المدخل إلى الدراسات القرآنية2

القرآن الحكيم معجزة الهداية والانقلاب البناء المبارك

((إن الانقلاب البناء المبارك الذي أحدثه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بهذا القرآن الحميد وبسيرته النبوية الطاهرة وأخلاقه العظيمة العلية – التي كانت تفسيرا عمليا واضحا للقرآن الكريم (كان خلقه القرآن) – في العقائد والأفكار والروح والأخلاق والفرد والاجتماع، وفي النفسية الإنسانية والطبيعة البشرية، والذي يخلو التاريخ البشري كله من أمثاله ونظائره، قبله وبعده، إن هي إلا معجزة قرآنية قائمة.

وإن هذه المعجزة القرآنية تضم بين جنبيها مئات من المعجزات، إن كل من تأثر بهذه النبوءة فردا كان أو جماعة، يعد معجزة مستقلة برأسها، وإنه لم يشهد التاريخ البشري في أي بقعة محدودة من بقاع الأرض ولا في أي ثلة قليلة من جماعات البشر مثل هذا الانقلاب العميق الشامل.

وينبغي هنا أن نوازن بين الجاهلية والإسلام، ونجلى جوانب هذا الانقلاب الشامل المحيط وآثاره ونواحيه، وهذا يضطرنا إلى عرض التاريخ العقلي والفكري والديني والخلقي والاجتماعي التفصيلي لعهدين منفصلين متمايزين، الأمر الذي يحتاج ليس إلى كتاب فحسب بل إلى حلقات وحلقات من الكتب الباحثة المفصلة، وإن وقائع الإسلام والجاهلية وتاريخها المنشور في القرآن وكتب السيرة النبوية، وكتب التاريخ الموثوق بها لو جمعت وضم بعضها إلى بعض لأمكن تقدير شيء من عظمة ذلك الانقلاب الذي أحدثه القرآن الكريم.

ومن جوانب الإعجاز في هذه المعجزة أن هذا الانقلاب الشامل المحيط تحقق الشاملة المحيطة تحققت من دون تلك الوسائل والأدوات التي عرفها ويعرفها البشر – بصفة عامة – والتي استخدمها – عامة – المجددون والمصلحون في عهودهم وفتراتهم، وأعنى حركة العلم والدراسة والتدريس، ونشر التعليم، والتأليف والتصنيف، وإقامة المدارس والمراكز التربوية، والمطابع ودور النشر والتوزيع.. إلخ.

وقد أشار القرآن الكريم نفسه إلى هذا الجانب من الإعجاز إشارات لطيفة، انظر كيف تحول الأعداء الألداء الذين كان كل واحد منهم يظمأ إلى دم الآخر أصدقاء ودودين يعيشون المحبة الأخوية الصادقة، والود الطيب الكريم، الذي لم يكن ليحرز ولو أنفق كل ما في الأرض:

(هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين 0 وألف بين قلوبهم 0 لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم 0 إنه عزيز حكيم)(1).

ونسب القرآن الكريم حدوث التحول والانقلاب العظيم إلى نفسه في غير ما موضع، وصرح بأن القرآن هو منشئ هذا الانقلاب ومشعله:

(هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة 0 وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين)(1).

ويقول في موضع آخر:

(هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور)(2).

(الر 0 كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور)(3).

وقد شرح القرآن الكريم الإسلام والجاهلية في أسلوبه المعجز البليغ، وبين الفارق الهائل العظيم بين هذين العهدين المتمايزين:

(واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا 0 وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها 0 كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون)(4).

(أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس)(5).

والحق الذي لا غبار عليه أنه لا يمكن تصوير للجاهلية والإسلام أبرز وأنطق بالحقيقة من هذا التصوير، ولا يمكن شرح الفوارق بين العهدين وبيان خصائص الفترتين بأوضح وأبلغ من هذا البيان، إن تاريخ الجاهلية والإسلام كله ليس إلا تفسيرا لهاتين الآيتين، وتفصيلا لهذا الإجمال البليغ، ما هي الجاهلية؟ هي:

(كنتم أعداء) و(كنتم على شفا حفرة من النار).

وما هو الإسلام مجملا؟ هو:

(ألف بين قلوبكم) و(أنقذكم منها).

ولا يمكن تصوير أرقى إنسان في الجاهلية بأصح ولا أبلغ من هذا التصوير القرآني (أو من كان ميتا)، وإذا أردت أن تصور الثورة الإسلامية بل سلسة الثورات الإسلامية في الحياة البشرية فلا أبلغ ولا أدل على ذلك من تصوير القرآن الكريم:

(فأحييناه وجعلناه له نورا يمشي به في الناس).

 

*        *        *

 

القرآن الحميد والصحف السماوية القديمة في ميزان العلم والتاريخ

لقد كانت الصحف السماوية السابقة على القرآن الكريم هدفا دائما للتحريف والتعديل والتغيير، وعرضة للضياع والتفرق والاندثار، وذلك لأن الله تعالى لم يتكفل بوعده لها بالحفظ والبقاء، بل وكل أمرها إلى علمائها وحملتها وناقليها كما أن حاجة البشرية إليها سواء من آمن بها ومن كفر كانت محدودة مؤقتة، يقول الرب- تبارك سبحانه وتعالى -:

(إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور 0 يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء)(1).

وهذه حقيقة تاريخية علمية يعترف بها أتباع هذه الصحف وحملتها الذين أنزلت إليهم، إن صحف العهد العتيق تعرضت – دائما – للسطو والإحراق والإغارة، وقد اتفق المؤرخون اليهود أنه وقع ذلك في التاريخ ثلاث مرات، المرة الأولى: عندما حمل ((بخنتصر)) (564ق م) (-------) ملك بابل على اليهود عام 586ق م ، وأحرق بيت المقدس، الذي كان سيدنا سليمان – عليه السلام – أودع فيه ألواح التوراة وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون، وأسر ممن بقي من اليهود وحملهم مقيدين إلى بابل، حيث مكثوا خمسين سنة، وأملى النبي عزرا (عزير) الصحف الخمسة الأولى من التوراة من حفظه مرة ثانية، وألف الوقائع والحوادث بالترتيب التاريخي، ثم أضاف إليها((نحميا)) سلسة أخرى من الكتب، وألحق بها ((زبور)) النبي داؤد – عليه السلام -.

والمرة الثانية: عندما أغار ((انطيوخوس)) الرابع (------) الذي كان يلقب ب ((ابيقانس)) وكان ملك أنطاكية اليونانية على بيت المقدس عام 168م وأحرق الصحف المقدسة، وفرض الحظر على تلاوة التوراة وعلى الشعائر والتقاليد اليهودية ثم بدأ ((يهودا مقابى)) بجمع هذه الصحف وترتيبها، وأضاف إليها سلسة من كتب العهد العتيق.

والمرة الثالثة: حمل ((تيطوس)) (------) (40-81م) الملك الروماني على بيت المقدس في 7/من سبتمبر عام 70م ، وأحرقه مع هيكل سليما، وحولها أنقاضا ورمادا، وأخذ الصحف المقدسة – تذكارا لانتصاره – إلى العاصمة الرومية ونفي اليهود، وأقام حول البلد مستعمرات أسكن فيها ناسا آخرين(2).

إن موقف اليهود والمسيحيين من صحف الأنبياء والكتب السماوية ومعاييرهم لصحتها وصيانتها ومطابقتها لأصولها، تختلف تمام الاختلاف عن موقف المسلمين من القرآن الكريم ومعاييرهم لصحته وثبوته، إن المسلمين يعتقدون أن كل لفظة بل حرف في القرآن الكريم منزلة من عند الله – تعالى – محفوظة مصونة من يوم نزولها إلى يومنا هذا، أما اليهود فإنهم لا يرون النقص والزيادة في صحفهم والتعديل والإلحاق فيها ينافي كونها كتبا سماوية، وإنهم لا يتحرجون إطلاقا من وصف هذه الصحف بأنها من تأليف الأنبياء، ويمكن أن يقدر موقف اليهود من كتبهم المقدسة وعقيدتهم ووجهة نظرهم فيها من المقتطفات الآتية، جاء في دائرة المعارف اليهودية التي قام بتأليفها كبار الفضلاء والمختصين اليهوديين:

((رغم إصرار الروايات اليهودية على أن صحف العهد العتيق هي من مؤلفات تلك الشخصيات التي ذكرت فيها، وليس ذلك مما يخالف الواقع بتاتا، ولكنهم لا يرون بأسا في الاعتراف بأنه وقع في بعض هذه الصحف تعديلات وإلحاقات))(1).

((إن الصحف الخمسة الأخيرة من التوراة (عدا الآيات الثمانية التي فيها ذكر موت موسى – عليه السلام -) – هي حسب الروايات اليهودية القديمة، من تأليفات موسى – عليه السلام – ولكن الربيين لم يزالوا يعنون بالتناقضات والاختلافات الموجودة في هذه الصحف، ويقومون – ببراعتهم – بإصلاحاتها وتعديلاتها))(2).

((يقول سبينوزا (-----): إن الصحف الأولى من العهد العتيق ليست من تأليف موسى – عليه السلام – بل هي من تأليف عزرا (عزير) – عليه السلام -))(3).

إن أحدث التحقيقات العلمية قد أثبتت على سبيل القطع واليقين أن الكتب الخمسة الأولى من العهد العتيق مؤلفه مما لا يقل عن 82 مصدرا من المصادر))(4).

أما الأناجيل الأربعة (التي تسمى العهد الجديد) فشأنها أكثر تناقضا واختلافا من صحف العهد العتيق، ويحيط تدوينها ومؤلفيها كثير من الغموض والتعقيد والعقبات والشكوك، ويوجد بينها وبين المسيح – عليه السلام – خليج واسع كبير، ولا يمكن ردمه أو عبوره لأي مؤرخ أو محقق ناقد، فقد كانت الأناجيل في المجامع الكنيسة ومختلف الفترات الزمنية عرضة للتغيير والتحوير والإصلاح والتعديل بصفة مستمرة، وعلاوة على ذلك فإنها أشبه بكتب السير والتاريخ، والقصص والروايات، منها بالكتب السماوية، والوحي الإلهي والإلهام الرباني.

