواء النّقي فيضفي على أهله الحياة والنّشاط "(62)، قال تعال: ] وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربّكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقاً * وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمّال وهم في فجوة منه، ذلك من آيات الله من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً * وتحسبهم أيقاضاً وهم رقود، ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد لو اطّلعت عليهم لولّيت منهم فراراً ولملئت منهم رعباً [ (سورة الكهف/16-18).

وتحت عنوان: "الحياة في كهف الإيمان"(63): ويظهر أنَّهم لم يقضوا حياتهم في هذا الكهف الإيماني في بطالة وتعطل، ولم يكونوا هنالك في ظلام وعمى، ومن غير دستور وهداية، والظّاهر أنَّهم أخذوا معهم بعض الصّحف والأوراق المكتوبة، ولعلّها صحائف من التّوراة والإنجيل، وأثارة من علوم الأنبياء وتعاليمهم، احتفظوا بها عند خروجهم من المدينة، وليكن ذلك دستور جميع الثّائرين على بيئتهم ومجتمعهم المهاجرين اللاجئين، المضّطرين إلى الفرار والعزلة، إذا كان لا بدّ من الفرار والعزلة.

ولمّا نفد زادهم الذي حملوه، سلّط الله عليهم نوماً هنيئاً، عميقاً طويلاً، لم يحتاجوا معه إلى طعام وشراب(64) ] فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عدداً [ (سورة الكهف/11).

وتنقرض دولة الوثنية في روما، وتصبح المسيحيّة دين الدّولة الرّسمي منذ أن تنصّر قسطنطين الكبير الذي تولّى الحكم في سنة 306م(65).

وهنالك يبعث أصحاب الكهف من رقدتهم الطّويلة التي استغرقت ثلاثة قرون وزيادة(66) ] ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعاً [(67) ويتساءلون بينهم عن مدّة هذا النّوم، فيختلفون في التّقدير والتّحديد، ثم يكلون أمره إلى الله، لأنَّه ليس من مهمات الدّين والدنيا(68) ] وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم، قالوا ربّكم أعلم بما لبثتم فابعثوا أحدكم بوَرِقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيّها أزكى طعاماً فليأتكم برزق منه وليتلطّف ولا يشعرنّ بكم أحداً [ (الكهف/19).

وهذا الفتى المؤمن الذي ذهب بفضّته، المضروبة دراهم فهذا هو معنى الوَرِق(69) "يعثر عليه، عن طريق العملة القديمة التي كان يحملها، أو اللّهجة التي كان يتكلّم بها، أو الزّي الذي كان يلبسه، فالقرآن لا يعني بهذه التفاصيل التي هي موضوع الرّواية لا الهداية"(70) قال تعالى: ] وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أنّ وعد الله حقّ وأنّ السّاعة لا ريب فيها إذ يتنازعون بينهم أمرهم فقالوا ابنوا عليهم بنياناً ربّهم أعلم بهم قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجداً [ (الكهف/21).

كان هذا الانقلاب الذي حدث في الحكومة والشّعب، وعثور الناس عليهم بعد هذه الغيبة الطّويلة، إنجازاً لوعده في رفع منازلهم، وتخليد آثارهم، وقهر عدوهم، ودليلاً على أنّ الله يقلب الليل والنّهار"(71) ] وأنّ السّاعة لا ريب فيها وأنّ الله يبعث من في القبور [ (الحج/7).

" ومكثوا ما شاء الله أن يمكثوا ثمّ وافاهم الأجل المحتوم "(72)، " ولم يقتصر الأمر على الاحتفاء بشأنهم في عصرهم والحرص على تخليد ذكرهم، بل أصبح هؤلاء من رجال التّاريخ والدّيانة، الذين ظلّ الناس يختلفون فيهم ويتباحثون، وتتكون مذاهب وطوائف، لكلّ أنصار(73)، ] سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجماً بالغيب، ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم، قل ربّي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل، فلا تمار فيهم إلا مراءً ظاهراً ولا تستفت فيهم منهم أحداً [ (الكهف/22).

   "وقصَّة ] أصحاب الكهف والرّقيم [ هي قصَّة الإيمان والفتوة والثّبات والتّضحية والجهاد، التي تتكرر في تاريخ الإنسانية وفي تاريخ الحقّ والعقيدة، وبرهان على أنّ الأسباب خاضعة للإرادة الإلهيّة، صديقة للإيمان والعمل الصّالح، فسبيل المؤمن أن يستميل هذه الإرادة بالإيمان والعمل الصّالح، ويستحقّ نصر الله وتأييده"(74).

" وقبل أن يبدأ القرآن بالقصَّة الثّانية، وهي قصَّة صاحب الجنَّتين يُوصي النبي ] صلى الله علية وسلم [ بالتّمسك بحبل الله، والتّمسك بالسبب الأكبر الأقوى أو العروة الوثقى، وهو سبيل الإيمان وسبيل القرآن، ويوصيه بلزوم أولئك المؤمنين الذين سعدوا بالإيمان والمعرفة واليقين، والذّكر والدعاء، وإن كان حظهم قليلاً من الأسباب ومن متع الدنيا وزخارفها، ويوصيه بمجانبة أولئك الجهّال الغافلين الذين حرموا الإيمان والمعرفة واليقين، وما يتبع ذلك من الذّكر والدّعاء، وملكوا مقداراً كبيراً من الأسباب والقوى والخيرات، وإنّما هي وصيّة عامّة لقرّاء القرآن وأتباعه والمؤمنين به، بل هم أحوج إلى تنفيذها والعمل بها "(75).

