بسم الله الرحمن الرحيم

أضواء

 على الحركات والدّعوات الدّينيّة والإصلاحيّة

ومدارسها الفكرية ومراكزها التّعليمية والتّربويّة في الهند

ودورها ونجاحها

في إصلاح العقيدة ومحاربة الجاهلية والخرافية والدّعوة

إلى الدّين الحنيف الخالص والانتفاضة الإسلاميّة

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدّمة

الحمد لله وحده والصّلاة والسّلام على من لا نبي بعد .

أمّا بعد ! فقد أثيرت حديثاً تساؤلات عن بعض الحركات والدّعوات الدّينيّة الشّعبية الواسعة النّطاق وقويّة النّفوذ في الشّعب الهندي وعن مدارسها الفكرية والتّعليميّة والتّربويّة التي مثلت دوراً رائعاً وحسّاساً في المحافظة على العلوم الشّرعيّة الأصليّة وتعليمها ونشرها ، وفي تحقيق الانتفاضة الإسلاميّة في شبه القارة الهنديّة وكانت محاولة إثارة تشكيكات في عقيدتها ومنهجها والتزامها لمتابعة مصادر الدّين الصّحيح والعقيدة الإسلاميّة الشّرعيّة الأصيلة .

وذلك كلّه عن طريق دعايات ، وانتقادات وتخرّصات ، لتحقيق مصالح جماعيّة وإفراد العناية بمؤسّسات ومراكز تعليميّة خاصّة باتّجاه خاصّ ومشرب خاصّ .

وقد نشأ بذلك سوء تفاهم أو سوء ظنّ بمراكز ونشطات للدّعوة الإسلاميّة العميقة النّفوذ الواسعة الأرجاء ، ومدارس ومراكز تعليميّة تربويّة ذات نتائج باهرة في التّمسّك بالدّين الصّحيح والمحافظة والغيرة عليه ، وتمسّك الأجيال الثّقافية بالتّعليم الإسلامي الأساسي ، والمحافظة على تراثها الدّيني ومزاياها الإسلاميّة ، وفي تحرير البلاد من الحكم الأجنبي ، والدّفاع عن شخصيّتها وحضارتها الإسلاميّة وقانون الأحوال الشّخصيّة للمسلمين ، وغير ذلك .

وقد رأى كاتب هذه الرّسالة من الواجبات عليه أن يقدّم تعريفاً موجزاً في ضوء التّاريخ الصّحيح المحايد ، بهذه الدّعوات والحركات ، ومراكزها ومدارسها الفكريّة ، وإنتاجها وآثارها حتى يكون القرّاء ، وخاصّة إخواننا العرب والمسلمون في خارج الهند ، على بيّنة من الأمر ، وفي ضوء معلومات صحيحة وحقائق تاريخيّة ، ومنجزات ومآثر مشهودة شائعة ، حتى يمكنهم ويسهل عليهم الحكم والقضاء في هذه القضيّة المثارة المفخَّمة تفخيماً زائداً يحوّل المسلمين خصوصاً في بلاد بعيدة عن مراكز الإسلام هدفاً لهجمات ومؤامرات تريد إبادة العنصر الإسلامي الثّقافيّة واللّغويّة والحضاريّة ، ثم الدّينيّة الإسلاميّة ، وتحويل البلاد إلى أسبانيا الثّانية ، لا قدّر الله ذلك ، ويكون ردّ فعلهم ضدّ هذه الدّعايات في ضوء الآية القرآنيّة والتّعليم القرآني .

] †WنQSTےKV†H;TTWTے fغTےY،PVض@… N…éSقWع…ƒٍ N…éSTكéRز fûkYع.QWéWTخ YمPVصYض ƒٍ:…WںWنS® $Y¸َ©Yح<ض@†YTٹ ‚WپWè َطS|QWTقWعX£`ًmïm– Sـ†WLTTTWقW® ]zَéTWخ uvّVصWئ ‚PVپKV… &N…éSTضYں`إWTژ N…éSTضYں`ئ@… WéSه S‡W£pTTخKV… $uüWépTحPVچصYض N…éSحPVTژ@…Wè &JًW/@… UfûMX… JًW/@… =S¤kY‰W‍ †WظYTٹ fûéSTصWظ`إWTژ [ [سورة المائدة ، الآية : 8]

أبو الحسن علي الحسني النّدوي

 

بسم الله الرّحمن الرّحيم

دون الجاهلية العقائديّة في بعض الأقطار الإسلاميّة بتأثير مواطنيها الأصليّين القدماء . ومقاومتها من العلماء الرّاسخين والمصلحين الكبار :

الهند – كما يعرف المطّلع على التّاريخ القديم – من أعرق بلاد الله في الوثنيّة ، فهي فيما قديمة وأصيلة ، إذا كانت في كثير من البلاد جديدة ودخيلة ، وقد عجنت فلسفتها ، وحضارتها ، وآدابها ، وعلم الفك والعلوم الرّياضيّة والتّقويم ،- فضلاً عن الدّيانات – بهذه الوثنيّة ، فهي أرض الآلهة والإلهات ، وأرض الأساطير والرّوايات ، وأرض الأعياد والمواسم ، والمهرجانات والمآتم ، تذكارًا لحوادث تاريخيّة دينيّة ، وأبطال قوميّة خرافيّة ، أثّر كلّ ذلك في حياة المسلمين وعاداتهم تأثيرًا عميقًا ، وغمّ عليهم الأمر على مدى الأيّام ، والتبس الحقّ بالباطل بتهاون السّلاطين والحكّام ، وقلة انتشار علم الحديث ، وكتب السّنّة الصّحيحة ، ورواجها في العهود الأولى ، وشدّة اختلاط المسلمين بجيرانهم في كلّ مدينة وقرية ، وحيّ وزقاق .

حتى قيّض الله للصدع بالدّعوة ، وتمييز الحقّ من الباطل ، والقشور من اللّباب ، رجالاً من علماء الدّين ، والدّعاة المرشدين ، كان في مقدّمتهم الإمام الشّيخ أحمد ابن عبد الأحد العمري السّرهندي ، وخلفاؤه ، وبعده حكيم الإسلام الشّيخ أحمد بن عبد الرّحيم الدّهلوي المعروف بالشّيخ ولي الله الدّهلوي ، وأسرته ، ومن تتلمذ عليهما من الفقهاء والمحدّثين ، والعلماء الرّاسخين .

وليس الأمر مقصوراً على الهند التي بعدت عن مهد الإسلام ومهبط الوحي ، ودخلها الإسلام عن طريق بلاد العجم ، وقد فقد الشّيء الكثير من قوّته وجِدَته ، بل تبلبلت العقيدة الإسلاميّة واختلطت بشيء كثير من البدع والضّلالات في العواصم الإسلاميّة ، وبلاد العرب ، في القرن السّابع والثّامن الهجريين ، بتأثير الشّعوب غير العربيّة التي دخلت في الإسلام جديدة ، وحملت معها رواسب كثيرة من دياناتها وعاداتها ، واختلاط المسلمين من غير المسلمين والعجم ، ونفوذ الحكومة الباطنيّة والإسماعيليّة في مصر ، والشّام ، وتأثيرهما ، وانتشار تعليمات بعض المتصوّفين الجهلة ، ومن قرأ كتابي شيخ الإسلام ابن تيمية « الرّدّ على البكري » و « الرّدّ على الأخنائي » عرف الشّيء الكثير من غلو الجهّال في الأئمة والمشايخ ، والأولياء والصّالحين ، واعتقاداتهم الفاسدة ، وعاداتهم الجاهليّة ، ولا يزال لهذا الغلو والتّعظيم بغير ما أمر الله به ، وشرع ما لم يأذن به الله ، آثار باقية في بلاد المسلمين والعرب ، تستوجب دعوة قويّة صريحة ، حكيمة بليغة .