إن هذه الأناجيل ليست بمستوى مجموعات الأحاديث بالدرجة الثانية أو الثالثة، فضلا عن أن يكون تكون على مستوى الكتب الستة، لأنها مجموعات متصلة السند إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أولها أسانيد يعتمد عليها ويرجع إليها، والحديث الصحيح عند المسلمين ما اتصل سنده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه من غير أن يكون فيه شذوذ أو علة(1)، وعلى العكس من ذلك تخلو جميع الأناجيل من جميع أنواع السند، فليست هناك أسانيد متصلة إلى مؤلفيها، ولا من مؤلفيها إلى سيدنا المسيح – عليه السلام -.

هذا وإن هذه الصحف التي بأيدينا ليست هي في تلك اللفات التي نزلت بها، والتي كان ينطق بها المسيح – عليه السلام – وقومه، بل لم تزل تنقل من لغة إلى لغة، ووصلت عن طريق مختلف المترجمين والناقلين، فهي – في الواقع – مثل كتب السيرة والتاريخ بل مثل كتب القصص والمواعظ، ليس إلا.

وإذا لم نعدها – احتراما لها وتقديرا لأصولها – من كتب الروايات الضعيفة والواهية، فلا أقل من أن نعتبرها كمجموعات الحديث بالدرجة الرابعة، التي لم يلتزم صحتها ولم تراع فيها قواعد الرواية والتحديث، ولأجل كل هذه الحقائق الراهنة نرى الموازنة بين القرآن الكريم ولين هذه الصحف القديمة خطأ صريحا، مبينا على الغفلة وقلة العلم، فإن الموازنة لا تكون إلا بين شيئين متقاربين متماثلين.

ولقد أحسن المهتدى الفرنسي إلى الإسلام موسيوايتين دينيه (--------) إذ قال وهو يعرف بهذه الأناجيل ويحدد مكانتها العلمية والتاريخية:

(إن الإنجيل الذي أنزله الله – تعالى – على عيسى – عليه السلام – بلسانه ولسان قومه، لا نشك في أنه قي ضاع، وأنه لم يبق له عين ولا أثر، وهو إما تعرض لعوادي الزمن، أو أتلفته الأيدي، ولذلك اقتنى المسيحيون مكانه أربع مؤلفات يشك في صحتها ومكانتها التاريخية، لأنها توجد في اللغة اليونانية التي لا توافق طبيعتها لغة عيسى – عليه السلام – الأصيلة السامية، ولذلك فإن صلة هذه الأناجيل اليونانية بمنزلها واتصالها به أضعف من صلة توراة اليهود، وقرآن العرب))(2).

وتشير الشواهد الداخلية في العهد العتيق على أخطائه التاريخية الصريحة والتناقضات الواضحة والمستحيلات العقلية، فقد نسب فيه – على سبيل المثال – إلى الله – تعالى – ما لا يليق أبدا بجلاله وعظمته، ولا يناسب صفاته التي اتفقت عليها جميع الديانات السماوية، ويقر بها العقل السليم، وجاءت فيه اتهامات للأنبياء لا يتهم بها الإنسان العادي ويسمو عليها، هذا وغير ذلك من الشواهد الداخلية التي توجد في التوراة والأناجيل التي تسمى مجموعتهما (بائبل----) أو

 

الكتاب المقدس(1)، تدل على الزيادات والإلحاقات والتعديلات.

هذا شأن تلك الصحف التي يقدسها أتباعها منذ آلاف السنين، والتي يعتقد فيها ويحمل لواءها شعبان اثنان من شعوب العالم المتمدنة ((الراقية )) (الشعب اليهودي والشعب المسيحي ) واعترف بها الإسلام أيضا الى حد أنه خاطب حملتها بـ((أهل الكتاب)) ولقبهم به .

أما ((ويدا)) الهند، و((أوستا)) إيران فإن زمنهما أعرق في القدم، وإن المعلومات التاريخية عنهما أقل، والتوصل إلى معانيهما الحقيقية ومقاصدهما الأساسية أعسر وأصعب مع عوادي الزمن والحوادث التاريخية بحيث يشك في صحتها شكا قويا، ويتعسر الوصول إلى تحديد زمنهما، وإبداء أي رأي علمي حولهما.

يقول بارته (-------) عضو الجمعية الملكية الأسيوية لباريس (-------------) في كتابه (--------)  ( الديانات الهندية)(2):

((لو نحينا بعض الإلحاقات التي لا يصعب فصلها وتنحيتها على محك النقد فإن هذه الصحيفة تبقى أصيلة وأنها لا تدعى عن نفسها إلا ما هي فعلا، فلا تدعى أنها من الله، ولا تخفى عمرها الحقيقي بطريقة صناعية، وقد زيدت فيهما زيادات وتحريفات كثيرة، ولكنها كلها كانت بحسن الطوية، وبالرغم من ذلك يصعب علينا تحديد عمر هذه الصحف، وأن برهمنا (-----) الصحف التي حررت في الأخير، ليست في بأقدم من بداية عهدنا أكثر من خمسمائة عام، أما المواد المذكورة في ((ويدا)) فهي أقدم منها، أقدم إلى حد أنه لا يمكن أن يقال فيها شيء وإن إبداء شيء من الرأي في أقدم كتاباتها أمر مستحيل)).

حتى الأساتذة الهندوس والمختصين المحققين في تاريخ الديانات الهندية، ماذا يرون عن هذه الصحف وما هو موقفهم، وإلى أين توصلوا بعد البحث والتفكير الحر، يمكن أن يقدر ذلك من هذين الاقتباسين التاليين:

يقول الفاضل المعروف سريش جندرا جكرورتي (------------) المحاضر في جامعة كلكتا، في كتابه (-----------) (فلسفة أو بنيشدا):

((ولقد قدمت في هذا الصدد وجهتان للأنظار، يمثل إحداهما ((بال جنجادهر تلك)) ويمثل الثانية مكس مولر (-----) يرى ((تلك)) أن تاريخ ابتهالات ((ويدا)) يرجع إلى 4500 قبل المسيح، على حين أن مكس مولر لا يراها أقدم من 2200 قبل المسيح، رغم كونه متفقا معه على أن ((رك ويد)) – أن يقال إنه بالرغم من جمع ابتهالات ((رك ريد)) في مجموعة واحدة، لم تحرر هي في الزمان واحد، ولذلك لا يمكن تقدير عمره بتحديد تاريخها وتحريرها، ولا بد من التسليم بأن جميع ابتهالات ((رك ويد)) في مجموعة واحدة، لم تحرر هي في زمان واحد، ولذلك لا يمكن تقدير عمره بتحديد تاريخها وتحريرها، ولا بد من التسليم بأن جميع ابتهالات ((رك ويد)) من أولها إلى آخرها، ألفت على مدى قرون عديدة))(1).

ويقول الدكتور ((رادها كرشنن)) الفيلسوف الهندي المعروف (ورئيس الجمهورية سابقا) وهو يلقي الضوء على التصور الأساسي في ((ويدا)) في كتابه ((------------) (الفلسفة الهندية)، المجلد الثاني:

إن التصور الفكري الإجمالي الذي تعرضه كتب ((ويد)) ليس محدودا ولا واضحا ولذلك يمكن لمختلف المدارس الفكرية أن تستخدمه بمختلف أساليبها ومناهجها، وعلاوة على ذلك فإن سعر هذه الكتب وضخامتها تحتمل احتمالا كاملا لأن يأخذ منها المؤلفون الأدلة والشواهد بحرية تامة حسب معتقداتهم وآرائهم))(2).

أما ((أوستا)) صحيفة إيران القديم الدينية التي يعتقد الفرس (-----) أنها صحيفة سماوية، فإننا نقدم هنا عنها شهادة لعالم غربي كانت موضوع دراسته الخاص:

يقول رابرت ح. بفائفر (---------) رئيس قسم اللغات السامية بجامعة هارورد --------- فيه دائرة المعارف للديانات ------------:

(لقد كانت ((أوستانا)) – حسب ما تقوله الروايات – مجموعة جميع العلوم، وقد أتلف أكثر أجزاءه الإسكندر المقدوني، ثم ألف من الأجزاء الباقية كتاب يشمل على 21 جزءا أو ((نسك)) (-----) – كما يسمون – في القرن الثالث المسيحي، ولكن لم يبق من هذه الأجزاء جزء كامل إلا الجزء الذي يسمى ((وينديداد)) (------) وحمل منه شيء يتعلق بالعبادات إلى الهند بعد القرن التاسع المسيحي، وهو الذي يوجد بها في خمسة أجزاء، تسمى ((ياسنا)) (------) و((جاتا)) (----) و((ويسبر)) (-----) و((وينديد)) (-----) ((خورداويستا)) (------):

ولكن القرآن الحميد الذي هو كتاب الله الأخير، ومصدق لكتب الله السابقة، ومهيمن عليها وهو المسئول عن هداية البشر وربط المخلوقين بالخالق ودعوتهم إلى الله من زمن البعثة المحمدية – صلى الله عليه وسلم – إلى  يوم القيامة، فإنه يختلف عن كل تحريف وتغيير، ونقص وزيادة، يقول الله تبارك وتعالى:

(وإنه لكتاب عزيز 0 لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه 0 تنزيل من حكيم حميد)(1).

وقد حفظ كذلك من المحو والتشويه، وأن يستهدف للغو والباطل، أو أن ينسى من الذاكرة، ويمحى من االصدور، أو يتعرض للتلف والضياع في حادثة من الحوادث كما وقع مع التوراة مرارا، كل ذلك مع القرآن ممنوع:

(إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)(2).

إن هذا الوعد الجازم للحفظ يشمل حفظ القرآن في المصاحف والصدور، وبقاءه غضا طريا، ونشره، ورواجه، وتلاوته وفهمه، وأنه محفوظ من أن يهجر، أو يعطل أو لا يعمل به، أو لا يفهم أو يصبح في يوم من الأيام نسيا منسيا، فكلمة ((الحفظ)) العربية البليغة تحمل آفاقا واسعة، ومعاني عميقة تامة.