ويتبيّن الشيخ أبو الحسن النّوي في قول الحقّ جلَّ وعلا من سورة الكهف: ]ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتّبع هواه وكان أمره فرطاً[ (الكهف/28). تصويراً بليغاً لحضارتنا الدّاجلة المعاصرة يوجزه في هذا العنوان: "الغلوّ والتّطرّف سمة هذه الحضارة"(76) ويقول في هذا المعنى: "وقد أصبح الإسراف والإجحاف، والغلوّ والتّطرّف، سمة لهذه الحضارة وشعاراً تُعرف به، ويعرف به صاحبها، إسراف في التّكسب والإنتاج، وإسراف في التّلهي والتّسلية، وإسراف في البذل، وإسراف في النّظريات السياسية، وإسراف في النّظريات الاقتصاديّة"(77) لقد كان أمر إنسان هذه الحضارة الدّاجلة: "فرطاً في كلّ ما يختاره ويؤثره، وفي كلّ ما يدين به ويدعو إليه، أمَّا السّداد والقصد، والتّوسط في الأمرين، فهو من أبعد خلق الله منه، وأقلّهم نصيباً من ذلك"(78).

أمّا دين الإسلام وحضارته فإنّ هذا العنوان يبين أهمّ سماته: " العدل والسّداد ميّزة هذا الدّين وحضارته "(79).

" ولا شكّ أنّ روح الاستقامة والسّداد سارية في هذا الدّين، متغلغلة في أحشائه، مسيطرة على نظمه وشرائعه، وحضارته وثقافته وبالعكس من ذلك فالحضارة المادّيّة التي ولدتها أوربا في عصرها الموتور الثّائر على الدّين والأخلاق والنّظم، فاقدة الاتّزان من أوَّل يومها، متّصفة بالغلو والتّطرف في نظمها ومناهج حياتها والزّيغ والعوج في فلسفتها وتفكيرها، والتّطويل والتّهويل في علومها وثقافتها، وإيثار العسير والطّويل في جميع اتجاهاتها، وفي مثل هذه الحضارة تفقد الطّبائع سلامتها، والعقول استقامتها، والحياة بساطتها وسهولتها، والأمم وحدتها وألفتها"(80).

قصَّة صاحـب الجنَّتيـن:

إذا تمثَّلت قصَّة أصحاب الكهف في عقود من السّنين فقصَّة صاحب الجنَّتين تتمثل في كلّ مكان وحين(81). وقد حقّقت الجنَّتان لصاحبهما غاية السّعادة والغبطة في الحياة المتوسطة، وإنّ الحياة المتوسطة هي المقياس في أكثر شؤون الدنيا(82) فثمَّة العنب الثمر الكريم الحبيب وثمَّة النخل، الشَّجر الكريم الحبيب، ويتخللها الزّرع الكريم الحبيب(83) وجاءت الجنَّتان بخير حاصل ونتيجة(84)، هنالك تثور الطّبيعة المادّيّة في هذا الرجل السَّري الثريِّ(85) ويفاخر صديقاً له لا يعادله في هذه السّعادة فيقول في صراحة بل وقاحة كما جاء في الآية الكريمة: ] أنا أكثر منك مالاً وأعزّ نفراً [ (الكهف/34) ويعلن خلوده وخلود جنتيه، ويجحد بالبعث، ويعلن سعادته الدّائمة – في الدنيا والآخرة، إن كان آخرة – في صلف وخُرْق(86). قال تعالى:    ] ودخل جنَّته وهو ظالم لنفسه قال ما أظنّ أن تبيد هذه أبداً * وما أظنّ السّاعة قائمة ولئن رددت إلى ربّي لأجدنّ خيراً منها منقلبا [(الكهف/35-36) "ويعتقد أمثال هذا أن لا حاجة إلى الإيمان والعمل الصّالح والكدح، إنَّما هي سعادتهم الفطريّة، التي تهيئ لم الهناء والرّخاء في كلّ وقت "(87).

وكان صديقه قد فتح الله بصيرته للحقّ والإيمان، وسعد بمعرفة الله وصفاته وأفعاله، وأنَّه هو المصرف لهذا الكون، والخالق للأسباب، والمغيّر للشئون(88) فعارضه ونبهه إلى أصله وحقيقته وبدايته، وهي الحقيقة القاسية التي يتناساها المجدودون المخدوعون، وبيّن له اتجاهه المعارض لاتجاهه(89) قال تعالى: ] قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثمّ من نطفة ثمّ سواك رجلاً * لكن هو الله ربّي ولا أشرك بربّي أحداً [ (الكهف/33-34).

ثمّ ذكره بالحقيقة الأساسيّة التي تدور حولها سورة الكهف، والوتر الحساس الذي تضرب عليه، وهو أنَّه ليس الشّأن في الأسباب، إنَّما الشّأن في خالق الأسباب ومالكها، فعليك الاعتراف بصنع الله وقدرته، وإسداء كلمة الشّكر والحمد(90)، قال تعالى: ] ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله إن ترن أنا أقل منك مالاً وولداً * فعسى ربّي أن يؤتين خيراً من جنتك ويرسل عليها حسباناً(91) من السّماء فتصبح صعيداً زلقاً * أو يصبح ماؤها غوراً فلن تستطيع له طلباً [ (الكهف/39-41).

روح السُّورة ومفتاح القصَّة:

جاء تحت هذا العنوان الجانبي القول "ما شاء الله لا قوة إلا بالله" هي روح هذه السُّورة ومفتاح القصَّة.