الإمام الشّيخ أحمد بن عبد الأحد العمري السّرهندي:

كان الإمام الرّبّاني الشّيخ أحمد بن عبد الأحد العمري السّرهندي (971-1034م) شديد الإنكار على البدع والخرافات التي أصبحت تشريعًا إزاء تشريع ، وتفنيدها ، وعدم الاعتراف بوجود « البدعة الحسنة » وتثبيت أقدام الإسلام المتزلزلة في الهند ، وإزالة آثار الكفر ومعالم الضّلال ، التي خلّفها عهد أكبر المظلم ، والمحاولة الجادّة الحكيمة النّاجحة لثروة دينيّة تجديديّة ، وتغيير جذري عظيم ، كان من نتاجهما السّلطان محي الدّين أورند زيب عالمكَير سلطان الهند وصاحب الأمر والنّهي فيها عمليّا وتشريعيًا وإداريًا .

إنّه حقّق الفرق بين البدعة والسّنّة ، وأقيسة المجتهدين واستحسانات المتأخّرين ، والتّعارف عن القرون المشهود لها بالخير ، وما أحدثه النّاس في القرون المتأخّرة ، وتعارفوه فيما بينهم ، فردّ بذلك مسائل استحسانها المتأخّرون من فقهاء مذهبه ، ومنها أنّه كان يأمر بما يراه معروفًا وينهي عن ضدّه ، ولا يخشى في الله لومة لائم ولا يخاف من ذي سطوة في سلطانه ، فكان ينكر على الأمراء ويرشدهم إلى مراشد دينهم ، وينفرهم من صحبة الرّوافض ومن شاكلهم من أعداء الدّين ، ويبذل لهم نصحه ، فنفع الله كثيراً منهم بذلك ، وصلحت بصلاحهم الرّعيّة ، فسدّ الله ثلمة ظاهر الدّين كما رفع به خرق باطنه().

يدلّ على مدى غيرته على العقائد الإسلاميّة ، وحميّته الدّينيّة ، ما كتبه إلى عالم معاصر ، حكى في رسالته من كلام الشّيخ عبد الكبير اليمني ، ما يخالف العقيدة الإسلاميّة ، وهو « إنّ الله يعلم الغيب ويحيط علمه بالكلّيّات دون الجزئيّات » قال في الرّدّ عليه :

« - يا أخي إنّني لا أستطيع سماع مثل هذه الكلمات ، إن عرقي الفاروقي ينبض ويتحرّك ، كان قائلها عبد الكبير اليمني أو محي الدّين ابن عربي ، إنّ إمامنا ورائدنا هو محمّد العربي - r - لا محي الدّين ابن عربي ، إن الفتوحات المدنيّة أغنتنا عن الفتوحات المكّيّة ، إنّ لنا شأنا مع النّصوص لا الفصوص »().

الإمام ولي الله الدّهلوي رحمه الله -:

وقام الشّيخ أحمد بن عبد الرّحيم الدّهلوي (1114-1176ه‍) المشهور بالشّيخ ولي الله بعمليّة التّجديد والإصلاح ، وهو أحد حكماء الإسلام ونوابغه وكبار المفكّرين الإسلاميّين ، من طراز الإمام الغزالي وشيخ الإسلام ابن تيمية ، وقد لاحظ خمس نقط في حياة الشّعب الهندي .

خطّته في الإصلاح :

1 - إن كثيراً من المسلمين قصّروا في فهم التّوحيد الإسلام وأحاطت بعقيدتهم غيوم من الجهالات والظّنون الفاسدة والعادات الجاهليّة ، فلا بدّ من إبراز هذا « التّوحيد » في نقائه ووضوحه ، وشرح ما كان عليه أهل الجاهليّة من اعتقاد في الله حتى يظهر الفرق بين عقيدتهم وبين ما جاء به الإسلام .

2 - يجب أن يكون للشّعب اتّصال مباشر بالكتاب والسّنّة ، وقد حال العلماء بينه وبين دراسة القرآن وفهمه ، بعلّة تعذّر فهمه للعامّة ، وخوف انحلال سلطتهم الرّوحيّة وسيادتهم العلميّة ، فلم يترجموا ألفاظ القرآن إلى لغة البلاد ولم ينشروا كتب الحديث ، فلا بدّ إذن من نقل معاني القرآن وأحكامه إلى لغة البلاد ، والإقبال على كتب السّنّة وحديث رسول الله - r -.

3 - ثقافة علماء الهند ضعيفة ضئيلة في العلوم الدّينيّة ، وبضاعتهم مزجاة في الحديث خصوصًا ، فلا بدّ من نشر علم الحديث ، فدرس الصّحاح والموطّأ ، وأقبل على دراسة هذه الكتب حتى أصبحت للهند مكانة مرموقة في العالم الإسلامي في خدمة الحديث بفضل جهود هذا البيت العظيم ومؤسّسته .

4 - لاحظ أنّ العالم الإسلامي سوف يستقبل عصرًا عقليًا ، وثورة فكريّة ، فلا بدّ من شرح نظام الخلافة في الإسلام ، وأساليب الإسلام وأسسه في تنظيم الحياة والمجتمع ، فألّف كتبًا لا تزال فريدة في مكتبة الإسلام العامرة ، ( حجّة الله البالغة ) و ( إزالة الخفاء في خلافة الخلفاء ).

5 - لاحظ أنّه لا أمل في نهضة الأسرة الملكيّة الهنديّة ، وتجديد شباب الدّولة التّيموريّة ، لأنّه – كما قال ابن خلدون -:

« إذا نزل الهرم بدولة لا يرتفع » فلا فائدة في بذل القوّة لإصلاحها وتقويتها ، ولا بدّ من إعداد جماعة تُحدِث انقلابًا إسلاميًا ، وتؤسّس دولة إسلاميّة جديدة على أساس ديني علمي جديد .

نجاحه في عمله :

قام الشّيخ ولي الله وأصحابه بمهمّة هذا التّجديد الإسلامي ، خير قيام ، فنشروا العلم الصّحيح ، وأذاعوا مصادر الدّين الأولى ، وألّفوا كتبًا دسمةً قويّةً مبتكرً ، تمهّد العقول والنّفوس لإحداث انقلاب إسلامي وإنشاء دولة إسلاميّة ، وخرّج تلاميذ ورجالاً يقومون بهذه المهمّة ، وقام بعده نجله الأكبر سراج الهند الشّيخ عبد العزيز الدّهلوي (م 1239ه‍) فدرّس وألّف ، وخرّج وخلّف التّلاميذ الكبار والعلماء الفحول ، نشروا علم الحديث ، وشمّروا عن ساق الجد ، في نصر الدّين ، ومحاربة البدع ، والدّعوة إلى الكتاب والسّنّة ، وتزكية النّفوس ، حتى نفقت سوق الحديث وقامت دولة العلم ، واستعدّت النّفوس للنّصر المؤزّر للدّين .

لم يقتصر الإمام الدّهلوي على هذه الخطابات الخاصّة لهذه الطّبقات الخاصّة من النّاس ، بل شدّد النّكير على تلك الطّقوس والتّقاليد الهندوكيّة ، والبدع والشّعائر غير الإسلاميّة التي تسرّبت إلى المجتمع المسلم وشاعت فيه بسبب الاختلاط الطّويل بالهنادك ، ومواطنتهم بعدّة قرون ، وعدم الاهتمام بالسّنّة المشرّفة والحديث الشّريف ، وغفلة العلماء وتقصيرهم ، وعدم شعور الحكومة المسلمة بمسئوليّتها وفقدان الحسّيّة الدّينيّة ، فالتزم بها المسلمون إلتزامًا شديدًا .

شنّع الشّيخ عبد العزيز الدّهلوي على تلك المعتقدات الباطلة والأوهام والخرافات الجاهليّة ، وتقليد غير المسلمين وأتباعهم وعابه عليه ، وقد كان عامّة العلماء المشتغلين بالعلوم العقليّة والفنون الحكميّة لا يعيرون لهذه العادات والتّقاليد الجاهليّة بالاً ويرونها هيّنة خفيفة ، أو يتغاضون عنها فرارًا من الوقوع في المشاكل ومعارضة الجماهير .

