منهج الشيخ أبي الحسن الندوي في التفسير
الأستاذالدكتور/مصطفى مسلم محمد
أستاذ التفسير وعلوم القرآن بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقاً ورئيس قسم الشريعة بكلية الشريعة والقانون بجامعة الشارقة حالياً
منهج الشيخ أبي الحسن الندوي في الدراسات القرآنية:
من خلال كتبه التالية:
1- المدخل إلى الدراسات القرآنية.
2- الصراع بين الإيمان والمادية ( تأملات في سورة الكهف)
3- تأملات في القرآن الكريم.
لقد اطلعت على الكتب الثلاثة المذكورة أعلاه، وعايشت المؤلف من خلال أنفاسه التي كنت أحس بها من خلال السطور، ونفحاته الروحانية التي كنت أتنسمـها مـن خلال التجليات الروحية التي كانت عبارته تفوح بها.
وقبل أن أدوّن مزايا كتابات الشيخ رحمه الله حول التفسير والدراسات القرآنية لابد من تعريف موجز بكل كتاب من الكتب الثلاثة وما اشتمل عليه من موضوعات وقضايـا.
أما الكتاب الأول:
المدخل إلى الدراسات القرآنية:
فقد كتبه الشيخ رحمه الله في مقتبل عمره ولم يتجاوز العقد الثاني من عمره إلا قليلاً- كما يقول في مقدمة الكتاب- وقد أسند إليه تدريس تفسـير أجزاء من القـرآن ، من غير أن يرتبط بتفسير معيّن، فنهج الشيخ منهجاً خاصاً في تأسيس الملكة التفسـيرية لدى طلابـه بدأً من تكوين معرفة بمكانة القرآن ودوره في الهدايـة وإعجازه وهيمنتـه على الكـتب السماوية القديمة وما اشتمل عليه من نبوءات وغيوب لا يحيط بها العقل البشري. فأملى ما جادت به قريحته وما استطاع جمعه والاطلاع عليه من الدراسـات القرآنيـة على طلاب السنة السادسة في دار العلوم بـ لهنكؤ-الهند- عام 1357هـ الموافق 1938م وقد كتبها الشيخ باللغة الأوردية ثم أسند ترجمتها إلى العربية إلى السيد سلمان الحسيني النـدوي فقام بها على أحسن وجه واستحق بذلك ثناء الشيخ وتقديره.
أما مضمون الكتـاب: فقد وضع المؤلـف عناويـن لكل موضوع تناولـه من غير أن يقسـم الموضوعـات إلى أبـواب أو فصـول أو مبـاحث. فوضـع
العنـوان الأول تـحت
( القرآن يتحدث عن نفسه) وتعرض فيه لثبوت القرآن القطعي أنه منزل من الله غير مشكوك فيه إطلاقاً. وأورد الآيات القرآنية التي تدل على نزوله من الله العزيز الحكيم، وطريقة وصوله الوحي إلى رسول
الله صلى الله عليه وسلم بواسطة أمين الوحي جبريل، فلم يخضع في ثبوته ونزوله لضعف البشر.
2- وأن القرآن محكم ومفصل: وأورد جملة من الآيات التي تصف القرآن بالإحكام تارة والتفصيل أخرى وأن القرآن اشتمل إلى أمهات القواعد الكلية في أصول الدين وفصل في جميع الأمور التي يحتاج إليها الإنسان في فلاح دنياه وسعادته في آخرته.
3- وتحت عنوان صغير( القرآن فرقان) تحدث عن تفريق القرآن بين الحق والباطل والخير والشر…
4- القرآن مصدر للكتب الإلهية السابقة ومهيمن عليها.
5- القرآن يهدي إلى سبل السلام ويخرج الناس من الظلمات إلى النور.
6- القرآن يتنـاول الآثام والمعاصي التي تتكرر في الشعوب والأقـوام، أما الانحرافات النادرة فيهملها.
تـعليق:يلاحظ في هذا المبحث أن الشيخ يورد العناوين الصغيرة ويستدل عليها بجملة من الآيات الدالة على العنوان، وتعليقاته قليلة على ظاهر الآيات، وتتسم التعليقات بالحماس، فيا ترى عدم التعمق في الاستنباط هل كان مراعاة لحال الطلبة المبتدئين، أم أن الشيخ كان في بداية حياته العلمية لم تكن له تلك النظرات التي نلاحظها في كتاباته المتأخرة؟احتمالان واردان.
- الإعجاز القرآني:
أورد الشيخ تحت هذا العنوان آيات التحدي، ثم تحدث عن مجالات الإعجاز القرآني، فبين أن الإعجاز ليس منحصراً في فصاحته اللغوية وبلاغته المعنوية، بل ذاك جانب من جوانب إعجازه بل هو معجز في كل ما يتعلق به ... ومن أكبر مجالات الإعجاز الإسلام: ويشير تحت هذا العنوان إلى مزايا الإسلام وهداياته الكاملة في العقيدة والتشريع والأخلاق.
وتحت عنوان صغير آخر المعجزة الثانية للقرآن وعلومه ومعارفه: يتحدث عن حقائق القرآن الثابتة التي لا تتأثر بالمعارف البشرية المتقلبة لأن الله حفظه بخلاف الكتب السابقة..
وتحدث تحت عنوان: العلم الجديد والكشوف الجديدة تصدق القرآن: وأورد الشيخ كلام موريس بوكاي عن القرآن في كتابـه ( دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة) بشـأن مطابقة ما في القرآن للمعـارف العلمية الحديثة ودهشـته في ذلك. ( وهذا من إضافات الشيخ المتأخرة، لأن الكتاب عرض عليه متأخراً قبل طباعته فأضاف وعدل فيه).
- إثبات الوثائق التاريخية العتيقة، وتصديق الباحثين المسيحيين المعاصرين الحديثة لما جاء في القرآن الكريم من:
تبرئة المسيح عليه السلام من الصلب والقتل:
وذكر المؤلف نقولاً من كتب النصارى أن الذي حمل الصليب وشنق هو شمعون الكريني، وليس المسيح عليه السلام كما ذكر ذلك كتاب ( محاكمة المسيح عليه السلام ) لمؤلفه جيوفاتي روسادي،المنشور سنة 1905م. وكذلك دائرة المعارف البريطانية في جـ3 صـ176 الطبعة الرابعة عشر، وكذلك جاء في دائرة معارف الأخلاق والأديان الجزء الرابع صـ833. وذكر أن أول من انتبه لأهمية هذا البحث التاريخي وإثبات معجزة القرآن الباحث الكبير الشيخ عبد الماجد الدريابادي المتوفى سنة 1977 في تفسيره للقرآن بالإنجليزية والأردية.