وقد أوصى الله تعالى نبيّه – وكلّ قارئ للقرآن – قبل آيات بتفويض الأمر والقوة إلى الله تعالى في المستقبل، وفيما ينويه ويريده في المستقبل، وأن يشترط كلّ إرادة وعزم بمشيئة الله تعالى فقال (91)  ] ولا تقولن لشيء إنّي فاعل ذلك غداً، إلا أن يشاء الله. واذكر ربّك إذا نسيت وقل عسى أن يهدين ربّي لأقرب من هذا رشدا [ (الآية/ 23، 24).

وهاتان – ما شاء الله، وإن شاء الله – كلمتان خفيفتان على اللسان يكثر النطق بهما من غير شعور وتعقل ولكنهما كلمتان ثقيلتان عميقتان، زاخرتان بالمعاني حاسمتان للمادّيّة الرّعناء، والاعتماد على النّفس والإرادة(91).

وكما ربط الشَّيخ أبو الحسن النَّدْوي بين قصَّة أصحاب الكهف المؤمنين وبين الحضارة المعاصرة المادّيّة بقصد أن تهتدي بنور السّماء، يربط بين قصَّة صاحب الجنَّتين المادي وبين هذه الحضارة المعاصرة المادّيّة التي تعتمد على وسائل المادّة وقواها اعتماداً شديداً (91)  بقصد أن يكون الإيمان بالإرادة الإلهية والاعتماد عليها من سمات الأمة مع السّعي والجدّ والجهاد والأخذ بالتّدابير اللازمة التي حثّ عليها القرآن الكريم وجرى عليها النَّبِيُّ صلى الله علية وسلم وأصحابه في حياتهم(91).

" وليس الفرد هو المخاطب الوحيد بقوله: ] ولا تقولنّ لشيء إنّي فاعل ذلك غداً، إلا أن يشاء الله [ (آية 23-24)، بل المجتمعات والحكومات والمنظمات والمؤسسات كلّها معنيّة مكلّفة بها. وهي روح المجتمع الإسلامي الذي يتغلغل فيه الإيمان، وروح الحضارة التي تقوم على أساس الإيمان بالغيب، وهي الفارقة بين الحضارة المادّيّة والحضارة الإيمانيّة "(91).

وإنً صاحب الجنّ الرّجل المادّي ينبهه صديقه المؤمن إلى أنّ زمام الأمور بيد الله تعالى فالغني ربّما يفتقر، والفقير ربّما يغنى، فلا غرابة إذا انقلبت الأوضاع، وذلك الذي كان، قال تعالى: ] ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوّة إلا بالله. إن ترن أنا أقل منك مالاً وولداً * فعسى ربّي أن يؤتين خيراً من جنتك ويرسل عليها حسباناً من السّماء فتصبح صعيداً زلقاً * أو يصبح ماؤها غوراً فلن تستطيع له طلباً وأحيط بثمره فأصبح يقلّب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها ويقول يا ليتني لم أشرك بربي أحداً * ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصراً * هنالك الولاية لله الحقّ هو خير ثواباً وخير عقبا [ (آيات 39-44).

إنَّ صاحب الجنَّتين لم يكن مشركاً بالله كعامّة المشركين، فليس في القرآن ما ينصّ على ذلك، أو يشير إليه. بل بالعكس يشعر أسلوب القرآن بأنَّه كان يعرف الله ويؤمن به فقد قال: ] ولئن رددت إلى ربّي لأجدنّ خيراً منها منقلبا [ (آية 36)، فما كان شركُه الذي تتأسف عليه وقرع عليه سنّ النّدم ] يا ليتني لم أُشرِك بربّي أحداً [ (آية42)، الظّاهر الذي لا خفاء فيه أنَّه كان أشرك بالله الأسباب، فاعتقدها المصرّفة المؤثّرة التي يرجع إليها الفضل في رخائه وثرائه وازدهار ماله، واعتمد عليها ونسي الله وكفر بتأثيره وتصرفه(91).

إن هذا هو الشّرك الذي اتّجهت إليه الحضارة العصريّة المادّيّة، فقد اتّخذت الأسباب الطّبيعيّة والمادّيّة الفنيّة وأصحاب الاختصاص فيها أرباباً وأولياء من دون الله(91).

وهكذا أضيف إلى الوثنية المعروفة قديماً وثنية جديدة تتحدّاها سورة الكهف وتحاربها وتنعى عليها، (91) وهذه السُّورة تمثل هذه الحياة الدنيا بالزّرع الذي لا يلبث أن يكون هشيماً ] واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السّماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيماً تذوره الرّياح وكان الله على كلّ شيء مقتدارا [ (آية45). فليست الحياة الدنيا التي يؤمن بخلودها المادّيون سوى طريق مؤدّية إلى الآخرة. وقد جاء في السُّورة الكريمة قول الحقّ جلَّ وعلا: ] المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصّالحات خير عند ربّك ثواباً وخير أملاً [ (آية 46).

وهنا يعرج الشَّيخ أبو الحسن النَّدْوي إلى تبيين نظرة القرآن إلى الحياة الدنيا فهي قصيرة (91) وقنطرة إلى الآخرة (91)  والآخرة خير وأبقى(91).

والقرآن الكريم يمدح من يجمع بين الدنيا والآخرة مع إيثار جانب الآخرة على جانب الدنيا (91) قال تعالى: ] ومنهم من يقول ربّنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النّار [ ( سورة البقرة /الآية 201).