 

الإمام أحمد بن عرفان الشّهيد – رحمه الله –  ورفقته ، وتأثيرهم في الحياة :

وفي الرّبع الأوّل من القرن الثّالث عشر الهجري ، قام السّيّد الإمام أحمد بن عرفان الشّهيد (1201-1246ه‍) الذي تخرّج على الشّيخ عبد العزيز ومعه الشّيخ محمد إسماعيل بن عبد الغني بن الشّيخ ولي الله الدّهلوي فدعا النّاس إلى الدّين الخالص والتّوحيد واتّباع السّنّة ، وحارب الشّرك والجاهليّة والبدع محاربة سافرة شديدة ، وبثّ في الشّعب روحًا دينيّةً قويّةً لم تعد من قرون متطاولة ، ودعا النّاس إلى الإيمان والإحسان والتّقوى ، والجهاد في سبيل الله ، وقام بجولات واسعة في الهند ، تاب في خلالها ألوف من المسلمين ، وأقفرت الحانات ، وغصّت المساجد ، وكسدت سوق البدع ، والتفّ حوله المخلصون ، والعلماء الرّبّانيّون ، وخرج للحجّ عام 1226ه‍ ومعه أكثر من سبع مائة رجل ، وتشرّف بالبيعة والتّوبة مئات ألوف من المسلمين في هذا السّفر ، وكان النّاس يقصدونه من كلّ صقع ويدخلون في الخير أفواجًا ، حتى لم يحرم ذلك المرضى في المستشفى ، وكان النّاس يتساقطون عليه كالفراش ، وأسلم عدد كبير من الكفّار ، وكان من تأثير مواعظه ودخول النّاس في الدّين وانقيادهم للشّرع أن وقفت تجارة الخمر في كلكتا وهي كبرى مدن الهند ومركز الإنجليز وأقفرت الحانات ، واعتذر الخمّارون عن دفع ضرائب الحكومة لكساد السّوق ، وتعطّلت تجارة الخمر .

وتدلّ الإحصاءات الدّقيقة الأمينة للمنتفعين بهذه الدّعوة ، والتّيّار الدّيني القوي العاصف ، على قوّة تأثير الإمام أحمد بن عرفان الشّهيد رحمه الله -، واتّساع نطاق من انتفع به ، وتغيّرت حياته ، عقائديًا وعمليًا ، وخلقيًا ، فقد تحقّق أنّ من بايع وتاب على يده ، يبلغ عددهم إلى ثلاثة ملايين شخصًا ، ومن أسلم على يده من الوثنيين وغير المسلمين ، يبلغ عددهم إلى أربعين ألفًا 40.000 .

الشّيخ إسماعيل الشّهيد رحمه الله -:

أمَّاالشّيخ إسماعيل الشّهيد ، فقال الشّيخ محسن بن يحيى التّرهتي في « اليانع الجنى »:

« - إنّه كان أشدهم في دين الله ، واحفظهم للسّنّة ، يغضب لها ، ويندب إليها ، ويشنع على البدع وأهلها ».

وقال العلاّمة صدّيق بن حسن القنوجي (م1207ه‍) في « الحطّة بذكر الصّحاح السّتّة » في ذكر الشّيخ ولي الله بن عبد الرّحيم الدّهلوي .

إنّ ابن ابنه المولوي محمّد إسماعيل الشّهيد – رحمه الله – اقتفى أثر جدّه في قوله وفعله جميعًا ، وتمَّم ما ابتدأه جدّه ، وأدّى ما كان عليه ، وبقي ما كان له ، والله تعالى مجازيه على صوالح الأعمال ، وقواطع الأقوال ، وصحاح الأحوال ، ولم يكن ليخترع طريقًا جديدًا في الإسلام ، كما يزعم الجهّال ، وقد قال الله تعالى :

 

 

[سورة آل عمران ، الآية : 78] وهو رحمه الله تعالى أحيا كثيرًا من السّنن التي ماتت ، وأمات عظيمًا من الإشراك والمُحدثات ، حتى نال درجة الشّهادة العليا ، وفاز من بين أقرانه بالقدح المعلّى ، وبلغ منتهى أمله ، وأقصى أجله .

أمّا كتاب « تقوية الإيمان » فإنّه كتاب أصبح شعارًا وعلمًا للدّعوة إلى التّوحيد ، وبيان الحقّ الصّريح ، وقد نفع الله به خلائق في شبه القارّة الهنديّة لا يحصيهم إلا ممن أحصى رمل عالج وحصى البطحاء ، وقد بلغ عددهم إلى ملايين من غير شك .

وقد صدر هذا الكتاب عن قلب جريح يتقطّع بمشاهدة ما كان عليه المسلمون في ذلك اليوم من بُعد من التّعاليم الإسلاميّة ، وخضوع للوثنيّة الهنديّة ، وتمسّك بالعادات الجاهليّة ، وقد زاد في تأثيره وقبوله ، دموع عين باكية على الإسلام ودم زكي أريق في سبيل إحياء هذا الدّين ، وإزالته من الجاهليّة ، وتأسيس حكومة شرعيّة تقوم على منهاج الكتاب والسّنّة ، ويكون الدّين كلّه لله .

وقد قرن – رحمه الله – الدّعاء بالدّعوة ، والجهد بالجهاد والشّهادة للحقّ بالشّهادة ي الحقّ ، وذلك لباب التّوحيد ، وغاية الإخلاص ، وكمال الصّدق ، وتمام الوفاء ، وصدق الله العظيم :

 

 

[سورة الأحزاب ، الآية : 23].

فكان لكتابه من القبول والتّأثير ، والذّيوع والانتشار ، ما لا يكون إلا لكتابات كبار المخلصين ، والعلماء العاملين ، والدّعاة المجدّدين .

وسرّ قوّة الكتاب صراحته وتشخيصه للأدواء ، ومظاهر الشّرك ، ومواضع الإنزلاق ، وأنّه يضرب على الوتر الحسّاس ، ويصيب ضعف الاعتقاد ، وما فتن به المسلمون في العهد الأخير من الغلو والتّقديس والتّعظيم ، وتقليد الأمم الوثنيّة ، والعادات الجاهليّة ، في صميمه ، وقد اعتاد النّاس أن لا يفزعوا للمواعظ والخطب التي تُلقى على المنابر ، أو البحوث العلميّة التي تتناول موضوع التّوحيد والشّرك بصفة إجماليّة عامّة ، إذا لم تتعرّض للأمراض التي يعانونها ، والأخطاء التي يرتكبونها ، والعادات التي لا يمكنهم الفطام عنها ، وللأشخاص والأماكن والشّعائر التي يغلون فيها ، فيتجاهلون كلّ ذلك ، ويتظاهرون بأنّ الواعظ أو الكاتب لا يعنيهم ، وإنّما يعني المشركين القدامى ، وعبّاد الأوثان في الجاهليّة الأولى ، أمّا إذا تعرّض هذا الكاتب أو الواعظ لواقع حياتهم ، ووضع يده على عللهم وأسقامهم ، وحدّد مواضع فتنتهم ، لم يسعهم أن يتغافلوا عنه ، فأعلنوا الحرب عليه ، ونادوا بعدائه ، وهذا شأن الدّاعي المخلص الذي ملكته الفكرة ، واستحوذ عليه الشّعور ، وتذوّق القرآن ومنهج الأنبياء في دعوتهم تذوّقًا حقيقيًا ، فإنّه القرآن ، ويُرضي ربّه ، ويُريح ضميره ، ويُبرئ ذمّته().