ولما قضى الله – عز وجل – بأن يبقى هذا الكتاب على أصالته وبجميع لوازمه – حسب ما أنزل على الرسول الكريم – صلى الله عليه وسلم – وجه لتحقيق هذا الغرض الجليل النفوس البشرية، والأسباب الطبيعية والخارجية والحوادث التاريخية، فكلما كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يتلو آية كريمة، وترن في أسماع المسلمين، إذا بهم يتقبلون تقبلا، ويضمونها إلى صدورهم، وينقشونها في قلوبهم، ويتهافتون على حفظها واستظهارها تهافت الفراش على النور.

وقد كان من أسباب هذا التنافس والمسارعة إلى حفظه حبهم للقرآن، وشغفهم به، كما كان لإعجاز القرآن وبلاغته وحلاوته جرسه، وجمال نبراته وتناسب ألفاظه، زد إلى ذلك الآيات والأحاديث الواردة في فضل حملته وحفاظه(3)، تأثيرأيما تأثير، ثم ارتباط المسلمين بالقرآن عن طريق صلواتهم وجميع عباداتهم، وعن طريق تشريعهم وأحكام دينهم، ومدنيتهم واجتماعهم، وعلومهم آدابهم، في كل هذه الجوانب كان القرآن الكريم ولا يزال مصدرهم الأول، ومرجعهم الذي إليه يرجعون.

لقد أنشأ كل ذلك في المسلمين صلة روحية قلبية بالقرآن الكريم بلغت حد تعشقه والهيام به، وكثر فيهم من بداية العهد الإسلامي حفاظ القرآن كثرة مدهشة، حتى استشهد في حادثة بئر معونة عام 3هـ سبعون من المسلمين الذين كانوا يدعون ((القراء)) أي الحفاظ العلماء(4)، ولم يزل عدد الحفاظ بزيادة نسبة المسلمين والرغبة في حفظ القرآن في ازدياد ونمو بالغين حتى أصبح حفظ القرآن الكريم منتشرا في كل مدينة وكل قرية صغيرة وكبيرة، وفي كل مجتمع مسلم إلى حد مدهش.

ولم يزل المسلمون ينقلون القرآن الكريم من صور إلى صدور شفاها وكتابة، وبلغوا في حفظه من الإتقان والمهارة وفي قراءته وتصحيح مخارجه، وأحكام قواعده من الدقائق الفنية والكمال العلمي، وفي التنافس فيه وكثرة تلاوته والتعبد به من الشوق والهيام ما يحير الألباب، ولا يصدقه عامة غير المسلمين إن ذكر لهم، نعم أولئك الناس من غير المسلمين الذين يعيشون في بيئة إسلامية ولهم صلات مع المسلمين، فإنهم يمكن أن يقدروا ذلك بعض الشيء، وقد كان عدد هؤلاء الحفاظ في كل عصر أكثر من أن يحصى، وإنهم الآن ليتجاوزون مئات الألوف في شبه القارة الهندية فحسب.

لقد صرف الله – عز وجل – خلفاء الرسول الكريم – صلى الله عليه وسلم – والمسئولين عن شئون المسلمين إلى هذا الأمر بطريقة إلهامية، فلما استشهد حفاظ القرآن الكريم في معركة اليمامة(1)بكثرة مقلقة، خافوا أنه إذا استمر القتل بمثل هؤلاء فإنه يخشى على بقاء القرآن – لو كان معتمدا على الحفظ في الصدور – ويتعرض لخطر الضياع.

وقد هجس هذا الهاجس أولا في خاطر عمر الفاروق – رضي الله عنه – الذي كان دائما أسبق إلى تقدير مصالح المسلمين وضروراتهم، والذي كان صوت ضميره يوافق – أكثر الأحيان – نداء الحق ومقاصد الشرع المنير – فتقدم إلى أبي بكر الصديق – رضي الله عنه – باقتراح جمع  القرآن الكريم، وكتابته في صحيفة واحدة، وكان قبل ذلك مكتوبا مفرقا في الأدم والعسب(2)، واللخاف(3)، ومحفوظا في صدور الناس، فشرح الله – عز وجل – صدر أبي بكر – رضي الله عنه – لذلك.

وولى كاتب الوحي الأمين زيد بن ثابت – رضي الله عنه – هذا العمل، فقام به زيد باهتمام بالغ وعناية منقطعة النظير، وجمع القرآن من صدور الحفاظ وصحف كتاب الوحي، ومن الأدم والعسف واللخاف المحفوظ في بيوت الناس، وهكذا ظهرت هذه الصحيفة القرآنية المجموعة في مكان واحد التي يعول عليها الناس، ويرجعون إليها.

ولما جاء عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان – رضي الله عنه – وانبث القراء والحفاظ بسبب كثرة الفتوح في مختلف الأقطار والأمصار، وانهال الناس عليهم يتعلمون منهم ويقبلون على قراءاتهم، وكانت هذه القراءات تحتمل سبعة أحرف أنزل الله بها القرآن للتيسير على الأمة العربية المترمية الأطراف في أول عهدها بهذا الكتاب، وظهرت للناس عدة وجوه في هذه القراءات، وسبب دخول الأعاجم بكثرة في الإسلام اختلافا في اللهجة والأداء، وعدم فهم لحكمة التيسير في وجوه القراءات المتعددة، خاف الصحابة – رضي الله  عنهم – أن يؤدي هذا الاختلاف الذي سيشتد ويحتدم – وقد احتدم في بعض الأماكن فعلا – أمر عثمان – باستشارة من الصحابة – رضي الله عنهم – واتفاق عنهم – بأن يقرأ هذا القرآن على لغة قريش التي نزل عليها أصلا، وأمر بإعادة الكتابة مراعاة للغة قريش في وجوه القراءات، وبعث بهذه النسخ إلى كل مدينة إسلامية، واستبقى نسخة منها في المدينة المنورة تسمى ((المصحف الإمام)).

وهذه هي النسخة التي أجمعت عليها الأمة، وقبلتها، وتداولتها عبر القرون والأجيال، وعمرت بها القلوب ورطبت بها الألسن، فحفظوا القرآن الكريم، تعبدوا الله – تعالى -، ولا يزال الاعتماد إلى يومنا هذا من أقصى العالم إلى أقصاه على هذا المصحف العثماني الإمام، ولم يختلف فيه من 25هـ الذي كان فيه هذا الاتفاق على هذا المصحف المختار أي اثنين في أن مجتمع إسلامي، ولم يعثر على كشف جديد لنسخة أخرى في أن مكتبة من مكتبات العالم ولا في أن متحف من متاحف الآثار القديمة(1).

لم يزل المسلمون بعد الانتهاء من عملية جمع القرآن وتدوينه في المصحف مجمعين إلى يومنا هذا على الأخذ به، ولقد حفظ القرآن الكريم بعد كل ذلك ولا سيما الآن من أن تمتد إليه يد التحريف، أو يغير فيه حسب الأهواء والرغبات لكثرة حفاظه وحملته، وسعة انتشاره وكثرة طباعته،  وقد جاء في دائرة المعارف البريطانية الاعتراف التالي:

((إن القرآن هو أكثر الكتب على وجه الأرض تلاوة وقراءة))(2).

ويوافق المستشرقون والباحثون الغربيون – الذين لا يرون القرآن كتابا إلهيا، نزل بطريق الوحي على محمد – صلى الله عليه وسلم – على الرأي السابق، ونسوق – فيما يلي – بعض أقوال الباحثين المسيحيين في هذا الصدد:

يقول سروليم ميور – الذي يعرف بالتحامل على الإسلام ورسول الإسلام محمد – صلى الله عليه وسلم – والذي اضطر كتابه: (-----) ((سيد أحمد خان مؤسس جامعة عليكراه الإسلامية- الذي كان حامل لواء التعليم الحديث للمسلمين – إلى أن يرد عليه بكتابه: ((الخطبات الأحمدية)) – يقول هذا الباحث:

((لقد نشأت بعد مضى ربع قرن من الزمن على وفاة محمد – صلى الله عليه وسلم – مناقشات حادة وتحزبات شديدة أدت إلى مقتل عثمان – رضي الله عنه – ولا تزال هذه الخلافات موجودة الآن، إلا أن القرآن المشترك بينهم هو قرآن واحد، وإن تلاوة هذه الفرق والطوائف – التي ظهرت بسبب التحزبات – لهذا القرآن الواحد بصفة متواترة مستمرة في كل عصر حجة قاطعة على أن الصحيفة التي بأيدينا هي نفس تلك الصحيفة التي أعدت بأمر الخليفة السيئ الحظ(1)، ولعله لا يوجد في العالم كله كتاب مثله بقي مدى القرون الإثني عشر على أصالته بدون تحريف وتغيير، وإن الخلافات في قراءات القرآن هي أيضا قليلة جدا إلى حد مدهش، وهي كذلك بسبب الإعراب والشكل الذي كان بعد زمن طويل))(2).

ويقول وهيري (----) في تفسيره للقرآن:

((إن القرآن هو من بين جميع الصحف القديمة أكثرها أصالة وعدم اختلاط بغيره (------)(3).

إن الصحيفة التي رتبها عثمان – رضي الله عنه – لم تزل من عهده إلى يومنا هذا متفقا عليها ومعترفا بها))(4).

ويقول لين بول (-------):

((إن أكبر محاسن القرآن أصالته غير مشكوك فيها، كل حرف نقرأه منه اليوم يمكننا أن نثق بأنه هكذا من قرابة ثلاثة عشر قرنا من الزمن غير مغير ولا محرف))(5).

لهذه الحقيقة القاطعة لم تكن للإسلام من حاجة إلى نبوءة جديدة تقضي على الشكوك والشبه، وتميز الحق من الباطل، وتفضح كذب الكاذبين، ولم يكن ثمة من داع إلى كتاب آخر يحل محل الكتب المنسوخة التي كانت عرضة للتحريفات والإلحاقات والتعديلات))(6).

(وإنه لكتاب عزيز 0 لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه 0 تنزيل من حكيم حميد)(7).

 

*        *        *

شروط الاستفادة من القرآن العظيم موانعها، ومؤيداتها

إن خطاب القرآن العظيم عام لجميع الجنس البشري، ولكن كما أن قطع الأرض تختلف فيما بيها في مراتب استعداداتها وصلاحياتها، ودرجة حاجتها إلى الماء وشدة انتظارها له، ثم درجة الاستفادة منه والتمتع به، وكما أن الغذاء مهما كان طيبا سائغا – يختلف تأثيره من معدة إلى معدة أخرى، كذلك القرآن – رغم كونه يخاطب الجميع وينزل على الجميع – تختلف صلاحيات الناس في قبوله والاستفادة منه والاستمتاع به، فالشيء الواحد يتفاوت أثره وتختلف نتائجه بسبب اختلاف الأوعية الإنسانية، والاستعدادات البشرية.