وهكذا تتعارض مدرسة النّبوة مع الفلسفات المادّيّة فعلى هذه الحضارة المادّيّة أن تصحّح من مسارها في ضوء تعاليم القرآن الكريم وسنّة المصطفى صلى الله علية وسلم  (91) وإنَّ سيرة تلاميذ مدرسة النّبوّة دليل على إمكان تطبيق الولاة والرّعيّة هذه التّعاليم في دنيا الحقيقة والواقع كي تسعد الإنسانيّة وتهنأ (91) ومن هذه التّطبيقات والنّنتائج الباهرة يتبيّن أنَّ الزّهد في هذه الحياة الأولى لم يحمل أصحابه على الاعتزال عن قيادة العالم وتوجيه الإنسانيّة (91) كما أنَّه لم يحمل أصحابه على الرهبانيّة التي لا علاقة لها بهذه العقيدة بل كان الزّهد في الدنيا والتّطلع إلى الآخرة: "عاملاً من عوامل القوة والإقدام والتّمرّد على قوى الشّر، ومن أعظم أسباب الشّجاعة والقوّة والانتصار، وقد كان أشجع الناس وأنشطهم في الكفاح للحقّ وأعظمهم نصيباً في الجهاد والفتح الإسلامي أزهدهم في هذه الحياة الدنيا، وأحرصهم على الآخرة، وأقواهم إيماناً بها، وأعظمهم شوقاً إلى لقاء الرّبّ والشّهادة في سبيل الله".(91)

ولا شكّ أنَّ المسلمين لم يضعفوا إلا بضعف هذه العقيدة، وأنَّهم لا يستقيم ميزانهم، ولا يكمل إيمانهم حتى ينظروا إلى هذه الحياة بمنظار القرآن.

وقد تكفّلت سورة الكهف الرّدّ على ذلك التّفكير المادّيّ وألحّت على تصوير الحياة الدنيا التّصوير الصّحيح المُطابق، وإن لم يُرض كثيراً من الناس.

ومن البيّن أن استنتاجات الشَّيخ أبي الحسن النَّدْوي العميقة الواسعة مستمدة من القصَّة ومن الآيات التّعقيبيّة بعد ذلك على القصَّة.

قصَّة موسى والخضر:

" إنَّها قصَّة هذه الحياة وقصَّة هذا الكون الذي نعيش فيه، إنها قصَّة تثبت في صورة عملية واضحة رائعة أنَّ وراء المعلومات والمكشوفات في هذا العالم وفي هذه الحياة مجهولات كثيرة، وأنَّ ما يجهله الإنسان – وأعظم إنسان في عصره – أكثر ممّا يعلمه" وأنَّ الإنسان لو أسندت إليه إدارة هذا العالم الفسيح، ومنح الحرّيّة التّامّة والتّصرف المطلق، لأفسد العالم وأهلك الحرث والنسل، لأن نظره قاصر، وعلمه محدود(1)، وقد خلق من عجل، وفطر على السرعة وقلّة البصر.

وقد اختار الله سبحانه وتعالى لتقرير هذه الحقيقة التي هي أساس الأديان أو الإيمان بالغيب أعظم شخصيّية في عصره، والذي أُوتي علماً كثيراً وخيراً كثيراً، وهو موسى عليه الصّلاة والسّلام أحد أُولي العزم من الرّسل.

"قام خطيباً في بني إسرائيل فسئل: أيّ الناس أعلم؟ فقال: أنا. فعتب الله عليه إذ لم يردّ العلم إليه، فأوحى الله إليه: إنَّ لي عبداً بمجمع البحرين هو أعلم منك. قال موسى: يا ربّ فكيف لي به؟ قال: تأخذ معك حوتاً فتجعله في مكتل، فحيثما فقدت الحوت فهو ثم".

وهذه هي آيات سورة الكهف في هذه القصَّة. قال تعالى: ] وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبا * فلمّا بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما فاتّخذ سبيله في البحر سربا * فلمّا جاوزا قال لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا * قال أرأيت إذ أوينا إلى الصّخرة فإنّ نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشّيطان أن أذكره واتّخذ سبيله في البحر عجباً * قال ذلك ما كنّا نبغ فارتدا على آثارهما قصصاً * فوجدا عبداً من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلّمناه من لدنا علما * قال له موسى هل أتّبعك على أن تعلمن ممّا علّمت رشدا * قال إنّك لن تستطيع معي صبراً * وكيف تصبر على ما لم تحط به خبراً * قال ستجدني إن شاء الله صابراً ولا أعصي لك أمراً * قال فإن اتّبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أُحدِث لك منه ذكراً * فانطلقا حتى إذا ركبا في السّفينة خرقها قال أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئاً إمراً * قال ألم أقل إنّك لن تستطيع معي صبراً * قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسراً * فانطلقا حتى إذا لقيا غلاماً فقتله قال أقتلت نفساً زكيّة بغير نفس لقد جئت شيئاً نكراً * قال ألم اقل لك إنّ لن تستطيع معي صبراً * قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدنّي عذرا * فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيّفوهما فوجدا فيها جداراً يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت لاتخذت عليه أجراً * قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبراً * أمّا السّفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كلّ سفينة غصباً * وأمّا الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغياناً وكفراً * فأردنا أن يبدلهما ربّهما خيراً منه زكاة وأقرب رحما * وأمّا الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحاً فأراد ربّك أن يبلغا أشدّهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربّك وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبراً [ (آيات 60-82).

يكشف الخضر القناع عن هذه القضايا الثلاث التي كانت موضع دهشة واستغراب من موسى – ومن كلّ من يقرأ هذه القصَّة في القرآن – مرّة واحدة، فيتجلّى أنَّ الخضر كان مصيباً محسناً حكيماً في تصرفاته الثّلاثة، وأنَّه لم يكن مسيئاً في موضع إحسان ولا محسناً في موضع إساءة.