مدرستان للدّاعين إلى الكتاب

والسّنّة والعاملين بالحديث :

ونشطت حركة نشر الحديث والدّعوة إلى الكتاب والسّنّة ونبذ البدع والخرافات ، بعد ما قام تلاميذ الإمام ولي الله الدّهلوي وأنجاله وأحفاده ، بتدريس كتب الحديث ومعادات البدع والعادات الجاهليّة المحلّيّة ، وقام السّيّد الإمام أحمد بن عرفان الشّهيد – رحمه الله -، والعلامة محمّد إسماعيل الشّهيد – رحمه الله -، بالدّعوة إلى الدّين الخالص ، والعقيدة الصّحيحة السّنّيّة ، والرّجوع إلى ما كان عليه السّلف الصّالح والقرون المشهود لها بالخير ، ونشطت العقول وتحرّكت الهمم ، وكثر الدّعاة إلى الدّين والمكافحون للفساد ، وكَثُر المعتنون بعلوم الكتاب والسّنة ، والمؤّلفون في المقاصد الدّينيّة ، في اللّغة الأرديّة الشّعبيّة في أسلوب سهل واضح .

ونشأت من هذه الحركة التّعليميّة الدّعويّة مدرستان للحديث والسّنّة ، إحداهما : مدرسة « صادق فور() السّلفيّة » رائدها العلاّمة ولايت علي العظيم آبادي من كبار خلفاء السّيّد الشّهيد ، وأحد العلماء الرّبانيّين في الهند في العهد الأخير .

والثّانية : مدرسة العلاّمة السّيد نذير حسين الدّهلوي (م 1320ه‍).

يقول العلاّمة السّيّد عبد الحي الحسني – رحمه الله – وقد حضر دروسه ، وأجازه الشّيخ في الحديث .

« رزقه الله سبحانه عمرًا طويلاً ونفع بعلومه خلقًا كثيرًا من أهل العرب والعجم ، انتهت إليه رئاسة الحديث في بلاد الهند ، وكان آية ظاهرة ونعمة باهرة من الله سبحانه ، في التّقوى والدّيانة ، والزّهد والعلم والعمل ، والقناعة والعفاف والتّوكّل والاستغناء عن النّاس ، والصّدق وقول الحقّ ، والخشية من الله سبحانه والمحبّة له ولرسوله - r -، وكان شديد الإنكار على ما خالفه من المذاهب ، مداعبًا مزّاحًا ، متواضعًا حليمًا ذا جرأة ونجدة().

مراكز الدّعوة والتّربية الهادئة

المنشئة للدّعاة والعلماء المصلحين :

هذا وقد نشط دعاة البدع والخرافات ، والمحترفون الذين انتشروا في القرى والمدن يدعون إلى رسوم الجاهليّة والمحدثات ، ويأكلون أموال النّاس بالباطل ويصدّون عن سبيل الله ، ويضلّلون العلماء الأخيار ويكفّرونهم .

خاف علماء الحقّ على الدّين وعلى علوم الدّين ، وخافوا على مستقبل الإسلام في بلاد الهند بعد زوال دولته وحلول دولة الكفّار ، ورأوا أنّهم لا تنجدهم دولة ، ولا تحميهم قوّة ، ولا يملكون أموالاً ينفقونها ، ولا مناصب ووظائف يجذبون إليها ، وإنّما هم مستضعفون في الأرض ، فقراء ، ثروتهم العلم ، ورأس مالهم الدّين وزادهم التّوكّل ، وسلاحهم الإخلاص ، فقاموا وقالوا نبني معقلاً للدّين تأوي إليه الشّريعة الإسلاميّة ، وتلجأ إليها العلوم الدّينيّة .

معهد ديوبند ومدرسة

مظاهر العلوم وخدمتهما للدّين :

ولم ير العلماء أمامهم طريقًا إلا فتح المدارس العربيّة والمعاهد الدّينيّة ، فأنشئوا هذه المعاقل ليحتفظوا ببقايا الحياة الإسلاميّة ، وليكافحوا تيّار الغرب المدني والثّقافي ، ويخرّجوا منها دُعاة الإسلام والوعّاظ والمرشدين وعلماء الدّين ، ليحفظوا على المسلمين دينهم ، ويعيدوا الثّقة إلى نفوسهم ، فأسّس الشّيخ محمّد قاسم النّانوتوي (م 1297ه‍) «مدرسة ديوبند» سنة 1282ه‍ ، وأسّس الشّيخ سعادة علي مدرسة « مظاهر العلوم » في سهارنفور في نفس ذلك العام .

ثم تواترت المدارس الدّينيّة في أنحاء الهند ، وقد كان لهذه المدارس فضل كبير في نشر الدّين والدّعوة الإسلاميّة ، وفي نشر الثّقافة في طبقات الشّعب ، ومحاربة البدع والخرافات ، وبثّ الرّوح الدّينيّة في الجماهير ، وقد نجحت هذه المدارس في رسالتها الدّينيّة نجاحًا باهرًا ، وكان للمتخرّجين من دار العلوم تأثير كبير في حياة المسلمين الدّينيّة في الهند ، وفضل كبير في محو البدع وإزالة المحدثات ، وإصلاح العقيدة والدّعوة إلى الدّين ، واتّباع السّنّة ، ومناظرة أهل الضّلال والرّدّ عليهم ، وكانت لبعضهم مواقف محمودة في السّياسة والدّفاع عن الوطن ، وكلمة حقّ عند سلطان جائر .

ومدرسة ديوبند تلتزم منهج الدّرس النّظامي في التّعليم بتعديل يسير ، وهو منهج ينتمي إلى العلاّمة نظام الدّين الأنصاري الفرنكي محلي (م 1161ه‍) يلتزم تدريس الفلسفة والمنطق ، وأصول الفقه وعلم الكلام ، ويُعنى به عناية خاصّة ، هذا مع عناية زائدة في دار العلوم ديوبند بتدريس الحديث الشّريف مع أدب واحترام ، ودراسة مقارنة ، ومحاكمة استدلاليّة ، وإثبات المذهب الحنفي وترجيحه .

وقد ظهرت لدار العلوم ميزة خاصّة ، وهي العناية بتدريس الحديث الشّريف بتعمّق واهتمام زائد لذلك لمّا زار العلاّمة السّيّد رشيد رضا صاحب مجلّة « المنار » الغرّاء ، الصّادرة من القاهرة ، ( وهو تلميذ العلاّمة الشّيخ محمّد عبده المصري ) دار العلوم ديوبند()، وحضر درس العلاّمة السّيد أنور شاه الكشميري شيخ الحديث بدار العلوم ، قال : « ما رأيت مثل هذا الأستاذ الجليل قط » ولمّا زار دار العلوم واطّلع على حلقات تدريسها، قال : « لولا رأيتها لرجعت من الهند حزينًا ».

وقد قال في تقديمه لكتاب « مفتاح كنوز السّنّة » :

« لولا عناية إخواننا علماء الهند بعلوم الحديث في هذا العصر ، لقضي عليها بالزّوال من أمصار الشّرق ، فقد ضعفت في مصر ، والشّام ، والعراق ، والحجاز منذ القرن العاشر للهجرة ، حتى بلغت منتهى الضّعف في أوائل القرن الرّابع عشر »().

الشّيخ الإمام محمّد قاسم النّانوتوي :

الشّيخ الإمام العالم الكبير محمّد قاسم الصّديقي النّانوتوي أحد العلماء الرّبّانيين ، وُلد بناتوتا سنة ثمان وأربعين ومائتين وألف (1248ه‍)، أخذ الحديث عن الشّيخ عبد الغني بن أبي سعيد الدّهلوي ، ولازمه مدّة ، كان أزهد النّاس وأعبدهم ، وأكثرهم ذكرًا ومراقبةً ، ولمّا ثارت الفتنة العظيمة بالهند سنة ثلاث وسبعين اتّهموه بالبغي والخروج على الحكومة الإنجليزيّة ، فاختفى عن النّاس برهة من الزّمان ، ثم ظهر واشتهر بتأسيس المدرسة الإسلاميّة بديوبند ، وكان له فيه حظّ كبير ومكانة مرموقة ، وله مشاهد عظيمة في المباحثة بالنّصارى والآريّة ، فناظر أحبار النّصارى وعلماء الهنادك غير مرّة ، فغلبهم وأقام الحجّة، وظهر فضله في المناظرة .