وقد ذكر الله – تعالى – هذا الاختلاف للآثار والنتائج في القرآن الكريم، وجمع بين نتيجتيه المتعارضين في مكان واحد، فقال:

(وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين 0 ولا يزيد الظالمين إلا خسارا)(1).

(قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء 0 والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر 0 وهو عليهم عمى 0 أولئك ينادون من مكان بعيد)(2).

(وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا 0 فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون 0 وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون)(3).

(إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها 0 فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم 0 وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا 0 يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا 0 وما يضل به إلا الفاسقين)(4).

وبين الله – عز وجل – في بعض الآيات تأثيرها على المؤمنين، وفي بعضها الآخر تأثيرها المعاكس على الكفار، فتأثير القرآن على المؤمنين:

(هدى للمتقين 0 الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون )(5).

(إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم 0 وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون)(6).

(الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم 0 ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله 0 ذلك هدى الله يهدي به من يشاء 0 ومن يضلل الله فما له من هاد)(1).

وتأثير القرآن على الكفار:

(وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر 0 يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا)(2).

(وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة)(3).

(وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض 0 هل يراكم من أحد)(4).

ولكن القرآن الكريم لم يكتف بعرض هذا التأثير ذي الوجهين، على الكفار والمؤمنين، فيزداد المؤمنون إيمانا، يستفيدون  من هذا الكتاب ويزدادون هدى ويزداد الكفار بعدا وضلالا، وعنادا، بل ذكر صفات وعقائد وأعمال إزاء ذكر المؤمنين والكفار، يبدو أن هذه الصفات والأعمال المختلفة المتوازية هي المؤثرة في صدور النتائج المتعارضة والآثار المتعاكسة، ويمكننا في ضوء هذه الصفات التي ينوه بها القرآن مع الفريقين أن نشرح شروط الاستفادة من القرآن، وموانع الاستفادة منه، وأن نعرف ما هي الأخلاق والأعمال، وما هي العقلية والتربية النفسية التي تنسجم مع القرآن الكريم وتلائمه وتساعد في فهمه والتمتع به، وما هي العقلية والسيرة المنحرفة التي لا تليق بالقرآن الكريم، وتجعل بين القرآن ومخاطبه حجابا كثيفا  وتضاد نتائجه الثورية الإصلاحية المرجوة، هذا ما سنبينه في الفصل القادم تحت عناوين متعددة.

 

*        *        *

 

 

 

 

 

 

موانع الاستفادة من القرآن الكريم

لقد ذكر القرآن الكريم موانع الهداية والاستفادة من القرآن الكريم مع ذكر شقاء الكفار، وحرمانهم، مما يدل على أن هذه الصفات والأخلاق والمعتقدات التي يتسم بها الكفار ويصرح بها القرآن، والتي تقاوم ثورة القرآن الروحية والعقيدية وتأثيره الإصلاحي العظيم، إذا تحققت في المسلمين فإنها تقع حاجزا بينهم وبين القرآن، وتمنعهم من الاستفادة به، ونذكر هذه الصفات التي نص عليها القرآن بشيء من الاختصار:

1-             الكبر:

إن من أقوى أسباب الحرمان من آثار التعاليم النبوية ونتائجها وبركاتها، ومن سعادة اتباعهم والإقتداء بهم هو الكبر المنتفخ والعزة الكاذبة، والاعتداء الأجوف بالنفس وما يشبه ذلك من أمراض نفسية جاهلية.

فتارة يكون هذا الاستكبار يمنع من قبول الحق والإذعان له مباشرة، إذ أن ذلك يدعو صاحبه إلى التخلي عن جاهه وسلطانه، وتقاليده الجاهلية وطقوسه، والحرمان من كثير من الفوائد المادية الظاهرة، ويدعوه إلى ترك الحياة المطلقة من كل قيد، حياة الهوى والحرية الكاملة، والتقيد بالحياة الشرعية، والالتزام بالحدود والأحكام والضوابط.

وتارة أخرى يواجه كثير من الناس عنتا ومشقة في تغيرهم، وانقلاب سيرتهم، ويحول دونهم الاستكبار الذي يحملهم على الجحود والإنكار، وهؤلاء الذين تصفهم هذه الآيات التالية:

(سأصرف عن آياتي الذين الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق 0 وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها 0 وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا 0 وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا 0 ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين)(1).

(ويل لكل أفك أثيم 0 يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها 0 فبشره بعذاب أليم)(2).

(ثم ادبر واستكبر 0 فقال إن هذا إلا سحر يؤثر 0 إن هذا إلا قول البشر)(3).

وتارة يمنعهم الاستكبار والجحود بما يرون من حالة الأنبياء المادية الظاهرة، وقلة ذات يدهم، من الاعتراف برسالتهم وتعاليمهم، ويرون في اتباعهم والاقتداء بهم غضاضة وعارا، ولقد قال فرعون وهو يستكبر عن رسالته موسى – عليه السلام -:

(أم أنا خير من هذا الذي هو مهين 0 ولا يكاد يبين 0 فلو لآ ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين)(1).

وقال كفار قريش:

(وقالوا لو لا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم)(2).

وتارة تقع بشرية الرسول هي السبب المانع – في نظرهم – عن قبول الحق الذي جاء به:

(ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا أبشر يهدوننا فكفروا وتولوا واستغنى الله 0 والله غني حميد)(3).

(وقالوا ما لهذه الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق 0 لو لا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا)(4).

وأحيانا يعتذرون – مستكبرين – عن قبول الحق بحالة أتباعه الاقتصادية الضعيفة، ومهانة حرفهم، وضعة أنسابهم، وخساسة أصلهم، ويجعلون هذا هو المانع لهم من الاشتراك في الجماعة المسلمة:

(فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي 0 وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين)(5).

افترضوا لأنفسهم – لأجل إقبال الدنيا عليهم وجاههم ومواتاة الحظ لهم في المال والمتاع – إنهم هم المستحقون لكل خير، وأنه لن يكون خيرا ما لم يسبق إلى أيديهم ويحضر لديهم:

(وقال الذين كفروا للذين آمنوا 0 لو كان خيرا ما سبقونا إليه 0 وإذا لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم)(6).

هذه هي الأسباب التي يكون بها مترفوا القرية وأغنياؤها وذوو الأموال الطائلة فيها أسبق الناس إلى تكذيب الأنبياء ومعارضة دعوتهم ورسالتهم وأسبقهم إلى الاستطالة والسطو والإجرام:

(وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون)(7).

(وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها)(8).

وعلى كل فإن الاستكبار – أيا كان سببه والدافع إليه – ومهما كانت أشكاله ومظاهره مختلفة – يقع سدا وحاجزا سميكا دون التمتع بالقرآن والاستفادة منه.

إن الشرط الأساسي في قبول تعاليم القرآن، وتطبيقها على النفس، وتحكيمها في الحياة وفي الإذعان لقيادة الأنبياء وهدايتهم، هو التواضع، والتسليم، والرضا والإيثار:

 (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما)(1).

2-      إن الجدال والمراء في القرآن بغير ما دليل وبرهان، ومغالبته بذلاقة اللسان، وسلاطة البيان، والإدلاء بالآراء فيه من غير حجة وسلطان، يحرم من هدايته ويمنع من رفده وفيضه وينم عن كبر مستور في الصدور:

(إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه 0 فاستعذ بالله 0 إنه هو السميع البصير)(2).

(والذين سعوا في آياتنا معاجزين أولئك لهم عذاب من رجز أليم)(3).

(الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم 0 كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا 0 كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار)(4).

(وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا)(5).

3-             الكفر بالآخرة وعبادة المادة:

إن الكفر بالآخرة من بين معتقدات الكفر من أشد الموانع عن التأثر بالقرآن الكريم والاستفادة منه، لأن أساس القرآن الأول في ترغيبه وترهيبه، ومواعظه وإصلاحاته، هو الإيمان بالآخرة، إنه يحذر من عواقب الآخرة، ويطمح في ثوابها ونعائمها، ويقدم جميع المعلومات اللازمة لهذه الرحلة الخطيرة، ويدل على منازلها ويضيء طريقها، و يعطى عنها تعليماته وإرشاداته، ولأجل ذلك فإن الذين يرجون الآخرة، ويظنون أنهم ملاقوها، لا يمكنهم أبدا أن يستغنوا:

(والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به وهم على صلاتهم يحافظون)(6).

أما الذين لا يؤمنون بالآخرة أو يؤمنون بها ولكن رانت على قلوبهم الدنيا واستحوذت عليهم المادة، ولا ينظرون في جميع قضايا الحياة إلا النظرة المادية البحتة، هؤلاء لا ينفعهم القرآن ولا يؤثر فيهم.

(وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا 0 وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا 0 وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا)(1).

(إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله ولهم عذاب أليم)(2).

(فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون)(3).

(فأعرض عمن تولى 0 عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا 0 ذلك مبلغهم من العلم 0 إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى)(4).

إن النظرة المادية المسيطرة عليهم تجعلهم من الغباوة والبلادة بمكان حيث لا تعمل عقولهم في غير الأشياء المادية، بل تتعلق دونها وينكرون بما وراءها:

(إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون)(5).

(بل ادارك علمهم في الآخرة 0 بل هم في شك منها 0 بل هم منها عمون)(6).

(يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا 0 وهم عن الآخرة هم غافلون)(7).

وشيء آخر لا يخص الكفار بل يعمهم وغيرهم، هو الاستدلال بالآيات المتشابهة على الأهواء والأغراض الشخصية وإضلال الناس بالتحريفات والتأويلات الباطلة، الذي لا يكون الدافع إليه إلا زيغ القلوب وفساد النوايا:

(هو الذي أنزل عليك الكتاب 0 منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات 0 فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله)(8).