- المعجزة الثالثة للقرآن الكريم أنباؤه الغيبية ونبوءاته الصادقة.
والتي وافق فيها أخبار الكتب السابقة التي لم يحرفها أصحابها..
- دراسة مقارنة بين القرآن الحكيم والصحف السماوية السابقة:
في القرآن يـأتي التركيز على موطن العظـة والعـبرة (لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب، ما كـان حديثاً يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون)يوسف111. أما في التوراة فتقرأ ( السلاطين) و( التواريخ) وسفر التكوين، فتجد ذكر السنين والأشخاص والقبائل والتفاصيل الطويلة عن البنيان فيتأكد لديك أن يد الإنسان قد تدخل فيها. ولقد ورد في القرآن محاولة استجرار موسى عليه السلام للدخول في متاهات التاريخ ولكن موسى عليه السلام أغلق دون ذلك الباب قال فرعون( فما بال القرون الأولى) فأجاب موسى( علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى) طه52.
- قصة سيدنا يوسف عليه السلام في القرآن والتوراة:
وقد ركزت القصة في القرآن على الجوانب الربانية التربوية، أما التوراة فأهملت كثيراً من هذه الجوانب وركزت على التفاصيل في الأسماء والجزئيات البعيدة عن الجوانب التربوية.
- سيرة الأنبياء كما تصورها التوراة والقرآن:
سيرة الأنبياء مشوهـة في التوراة حيث تتهـم بعضهم بالكفر والزنى وشـرب الخمـر والموبقات… بينما سيرتهم مطهرة كريمة منزهة تليق بمكانتهم العظيمة عند الله تعالى.
- إحدى نبوءات القرآن الكريم العظيمة ( نبوءة غلبة الروم).
وتحدث الشيخ عن حروب الفرس والروم وكيف تحقـقت النبوءة من خـلال انقـلاب شخصية هرقل المتخاذلة أولاً ثم ثورته ثانياً ثم عودته إلى حياة الترف والاسترخاء أخيراً..
- ثم ساق الشيخ نماذج أخرى من النبـوءات، مثل نبوءة استخلاف المؤمنين الموحدين العابدين.. ونبوءة قتال المرتدين العرب: ( قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد ..)الآية. والنبوءة بحفـظ القرآن (إنا نحن نزلنا الذكر و إنا له لحافظون)
والنبوءة بفتح مكة ودخول المسجد الحرام(لتدخلن المسجد الحرام…).
وتحت عنوان: (القرآن الكريم معجزة الهداية والانقلاب البناء المبارك) ذكر الشيخ كيف قلب القرآن الكـريم النفوس وأوجد أمـة متماسكة. والقرآن يصور ذلك بعبارة موجزة معجزة حيث يقول(واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً وكنتم على شفى حفرة من النار فأنقذكم منها..) فقـد صورت الآيتـان الجاهلية والإسلام بأبلغ عبارة فتاريخ الجاهلية والإسلام كله ليس إلا تفسيراً لهاتين الآيتين: في الجاهلية(كنتم أعداء..، وكنتم على شفى حفرة من النار) والإسلام هو( ألـف بـين قلوبكم، فأنقذكم منها) ومثل هذا الفهم للآيات وبلورة الفكرة ديدن الشيخ في كثير من مؤلفاته.
وتحت عنوان ( القرآن الحميد والصحف السماوية القديمة في ميزان العلم والتاريخ) : تحدث الشيخ عن تعرض الكتب السابقة إلى التلف والضياع من أشهرها ثلاث مرات:
1- على يد بختنصر عام586 قبل الميلاد.
2- على يد أنطيمو خوس الرابع سنة168 ق.م وأحرق الصحف المقدسة.
3- على يد تيطوس الملك الروماني عام 70م .
وفي كل مرة كان يجمع الصحف المقدسة من حفظهم بعض الأحبار، وفاتهم الكثير وفي كل مرة يضيفون إليها بعض التواريخ. ولا يتحرج اليهود والنصارى من القول إن كتبهم المقدسة من تأليف أنبيائهم ولا يرون الزيادة والنقص فيها يتعارض مع قدسيتها أو كونها من السماء. كل ذلك بخلاف رؤية المسلمين لآيات القرآن الكريم الذي (لا يأتيه البـاطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد) ولا يمكن الزيادة والنقص فيه مطلقاً. ثم يذكر شهادات للكتاب الغربيين على سلامة القرآن من التحريف أو الزيادة والنقص.
وتحت عنوان
( شروط الاستفادة من القرآن العظيم: موانعها، ومؤيداتها)
تحدث الشيخ عن كون القرآن يخـاطب الجميع إلا أن استعدادات الناس المتفاوتـة للتلقي تستفيـد بحسب قدراته. وذكر أهم الموانع من الإفادة من القرآن:
1- الكبر: (سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق)الأعراف/116. (ويل لكل أفاك أثيم،يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبراً كأن لم يسمعها، فبشره بعذاب أليم) الجاثية/7-8
2- المجادلة: (إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير)المؤمن/56. (إن الـذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم ، كبر مقتاً عند الله وعند الذين آمنوا، كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار)المؤمن/35.
3- الكفر بالآخرة وعبادة المادة: بناء دعوة القرآن إلى الهداية والإصلاح على الإيمان بالآخرة(والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به وهم على صلاتهم يحافظون)الأنعام/93 (وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً، وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً، وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفوراً)الإسراء/45-46.
أما أهم
( مؤيدات الاستفادة من القرآن الكريم)
فهي:
1- الرغبة والطلب: فإن من سنن الله تعالى أنه لايعطي إلا بالرغبة والسؤال.. والتولي والاستغناء عن الدين علامة على الشقـاوة والحرمان(فكفروا وتولوا واستغنى الله والله غني حميد).