لقد أحسن الخضر إلى صاحب السّفينة بخرقها إذ حفظها من الاغتصاب، فقد كان وراءها ملك يأخذ كلّ سفينة صالحة سليمة غصباً.

وأحسن إلى أبوي الغلام بقتله إذ كان هذا الغلام فتنة لهما. كان يخشى أن يرهقهما طغياناً وكفراً. فرأى أن بكاء ساعة أفضل من بكاء طول الحياة وبعد الحياة.

" وقد أصلح الجدار وأقامه لأنَّه كان ليتيمين من أبوين صالحين، وكان تحته كنز لهما لو تهدّم وانقضّ هذا الجدار لانكشف هذا الكنز الدّفين، واختطفه السّراق والنّاهبون، وبقي الغلامان من غير مال ولا رصيد. وهكذا ظهر أنَّ صلاح العمل ينفع في الحياة وبعد الممات ".

وعلى عادة سماحة الشَّيخ أبي الحسن النَّدْوي في أخذ الدّروس والعبر من القصَّة أو الحادثة يقرر أنَّ القصَّة في حقيقتها تحدّ للتفكير المادّي الذي يرى أن الحقيقة ليست إلا ما تتراءى للعيون.

لقد قامت الحضارة العصريّة على هذا التّفكير والعقيدة، وإنَّ قصَّة موسى والخضر بصفة خاصّة تنقض هذا الأساس وتهدم هذا البناء، وتنتهي القصَّة بقول الخضر لموسى: " ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبراً " والتّأويل في اصطلاح القرآن هو الحقيقة .

وهكذا يتعجّل الإنسان وينكر ويخطئ حتى تتجلى له الحقيقة ويأتي التّأويل.

إنَّ على أرباب هذه الحضارة المادّيّة أن يعلموا بأنَّهم لم يؤتوا من العلم إلا قليلاً وأن وراء عالم الشّهادة عالم الغيب.

قصَّة ذي القرنين:

بما أنَّ القرآن الكريم هو المصدر الوحيد المعتمد لنا نحن المسلمين عن ذي القرنين فإن الشَّيخ أبا الحسن النَّدْوي يقف في صفّ العلماء الذين اكتفوا بما جاء في القرآن الكريم عن هذا الحاكم المؤمن القوي لأنَّ الآراء الأخرى تنقصها الأدلة هذا إلى اعتمادها على الإسرائيليّات في بعض الأحايين وكما يبدو من القرآن الكريم قد امتدت فتوحاته إلى أقصى الشّرق وأقصى الغرب.

وكان في كلّ فتوحاته ومغامراته صالحاً ومُصلحاً منتصراً للحقّ ناصراً للضّعفاء، قاهراً للطّغاة الأقوياء، جاء على لسانه قول الحقّ جلَّ وعلا، ] قال أمّا من ظلم فسوق نعذبه ثمّ يُردّ إلى ربّه فيعذبه عذاباً نكراً * وأمّا من آمن وعمل صالحاً فله جزاء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسراً [.

ويُواصل ذو القرنين فتوحاته وانتصاراته حتى يصل إلى أمّة تعيش في فجوة من جبلين تعيش في خطر داهم وفي قلق دائم من أمّة همجيّة وحشيّة وراء الجبال يذكرها القرآن وتذكرها الصّحف السّماويّة بيأجوج ومأجوج، وترى تلك الأمّة أنَّ الفرصة سانحة، وأنَّ الله قيّض لهم وساق إليهم ملكاً صالحاً قويّاً فطلبوا منه أن يحفظهم من هؤلاء الوحوش المفسدين، وأن يستعمل وسائله الكثيرة وجيشه الكثيف في بناء السّدّ الذي يحول بينهم وبين يأجوج ومأجوج وعرضوا عليه أموالهم.

وعلى عادة الملوك الصّالحين المؤمنين المتّقين يستغني هذا الملك المؤمن بما آتاه الله تعالى من الخير الكثير من أموالهم، ويطلب منهم أن يساعدوه بالسّواعد، ويمدوه بما يوجد في بلادهم من الحديد والفولاذ. وتعاون الجميع في بناء هذا السّدّ المبارك، الملك الصّالح بحكمته وصُنّاعه، وأهل البلاد بأيديهم وحديدهم. وعلى عادة الصّالحين المؤمنين المتّقين يقول هذا الملك، في فقه المؤمن العليم، المؤمن بالآخرة، والعليم بضعف الإنسان، وتقلبات الزّمان كما جاء في القرآن الكريم ] قال هذا رحمة من ربّي فإذا جاء وعد ربّي جعله دكّاء وكان وعد ربّي حقاً [ (آية 98).

" هذه سيرة الإنسان القوي العليم الذي يُسخّر القوى الكونيّة والمادّيّة، ويملك أعظم مقدار من الأسباب والوسائل، ويوسّع فتوحه ومغامراته، وهو في كلّ ذلك وفي أوج قوّته وسلطته وسيادته وتسخيره للقوى والأسباب، مؤمن بربّه خاضع له، مؤمن بالآخرة ساع لها، مقر بضعفه، رحيم بالإنسانيّة وبالأمم الضعيفة، حام للحقّ، يستخدم كلّ قوته وجهده ومواهبه وجميع وسائله وذخائره، لخدمة الإنسانية وتكوين المجتمع الصّالح، وإعلاء كلمة الله، وإخراج الناس من الظّلمات إلى النّور، ومن عبادة الناس والمادّة إلى عبادة الله، سيرة مثلها سليمان بن داود عليهما السّلام في عصره، ومثلها ذو القرنين في عصره، ومثلها الخلفاء الرّاشدون والأئمة المهديون في عصورهم ".