 

*        *        *

مؤيدات الاستفادة من القرآن الكريم

1-             الرغبة والطلب:

إن من الشروط الأولية الأساسية للاستفادة من القرآن الكريم والانتفاع به، هو وجود الرغبة إليه، والطلب للاستفادة منه، فمن لم تتحقق عنده الرغبة والطلب ماذا يكون تأثير القرآن فيه؟ إن من سنة الله – تعالى – ونواميسه أنه لا يعطي إلا بالرغبة والسؤال، وللرغبة والسؤال عنده قيمة كبيرة، فالقلق على الوضع الراهن وعدم الاقتناع به، والجهد للإصلاح والتغيير، والبحث عن الطريق هو أول خطوة عنده في سبيل السعادة، فلا بد من الأوبة والإنابة أولا، ثم تغير الوضع وانقلاب الحال ثانيا:

(ويهدي إليه من أناب)(1).

(ويهدي إليه من ينيب)(2).

(إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)(3).

إن التولى والاستفادة عن الدين علامة على الشقاء والحرمان المبين:

(فكفروا وتولوا واستغنى الله 0 والله غني حميد)(4).

(يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله 0 والله هو الغني الحميد)(5).

والذين لا رغبة لديهم في الدين، ولا يجذبهم نداء القرآن، يتحدث عنهم القرآن فيقول:

(أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون)(6).

(أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون)(7).

(إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين 0 وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم 0 إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون)(8).

2-             الاستماع والاتباع:

إن القرآن – بطبيعة الحال – صحيفة، وهداية وإرشاد، فالدرجة الأولى في سلم الاستفادة منه هو الاستماع والإصغاء إليه، فمن لم يصغ إليه ولم ينصت له كيف يرقى السلم، وكيف يقطع مراحل الطريق؟!

(فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه 0 أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب)(1).

ولكن الاستماع المحض لا يغنى من جوع، فما اقتضى منه العمل – وكله يتطلب العمل ويقتضيه – لا بد من الأخذ به وتطبيقه والعمل عليه، فإن العلم ما لم يصحبه عمل، ترف عقلي ليس غير، ولذلك أردف القرآن الكريم ذكر الاتباع بعد الاستماع.

3-             الخشية والرهبة:

إن أساس القرآن الكريم على تصور الله رب العالمين وعلى خشيته والرهبة، والاستشعار بجلاله وكبريائه، فمن فرغ قلبه من خشية الله، ولم يعد لديه لاسم الله تأثير وجاذبية وجلال، فقد أضاع رأس مال الدين، وفقد حاسته، وانطمست مشاعره، ومعلوم أن من يفقد حاسة من الحواس فإنه يفقد – طبعا – الإحساس بالمحسوسات المتعلقة بها، ولا يمكن له بعد ذلك إدراكها، وقد صرح القرآن بأنه يستفيد منه من يخشى الله، ويشعر بعظمته وجلاله، والذي لا تزال تحت رماده جمرة متقدة، أما من ظلت مراجل قلوبهم خامدة باردة، فإنهم يستمعون إلى القرآن بقلوب باردة، ولا يرجعون بحرارة وقبسات مشتعلة:

(فذكر بالقرآن من يخاف وعيد)(2).

(إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب)(3).

(سيذكر من يخشى)(4).

(فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله 0 أولئك في ضلال مبين)(5).

4-             الإيمان بالغيب:

إن قطاعا كبيرا مهما من الدين هو ذلك الذي يتجاوز حدود الحواس البشرية والعقل البشري، وهي تلك الحقائق الدينية الكثيرة، التي لا يدركها الإنسان بمحض حواسه الظاهرة، فلا يراها بالأعين ولا يلمسها بالبنيان، ولا يشمها بالأنف، ولا يذوقها باللسان، ولا يتدخل فيها العقل الكليل، لأن مهمة العقل ليست إلا التوصل بمدركات الحواس الظاهرة والمعلومات المجموعة، والتجارب السابقة إلى مدركات أخرى ومعلومات أخرى لم تكن حاصلة لديه، أما الأشياء التي لا يمكن إدراكها بالحواس الظاهرة ولا بالتجارب السابقة، ولا توجد عند الإنسان مباديها وأوائلها ولا أساس للقياس والرأي فيها، فماذا يغني العقل هناك؟ وماذا يستنتج وعلى ماذا يقيس؟(1).

إن صفات الله – عز وجل – والوحي، والملائكة، والآخرة، والجنة، والنار، وأمثال هذه، كلها لا تنافي العقل ولا تعارضه، ولكنها وراء طور العقل وفوق حدوده وأبعاده، وإنها من الغيوب(2)، التي لا بد فيها من الثقة الكاملة بالأنبياء والمرسلين والإذعان الكامل لكل ما يقولون ويأتون به، وهذا هو المراد ((بالإيمان بالغيب)).

والذين هم أسرى المحسوسات والماديات في يقينهم على شيء وثقتهم به، ويجحدون بكل ما لا تسعه عقولهم وقياساتهم، إنهم – في الواقع - جاهلون بحقيقى الدين، وإنه غير ميسور لهم أن يدخلوا حدود الدين وآفاقه، إنهم لا يستفيدون من القرآن، بل يواجهون في القرآن على كل خطوة في رحلتهم عقبات ومشاكل.

أما الذين لا يعبدون المادة ولا يخضعون لحواسهم خضوعا كاملا، ويعلمون أن دائرة ((المكنات)) أوسع و أوسع، وأنها ليست منحصرة في الموجودات والمحسوسات، أولئك هم العالمون بحقيقة الدين، وإن مصدرهم العلمي القطعي ليس إلا وحي الله، إنهم يثقون بأخبار الأنبياء وتعاليمهم  الثقة، فلا تواجههم مشكلة، ولا تقطع طريقهم أي معضلة، ويظل لهم الدين حقيقة واضحة مفهومة، ويبقى لهم القرآن هداية منيرة ساطعة، إنه:

(هدى للمتقين 0 الذين يؤمنون بالغيب)(3).

(فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم، وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا 0 يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا 0 وما يضل به إلا الفاسقين)(4).

إن الذين غلبت عليهم النظرة الحسية المادية واستحكمت فيهم، يحاولون أن يحلوا حقائق من الدين هي وراء طور العقل وحدوده بدون أن يستعينوا بالإيمان بالغيب، إن محاولتهم هذه كمحاولة من يرقى السطح بدون سلم أو محاولة من يرغب في الطيران بدون أن تكون له ريش وأجنحة، إنه كما يحاول الصعود إلى علو، تهبطه ماديته وكثافته إلى أسفل، ويكون حاله كما صوره القرآن الكريم بأسلوبه البليغ النافذ:

(فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام، ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء 0 كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون)(1).

5-             التدوير:

إن من شروط الاستفادة من القرآن الكريم التدبر كذلك، وقد رغب القرآن الكريم فيه وحث عليه في مواضع متعددة، ووصف به المؤمنين الذين يتلون كتاب الله بفهم وتفكير، ولا يخرون عليه صما وعميانا:

(والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا)(2).

(أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها)(3).

(أفلا يتدبرون القرآن 0 ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا)(4).

6-             المجاهدة:

إن مما يحتاج إليه ويفيد في فهم القرآن الكريم وتدبره وكشف حقائقه، واتباعه والعمل به، المجاهدة وتحمل المشاق – إلى حد ما – وشيء من التضحية والكفاح، فليس القرآن من الكتب البشرية التي يحيط أي إنسان بمحتوياتها، ويتعرف على أغراض مؤلفيها ومقاصدهم بمجرد ذكائه وفطنته وعلمه، بل إنه يحتاج للعلم بمقاصد الله – عز وجل – إلى مرضاته وإعانته، فإذا تكبد الإنسان للحصول على مرضاته المشاق في سبيله، وعمل على طهارة قلبه وتزكية نفسه، وتحسين أخلاقه، تقبل عليه رحمة الله، ويدنو منه فيضه ويشرح له صدره، ويعطيه الحكمة والعلم.

ولما أن القرآن كتاب لطيف حكيم، فلذلك بقدر ما تكون كثافة الإنسان المادية قليلة خفيفة، بقدرها تكون صلته بالقرآن وانسجامه معه، وينكشف له جمال القرآن بدون حجاب:

(والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين)(5).

والعامل الثاني هو أن الإنسان كلما حاول وبذل جهده، وتجشم المصاعب والمشاق لغرض ما من الأغراض، وضحى لأجله، فإنه يملك عليه مشاعره، وتهيمن عليه لذته وتأثيره، ويتكيف به ويحس بحلاوته وبشاشته.

والعامل الثالث هو أن معظم القرآن عملي، ليس نظريا، فلا يمكن إذن فهمه بطريقة نظرية فحسب، إن الذي يمكنه هو أن يتعرف على كلماته ومعانيه الظاهرة، ولكن التحقيق الصحيح لمحتوياته، والمشاهدة لأثاره وتطبيقاته لا تمكن – أبدا – بغير تجارب يعيشها وعمل يحققه في واقع الحياة، ولقد كانت هذه إحدى ميزات الصحابة – رضي الله عنهم – في فهم القرآن وإدراك معانيه.

7-             التأدب والتعظيم:

من الواجب والمفيد أن يلاحظ في محاولة الاستفادة من القرآن الكريم واستمداد الهداية والفيض منه، وتجلية القلب والروح به وتحليتهما بآثاره وحقائقه، هذه الحقيقة المهمة، وهي أنه ليس سجلا للمعلومات، ومجموعة للقوانين والضوابط فحسب، تقرأ وتطالع كما يشاء الإنسان، ويطلع على ما فيها ويستوعب مضامينها ومحتوياتها، كلا إنه كلام أحكم الحاكمين، الذي اتصف بصفات الجلال والجمال، والعطاء والنوال، والتي هي صفاته وأسماؤه:

(هو الله الذي لا إله إلا هو 0 الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر)(1).

والذي قال عن كلامه بنفسه ووصفه بقوله:

(لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله 0 وتلك الأمثال نضربها للناي لعلهم يتفكرون)(2).

ذلك الكلام الذي يقول عنه قائله – سبحانه -:

(في صحف مكرمة 0 مرفوعة مطهرة 0 بأيد سفرة 0 كرام بررة)(3).