2- الاستماع والاتباع: ولا فائدة من الاستماع إلا التطبيق والعمل،فإن العلم ما لم يصحبه عمل ترف عقلي ليس غير.
3- الخشية والرهبة: إن الاستـشعار بجلال الله وكبريائـه رأس مال الدين. إن الذين خمدت مراجل قلوبهم فقدوا الاستفادة من هدايات القرآن(فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين)
4- الإيمان بالغيب:
إن كثيراً من حقائق الدين لا تدركها الحواس.. ولا تحيط بها العقول ولكنها لا تعارضها ولا يمكن معرفتها إلا عن طريق الأنبياء عليهم السلام، فالذين يحصرون معارفهم بالمحسوسات ويجحدون مالا تسعه عقولهم لا ينتفعون بالقرآن الذي يسوق الحقائق من عالم الغيب ويعدها من المسلمات الإيمانية .
5- التدبر: معايشة القرآن أثناء القراءة و تدبر المعاني والتفكير أثناء التلاوة.
6- المجاهدة: العمل على طهارة القلب وتزكية النفس وتحسين الأخلاق يفتح الطريق أمام الحكمة والعلم.
7- التأدب والتعظيم: وكأن الإنسان يقرأ كتاب حبيب في غاية الشوق لأخباره وحديثه .
ثم ساق المؤلف نماذج من تدبر السلف وقصصهم المؤثرة.
الكتاب الثاني:
الصراع بين الإيمان والمادية – تأملات في سورة الكهف-
يقول الشيخ رحمه الله في مقدمة هذا الكتاب إنه مجموعة مقالات كانت نشـرت في مجلة (المسلمون) تباعاً في عام 77-1378هـ ، وبقيت في بطن المجلد السادس من المجلة إلى أن جدّت حوادث في العالمين العربي والإسلامي، ورأى المؤلف افـتتان الناس بالماديـة ورأى قصة الصراع بينها وبين الإيمان،… مما جعل الشيخ يعيد النظر في تلك المقالات وينقحها ويزيد فيها ويدفعها للنشر عام 1390هـ .
فيذكر في البدايـة صلته بسورة الكهف التي عودتـه أمه على تلاوتها كـل يوم جمعـة،
وعندما كبر ودرس الحديث اطلع على حث رسول الله
صلى الله عليه وسلم على قراءة سورة الكهف وأنها عصمة من الدجال. فبدأ يفكر لماذا خص رسول الله
صلى الله عليه وسلم هذه السورة لهذه الفتنة من بين سور القرآن؟! وبدأ يتدبر السورة وهو مشبع بتلك الفكرة
– الصلة بين السورة وبين فتنة
الدجال- فوجد أن السورة كلها تدور حول موضوع واحد( بين الإيمان والمادية)
أو
(بين القوة المصرفة للكون(هو الله) وبين الطبيعة أو الأسباب). ونشر مقالة مقـتضبة في مجلـة الترجمان التي كان يرأسها الشيخ أبو الأعلى المودودي. ثم مرت فترة ولم يفكر في العودة إلى السورة الكريمة والكتابة فيها إلا بعد الاطلاع على مقالة صديقه الشيخ مناظر أحسن الكيلاني، فأثارت المقالة شجون الشيخ من جديد وقرر أن يدون بعـض النكات البديعة والتوجيهات البليغة ولطائف القرآن الدقيقة، ولا يعتبر ذلـك تفسـيراً للقرآن وإنما هي تأملات ونظرات عامة في هذه السورة العظيمة.
ثم تحدث عن مفتاح شخصية الدجال وهي أنها مبنية على (الدجل).
وقد اتسمت الحضارة المادية في العهد الأخير بالتدجيـل في كل شيء… بتسمية الأشياء بغير مسمياتها ورفع شعارات للتمويه على الناس وإخراجهم من معتقداتهم.
ثم يتحدث الشيخ عن دور المسيحية و اليهودية المتشابه: فالمسيحية المحرّفة المادية، واليهودية الموتورة تعاونتا على توجيه الحضارة الغربية اتجاهاً ماديـاً عنيفـاً لتهدد مصـير العـالم بالاكتشافات الحديثة والمخترعات المدمرة المبيدة،وفقد التوازن بين العلم والعاطفة والعقل والضمير، والصناعة والأخلاق.
وتمكن اليهود من التأثـير في مجريـات الأمور في العـالم النصراني ليمارس دور الإفسـاد في الأرض في أعتى مظاهـره. ولذلك فإن افتتاحية سورة الكهف تتعرض للنصرانية(.. وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولداً..) .
والأمر الآخر اللافت للنظر هو اقتصار الغرب النصراني على زخارف هـذه الحياة الدنيا ومحاولة الاستمتاع بها وعدم الاهتمام بما وراء هذه
الحياة.. وهي النقطـة التي يلتقي فيها اليهود معهم، الذين خلت توراتهم المحرفة عن ذكر الآخرة. ويأتي التنبيه في افتتاحية السورة على قيمة هذه الحياة وزخارفهـا (إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملاً وإنا لجـاعلون ما عليهـا صعـيداً جرزاً). وتكرر ذلك في الخاتمة( قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً). وهكذا توجّه إرادة الله هذا الكون لتنشأ الحضارة المادية بزخارفها في أحضان النصرانية ويتولى قيادتها اليهود ولتبلغ على أيديهم ذروتها الأخيرة لتتوج بظهور الدجال وهو أعظم بطل من أبطال الكفر والإلحاد.
- ثم يتحدث الشيخ عن قصص السورة الأربع:
فيقول إن الرابط الذي يربط بينها هي الأسباب التي يعتمد عليها الناس ولا يرون غيرها خلف الحوادث، هذه نظرة فئة من الناس الذين يقصرون أنظارهم على ظاهر الأحداث ويدركون أسبابها الظاهرة، ولكن هناك نظرة أخرى تعتقد أن الكون بيد مصرف الأمور الذي يقول للشيء كن فيكون، وإلى جانب الأسباب المادية الظاهرة خـلق هـذا الخالق أسباباً معنوية مؤثرة تعمل في هذا العالم وتحدد مصير الأفراد والأمم كالأسباب الطبيعية أو أشد . وهذه الأسباب المعنوية هي الإيمان والعمل الصالح والأخلاق الفـاضلة وطاعة الله والعدل والعبادة والرحمة والمحبة… وإن من تمسك بالأسبـاب المعنويـة الصالحة من غير تعطيل للأسباب الطبيعة طابت له الحياة ويسّره الله لليسرى..وأخضع له الأسباب الطبيعية. فسورة الكهف تمثل الصراع بين النظرتين المادية والمعنوية.