له مؤلفات ذات شأن في علم الكلام وفضل الإسلام ، وإثبات بعض عقائده وأحكامه وكتبه ، ورسائله تحتوي على بعض نكت بديعة ، وأفكار طريفة ، واستنباطات لطيفة ، وهو جدير بأن يعتبر من أركان النّهضة التّعليميّة الدّينيّة ، السّنيّة الإصلاحيّة ، على الطّراز القديم().

الشّيخ رشيد أحمد الكَنكَوهي – رحمه الله :

نكتفي هنا بما جاء في كتاب « الإعلام بمن في تاريخ الهند من الأعلام » الذي يمتاز بتحرّي الواقع وكلمة العدل ، والإتزان في التّعريف والتّرجمة .

«- كان الشّيخ العلاّمة رشيد أحمد الكَنكَوهي – رحمه الله – (م 1323ه‍) آية باهرة ونعمة ظاهرة في التّقوى ، واتّباع السّنّة النّبويّة ، والعمل بالعزيمة والاستقامة على الشّريعة، ورفض البدع ومحدثات الأمور ، ومحاربتها بكلّ طريق ، والحرص على نشر السّنّة ، وإعلاء شعائر الإسلام ، والصّدع بالحقّ ، وبيان الحكم الشّرعي ، ثم لا يبالي بما يتقاول فيه النّاس ، لا يقبل تحريفًا ، ولا يتحمّل منكرًا ، ولا يعرف المحاباة والمداهنة في الدّين ، مع ما طبعه الله عليه من التّواضع والرّفق واللّين ، دائرًا مع الحقّ حيث ما دار ، يرجع عن قوله إذا تبيّن له الصّواب ، انتهت إليه الإمامة في العلم والعمل ، ورئاسة تربية المريدين ، وتزكية النّفوس ، والدّعاء إلى الله تعالى ، وإحياء السّنّة وإماتة البدع -».

الشّيخ أشرف علي التّهانوي – رحمه الله -:

ويلحق بهؤلاء الأعلام من المشرفين على مدرسة ديوبند والمنتمين إليها ، المصلح الكبير والمربّي الجليل الشّيخ أشرف علي التّهانوي – رحمه الله -، ننقل ما جاء في كتاب «الإعلام» الجزء الثّامن في ترجمته ، والتّعريف به .

« كان مرجعًا في التّربية والإرشاد ، وإصلاح النّفوس ، وتهذيب الأخلاق ، تُشَدُّ إليه الرّحال ويقصده الرّاغبون في ذلك ، من أقاصي البلاد وأدانيها ، وانتهت إليه الرّئاسة في تربية المريدين وإرشاد الطّالبين والاطّلاع على غوائل النّفوس ومداخل الشّيطان ، ومعالجة الأدواء الباطنيّة والأسقام النّفسيّة .

قد كان من كبار العلماء الرّبانيين الذين نفع الله بمواعظهم ومؤلّفاتهم ، وقد كان نفع كتبه ومجالس وعظه ، عظيمًا في إصلاح العقيدة والعمل ، واستفاد منها ألوف من المسلمين ورفض عدد لا يحصيه إلا الله العادات والتّقاليد الجاهليّة ، والرّسوم والبدع التي دخلت في حياة المسلمين ، وفي بيوتهم وأفراحهم وأحزانهم ، بسبب الاختلاط الطّويل بالكفّار ، وأهل البدع والأهواء ، وقد كان له فضل كبير في تيسير الطّريقة وتقريبها ، وتنقيح الغايات من الوسائل واللباب من القشور والزّوائد ،.. له مصنّفات كثيرة ممتعة ما بين صغير وكبير ، وجزء لطيف ومجلّدات ضخمة ، أحصاها بعض أصحابه وبلغت إلى نحو ثمان مائة (800)، توفّي إلى رحمة الله تعالى لستّ عشرة خلون من رجب سنة اثنتين وستّين وثلاث مائة وألف هجريّة() ».

الشّيخ حسين أحمد المدني – رحمه الله -:

الشّيخ العالم الصّالح المحدّث حسين أحمد بن حبيب الله الفيض آبادي ، ولد في التّاسع عشر من شوّال سنة ستّ وتسعين ومائتين وألف بقرية « بانكَر مئو » من أعمال « أناؤ » وتلقّى مبادئ العلوم في « تاندطه » ثمّ سافر إلى « ديوبند » ومكث سبع سنين ، وقرأ فاتحة الفراغ ، وأخذ الحديث عن العلاّمة محمود حسن الدّيوبندي ، وتفقّه عليه ، ولازمه مدّة طويلة ، ودخل المدينة وأقام هناك على قدم صدق وإخلاص ، وتوكّلٍ وتقشّفٍ ، وسافر إلى الهند ، ثم رجع إلى الحجاز سنة 1320ه‍ ، وتصدّر للتّدريس في مدينة الرّسول -r - محتسبًا متطوعًا ، يدرّس الحديث والتّفسير ، والفقه ، ومكث ثلاث سنوات (1917-1920ه‍) في منفى مالطا مع شيخه الشّيخ محمود حسن رحمه الله تعالى صابرًا محتسبًا .

ولمّا اعتزل الشّيخ العلاّمة أنور شاه الكشميري رحمه الله شياخة الحديث في ديوبند وانتقل إلى « دطابهيل » وقع الاختيار على الشّيخ حسين أحمد رئيسًا للمعلّمين وشيخًا للحديث في دار العلوم ، فاستقلّ بتدريس الحديث ، ورئاسة المدرسة ، فحافظت على شهرتها ومركزها ، وثقة النّاس بها ، وشمّر عن ساق الجدّ والاجتهاد في تدريس الحديث الشّريف ، وفي بثّ روح النّخوة والإباء في المسلمين ، وجمع بين التّدريس والعمل في المجال السّياسي بهمّة نادرة ، وقوّة إرادة ، وصرف همّته إلى تأييد القضيّة الوطنيّة ، وأُلقي القبض عليه لثمان خلون من جمادى الآخرة سنة 1361ه‍ ، وبقي معتقلاً نحو ثلاث سنوات، وهو صابر محتسب ، متحمّل للأذى ، مشتغل بالعبادة والإفادة في السّجن ، حتى جاء الأمر بالإطلاق ، فعاد إلى ما كان عليه من كفاح وجهاد ، وتعليم وإرشاد ، وخدمة للبلاد والعباد ، وأعلن التّقسيم سنة 1947م، فانجرت الحروب الطّائفية ، ووقعت المذابح العظيمة في مدن الهند وقراها ، وأصبحت المراكز الديّنيّة والثّقافيّة في الهند في خطر وزوال ، فانقلب الشّيخ واعظًا دينيًا ، يثير في المسلمين الإيمان والثّقة بالله ، والاعتزاز بالدّين ، فقوّت مواعظه ، وجولاته القلوب المنخلعة ، وأرسخت الأقدام المتزلزلة ، وبقيت المراكز الثّقافيّة والدّينيّة على حياتها الأولى ، وبدأ المسلمون يزاولون حياتهم ونشاطهم باعتدال وثقة .

واعتزل الشّيخ السّياسة العمليّة بعد استقلال البلاد ، وعكف على الدّرس والإفادة ، والدّعوة إلى الله ، وتربية النّفوس ، لا يتّصل بالحكومة ورجالها ، وقد رفض رتبة فخريّة عرضها عليه رئيس الجمهوريّة ، وبقي يدرّس الحديث الشّريف ، ويتجوّل في الهند يدعو المسلمين إلى التّمسّك بالدّين ، واتّباع الشّريعة الغرّاء ، واقتفاء السّنن النّبويّة ، وإصلاح الحال ، والإكثار من ذكر الله ، حتى وافاه الأجل في الثّالث عشر من جمادى الأولى سنة 1377ه‍ ، وكان في آخر عمره غلبت عليه الحميّة الدّينيّة ، والغيرة للشّرع ، والسّنّة النّبويّة، فكان لا يتحمّل تفريطًا فيها ، يشدّد الإنكار على من خالف السّنّة ، أو استخفّ بشعائر الإسلام().