ويقول: (إنه لقرآن كريم 0 في كتاب مكنون 0 لا يمسه إلا المطهرون)(4) (5).

والنتيجة الطبيعية لذلك أن الذين يدركون شيئا من القرآن ، ويعرفون شيئا من مكانة منزله وعظمته، لا يمر عليهم القرآن بدون تأثير وفعل وتغيير:

(وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون)(7).

(الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله 0 ذلك هدى الله يهدي به من يشاء 0 ومن يضلل الله فما له من هاد)(1).

ويقول الله – عز وجل – عن هؤلاء الذين يتلون القرآن بالصفة التي قد سبقت:

(الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته 0 أولئك يؤمنون به 0 ومن كفر به فأولئك هم الخاسرون)(2).

يعني أنهم يتلون كتاب الله بإكبار وإكرام يقرأون كلام السلطان، وهو أحكم الحاكمين، ويطالعون بحب وشغف كما يطالعون رسالة الحبيب الأثير.

تلك الأحاديث التي وردت في فضل القرآن الكريم بعناية ويفيد في هذا الصدد دراسة شيئين، أولهما: دراسة واهتمام(3)، وثانيهما: دراسة وقائع وسير الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين، والفقهاء والمحدثين والعلماء الربانيين والأولياء والعارفين في كتب السير والتراجم والطبقات التي ذكر فيها شغفهم بالقرآن الكريم وولعهم به وكيفيتهم وتأديبهم معه، واحترامهم وتعظيمهم  إياه، وكيف كانت التلاوة ترقق قلوبهم وتجللهم بالسكينة وتغمرهم بالفيض، فإنها ستكون حافزة للأشواق، مفتحة للأبصار، مؤثرة في القلوب أكثر من أي شيء آخر(4).

وننقل في الصفحات التالية بعض الحكايات والقصص كنماذج من الكتب الموثوق بها التي يمكن أن يقدر من خلالها كيف كان الصحابة والتابعون والعلماء الربانيون يتأدبون مع القرآن الكريم، وكيف كان شغفهم به، وتأثرهم وانفعالهم بقراءته.

 

 

*        *        *

 

 

 

 

 

نماذج من تدبر السلف وتلاوتهم القرآن الكريم وقصصهم المؤثرة

نذكر تحت هذا العنوان قصصا للصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين والعلماء الراسخين، والأولياء العارفين، تمثل نماذج ولعهم بالقرآن الكريم وشغفهم به، وتأدبهم معه، وإكبارهم له، وانهماكهم في تلاوته وتذوقهم لحلاوته ولذته، ونبدأ في سلسلة هذه القصص المؤثرة بقصة سيدنا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – الذي أنزل عليه هذا القرآن:

عن عبد الله (ابن مسعود) – رضي الله عنه – قال: قال لي رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: ((اقرأ علي، فقلت أقرأه عليك، وعليك أنزل؟ قال: إني أحب أن أسمعه من غيري، فقرأت عليه حتى إذا بلغت:

((فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد 0 وجئنا بك على هؤلاء شهيدا)).

غمزني غامز، فرفعت رأسي فإذا عيناه تهملان))(1).

وعن أبي ذر – رضي الله عنه – قال: ((قام رسول الله – صلى الله عليه وسلم – حتى أصبح يتلو آية واحدة من كتاب الله، بها يركع، وبها يسجد، وبها يدعو، حتى أصبح:

((إن تعذبهم فإنهم عبادك، وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم)) إلخ(2).

وعن عائشة – رضي الله عنها -: ((كان أبو بكر – رضي الله عنه – رجلا بكاء، لا يملك دمعه إذا قرأ القرآن)).

وعن أبي رافع قال: كان عمر بن الخطاب يقرأ في صلاة الغداة بالمئين بالكهف، ومريم، وطه، واقترب، ونحوهن من السور، فإني يوما مع عمر – رضي الله عنه – في صلاة الغداة وأنا في آخر صفوف الرجال ما يلي النساء وهو يقرأ التي يذكر فيها يوسف – عليه السلام – فمر بهذه الآية:

(إنما أشكو بثي وحزني إلى الله)، وكان جهير القراءة فبكى حتى انقطعت قراءته وحتى سمعت نحيبه)).

وعن ابن عمر – رضي الله عنهما - :غلب على عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – البكاء في صلاة الصبح حتى سمعت نحيبه من وراء صفوف)).

وعن الحسن – رضي الله عنه – كان عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – يمر بالآية من ورده بالليل، فيبكي حتى يسقط، ويبقى في البيت حتى يعاد للمرض))(3).

 

وعن محمد بن سيرين قال: ((قالت امرأة عثمان حين أطافوا به يريدون قتله، إن تقتلوه أو تتركوه، فإنه كان يحيى الليل بركعة يجمع فيها القرآن))(1).

أخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن الحسن قال: قال أمير المؤمنين عثمان بن عفان – رضي الله عنه -: لو أن قلوبنا طهرت ما شبعنا من كلام ربنا، وإني لأكره أن يأتي على يوم لا أنظر في المصحف، وما مات عثمان – رضي الله عنه – حتى خرق مصحفه من كثرة ما كان يديم النظر فيه))(2).

أخرج مالك أن الفرافصة بن عمير الحنفي قال: ((ما أخذت سورة يوسف إلا من قراءة عثمان       بن عفان إياها في الصبح من كثرة ما كان يرددها))(3).

وقد كان سيدنا علي بن أبي طالب – رضي الله عنه - : ((انصرف إلى جمع بعد وفاة الرسول الكريم – صلى الله عليه وسلم – انصرافا كليا حتى لم يخرج من بيته عدة أيام))(4).

وقد وردت مثل هذه الروايات والقصص في كتب التاريخ والسير عن عبد الله عمرو بن العاص، وعبد الله بن عباس، وعبد الرحمن ابن عوف – رضي الله عنهم أجمعين – وأمثالهم من الصحابة الأجلة، وعن سعيد بن جبير ومالك بن أنس، ومنصور بن المعتمر، وغيرهم من التابعين الكرام، في تلاوتهم للقرآن الكريم وخشوعهم عنده، وبكائهم وتأثرهم.

قرأ زرارة بن أوفى وهو يؤم في المسجد الأعظم:

((فإذا نقر في الناقور 0 فذلك يومئذ يوم عسير0 على الكافرين غير يسير))، فخر ميتا، قال بهز بن حكيم، فكنت قيمن أحتمله حتى أتينا به داره.

وصلى خليد – رضي الله عنه – فقرأ:

((كل نفس ذائقة الموت)) فرددها مرارا، فناداه مناد من ناحية البيت، كم تردد هذه الآية، فلقد قتلت بها أربعة نفر من الجن لم يرفعوا رؤوسهم إلى السماء حتى ماتوا، من تردادك هذه الآية، فوله خليد بعد ذلك ولها شديدا حتى أنكره أهله، كأنه ليس الذي كان.

وسمع آخر قارئا يقرأ:

((وردوا إلى الله مولاهم الحق)) (الآية) فصرخ واضطرب حتى مات.

وعن حمزة قال: بعثتني أسماء – رضي الله عنها – (بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنه) إلى السوق واقتتحت سورة الطور، فانتهت إلى قوله:

 

(ووقانا عذاب السموم)، فذهبت إلى السوق ورجعت وهي تكرر (ووقانا عذاب السموم).

وأتى تميم الداري المقام، فاستفتح الجاثية، فلما بلغ: ((أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواءا محياهم ومماتهم 0 ساء ما يحكمون)).

جعل يرددها ويبكي حتى أصبح.

وردد سعيد بن جبير – رضي الله عنه – وهو يؤمهم في ((فسوف يعلمون إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل 0 يسحبون في الحميم 0 ثم في النار يسجرون)) مرارا.

وقام ليلة، فقرأ:

(واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله).

فرددها بضعا وعشرين مرة، وكان يبكي بالليل حتى عمش.

وقال الليث عن مسروق – تلميذ ابن عباس – رضي الله عنه - : ((كان يقرأ الرعد ما بين صلاة العشاء إلى صلاة الفجر)).

وكان هارون بن رياب الأسدي يقوم من الليل للتهجد.

فربما ردد هذه الآية حتى يصبح:

(قالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين) ويبكي حتى يصبح.

وردد الحسن (البصري) ليلة:

(وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها) حتى أصبح، فقيل له في ذلك، فقال: إن فيها معتبرا، ما نرفع طرفا ولا نرده إلا وقع على نعمة، وما لا نعلمه من نعم الله أكثر))(1).

وقام الإمام أبو حنيفة ليلة يردد:

(بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر) حتى أصبح(2).

إن هذه السلسة من هذه الانفعالات المؤثرة والاستجابة القوية للقرآن الكريم لم تزل تنتقل من جيل إلى جيل، ومن عصر إلى عصر، واستمر شغف هذه الأمة المسلمة بكلام الله وهيامها به، وفيض القرآن وتأثيره من دون انقطاع أو فترة، وقد حفظ التاريخ وقائع وقصصا مثيرة للعلماء الراسخين، والمجددين والمصلحين، والمحققين العارفين، في كل عصر، لغرامهم بالقرآن الكريم وشغفهم به، واستغراقهم في تلاوته وأنسهم به، ونكتفي هنا بسرد بعض القصص لكبار علماء هذه الأمة وصالحيها:

لقد كان المؤلف الشهير والمحدث الجليل والمؤرخ الناقد العلامة ابن الجوزي يختم القرآن كل أسبوع مرة، وكان السلطان صلاح الدين الأيوبي ذا رغبة شديدة في سماع القرآن الكريم، وكان يسمع في برجه من حرسه – أحيانا – جزئين وثلاثة وأربعة أجزاء، وكان يغلبه التواضع والخشوع والرقة حتى كثيرا ما تفيض دموعه عند سماعه لتلاوة القرآن(1).