فالقصة الأولى تروي قصة فئة من أتباع المسيح عيسـى عليه السلام، ذكرتها مراجعهم في العهد الجديد وتقول دائرة المعارف للأخلاق والديـانات: إنها كانت في مدينة (أفيسيس) قرب أزمير وبعد ذكر تفصيلات خبر أصحاب الكهف من المصادر المسيحية يناقش الشيخ الروايات وتفصيلات القصة، وكمنهجه في تحقـيق الأحداث والـروايات يخرج بنتيجة ويرجح فيها العصر الذي وقعت فيه القصـة. ولا يقف الشيـخ على ما أورده كثير من المفسرين من سبب نزول سورة الكهف وخاصة أن الروايات فيها مقال، وإنما يرجح أن يكون واقع الحال للمؤمنين بمكة الشبيه بحال الفتية أصحاب الكهف من الشدة و الإرهاب والتعذيب والتضييق فكانت القصص تقص عليهم لتقوي عزائمهم وتلوح لهم بالفرج بعد الشدة. وما أشبه حال المؤمنـين بحـال أصحاب الكهف في الحال والمآل فقد لبث أهل الكهف فترة من الزمن ليظهـروا على الدين وقد تغيرت معالم مدينتهم وأصبح دينهم له السيادة ومجال الشرف والتكريم وإذا بالوثنية التي اضطهدتهم قد ولت أيامها ودالت دولتها وأصبحت مجال الإهانة والتحقـير. وكذلك المسلمون آل حـالهم إلى العز بعـد الـذل والانتصار بعد الانخذال واستقبلتهم مكة بعد فترة مهللة مكـبرة وإذ بمفتاح الكعبـة بيد رسول اللهصلى الله عليه وسلم يضعه
حيث يشاء وإذا بعتاة قريش يأتون إليه مستسلمين ويرجون منه العفو والصفح…
هكذا تبين قصة أصحاب الكهف انتصار الإيمان على الوثنية وانتصار الاعتماد على خالق الأسباب على الاعتماد على الأسباب وانتصار الروح على المادة.
وقد أبدع الشيخ في لفتاته وتعليقاته على أحداث قصة أصحـاب الكهف وربطها بحال المسلمين في مكة وربطها من ناحية أخرى بأحوال العـالم المعاصر الذي جعل الأسبـاب المادية إلهاً يعبد من دون الله وسخروا في تمجيد المظاهر الداجلة إعلامهم ومدار تفكيرهم..
إن اللفتات التي وجهها الشيخ إلى حقيقة الحضارة المعاصرة والإشارات التي ميّز بها الدين الإسلامي لفتات في غاية الروعة، وهي الميزة التي يمتاز بها الشيخ رحمه الله في الربط بين الهدايات القرآنية وبين الواقع المعاصر ويرسم سبيل النجاة من خلال المنهج القرآني.
أما القصة الثانية فهي قصة صاحب الجنتين:
ويمهد الشيخ للقصة بأن هذه القصة يتكرر نموذجها كل حين فهي أنموذج الإنسان المادي الذي واتته الفرص فكان صاحب المال والثروة والجاه العريض إلا أن الطبيعـة الماديـة في الثري وأصحاب رؤوس الأموال وأصحاب السلطـة والزعامـة تـفرض نفسها فتنسب السعادة إلى علمه وذكائه كما فعل قارون من قبل عندما قال(إنما أوتيته على علم عندي) فلفت صاحبه الذي يحاوره نظره إلى حقيقة الأمر( ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله)ذكّره بمفتاح الأمر وسرّه وقوته،وهو مفتاح هذه السورة كلها(ما شاء الله)و(إن شاء الله) و( لا قوة إلا بالله). إنها الروح التي تسري في المجتمعات المؤمنة وهي القوة الدافعة التي تتخذ إلى جانب الأسباب قوة الاعتماد على الله المسدد المحقق للغايات. ويستطرد الشيخ إلى بيان نظرة القرآن الكريم إلى الحياة الدنيا، ويذكر جملة من الآيات التي تبين قصر الحياة الدنيا وتفاهتها وتضاؤلها في جنب الآخرة.ثم يذكر الآيات التي تبـين أن الدنيا قنطرة للآخرة وفرصة للعمل، فالقرآن يشنّع على من آثر الدنيا الفانية الناقصة على الآخرة الباقية الخالدة، ويستعرض جملة من الآيات في ذلك. ثم بين مدح القرآن لمن يجمع بين الدنيا الآخرة مع إيثار جانب الآخرة . ويطيل الشيخ الشرح حول أثر العقيدة بالآخرة في التقدم والقوة وأن لا صلة بين هذه العقيدة والرهبانية. وأن لا قوام للمسلمين ولا سيادة لهم إلا بإعادة هذه العقيدة إلى واقعهم و النظر إلى الحياة الدنيا نظرة القرآن إليها. وسورة الكهف أبرزت هذا الجانب ووضحته تمام التوضيح.
والقصة الثالثة قصة موسى والخضر عليهما السلام:
إنها تمثل قصة هذا الكون الذي يشتمل على قضايا غامضة لا يستطيع العقل أن يجد لهـا حلاً مقنعاً، أو تبريراً ملائماً. إنها قصة الأسباب المعقولة والتصرفات المناقضة لها ولكن بعد بيان الخضر لتصرفاته يظهر أنه لم يكن مسيئاً في موضع إحسان، ولا محسـناً في مـوضع إساءة. إن هذه القصة تتحدى التفكير المادي الذي يرى أن الحقيقة ما تتراءى للعيون وأن الظواهر هي التي يصح عليها الحكم. إن قصة موسى والخضر عليهما السلام تنقض هذا الأساس.