وإنَّ هذه المعاني الإنسانيّة السّاميّة تعمقها السُّورة الكريمة في آياتها التّعقيبيّة على القصَّة حتى نهاية السُّورة.

وعلى عادة الشَّيخ أبي الحسن النَّدْوي في النّظر إلى أبعاد القصَّة ومراميها القصيّة يقارن بين هؤلاء الحكّام المؤمنين الصّالحين الأقوياء وبين الحضارة المادّيّة المعاصرة المفتونة بالقوّة، الكافرة، التي لا يفكر معها الأقوياء في غير مصالحهم وسحق الضّعفاء وكلّ من لا يخضع لهم ويركع.

إنَّ هذه الحضارة المادّيّة الرّعناء تتّسم بأهمّ صفتين للدّجال الذي جاء ذكره على لسان النّبوّة. أمّا هاتان الصّفتان فهما الكفر والإفساد.

ما أحرى الأمّة الإسلاميّة وما أجدرها بقيادة العالم كي تعيد للإنسانيّة سيرة الخلفاء الرّاشدين والأئمة المهديين في عصورهم.

وإذا كان العلامة أبو الحسن قد أحجم عن إصدار أحكام بشأن تعيين اسم ذي القرنين مثلاً لأن الأمر على درجة كبيرة من الصّعوبة والحاجة للبحث والتّقصي وهو لما يقم بذلك فإنَّه يشحذ همم الباحثين على مواصلة البحث وبذل منتهى الوسع والجهد في الاطّلاع والدّراسة مع سلامة العقيدة وحسن القصد.

ومما جاء في هذا المعنى من تعليق على يأجوج ومأجوج القول(1)، "ولا تزال أبواب الفن والملاحم والأحاديث التي جاءت فيها أشراط السّاعة وما كان ويكون بين يدي السّاعة، تنتظر باحثاً عالي الهمّة، راسخ القدم في العلوم الدّينيّة عالي الكعب في التاريخ، صبوراً دءوباً في الدّراسة والبحث، سليم العقيدة، حسن القصد، فإنَّها من أدقّ العلوم وأوسعها بحثاً، ولعل الله يحدث بعد ذلك أمراً ".

ومن البيّن أنَّ هذه النّعوت يخلعها الشَّيخ أبو الحسن على الباحث الذي يعالج مثل قضيّة يأجوج ومأجوج التي توقف الشَّيخ أبو الحسن بشأنها، وهذا أحد مظاهر تواضع شيخنا أبي الحسن، وإخلاصه للعلم، وغيرته الإسلاميّة. وإنَّ الباحث المأمول أو الباحثين المأمولين أن يوجدوا بإذن الله تعالى ينبغي أن يتحلوا بهذه النّعوت التي سطرها يراع الشَّيخ أبي الحسن إضافة إلى التّواضع الأصيل العميق الذي يتحلّى سماحته به.

وإنَّ هذه الشّريحة من العلماء الباحثين الجادّين المؤمنين المتّقين إحدى شرائح الأمّة المسلمة المرشّحة لأن تقود العالم مستقبلاً بإذن الله تعالى كي تحقّق مع القوّة العدل والإنصاف، وكي تترجم الإيمان إلى عمل.

الـخـاتـمـة :

قرّرت أحاديث المصطفى صلى الله علية وسلم العصمة من الدّجال لمن قرأ آيات من أوَّل سورة الكهف، أو من آخرها، أو من أوّلها وآخرها، أو لمن قرآها كلّها، كما قرّرت أن ما بين خلق آدم إلى قيام السّاعة أمراً أكبر من الدّجال.

ومن متعلقات الدّجل الكذب والخداع والتّمويه والإيغال في كلّ ذلك.

وقد عني الشَّيخ أبو الحسن النَّدْوي بتبيين الحكمة من اختيار المصطفى صلى الله عليه وسلم، هذه السُّورة الكريمة بالذات في أحاديث العصمة من المسيح الدّجال الكذاب، وهو رجل من يهود يظهر في آخر الزمان يدّعي الإلهية(1).

وقد تبيّن أنَّ السُّورة الكريمة تحتوي على أكبر قدر من العلاج والتّرياق لأمراض الدّجل والخداع والتّمويه والكذب.

وانطلاقاً من حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم بأنَّ ما بين خلق آدم إلى قيام السّاعة أمراً أكبر من الدّجال فإن الشَّيخ أبا الحسن النَّدْوي تبيّن اندراج الحضارة المادّيّة المعاصرة تحت هذا الحديث النّبوي الشّريف.

إنَّ السُّورة الكريمة تعصم بإذن الله تعالى من المسيح الدّجال الكذاب في آخر الزّمان، وكان تشخيص الدّاء ووصف الدّواء عن طريق القصص الأربع في السُّورة وآيات أوَّل السُّورة والآيات التّعقيبية في أثناء السُّورة وفي نهايتها.

وهذه القصص الأربع هي قصَّة أصحاب الكهف والرّقيم، وقصَّة صاحب الجنَّتين، وقصَّة موسى والخضر، وقصَّة ذي القرنين.

وأنَّه بالنّظر إلى القصص الأربع تتبين العلل والأمراض في حقّ الأفراد وفي حقّ الأمم، كما يتبيّن العلاج والدّواء. إنَّ قصَّة أصحاب الكهف والرّقيم تصوّر الصّراع بين الكفر والإيمان، المادّة والرّوح الإيمان بالأسباب وحدها والإيمان بالله تعالى مُسبّب الأسباب.

لقد انتصر بإرادة الله تعالى الإيمان على الكفر في هذه القصَّة، وهي رمز لما يعانيه المؤمنون في دولة الكفر والبطش والبغي.