الشّيخ العلاّمة خليل أحمد السّهارنفوري :

الشّيخ الكبير خليل أحمد الأنبيتهوي السّهارنفوري الشيّخ العالم الفقيه ، المحدّث خليل أحمد بن مجيد علي الأنصاري ، أحد العلماء الصّالحين وكبار الفقهاء المحدّثين .

ولد سنة تسع وستّين ومائتين وألف (1269ه‍)، وقرأ العلم على خاله الشّيخ يعقوب بن مملوك العلي النّانوتوي ، والشّيخ مظهر النّانوتوي وعلى غيرهم من العلماء في المدرسة العربية بديوبند ، وفي « مظاهر العلوم » بسهارنفور ، ودرّس العلوم الأدبيّة على الشّيخ فيض الحسن السّهارنفوري في لاهور ، وعُيّن أستاذًا في « مظاهر العلوم »، واختير أستاذًا في دار العلوم بديوبند سنة ثمان وثلاثمائة وألف ، ومكث ست سنين ، ثم انتقل إلى «مظاهر العلوم» في سنة أربع عشرة وثلاثمائة وألف ، وتولّى رئاسة التّدريس فيها ، واستقام على ذلك أكثر من ثلاثين سنة ، منصرفًا إليها انصرافًا كلّيًّا ، وتولّى نظارتها سنة خمس وعشرين وثلاثمائة وألف ، وصرف همّته إليها ، ونالت به المدرسة القبول العظيم ، وطبقت شهرتها أرجاء الهند ، وأمّها الطّلبة من الآفاق إلى أن غادرها في سنة أربع وأربعين إلى الحرمين الشّريفين ، فلم يرجع إليها .

وكان قد درس الحديث دراسة إتقان وتدبّر ، وحصلت له الإجازة عن كبار المشايخ والمسندين ، كالشّيخ محمّد مظهر النّانوتوي ، والشّيخ عبد القيّوم البرهانوي ، والشّيخ أحمد دلان مفتي الشّافعيّة ، والشّيخ عبد الغني بن أبي سعيد المجدّدي المهاجر ، والسّيّد أحمد البرزنجي ، وعني بالحديث عناية عظيمة تدريسًا وتأليفًا ، ومطالعة وتحقيقًا ، وكان من أعظم أمانيه أن يشرح سنن أبي داؤد ، فبدأ في تأليفه سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة وألف ، يساعده في ذلك تلميذه البارّ الشّيخ محمّد زكريا بن يحيى الكاندهلوي ، وانصرف إلى ذلك بكلّ همّته وقواه ، وعكف على جمع المواد وتهذيبها وإملائها ، لا لذّة له ، ولا هم في غيره، وأكبَّ على ذلك إلى أن سافر إلى الحجاز السّفر الأخير في سنة أربع وأربعين وثلاثمائة وألف ، ودخل المدينة في منتصف المحرّم سنة خمس وأربعين ، وانقطع إلى تكميل الكتاب حتى انتهى منه في شعبان سنة خمس وأربعين ، وتمّ الكتاب في خمسة مجلّدات كبار ، وطبع باسم « بذل المجهود في شرح سنن أبي داؤد » تلقّى بالقبول والتّقدير وانتفع به مدرّسو الحديث الشّريف وتلاميذ هذا الفنّ ، وقد صبّ فيه الشّيخ مهجة نفسه ، وعصارة علمه وحصيلة دراسته ، وقد أجهد قواه ، وأرهق نفسه في المطالعة والتّأليف ، والعبادة والتّلاوة ، منقطعًا عمّا سواه حتى أجاب داعي الله في المدينة المنوّرة .

نفع الله به خلقًا كثيرًا ، وخرج على يده جمعًا من العلماء والمشايخ ، ونبغت بتربيته جماعة من أهل التّربية والإرشاد ، وأجرى على يدهم الخير الكثير في الهند وغيرها ، في نشر العلوم الدّينيّة ، وتصحيح العقائد وتربية النّفوس ، والدّعوة والإصلاح ، من أجلّهم المصلح الكبير الشّيخ محمد إلياس بن إسماعيل الكاندهلوي الدّهلوي صاحب الدّعوة المشهورة المنتشرة في العالم ، والمحدّث الجليل الشّيخ محمّد زكريا بن يحيى الكاندهلوي السّهارنفوري .

وكان رقيق الشّعور ، ذكيّ الحسّ ، صادعًا بالحقّ ، صريحًا في الكلام في غير جفاء ، شديد الاتّباع للسّنّة ، نفورًا عن البدعة ، كثير الإكرام للضّيوف ، عظيم الرّفق بأصحابه ، يحبّ التّرتيب والنّظام في كلّ شيء ، والمواظبة على الأوقات ، مشتغلاً بخاصّة نفسه ، وبما ينفع في الدّين ، متنحيًا عن السّياسة مع الاهتمام بأمور المسلمين ، والحميّة والغيرة في الدّين ، حجّ سبع مرّات ، آخرها في شّوال سنة أربع وأربعين من الهجرة .

كانت وفاته بعد العصر من يوم الأربعاء في السّادس عشر من ربيع الآخر ، سنة ستّ وأربعين وثلاثمائة وألف في المدينة المنوّرة ، وشيّعت جنازته في جمع عظيم ، ورئيت له رؤى صالحة ، ودُفن في البقيع لدى مدفن أهل البيت().

العلاّمة المحدّث الشّيخ محمّد زكريا

ابن الشّيخ يحيى الكاندهلوي :

ومن أنجب تلامذته والمتخرّجين عليه ، وأشهرهم ، شيخ الحديث العلاّمة محمّد زكريا الكاندهلوي (م 1402ه‍) شيخ الحديث بمدرسة مظاهر العلوم بسهارنفور ، وقد عاش عاكفًا على تدريس الحديث الشّريف منقطعًا إليه ، مكبّا على شرح كتب الحديث ، قائمًا بالتّحقيق والإيضاح ، مستعرضًا لما قدّمه الشّرّاح والمحقّقون مع عصارة دراسته وتحقيقه ، وكان بشخصه مجمعًا علميًا ، دائم الاشتغال ، كثير الإنتاج ، لا لذّة له ولا رغبة ، إلا في تدريس الحديث الشّريف ، والتّأليف فيه ، له من شروح كتب الحديث والسّنّة « أوجز المسالك في شرح موطّأ الإمام مالك » وجزء « العمرات »، و « الخصال النّبويّة » في شرح شمائل التّرمذي ، و « لامع الدّراري في تقريرات البخاري » و « حجّة الوداع » و « الأبواب والتّراجم للبخاري » تلقّيت بالقبول واستفاد بها واستعان بها مدرّسو الحديث الشّريف ، والعاكفون على تدريسه والتّأليف فيه .

توفّي رحمة الله عليه في المدينة المنوّرة ودفن في البقيع سنة 1402ه‍ .

هدف المكفّرين والمبتدعين :

وقد ظلّ « الدّيوبنديّون »() من أوّل يوم إلى هذا العصر أكبر هدف للبريلويين()، يلقّبونهم بالوهابيّة ، ويخرجونهم – إن استطاعوا – من الجوامع والمساجد ، ويطاردونهم ويقاطعونهم في القضايا العائليّة والمناسبات الدّينيّة والاجتماعيّة .