أما القصة الرابعة: قصة ذي القرنين:
فلم يقف الشيخ طويلاً للبحث عن شخصية ذي القرنين، ونقل رأي أبي الغلام آزاد الذي رجح أن يكون ذو القرنين هو(سائرس) عند اليونانيين وتسمية اليهود(خورس) ويـذكره المؤرخون العرب بـ(كيخسرو). ويذكر الشيخ موافقته لسيد قطب الذي لم يرجح أحداً بعينه لأن المقصود من قصة ذي القرنين العبرة المستفادة منها.والعبرة تتحقق بدون حاجة إلى تحديد الزمان والمكان في أغلب الأحيان. لذا يعقب الشيخ فيقول: سـواء اهتدينا إلى شخصية معينة أو لم نهتد فإنه كان رجلاً عالي الهمة كان في كل فتوحاته صالحاً ومصلحاً منتصراً للحق، ناصراً للضعفاء . ولم يقف الشيخ طويلاً – كما فعل مع القصص الثلاث السابقة- مع قصة ذي القرنـين واكتفى بتعليقات سريعـة لبيان آثـار الملوك الصالحين ودورهم في سعادة شعوبهـم كما فعل سليمان بن داود عليهما السلام في عصره. وكما فعل ذو القرنين في عصره. وكما فعل الخلفاء الراشدون والأئمة المهديون في عصورهم. ثم يعلق الشيخ على طبيعة الحضارة الغربية التي جمعت بين القوة الهائلة وبين الكفر والماديـة، وأصبحت حرباً على الغيب والروح والأخلاق والنظم السماوية… وكـل ذلك تمهـيد لبلوغ هذه الحضارة أوجها بظهور الدجال، وسمته الكفر والإفساد، وشتـان بين من يملك القوة ويسخرها للعدل وإحقاق الحق ونشر الإيمان وبين من يملك القوة فيستخدمها للكفر والصد عن سبيل الله ونشر الفساد في الأرض.
ثم يلخص الشيخ ماجاء في قصص السورة جميعها التي تبرز قصور العلم البشري إلى جانب كلمات الله وتختتم السورة بالإشادة بالنبوة والحديث عن الآخرة وتفخيـم شأنها، فجعل نهاية السورة مقرونة ببدايتها منسجمة مع روح السورة كلها.
الكتاب الثالث: تأملات في القرآن الكريم
فهو كما قال الشيخ في مقدمة الكتاب مجموعة مقالات إذاعية وكلمات وخطب مختلفـة المناسبات، كانت مبعثرة فطلب منه بعض المهتمين بنشر كتب الشيخ ومنهم الأستاذ محمد علي دولة صاحب دار القلم الدمشقية، فأعاد الشيخ جمعها والنظر فيها ثم دفعها للطبع.
وأول مقالة فيها عن سورة الفاتحة، جمالها وجامعيتها وتأثيرها في الحياة:
فبين أولاً مكانة الفاتحة وأنها السورة الفريدة في المعجزات.. لو أن أذكياء العالم وزعـماء الروحانية وعلماء النفس والإصلاح اجتمعوا ليضعوا صيغة يتفق عليها أفراد البشر ليتعبدوا بها ربهم تعبر عن ضمائرهم ومشاعرهم وتفي بحاجاتهم لما جاءوا بمثل الفـاتحة.. ثم يبدأ الشيخ بالتعليق على كل كلمة من كلمات الفاتحة ويبرز قضايا أساسية من خلال هـذه التعليقات مثل قوله: وهكذا يعلن المسلم وحدتين وهما الدعامتان اللتان يقوم عليهما الأمن والسلام وعليهما قام الإسلام في كل زمان ومكان وهما وحدة الربوبية، والوحدة البشرية، ثم يسوق جملة من الآيات وبعض الأحاديث استدلالاً وشرحاً لهاتين الدعامتين. وبعد ذكر صفات الرحمة والملك والجبروت يفصل القـول في(إياك نعبد وإياك نستعين) فيـقول إن المؤمن يعلن بعد ذلك أنه لا يعبد إلا الله ولا يستعين إلا به، وما الحياة إلا عبادة واستعانة. ثم يتوجه إلى الله بسؤال الهداية والحشـر مع الصالحين المنعم عليهم وتجنب طريق الزائفين المنحرفين. وتأتي الكلمة الجامعة الدالـة على حقيقـة النصرانية كلمة(الضلالة)، وكـان بالإمكان وصفهم بكلمات كثيرة كلـها تعبر عن انحرافـاتهم وأحوالهم ولكن اختيـار كلمة(الضالين) للتفريق الواضح بينهم وبين اليهود إذ أطلق على اليهود( المغضوب عليهم). ومن يدرس تاريخ الملتين يجد أن كل كلمة منهما جاءت لتؤدي المعنى البارز في تاريخ كل من النصارى واليهود. ثم يأتي بشهـادات بعض النصـارى أنفسهم على تحريف الـدين النصراني عن منهج السيد المسيـح على يد بولس اليهودي الذي أدخل الوثـنية والتقاليد البوذية في دين المسيح الداعي إلى التوحيد.
ومن الملاحظ أن الشيخ رحمه الله يستـخدم كلمة (المسيحيين) في التعبـير عن النصارى، ونحن نعلم أن كلمة المسيحيين اخترعها النصارى ليبينوا أنهم أتباع المسيح عيسى بن مريم عليه السلام، ولكن التعبير الإسلامي عنهم كما ورد في القـرآن الكريم والسنة النبويـة هو(النصارى) (وقالت النصارى المسيح ابن الله) (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم). فحبذا لو التزم الكتاب المسلمون بالتعبير القرآني، فإن المسيح بريء من هؤلاء الذين يزعمون انتماءهم إليه.
والمقالة الثانية حول( تشريع الصوم وأسراره كما ذكرها القرآن):
وكعادة الشيخ عندما يتناول أي موضوع يتناوله من نقطة مثيرة للانتباه، فيها عمق وفيها واقعية ملموسة، فيبدأ بقوله(.. كل ما يحول بين المرء وبين شهواته بغيض وثقيل، ولكن الصوم ليس كذلك، فلماذا؟…. إن هذه الآيات –آيات الصوم- تخاطب الإيمان والعقيدة والعقل والضمير والقلب والعاطفة في وقت واحد، وتثير كل ذلك وتغـذي كـل ذلك، وهكذا تهيء الجو لقـبول هذا التشريع وإساغتـه، بل للترحيب به واستقبالـه بنشـاط وحماس،.. ويمضي الشيخ في بيان مسوغات هذا التشريع وما يرجوه المـؤمن من ربه إذا التزم به وبين خصائصه وفضله وأحكامه، ويبين حكمة تخصيص شهـر رمضـان بالصوم بقوله(..وذلك لأن رمضان قد أنزل فيه القرآن فكان مطلع الصبـح الصـادق في ليـل الإنسانية الفاسق، فحسن أن يقرن هذا الشهر بالصوم، كما يقترن طلوع الصبح الصادق بالصوم كل يوم،..)