لما اعتقل شيخ الإسلام الإمام ابن تيمية في 7/شعبان عام 726هـ حيث فارق الحياة وانتقل إلى الرفيق الأعلى في 22/ذي القعدة عام 728هـ كان أكثر اشتغاله واهتمامه بتلاوة القرآن الكريم، وقد بقي في السجن قرابة عامين وأربعة أشهر، وختم في هذه المدة القرآن الكريم مع أخيه الشيخ ((زين الدين بن تيمية)) ثماني ختمه، ولما وصل إلى قوله – تعالى – من سورة القمر في تلاوته بعد أن أكمل ثمانين ختمة: (إن المتقين في جنات ونهر 0 في مقعد صدق عند مليك مقتدر) ترك أخاه زين الدين وأخذ في مدارسة القرآن مع الشيخ عبد الله بن محب وعبد الله الزرعي وكانا في غاية من الصلاح والتقى وأخوين شقيقين، وكان معجبا بقراءتهما القرآن، وما كادت تنتهي هذه المدارسة حتى انتهت أيام حياته))(2).

وعدا هؤلاء العلماء الأعلام الذين كانت لغتهم هي العربية، والذين كانت وظيفتهم ومهمتهم الدائمة هي خدمة العلوم الإسلامية، والغوص في دقائقها، لا تقل قصص العلماء والمشايخ الصالحين الذي ولدوا في العجم وكانت لغتهم غير العربية، في تذوقهم لتلاوة القرآن الكريم، وعنايتهم بحفظه وشغفهم به، وانصرافهم كليا إليه، واستغراقهم فيه، لا تقل هذه القصص إثارة للرغبة وتأثيرا في النفوس وعظة وعبرة، ونجتزئ من مئات هذه القصص – فيما يلي – ببعض الحكايات المؤثرة، وإن هذه القصص لا تنحصر في المشايخ المتقدمين بل تمتد سلسلتها إلى العلماء والمشايخ المعاصرين:

لقد كان الشيخ الكبير نظام الدين البدايوني الدهلوي (م 725هـ) صاحب تذوق خاص للقرآن الكريم، وكان يحث على حفظه والاهتمام به، ويرغب في كثرة تلاوته، فلما اتصل به الأمير الشيخ حسن السجزي وبايعه، كان كبير السن، وكان شاعرا مفلقا، اشتغل به طول عمره، فأوصاه الشيخ نظام الدين بأن يغلب ذوقه القرآني على ذوقه الشعري، يقول الأمير في ((فوائد الفؤاد)) : كم من مرة سمعته أذناي يقول ينبغي أن تغلب تلاوة القرآن على قرض الشعر.

وكان الشيخ محمد بن بدر الدين إسحاق، حافظا مجودا للقرآن، يقرأه بلحن حسن شجي، وقد عينه الشيخ نظام الدين إماما في الصلاة، وكان يتمتع بقراءته ويتأثر بها، ويغلبه البكاء ويتذوق(3).

وكان الشيخ شرف الدين يحيى المنيري (م 786هـ) يملك ذوقا خاصا في تلاوة القرآن الكريم والاستماع إليه، يقول أحد تلامذته في التربية والتسليك، الشيخ زين بدر العربي وهو يذكر أحوال وفاته:

((حضر عنده الأمير شهاب الدين أخو ملك حسام الدين، بابنه، وجلس في المجلس، فوقع بصر الشيخ على ابنه، وقال: هل يمكنك أن تقرأ خمس آيات، فقال بعض الحاضرين في المجلس، إنه أصغر من ذلك، وكان ابن السيد ظهير الدين أيضا حاضرا، فلما رأى الشيخ هلال أن الشيخ يحب أن يسمع القرآن الكريم في هذا الوقت، دعا ذلك الولد له يقرأ خمس آيات، ولما أحس السيد ظهير الدين أن الشيخ يريد ذلك، أمر ابنه أيضا بقراءة خمس آيات، فحضر الولد وجلس متأدبا، وبدأ يقرأ من سورة الفتح أواخر آياتها من (محمد رسول الله والذين معه…)إلخ. وكان الشيخ متكئا على وسادته، فجلس، وقعد كعادته متأدبا كهيئة الصلاة، وأصغى إلى التلاوة))(1).

ويذكر في سيرة الإمام المجدد أحمد بن عبد الأحد السرهندي أنه كان يبدو عند تلاوته كتاب الله – تعالى – ويظهر على وجهه أن الحقائق القرآنية تفيض عليه، وأن بركاته تنسكب وفيوضه تنهمر، وكان إذا قرأ آيات العذاب أو الآيات التي جاءت بصيغة التعجب والاستفهام، تجاوب معها، وتكيف بها، ولا يختم في شهر رمضان أقل من ثلاث ختمات، وكان حافظا للقرآن، فكان دائم التلاوة طول العام، ويسمع القرآن الكريم في حلقاته كذلك(2).

كان الشيخ فضل الرحمن الكنج مرادآبادي (م 1313هـ) يقرأ القرآن ذات يوم إذ غلبه الوجد، فقال للشيخ السيد تجمل حسين: ((إن اللذة التي نجدها في القرآن ، لو وجدتهم منها ذرة، لما صبرتم علىالجلوس مثلنا، ولخرجتم – تمزقون ثيابكم – إلى الصحراء، ثم قال: آه، ودخل حجرته ومرض لعدة أيام))(3).

يقول الشيخ السيد محمد علي المونكيري، قلت مرة في بداية اتصالي بالشيخ فضل الرحمن، له: سيدي! إن المتعة التي أشعر بها في الشعر لا أشعر بها في القرآن !؟ فقال: ما زال الأمر بعيدا، وإذا حصل لك القرب والترقى فاللذة التي ستجدها في القرآن لا تجدها في غيره(4).

وقال ذات يوم: ((إن الصلة الحقيقة بالقرآن غاية السلوك والإحسان))(5).

ويقول الشيخ الجليل عبد القادر الرائيفوري – أحد كبار المشايخ المعروفين في عصره – وهو يصف حال مربيه وشيخه الشيخ عبد الرحيم الرائيفوري (م 1919م-الموافق 1337هـ).

((لقد رأيت الشيخ يقرأ القرآن الكريم، فكان يطيل قراءته في صلاة الليل أيما إطالة، فتارة يبكي، وإذا جاء ذكر العذاب، بكى واستغفر الله – تعالى – وتضرع إليه تضرعا عجيبا يتمثل حال من يسأل العفو عن جريمته في ضراعة ولهف، وإذا جاءت آية فيها ذكر رحمة الله – عز وجل – استبشر وسر تارة، وهدأ صامتا أخرى)).

 

 

*        *        *

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بعض تجارب وملاحظات

إن للمؤلف تجربة عملية، واقتراحا مخلصا، في صدد الصلة الشخصية المباشرة بالقرآن الكريم، والعلاقة القوية معه، وتذوقه والتجاوب معه، والاستفادة منه أكثر فأكثر، والتقرب به إلى الله، والرقي في طريقه في مدارج التوفيق.

وهو أنه ينبغي أن يشتغل بالقرآن – قدر المستطاع – مباشرة بدون وساطة ويتلى متنه أكثر ما يمكن، ويستمتع بقراءته، ويتذوق ويتدبر في معانيه، فإذا كان القارئ قد حصل من العربية ما يحتاج إليه، وتمكن من فهم القرآن الكريم مباشرة، فعليه بقراءته وفهمه مباشرة، وإلا فليرجع إلى الحواشي والملاحظات التفسيرية المختصرة، ويحاول تلاوة القرآن الكريم، وفهمه وتدبره وتذوقه من دون اعتماد وتعويل دائم على تفسير إنساني، ومراجعة كثيرة لكتب التفاسير، ويكتفي بذلك إلى مادة ما من الزمن، ويحمد الله – تعالى – على ما يفتحه عليه من فهم كتابه، وما يوفق إليه من تلاوته، حمدا كثيرا.

يجتنب في ذلك – عدا مواضع الحاجة إلى البحث العلمي أو إزالة شبهة – البحوث التفصيلية الخاضعة للإتجاهات العصرية، أو العصبية الجماعية، السياسية أو القيادية، أو التفكير الناشئ من دراسة العلوم الحديثة أو الحضارة الغربية، إذ أنه تطغى – أحيانا – على ينبوع القرآن النقي الصافي، ظلال العقول والعلوم الإنسانية والأغراض الجماعية أو القيادية، كما تغشى على العين الصافية النقية ظلال الأشجار الكثيفة الوارقة، ثم لا تبقى فيه تلك العذوبة واللذة، والأصالة والشفافية التي هي جوهر القرآن وروحه.

بل لقد أثبتت التجارب أن القارئ يتأثر – أحيانا – بتفهم إنسان ألمعي فاضل وتفسيره – وقد يكون معجبا به من قلبه – أكثر مما كان ينبغي له أن يتأثر بالكلام الإلهي الأصيل، ويتسرب إلى ذهنه وشعوره أو من منفذ من المنافذ المختلفة، إنه لو هذا التفهم والتفسير لم يظهر هذا الجمال القرآني الذي أتمناه ولم تتجل لي عظمته وجلاله وروعته، وأقل ما يتمكن من خاطره هو أنه يتعود على النظر إلى القرآن الكريم بمنظار تفسير إنساني خاص، أو قل بمنظار أحد المفسرين والشراح أو القادة والدعاة(1).

 

*        *        *

 

 

 


 

(1)  سورة الأنفال: 62-36.

(1)  سورة الجمعة: 2.

(2)  سورة الحديد: 9.

(3)  سورة إبراهيم:1.

(4)  سورة آل عمران: 103.

(5)  سورة الأنعام: 123.

(1)  سورة المائدة: 44.

(2)  انظر مصادر تاريخ الصحف المقدسة، ودائرة المعارف اليهودية، وتوجد إشارات إلى هذه الحوادث في صحيفة نحميا ومقابين أيضا.

(1)  دائرة المعارف اليهودية (---------------) ص/93---------------.

(2)  دائرة المعارف اليهودية: ج/9 ، ص/589 (2) أيضا ص/590.

(3)  المصدر السابق: ص/590.

(4)  مقتبس من التفسير الماجدي (تفسير القرآن) ويرجع للاطلاع على تحديد زمن المؤلفين الأناجيل الأربعة، واختلاف المصادرة على والمراجع (التي الفت منها هذه الصحف) إلى الكتاب المهم (-------) (تاريخ الديانات) للبروفيسور جيمس (----) أستاذ تاريخ الديانات في جامعة لندن.

(1)  انظر تعريف الحديث الصحيح في كتب أصول الحديث كمقدمة ابن الصلاح و ((تدريب الراوي)) و((فتح المغيث)).