سِرُّ نجاح هذه المدارس :

وسرّ نجاح هذه المدارس – كديوبند وشقيقاتها – في أداء رسالتها ونشر الدّين والعلم ، أنّها لم تكن تنال مساعدة من الحكومة ، وكانت قائمة على أساس الزّهد والتّضحية والجهاد، فأثار ذلك فيها روح المقاومة والجهاد ، وقوّة العمل والنّشاط ، ثم إنّ أبناءها المتخرّجين لم يكن لهم أمل – بطبيعة الحال – في وظائف الحكومة والرّواتب الضّخمة ، لأنّهم تخرّجوا من مدارس حُرّة لا صلة لها بالحكومة ، فألجأ ذلك أكثر المتخرّجين إلى الانقطاع إلى الشّعب دون الحكومة ، والتّجرّد للدّعوة والخدمة دون المناصب والرّواتب ، وهكذا وُجِد دعاة متجرّدون ، محتسبون متطوّعون ، يقتنعون بالكفاف ، وينقطعون إلى الدّعوة والرّسالة، فقاموا بأعمال إصلاحيّة لا تقوم بها أكبر دولة .

قيادة حركة النّضال ضدّ الحكم الإنجليزي :

وكان رئيس أساتذة دار العلم ديوبند الشّيخ محمود حسن (الذي اشتهر بعد بلقب «شيخ الهند») من كبار الحاقدين على الحكومة الإنجليزيّة ، ولا نعرف أحدًا بعد السّلطان «تيبو» من يبلغ مبلغه في عداء الإنجليز والاهتمام بأمرهم ، وكان من كبار أنصار الدّولة العثمانيّة التي كانت زعيمة العالم الإسلامي ، وحاملة لواء الخلافة ، وكان من كبار الدّعاة إلى استقلال الهند ، وتأسيس الحكومة الوطنيّة الحرّة ، وكان من الذين ملكتهم هذه القضيّة ، وتفاني فيها ، وحاول الاتّصال بحكومة أفغانستان ورجال الدّولة العثمانيّة ، كأنور باشا وغيره ، وقد أسرته() حكومة الشّريف حسين سنة 1916م في المدينة المنوّرة ، وسلّمته إلى الحكومة الإنجليزيّة التي نفته وزملاءه وتلاميذه (الشّيخ حسين أحمد المدني ، والشّيخ عزيز كُل ، والحكيم نصرت حسين ، والأستاذ وحيد أحمد) إلى جزيرة مالطا سنة 1335ه‍ - 1917م ، مكثوا هنالك إلى سنة 1338ه‍ - 1920م وكان الشّيخ عبد الباري الفرنكي محلي مؤسّس جمعيّة العلماء من كبار المتحمّسين للقضيّة الوطنيّة ومن كبار قادرة حركة الخلافة .

وبالرّغم من أنّ هذه الثّورة أو حرب التّحرير – كما يصحّ أن تسمّى – كانت شعبيّة عامّة يقاتل فيها المسلمون والهنادك جنبًا بجنب ، ولم تعرف الهند حماسًا وطنيًا ووحدة شعبيّة قبل هذه ، كان للمسلمين السّهم الأكبر في القيادة والتّوجيه ، وكان منهم العدد الأكبر والأهمّ من القادة والزّعماء ، وقد صرّح السّر وليم بأنّ جمرات الجهاد التي أشعلها السّيّد أحمد الشّهيد – رحمه الله – (1246ه‍) هي التي ألهبت نار هذه الثّورة .

وقد كان من أكبر العلماء والمشايخ الذين قادوا الثّورة ، وأشهرهم الشّيح أحمد الله ، والشّيخ لياقت علي ، وهما اللّذان تزعّما الحركة ، وكان الجنرال نجيب خان هو القائد العامّ، ونائب الملك()، وكان للحاجّ إمداد الله التّهانوي – رحمه الله -، والشّيخ محمّد قاسم النّانوتوي – رحمه الله -، والشّيخ رشيد أحمد الكنكوهي – رحمه الله -، والحافظ محمّد ضامن الشّهيد – رحمه الله -، وغيرهم من العلماء والمشايخ سهم فيها ، وخاضوا في بعض المعارك .

ندوة العلماء ومعهدها :

ولمّا رأى بعض العلماء أنّ الهوّة قد اتّسعت جدًا بين التّعليم المدني والتّعليم الدّيني ، وحدثت بين المتخرّجين من المدارس الدّينيّة ، والمتخرّجين من المدارس المدنيّة ، فجوة وجفوة ، تتّسعان على مرّ الأيّام حتى أصبح أولئك أمّة وهؤلاء أمّة ، ولكلّ أمّة لغة خاصّة، وثقافة خاصّة ، ونفسيّة متميّزة ، لا يفهمها الآخر ، بل أصبح التّعليم الدّيني في واد ، والعصر الحديث في واد ، ولا جسر بينهما ، وقد أصبح هذا العصر يطلب من العالم الدّيني ثقافة أوسع ، وأسلوبًا للدّعوة أرقى وأقرب إلى نفسيّة هذا العصر ، واطّلاعاً على ما تجدّد من العلوم والأفكار ، والمسائل والحاجات ، أنشأ القائمون على ندوة العلماء – وفي مقدّمتهم فضيلة الشّيخ العالم الرّباني السّيّد محمّد علي المونكيري – (م1346ه‍) مدرسة دار العلوم في لكناؤ سنة 1316ه‍، ورسالتها الجمع بين القديم الصّالح والجديد النّافع ، والتّصلّب في العقيدة والمبادئ ، والتّوسّع في الجزئيّات والوسائل ، وقد خرّجت علماء ومؤلّفين كانوا مُلتَقَى الثّقافتين وبرزخًا بين الطّائفتين .

ومن التزامات ندوة العلماء مدرستها التّابعة لها أنّها لا تقبل مساعدة من الحكومة ، وتقتصر على مساعدات وتشجيعات شعبيّة وعلى تضحية أساتذتها والعاملين فيها واقتناعهم بالكفاف .

الشّيخ العلاّمة السّيّد

سليمان النّدوي – رحمه الله -:

كان في مقدّمة المتخرّجين من دار العلوم التّابعة لندوة العلماء ، وفي طليعتهم ، وعلى رأسهم ، العلاّمة السّيّد سليمان النّدوي الذي كان من كبار علماء العالم الإسلامي في عهده على الإطلاق ، ومن كبار قادة الفكر الإسلامي ، ومن النّوابغ والأدباء والكتّاب ، ومن قادة حركة التّحرير .

وكان راسخًا في العلوم العربيّة وآدابها ، عالي الكعب ، دقيق النّظر في علوم القرآن وعلم التّوحيد والكلام ، واسع الاطّلاع ، غزير المادّة في التّاريخ ، وعلم الاجتماع والمدنيّة، منشأ صاحب أسلوب أدبي في اللّغة الأرديّة ، كاتبًا مترسّلاً في اللّغة العربيّة شاعرًا مقلاً في اللّغتين ، مع إحسان وإجادة ، حليمًا صابراً يقهر النّفس ، ويتسامح مع الأعداء ، والمعارضين ، ضعيف المقاومة في شئونه الشّخصيّة ، يتحمّل ما يرهقه ويشقّ عليه .

كان من كبار المؤلّفين في هذا العصر ، ومن المكثرين من الكتابة والتّأليف مع سعة علم ، ودقّة بحث وتنوّع مقاصد رأس مجمع دار المصنّفين بأعظمجراه زمنًا طويلاً .

له كتب ، قلّما يوجد لها نظير في لغة من اللّغات ، وكتاب « خطبات مدارس » (ترجمتها العربيّة «الرّسالة المحمّديّة») و«سيرة عائشة» و« حياة مالك» و«أرض القرآن» و«صلاة الهند ببلاد العرب» وغيرها من الكتب والرّسائل و«الرّسالة المحمّديّة» قلّما يوجد لها نظير في القوّة والتّأثير .