المقالة الثالثة: تشريع الحج والصوم، وبعض حكمهما وأحكامهما في ظلال القرآن:
وقد ربط الشيخ بين الحج والصوم بأكثر من رابط جامع:
1- كلاهما موسم وربيع للقلوب والأرواح والإيمان والأخلاق فبينهما رابطة الطاعة والمحبة .
2- في الصوم فضل الزمان، وفي الحج فضل الزمان والمكان
3- في الصوم يهجر الإنسان طعامـه وشرابه وشهواتـه ليصوم ويرضي ربه ويعصي نفسه، وفي الحج يهجر الإنسان وطنه وسكنه وأهله وراحته ليحج ويرضي ربـه ويعصي نفسه.
4- في كليهما زهد وصبر وإيثار وهجرة
5- الصائم يسعى بين الإمساك والإفطار ويطوف حول بيت ربه، والحاج يسعى بين الصفا و المروة، و بين منى وعرفات، ويطوف حول بيت ربه.
6- لكل عيد، ولكل فدية، ولكل تهنئة.
7- منع الله في الصوم عن الغيـبة، وقـول الزور، والخصام( من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) ( إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سـابه أحد فليقل إني صائم) (رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع) وجاء في الحج(الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج).
8- في كليهما إعجاز التنزيل، وإعجاز التشريع، فإن الصـوم لثقله على النفس وبُعد الصائم عن مألوفاته وهجره لعاداته، مظنةٌ لغيبة يشفي بها نفسه أو يقتل بها وقته، والخوض في خصام أو لجاج لحـدة النفس وتغير المزاج فنهي عن ذلك. والحـاج معرّض لخطر الرفث والفسوق والجدال، لبعده عن الأهل وطول السفر وحصول المشقة والاختلاط بالناس الذين لم يألفهم فالحج مظنةٌ لكل ذلك فحذّر الله الحاج عن كل ذلك.
9- حثّ على التزود للقيـام بالحج في عفة ونزاهة والـتزود للآخرة بالإكثـار من الخيرات وأنواع العبادات فقال تعالى(وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب) وأمر الصائم بالتزود لصومه وهو التسحر،يقول رسـول اللهصلى الله عليه وسلم : (تسحروا فإن في السحور بركة).
01- في كليهما أنواع من الطاعات: الإنفاق، والمواساة والرحمة والخدمة والبر والصدقة والتسبيح والتلاوة.
بهذه الدقائق واللطائف ربط الشيخ بين هذين الموسمين العظيمـين اللذين جاء ذكرهما في الآيات البينات متتاليين في سورة البقرة. فعلاً إنها حكم ولطائف وروابـط لا يدركها إلا العالمون.
قدرة الشيخ العجيبة في الربط بين المناسبات وإسقاط الآيات القرآنية والأحاديث النبويـة عليها. ففي زيارة له إلى تركيا ألقى كلمة أمام مجموعة من المثقفـين الأتراك تعرض فيها لقصة عزير عليه السلام(أو كالذي مر على قرية وهي خـاوية على عروشها…)الآية
إن هذه الآية وإن كانت لحادثة خاصة ولكن فيها معنى لطيف وهو أن الله عز وجل قـد يحيي دينه ورسالته بعد خمودها وانصراف الناس عنها قد تبلغ مائة سنة.. إلى أن يقـول: إنني أرى في هذه الآية الكريمة بشرى سارة بأن الشعوب والبلاد التي رفعت لواء الإسلام وأرهبت الغرب المستعمر قروناً من الزمن ستعود إلى الازدهار والحياة والنشاط بإذن الله.
وهكذا نجد في كتاب الشيخ عدة مناسبات يستشهد بآية على حال قوم أو يستنبط من آية ما يوافق حال المخاطبين أو الزائرين:
فبمناسبة زيارة الشيخ محمد بن عبد الله السبيل إمام الحرم المكي، ومعالي الدكتور عبد الله عمر نصيف الأمين العام لرابطـة العالم الإسلامي له في ندوة العلماء بلكهنؤ،يفسّر الشيخ رحمه الله قول الله تعالى(جعل الله الكعبة البيت الحرام قيامـاً للناس والشهر الحرام..)فيقول إن الله تعالى جعل الكعبة المشرفة عماد حياة الناس وعماد هذا العالم البشري، فليس نظام هذا العالم مرتبطاً بالحكومـات ولا بالمنظمات ولا بالـقوة العسكرية والفلسفات الخلقية والحضارية، ولا المراكز العلمية، إنه مرتبط بما لا تصل إليـه الأفهام ولا تدركه الأبصار، ببيت الله الحرام، وبالدعوة التي أقيم لها هذا البيت… إن هذه الآية الكريمة تفـرض علينا نحن المسلمين مسؤولية كبيرة فإننا نمثل في كل بلد وقطر بيت الله الحرام… فلا يجوز أن تدمّر بلاد مع وجود أمة نبي الرحمة التي تحمل تعاليمه وشريعته…الخ.
ويشير الشيخ رحمه الله في لفتة بارعة على توبة الله على الثلاثة الذين خلفوا في غزوة تبوك، والحكمة في ذكـر النبي والمهاجرين والأنصـار أولاً ثم ذكر الثلاثة فيقول:إنه قـدم ذكر السابقين الراسخين الذين سبقت لهم الحسنى ولم يسقطوا هذه السقطة، يشرفهم ويتقـدم عليهم رسول الله…
صلى الله عليه وسلم ليعرف الناس أن التوبة مكرمة وفضيـلة ويحتاج إليها الأنـبياء والمرسلون والسـابقون الأولون والمؤمنون الراسخون والمجاهـدون المغامرون، لئلا يشعر هؤلاء الثلاثة أنهم منحطون في القدر نازلون في الشرف…الخ.