وإنَّ قصَّة صاحب الجنَّتين تصوّر الصّراع بين من يشرك مع الله تعالى الأسباب وبين من يؤمن بالله تعالى وحده لا شريك له مُسبب الأسباب ومقلّب الأحوال، فالفقير قد يغنى والغني قد يفتقر، وذلك هو الذي حصل في حقّ صاحب الجنَّتين الطّاغي الباغي.!

إنَّ الإيمان بالقدرة المطلقة للذات العليّة ضروري، وإنَّ قصَّة موسى والخضر تبيّن أنَّ ما آتانا الله تعالى من العلم قليل.

وقد تأكّد هذا القليل من العلم في حقّ موسى عليه السّلام، أعلم أهل زمانه وأحد أولي العزم من الرّسل.

إنَّ من يقرأ هذه القصَّة ويقف على الحكم وراء ما قام به الخضر عليه السّلام تجاه السّفينة والغلام والجدار يدرك أن الخضر عليه السّلام مُحسن في كلّ ما قام به.

إنَّ في هذه القصَّة تنبيهاً للإنسانيّة إلى أنَّ فوق كلّ ذي علم عليم، فلا ينبغي الاغترار بالأسباب المادّيّة والاستغناء بها عن الإيمان وعن الاستعانة بالله تعالى والتّوكل عليه جلَّ وعلا وحده لا شريك له، ولا ينبغي الاعتماد على ذوي الاختصاص وحدهم كما يفعل المادّيون، بل ينبغي الاعتماد على الله تعالى وتعليق كلّ عمل أنجز أو لم ينجز بمشيئته جلَّ وعلا مع الجدّ في الأخذ بالأسباب.

وإنَّ قصَّة ذي القرنين تصوّر الحاكم المؤمن القوي حينما يسخّر ما أفاء الله تعالى به عليه من قوة وعلم ومال ورجال في عمل الصّالحات وطاعة الله تعالى والأخذ بيد البشريّة إلى ما يسعدهم في أخراهم وأولاهم. لقد ضرب ذو القرنين أبلغ المثل على ذلك ببنائه السّدّ، مستعيناً بالله تعالى، متوكّلاً عليه جلَّ وعلا أولاً وآخراً، مسخّراً ما منّ الله تعالى به عليه من رجال ومال، مستفيداً من سواعد الذين بُني من أجلهم السّدّ ومن الحديد والفولاذ لديهم.

لقد عفّ هذا الحاكم المؤمن عن أموال القوم وذلك عكس ما يفعله الحكام الطّغاة في كلّ زمان ومكان.

إنَّ من الأمور المرغوب عنها، والأمراض التي ينبغي استئصالها: الكفر بالله تعالى، والإيمان بالأسباب المادّيّة وحدها وبذوي الاختصاص، وعدم الإيمان بالغيب، والتّسخير للقوّة في ظلم الآخرين وإيصال الأذى إليهم، وليس في إرساء قواعد العدل ورفع دعائمه وإسعاد البشريّة وتحقيق مصالحها.

إنَّ هذه بعض أمراض المدنيّة المادّيّة المعاصرة التي تعالجها سورة الكهف، هذا إلى الدّروس القرآنية المبثوثة في هذه السُّورة المكّيّة الكريمة.

 


(1)   تأملات في سورة الكهف 6 .

(2)   تأملات في سورة الكهف 10 .

(3)   تأملات في سورة الكهف 12 .

(4)   انظر: تأملات في سورة الكهف هوامش الصفحات 7، 8، 9. وانظر – مثلاً – صحيح مسلم بشرح النووي 2/235 و9/153 في صيانة المدينة المنورة من دخول الدجال، و18/58-86 ذكر الدجال، وتفسير ابن كثير 3/70و71، وفتح الباري 13/89-91 الأحاديث 7122-7131 و13/101 الأحاديث 7132-7134.

(5)   18/ 65 .

(6)   تفسير ابن كثير 3/70 .

(7)   تفسير ابن كثير 3/70 .

(8)   تفسير ابن كثير 3/70 .

(9)   تفسير ابن كثير 3/70 .

(10) تفسير ابن كثير 3/70 .

(11)   تفسير ابن كثير 3/70 .

(12)   تفسير ابن كثير 3/70 .

(13)   صحيح مسلم 18/86، وانظر تأملات في سورة الكهف 8 .

(14)   صحيح مسلم 18/86 .

(15)   انظر مثلاً تأملات في سورة الكهف 14 .

(16)   انظر مثلاً تأملات في سورة الكهف 14 .

(17)   انظر مثلاً تأملات في سورة الكهف 14 .

(18)   تأملات في سورة الكهف 10 .

(19)   تأملات في سورة الكهف 11 .

(20)   تأملات في سورة الكهف 11و12 .

(21)   تأملات في سورة الكهف المقدمة 5 .

(22)   الطبعة الأولى في القاهرة سنة 1974م والطبعة الثانية في جدة سنة 1403هـ 1983م وترجم إلى اللغة الإنجليزية وطبع في أستراليا سنة 1992م .

(23) طبعت الدراسة على نفقة جامعة الملك عبد العزيز سنة 1396هـ.

(24)   انظر تأملات في سورة الكهف 14 و 15 و 16 و 17 .

(25)   انظر تأملات  في سورة الكهف 15 .

(26)   تأملات في سورة الكهف 16 .

(27)   انظر تأملات في سورة الكهف 17 .

(28)   تفسير ابن كثير 3/72 .

(29)   انظر مفردات الراغب الأصفهاني : "جرز" 91 .

(30)   تأملات في سورة الكهف 18 .