(2)  أضواء على المسيحية: ص/52-53. وعبارته يبدوفيها مساواته بين التوراة والقرآن، في الثقة، فلعلها صدرت منه قبل إسلامه أو أنه أراد به غير معناه الظاهر، كما أن قوله: ((قرآن العرب)) تعبير غير سليم)).

(1)  يرجع إلى كتاب ((إظهار الحق)) الكتاب الفريد في موضوعه للعلامة الشيخ رحمه الله الكيرانوي (م 1308هـ) دفين مكة المكرمة، فقد ذكر المؤلف 122 اختلافا وتحريفا لفظيا في هذه الصحف، وأخذ عليها 108 من الأخطاء التي لا يمكن تأويلها وقد طبع الكتاب على نفقة الشئون الدينية في قطر سنة 1400هـ (1980م) بعناية الشيخ عبد الله بن إبراهيم الأنصاري – رحمه الله.

(2)  طبعة دلهي عام 1969م:  ص/504.

(1)  (فلسفة أو بنيشدا) طبع كلكتا لعام 1935م: ص/24-26.

(2)  طبع لندن، عام 1927م: ص/21-22.

(1)  سورة حم السجدة: 41-42.

(2)  سورة الحجر: 9.

(3)  انظر ف فضائل القرآن أبواب فضائله في كتب الحديث، واقرأ رسالة ((فضائل القرآن)) للإمام عماد الدين الحافظ ابن كثير (م774هـ)في آخر تفسيره المشهور.

(4)  البداية والنهاية: ج/4 ، ص/71. وحديث بئر معونة مشهور، وقد أخرجه البخاري ومسلم وأصحاب السنن الأخرى.

(1)  كانت حرب اليمامة في أيام أبي بكر – رضي الله عنه – سنة 13 من الهجرة، وقتل فيها مسيلمة الكذاب.

(2)  العسب جمع عسيب: وهو جريد النخل الذي ليس عليه ورق.

(3)  اللخاف جمع لخفة، وهي صحائف من خطية الحجر الأبيض.

(1)  يقول المستراوي منغانا(استاذ جامعة مانشستر سابقا): توجد في المكتبات الأوروبية نسخ خطية كثيرة للقرآن الكريم، واقدامها نسخة من القرن الثاني الهجري، ولكنها كلها لا تحمل أي اختلاف لفظي، اللهم إلا اختلافا في اللفظ، وهو بسبب الخلل في الخط العربي القديم، وأبدى مثل هذا الرأي الأستاذ نولدك (----) في دائرة معارف الديانات والأخلاق: ج/1 . ص/548-549.

(2)  انظر دائرة المعارف البريطانية، تحت عنوان ((محمد)) –صلى الله عليه وسلم-.

(1)  يريد به سيدنا عثمان – رضي الله عنه – وقتله، ولكنه لا يعرف أن عثمان لم يكن سيئ الحظ كان سعيدا بالشهادة، إنما كان سئوا الحظ أولئك الثائرون والمنتهكون لحرمته الذين لم يراعوا إلا ولا ذمة.

(2) ((حياة محمد)) (-------------) لسر وليم ميور (------------).

(3)  (-------------------) تفسير القرآن ج/1 ، ص/349.

(4)  (----------------) تعريف بالقرآن لوهيري: ص/79.

(5)  هذه المقتطفات والشواهد كلها مقتبسة من ((تفسير القرآن)) الإنجليزي، للعلامة عبد الماجد الدريابادي.

(6)  مقتبس من ((النبوءة والأنبياء)) للمؤلف: ص/227-234.

(7)  سورة حم السجدة: 41-42.

(1)  سورة الإسراء: 83.

(2)  سورة فصلت: 44.

(3)  سورة التوبة: 124-125.

(4) سورة البقرة:26.

(5)  سورة البقرة: 2-3.

(6)  سورة الأنفال: 2.

(1)  سورة الزمر: 23.

(2)  سورة الحج: 72.

(3)  سورة الزمر: 45.

(4)  سورة التوبة: 127.

(1)  سورة الأعراف: 146.

(2)  سورة الجاثية: 7-8.

(3)  سورة المدثر: 23-25.

(1)  سورة الزخرف: 52-53.

(2)  سورة الزخرف: 31.

(3)  سورة التغابن: 6.

(4)  سورة الفرقان: 7.

(5)  سورة هود: 27.

(6)  سورة الأحقاف: 11.

(7)  سورة سبأ: 34.

(8)  سورة الأنعام: 123.

(1)  سورة النساء: 65.

(2)  سورة المؤمن: 56.

(3)  سورة سبأ: 5.

(4)  سورة المؤمن: 35.

(5)  سورة الأنعام: 112.

(6)  سورة الأنعام: 93.

(1)  سورة بني إسرائيل: 45-46.

(2)  سورة النحل: 104.

(3)  سورة النحل: 22.

(4)  سورة النجم: 29-30.

(5)  سورة يونس: 7.

(6)  سورة النمل: 66.

(7)  سورة الروم: 7.

(8)  سورة آل عمران: 7.

(1)  سورة الرعد: 27.

(2)  سورة الشورى: 13.

(3)  سورة الرعد: 11.

(4)  سورة التغابن:6.

(5)  سورة فاطر: 15.

(6)  سورة يونس: 42.

(7)  سورة يونس: 43.

(8)  سورة النمل: 80-81.

(1)  سورة الزمر: 17-18.

(2)  سورة ق: 45.

(3)  سورة ياسين: 11.

(4)  سورة الأعلى: 10.

(5)  سورة الزمر: 22.

(1)  انظر للتفصيل في الموضوع ((بين الدين والمدينة)) للمؤلف.

(2)  الغيب: ما غاب عن الحس والعقل غيبة كاملة بحيث لا يدرك بواحد منهما بطريق البداهة.

(3)  سورة البقرة: 2-3.

(4)  سورة البقرة: 26.

(1)  سورة الأنعام: 125.

(2)  سورة الفرقان: 73.

(3)  سورة محمد: 24.

(4)  سورة النساء: 82.

(5)  سورة العنكبوت. 69.

(1)  سورة الحشر: 23.

(2)  سورة الحشر: 21.

(3)  سورة عبس: 13-16.

(3)     سورة الواقعة: 77-79.

(4)       يقول العلامة شبير أحمد العثماني في حواشيه على القرآن الكريم: (لا يمسه إلا المطهرون) بمعنى خبر، يعني أن أصحاب القلوب الطاهرة والأخلاق الزكية هم الذين يتوصلون إلى علومه وحقائقه، أو بمعنى أمر، يعني أنه لا يجوز أن يمسه إلا طاهر متوضئ كما ثبت ذلك بالأحاديث النبوية – صلى الله على صاحبها وسلم – انتهى.

ويقول الإمام الحافظ ابن كثير: ((ولفظ الآية الخبر ومعناها الطلب، قالوا والمراد بالقرآن ههنا المصحف ثم نقل رواية من الموطأ وهي من مراسيل أبي داؤد أيضا، إن النبي الكريم – صلى الله عليه وسلم – قال : ((لا يمس القرآن إلا طاهر)) وقد قواه ابن كثير وإن كان في أكثر الأحاديث في هذا الموضوع نظر، إلا أن مجموعها يثبت أن له أصلا ثابتا، وأن الاحتجاج به صحيح.

(7)  سورة الأنفال: 2.

(1) سورة الزمر: 23.

(2)  سورة البقرة: 121.

(3)  يرجع إلى كتاب ((فضائل القرآن)) للإمام عماد الدين إسماعيل ابن كثير الدمشقي صاحب التفسير المنشور.

(4)  يرجع للقصص المؤثرة المشوقة المثيرة للوجدان في هذا الباب إلى الكتب التالية: كتاب ((قيام الليل)) لمحمد بن نصر المروزي، وكتاب ((صفة الصفوة)) لابن الجوزي، و ((إحياء علوم الدين)) للإمام الغزالي، و ((حلية الأولياء)) لأبي نعيم الأصفهاني.

(1)  حديث متفق عليه.

(2)  رواه الإمام أحمد عن أبي ذر – رضي الله عنه – في مسنده.

(2)     الاستيعاب، لابن عبد البر: ج/2، ص/448، طبعة حيدرآباد عام 1319هـ.

(2)  حياة الصحابة، للشيخ محمد يوسف الكاندهلوي: ج/4، ص/23-24، طبع دمشق.

(3)  نقلا عن ((إزالة الخفاء)): ج/2 ، ص/228.

(4)  انظر ((الاستيعاب)): ج/2، ص/477، طبع حيدرآباد.

(2)     هذه الروايات كلها مقتبسة من كتاب ((قيام الليل)) لمحمد ابن نصر المروزي: ص/59-60، طبع لاهور، عام 1320هـ.

(2)  انظر ((الخيرات الحسان في مناقب أبي حنيفة النعمان)) للشيخ أحمد بن حجر الهيثمي المكي.

(1)   النوادر السلطانية للقاضي بهاء الدين ابن شداد: ص/252.

(2)  انظر ((رجال الفكر والدعوة)) : ج/2، ص/ 111-114.

(3)  تاريخ دعوت وعزيمت: ج/3 ، ص/ 123-122، نقلا من ((فوائد الفؤاد)): ص/249، و((سير الأولياء)): ص/200.

(1)  المصدر السابق: ص/232 نقلا من ((وفات نامه)) للشيخ زين بدر العربي.

(2)  حياة الإمام السرهندي ((رجال الفكر والدعوة: ج/4)) نقلا من ((زيد المعارف)).

 

 

(1)  هذا الذي ذكر هنا يتعلق بأوساط الناس من القارئين.

 


 

      

 H E R A A
FOR RESEARCH, PUBLISHING & DISTRIBUTING
Thikana, 504/30A, Taigor Marg, Nadwa Road
Lucknow 226020, India

Email: heraa@nadwi.net.in

ربيع الأول 13, 1426

 


عنوان الموقع الرسمي لندوة العلماء بالهند Nadwatul Ulama`s  Website

http://nadwatululama.org

عنوان البريد الإلكتروني لندوة العلماء E-mail address

nadwa@sancharnet.in

عنزان البريد الإلكتروني الخاص برئيس ندوة العلماء E-mail address of Nazim Nadwatul Ulama

nadwi@nadwi..net.in