ومن اللفتات الرائعة للشيخ رحمه الله تعالى تفسيره لقوله تعالى( بل ادارك علمهم في الآخرة بل هم في شك منها بل هم منها عمون). حيث يتحدث عن العقلية الغربيـة المختلة التي تقول: إن كل ما هو غير مشهود غير موجود. كانت عقولهـم تدرك مجـالات الحيـاة وفلسفتها وكانت تسير بانتظام مذهل في الطبيعيات والكيماويات وغيرها. وعندما وصلوا إلى قضية الآخرة (الغيبيات) تعطلت مسيرتهم العقلية فحرمت علومهم من الفيـض الإلهي،.. ولقد أدرك العرب البسطاء البدائيون في أول بعثة محمدصلى الله عليه وسلم بفطرتهـم السليمة ما عجزت عنه العقول الغربية. فعندمـا صعد رسول الله جبل الصفا، وقـال للقوم بعد أن ناداهم واجتمعوا على سفح الجبل( أرأيتم لو أخبرتكم أن وراء هذا الجبل جيشاً يريـد أن يغزوكم، أكنتم مصدقيّ) أدركوا بفطرتهم أن الواقف على قمة الجبل يرى أمامه وخلفـه، وهو لا يكذب ولا يخون، فقالوا بلسان واحد: نصدقك يا محمد.
فقد توصل العرب بصراحتهم وإدراكهم السليم للواقع إلى مالم تصل إليه اليونان والرومان ولم يصل إليه الغرب حتى الآن، فقد حسموا في الأمر ورأوا أنه لا سبيـل للتكذيب بناء على أننا لم نشاهد.
ومن النفحات في تفسيره لسورة الضحى:.. ما ظنك بطفل يموت والده وهو حـمل، ثم تموت أمه وهو ابن ست،ثم يموت جده وهو ابن ثمان، ولكن مع ذلك لا يجد من البـؤس والشقاء وما يتحمل الأيتام من ظلم وجفاء شيـئاً؟ أليس هذا من فضل الله سبحانه ولطفه وإيوائه وولايته وكفالته؟!… (فأما اليتيم فلا تقهر) ما أجمل موقعه بعد قولـه (ألم يجدك يتيماً فآوى) فمن ذاق مرارة اليتـم بنفسه، فأخـلق به إذا كان ذا شعـور ومروءة أن يستشعرها في غيره، فاليتيم أعرف خلق الله بحال اليتيم، وأعرف بمـا يذوقه ويتحمله، فإنه قد اجتاز المرحلة أيضاً… كما أن موسى عليه السلام رعى لشعيب غنمه عشـر حجج ليعلم حقيقة ما يكابده بنو إسرائيل من خدمة فرعون ومعانـاة الأعمال الشاقـة ويشعر بألمهم وبؤسهم وشقائهم، ويعلم أنه إذا كانت هذه خدمة نبيّ خير عباد الله، فكيف بخدمة جبار شر عبد الله وأقساهم، فتسمو نفسه إلى تخليصهم وتحريرهم لأنه نشـأ في أكبر نعمة ورفاهة وراحـة في قصـر فرعون وحجره، لا يعرف ما يكون عليه العـبيد والأرقـاء والمستضعفون، وما يعانون من آلام الحياة…..
وفي سورة ( العاديات) يشير الشيخ إلى وجه لم يسبـق إليه في الحكمة من القسم بالخيل وربطها بمحور السورة( الإنسان الكنود) فيقول:… . إن الله سبحانه وتعالى يصف الخيل في هذه السورة بأوصاف، ويذكر لها أعمالاً، كلها ترجع إلى نقطة وهي ( الوفاء والفداء والإيثار لسيدها) فهي التي تفديه بنفسها وتشقى لنعيمه، وتموت لحياته، ولا تعرف لنفسها ولا لحياتها حقاً، ترمي بنفسها في الخطر، وفي النار والبحر، وتصبر على الجوع والعطش، وتتحمل المشاق، تعدو ضبحاً، وتوري قدحاً، وتغـير صبحاً، فتثير به نقـعاً، وتوسط به جمعاً. تفعل كل هذا مع ربها، وهو ليس لها رب. والذي هو مـن غير جـنسها، والذي يستخدمها أكثر مما يخدمها، وهو الحيوان غير الناطق، غير العاقل، فكيف الإنسان العاقل الشريف مع ربه الحقيقي وولي نعمه، إن الإنسان لربه لكنود!! فللإنسان عبرة في دواجنه وفي عبيده المسخرة.
فهذه السورة قد اشتملت على بيان المرض وهو قوله تعالى( إن الإنسان لربه لكنود) وعلى علته وهو قوله تعالى( وإنه لحب الخير لشديد) وعلى علاجه وهو قوله تعالى( أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور….). فإن الإيمان بالآخرة وتـذاكر الموت يكشف الغـطاء عن العين، ويفيق من سكرة الدنيا، قال النبيصلى الله عليه وسلم ( أكثروا من ذكر هادم اللذات).
بهذه الدقائق وتلك النفحات يسير الشيخ أبو الحسن الندوي في فهم وتفسير كتـاب الله، وليته فسر القرآن الكريم كاملاً، إذن لكان شـيئاً عظيماً، ولكن تواضع الشيخ رحمه الله، وقناعته بأن المفسرين السابقين قد قاموا بمهمة البيان والتوضيح لآيات الكتـاب المبـين. فانصرف إلى قضايا المسلمين العامة والخاصة لينشر دين الله، وينافح عنه في بلاد المسلمين وخارجها، فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير ما يجازي داعية على جهده وسعيه.
ونعود بعد هذه الجولات في كتب الشيـخ الثلاثة لنجمل القـول في منهجـه في فهـم كتاب الله وتفسيره:
نقاط عامة في منهج الشيخ:
1- بـدايات كتابة الشيخ في التفسير كان فيها الحماس والعاطفة الجياشـة، والالتزام بنصوص القرآن والسنة النبوية، كأنه كان يريد ترسيـخ مبدأ تفسير القرآن الكريم بنصوص الوحي من القرآن والسنة، وربما كان على حذر من أنه إذا انفرد ببعض اللطائف أن يقع في شيء لم يذهب إليه أحد من المفسـرين فيقع في محظور وتحت طائلة من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ.