(31)   انظر تأملات في سورة الكهف 23 .

(32)   تأملات في سورة الكهف 22 .

(33)   تأملات في سورة الكهف 22 .

(34)   الخضر ككبد وكبْد : أبو العباس النبي عليه السلام ، القاموس .

(35)   تأملات في سورة الكهف 24 .

(36)   تأملات في سورة الكهف 25 .

(37)   تأملات في سورة الكهف 24 .

(38)   تأملات في سورة الكهف 23 .

(39)   انظر تأملات في سورة الكهف 40 وتفسير ابن كثير 3/72 .

(40)   انظر أسباب النزول للنيسابوري 344 وتفسير ابن كثير 3/80 .

(41)   تفسير ابن كثير 3/81 .

(42)   تفسير ابن كثير 3/81 .

(43)   تأملات في سورة الكهف 39 وما بين معقوفتين زيادة اقتضاها السياق، والنص ذاته في أهل الكهف 197 لمحمد تيسير ظبيان.

(44)   تأملات في سورة الكهف 44 .

(45)   تأملات في سورة الكهف 45 .

(46)   سورة آل عمران 110، وقد أشار ابن كثير في تفسيره 3/75 إلى لطف الله تعالى بأصحاب الكهف وبحبيبه صلى الله عليه وسلم في غار ثور مع الصّدّيق رضي الله عنه .

(47)   تأملات في سورة الكهف 47 .

(48)   رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه انظر فتح الباري 1/69 حديث رقم 19 .

(49)   تأملات في سورة الكهف 48 .

(50)   تفسير ابن كثير 3/73 .

(51)   تأملات في سورة الكهف  53 .

(52)   تأملات في سورة الكهف  53 .

(53)   تأملات في سورة الكهف  49 .

(54)   تأملات في سورة الكهف 50 .

(55)   تأملات في سورة الكهف  52 .

(56)   تأملات في سورة الكهف 52 .

(57)   تأملات في سورة الكهف 52 .

(58)   تفسير الطبري 15/138 .

(59)   تأملات في سورة الكهف 53 .

(60)   تأملات في سورة الكهف 53 .

(61)   تأملات في سورة الكهف 54 وانظر تفسير ابن كثير 3/74 .

(62)   تأملات في سورة الكهف 54 .

(63)   تأملات في سورة الكهف 56 .

(64)   تأملات في سورة الكهف 56 .

(65)   تأملات في سورة الكهف 57 .

(66)   تأملات في سورة الكهف 58 .

(67)   سورة الكهف 25، والثلاثمائة سنة شمسية وتزيد القمرية بتسع سنوات.

(68)   تأملات في سورة الكهف 58 .

(69)   تفسير ابن كثير 3/77 والجلالين ومفردات الراغب الأصفهاني "ورق" 520 وتفسير الطبري 15/143 .

(70)   تأملات في سورة الكهف 60 .

(71)   تأملات في سورة الكهف 21 .

(72)   تأملات في سورة الكهف 61 .

(73)   تأملات في سورة الكهف 61 .

(74)   تأملات في سورة الكهف 63 .

(75)   تأملات في سورة الكهف 63 .

(76)   تأملات في سورة الكهف 65 .

(77)   تأملات في سورة الكهف 65 .

(78)   تأملات في سورة الكهف 66 .

(79)   تأملات في سورة الكهف 66 .

(80)   تأملات في سورة الكهف 68 .

(81)   تأملات في سورة الكهف 69 .

(82)   تأملات في سورة الكهف 69 .

(83)   تأملات في سورة الكهف 69 .

(84)   تأملات في سورة الكهف 69 .

(85)   تأملات في سورة الكهف 70 .

(86)   تأملات في سورة الكهف 70 .

(87)   تأملات في سورة الكهف 71 .

(88)   تأملات في سورة الكهف 71 .

(89)   تأملات في سورة الكهف 71 .

(90)   تأملات في سورة الكهف 72 .

(91)   ناراً أو عذاباً وما يحاسب عليه فيجازى بحسبه. مفردات الراغب الأصفهاني: " حسب " 116 .

(1)   في الأصل: " وعلمه محدود " تأملات في سورة الكهف ص 90 .

(1)   هامش رقم 1 في تأملات في سورة الكهف ص 103 .

(1)   انظر هنا – مثلاً – لسان العرب لابن منظور " دجل " .

      

 H E R A A
FOR RESEARCH, PUBLISHING & DISTRIBUTING
Thikana, 504/30A, Taigor Marg, Nadwa Road
Lucknow 226020, India

Email: heraa@nadwi.net
.in

ربيع الأول 14, 1426

 



عنوان الموقع الرسمي لندوة العلماء بالهند Nadwatul Ulama`s  Website

http://nadwatululama.org

عنوان البريد الإلكتروني لندوة العلماء E-mail address

nadwa@sancharnet.in

عنزان البريد الإلكتروني الخاص برئيس ندوة العلماء E-mail address of Nazim Nadwatul Ulama

nadwi@nadwi..net.in

      

 H E R A A
FOR RESEARCH, PUBLISHING & DISTRIBUTING
Thikana, 504/30A, Taigor Marg, Nadwa Road
Lucknow 226020, India

Email: heraa@nadwi.net.in

ربيع الأول 13, 1426

 


عنوان الموقع الرسمي لندوة العلماء بالهند Nadwatul Ulama`s  Website

http://nadwatululama.org

عنوان البريد الإلكتروني لندوة العلماء E-mail address

nadwa@sancharnet.in

عنزان البريد الإلكتروني الخاص برئيس ندوة العلماء E-mail address of Nazim Nadwatul Ulama

nadwi@nadwi..net.in