لذا نجد في كتابه الأول وباكورة إنتاجـه في التفسير( المدخل إلى الدراسات القرآنية) هذا الحماس وهذا الحشد من الآيات والأحاديث النبوية في كل قضية يتحدث عنها من خلال تفسيره.
2- حسن الاستشهاد بالآيـات الكريمـة المـلائمة للموضوع وحسن الاستـدلال بالأحاديث النبويـة، وحسن الاختيار للأبيـات الشعرية وأقوال العرب الحكماء وبراعة الإسقـاط على أوضاع الناس الذين ينطبق عليهم موضوع الآيـات التي يفسرها سواء كانوا من الأمم الكافرة الجاحدة لنور القرآن أو كانوا من المسلمين المنحرفـين عن منهج الحق. وحتى على أوضاع عامة الناس في العصـر الحديث، ويرسم لهم طريق الخلاص والنجاة مما هم فيه.
3- الاستعانة بضرب الأمثلة من واقع الحياة، وربما من التاريخ القديم، ومن حياة الناس الآخرين من الأمم الأخرى غير الإسلامية. ويكون كل ما يسـوقه موثقاً بالأرقام معزواً إلى مصادره.
4- التحقيق العلمي والرجوع إلى مصادر الموضوع الذي يبحثـه لكي يحيط بالفكرة التي يريد إثارتها والكتابة عنها سواء كان مؤيداً لها ومقرراً أو كان ناقداً لها ومفنداً ففي قضايا أهل الكتاب يرجع إلى كتبهم المقدسة، وفي أقوال المستشرقين يعود إلى مؤلفاتهم وكتاباتهم بلغتهم الأصلية، لأن الترجمات ربما تحرّف. بالإضافة إلى كتب المسلمين ومصادرهم اللغوية أو التفسيرية وغيرها. وهذا منهج أصيل في التحقيق العلمي.
5- الإنصاف الشديد مع الكتّاب والمؤلفين وغيرهم فهو يبرز الجوانب الإيجابيـة في كتابة السابقين و اللاحقين، وربما أورد نصوصهم بلفظها، ثم يناقشهم فيها ويعلق عليها سواء كان مؤيداً أو ناقداً، ولا يبخس الناس حقوقهم وكثيراً ما يشيد بجهود أولئك الذين ساهموا في إقامة صروح الحضارات القديمة، أو أقـاموا دعائم البحث العلمي ولو كانوا من غير المسلمين.
6- عفة اللسان والقلم، فلا تجد تجريحاً ولا شتائم ولا كلاماً نابياً حتى مع أشد الناس عداوة له وللمسلمين، ومع الطغاة والبغاة القدماء والمعاصرين، وهـذا أدب قرآني رفيع، فالعداوة للأفكار والأعمال وليس لـذوات الأشخاص. ولا يكون تفـنيد الفكر إلا بالفكر ولا إبراز بطلان العمل إلا بالدليل، فما فائدة الشتيمة وتجريـح الأشخاص والذوات.
7- ثقافتـه الموسوعية، واطلاعه على الثقافـات القديمة وقراءته للكتب التي تناولت الحضارات القديمة والحديثة من هندوكية وكونـفوشية وزرادشـتية واليونانيـة والرومانيـة والفرعونيـة واليهوديـة والنصرانيـة والغربية الرأسمالية والشيوعية والاشتراكية بالإضافة إلى العربية الجاهلية والعربية الإسلامية. وإجادته اللغة العربية والإنكليزية إلى جانب لغته الأم الأوردية، كل ذلك كوّنت لديه العقليـة الفـذة والشخصية المتعددة القدرات، انعكس كل ذلك على كتاباتـه عامة وكتاباته في التفسير خاصة وأثْرتْ إنتاجه، ويستغرب القارئ أن هذه الثقافات لم تؤثر مطلـقاً على منهجه السديد في التفسير والتزامه بظاهر النص القرآني، فكثـير من الـذين تضلعوا في ثقافة معينة ظهرت لوثات تلك الثقافة على تفكيرهم وإنتاجهم العلمي. إلا أن شيخـنا الجليل رحمه الله تعالى بقـي على منهجه الفطري السليم واعتزازه بالإسلام وعقائده الرائعة وتذوقه لحلاوة القرآن وجمال أسلوبه وعمق دلالاته.
8- معايشـة الشيخ رحمه الله لأجواء الآيات التي يفسرها، وإحاطـته بكل ما يتعلق بالآيـات من سبب النزول-إن وجد- وبسيـاق السورة، والآيات التي يتنـاولها بالبحث، وبالدلالات اللغوية للكلمات وشفافيتها الذوقية، ثم يورد الفكرة ويسوق من المترادفات والمعـاني المتعددة لإبراز الفكرة وتوضيحها بحيث تتبلور في ذهن القارئ وتكون جلية ناصعة مضيئة.
9- شفافيـة الروح، ودقـة الاستنباط، فربما جاء الشيـخ بمعان لا تخطر على بال المفسرين، وكما قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن حبر الأمـة وترجمان القرآن ابن عبـاس رضي الله عنهما: كأنه ينظر إلى الغيب من وراء ستر شفاف. هذه الشفافية نلاحظها في مواضيع كثيرة من تفسيره للآيات الكريمة انظر مثل هذه الشفافية في تأملاتـه في سورة الكهف وفي سورة الضحى وفي سورة الانشـراح وسورة التين وفي سورة العاديات.
01- وأقـول أخيراً إن إخلاص الشيـخ رحمه الله وصدقه مع الله أعطى لجميع كتاباته حسن القبول عند المسلمين عامة وعند الدعاة وطلاب العلم خاصة، وجدير بنا أن نسعى إلى نشر آثـار الشيـخ العلمية ونجعلها في المناهج التربويـة والتعليمية في مدارسنا في العالم الإسلامي.
والله من وراء القصد وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

H E R A A
FOR RESEARCH, PUBLISHING & DISTRIBUTING
Thikana, 504/30A, Taigor Marg, Nadwa Road Lucknow 226020, India
Email: heraa@nadwi.net
ربيع الأول 13, 1426
عنوان الموقع الرسمي لندوة العلماء
بالهند
Nadwatul Ulama`s Website
عنوان البريد الإلكتروني لندوة العلماء E-mail address
عنزان البريد الإلكتروني الخاص برئيس
ندوة العلماء E-mail address of Nazim Nadwatul Ulama
|