وكان رحمه الله مع نبوغه في العلم ، وبراعته في التّأليف ، وأسلوب أدبي خاصّ في الكتابة ، واتّساع في الدّراسة والمعلومات ، اعترف وأعجب به عدد من نوابغ العصر مثل شاعر الإسلام العلاّمة الدّكتور محمّد إقبال وغيره ، صاحب صلاح ودين ، واستقامة ، وإنابة ، واتّباع الشّريعة والسّنّة حريصًا على نهضة الإسلام والمسلمين داعيًا إليها .

كانت وفاته في الرّابع عشر من ربيع الأوّل سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة وألف (1373ه‍) في كراتشي ، وشيّعت جنازته بجمع حافل من العلماء والأعيان ، ودُفن قريبًا من ضريح العلاّمة شبير أحمد العثماني – رحمه الله تعالى -.

منهج ندوة العلماء :

تقوم فكرة ندوة العلماء ودعوتها في الدّين والعقيدة ، على الدّين الخالص ، النّقي من الشّوائب ، البعيد عن تحريف الغالين ، وانتحال المبطلين ، وتأويل الجاهلين ، وعلى العودة في تلقّيه وفهمه وتفسيره ، إلى منابعه الصّافية الأولى ، ومصادره الصّحيحة الأصيلة ، وفي العمل والسّلوك ، على التّمسّك بلباب الدّين ، والعمل بأحكامه والتّحلّي بحقيقته وروحه الرّبانيّة المشرقة الصّافية ، وفي تصوّرها للتّاريخ على أن خير العصور هو العصر الذي ظهر فيه الإسلام ، والجيل المثالي هو الجيل الذي نشأ في أحضان النّبوّة ، وتخرّج في مدرسة القرآن والإيمان الأولى .

وأنّ السّعادة كلّ السّعادة في الرّجوع إليه ، والاقتداء به ، وفي نظرتها العلميّة ، وفلسفتها التّعليميّة ، على أنّ العلم وحدة لا ينقسم إلى قديم وحديث ، وشرقي وغربي ، وإن انقسم فإنّما يتقسّم إلى صواب وخطأ ، ونافع وضارّ ، وأصول وفضول ، وغايات ووسائل، وفي موقفها من الأخذ والتّرك ، والانتفاع والاقتباس على التّعليم النّبوي الحكيم « الحكمة ضالّة المؤمن فحيث وجدها فهو أحقّ بها » وعلى المبدأ القديم الحكيم « خُذ ما صفا ودع ما كدر » وفي مجال الدّفاع عن الإسلام ، ومواجهة تحدّيات العصر ، على الإرشاد الرّباني :

 

 

[سورة الأنفال ، الآية: 60] وفي أسلوب الدّعوة إلى الله ، وعرض محاسن الإسلام وإقناع العقول ، على الوصيّة الحكيمة المأثورة ، « كلّموا النّاس على قدر عقولهم أتريدون أن يكذب الله ورسوله » وفيما اختلف فيه السّلف من مذاهب وأراء ، على التّحقيق والتّطبيق ، وإحسان الظّنّ بهم ، والتماس العذر لهم ، وترجيح ما هو أوفق بالكتاب والسّنّة ، وأقرب إلى جمع الشّمل ، وأبعد عن الفرقة والتّنافر ، وأقرب إلى مصلحة الإسلام الاجتماعيّة ، وبالجملة فهي أقرب إلى مدرسة حكيم الإسلام الشّيخ أحمد بن عبد الرّحيم المعروف بولي الله الدّهلوي المتوفّى 1176ه‍ العلميّة والفكريّة ، والكلاميّة والفقهيّة .

وبذلك فندوة العلماء مدرسة فكريّة شاملة أكثر من مركز تعليمي يقتصر على تعليم الكتب أو العلوم واللّغات .

الاتّصال والعناية بالعالم العربي المسلم :

وكان من توفيق الله تعالى ونتيجة اتّصال المتخرّجين من دار العلوم التّابعة لندوة العلماء، الوثيق القريب بالأقطار العربيّة الإسلاميّة ، وما يصدر من أقلام كُتّابها وقادتها السّياسيين ، والثّقافيين ، والأدباء والمثقّفين من كتب ورسائل ، تدلّ على وجود مركّب النّقص فيما يتّصل بصلاحيّة الإسلام وتعاليمه لقيادة هذا العصر المتقدّم في العلوم والفنون ، والصّناعة والإبداع ، وما طرأ على الشّعوب والمجتمع من تطوّرات وثورات ، ومقاومة ما ظهر في كتاباتهم من كون « العلمانيّة » هو الملجأ الوحيد والطّريق السّديد لقيادة الشّعوب والبلاد ، وكون كثير من القادة والكتّاب العرب فريسة « القوميّة العربيّة » التي تدعو إلى اللّجوء إلى العهد الجاهلي الذي لم يكن فيه فصل بين الأديان ، وبين الكفر والإيمان .

وفّق الله مجموعة من المتخرّجين منها والمنتمين إليها ، إلى الدّعوة الإسلاميّة الصّريحة الواضحة ، والفكرة الإسلاميّة الأصيلة الصّحيحة في العربيّة ، وصدرت من دار العلوم مجلّة إسلاميّة ، صريحة قويّة ، وهي « البعث الإسلامي()» وصحيفة نصف شهريّة وهي صحيفة «الرّائد()» وصدر من قل مدير ندوة لعلماء رسائل وكتب صريحة قويّة ، نالت إعجاب القرّاء العرب، واعترافهم()، نذكر بعضها على سبيل المثال الذي فيه خطاب صريح بليغ إلى القادة والمثّقفين العرب ، وهي « إلى الرّاية المحمّديّة أيّها العرب » «اسمعوها منّي صريحة أيها العرب» و «أحاديث صريحة مع إخواننا العرب والمسلمين»، «كارثة العالم العربي وأسبابها الحقيقّة» و «اسمعي يا مصر» و«اسمعي يا سوريا» و«اسمعي يا زهرة الصّحراء» و«العرب والإسلام» «إلى الإسلام من جديد» «أجاهليّة بعد الإسلام أيها العرب؟» «كيف يستعيد العرب مكانتهم الآئقة بهم» و«كيف دخل العرب التّاريخ» لكاتب هذه السّطور ، و«الإسلام الممتحن» و«المنهج الإسلامي السّليم» و«تناقض تحار فيه العيون وتطابق يسر به المؤمنون» و«إلى القيادة العالميّة» للمرحوم الأستاذ محمّد الحسني منشئ مجلة « البعث الإسلامي ».

ومن توفيق الله تعالى للمتخرّجين من هذه المؤسّسة والمسئولين ، وضع منهج دراسي للغة العربيّة ، والأدب العربي ، يجمع بين الدّين والأدب ، يغرس العقيدة الإسلاميّة وتحسينها ، والإعجاب بها في نفوس الأحداث والنّاشئة الإسلاميّة من حيث أنّها لا تشعر بثقلها ، لذلك قال بعض كبار الأدباء والكتّاب الإسلاميين أنّه « علم الكلام للأطفال »() واعترف بإبداع هذا الأسلوب وطرافته بعض كبار أدباء العرب ، ومؤلّفيهم ، كالأستاذ سيّد قطب الشّهيد – رحمه الله تعالى -، والأستاذ علي الطّنطاوي().

ومنها إنشاء مجمّع علمي إسلامي مجمع علمي إسلامي ينشر كتبًا تحارب مُركّب النّقص في نفوس المثقّفين والمتخرّجين من الجامعات و « التّقدّميين » من الشباب ، وينشئ الثّقة بصلاحيّة الإسلام للقيادة العقائديّة والثّقافيّة والفكريّة لكلّ زمان ، ويقدّم نماذج من الدّعوة الإسلاميّة والعصاميّة والعبقريّة ، ويبرهن على أنّ الإسلام دين خالد وعلى أنّه لم يخل زمان أو مكان من النّوابغ الإسلاميين والعبقريين المصلحين().

الدّعوة الدّينيّة العالميّة المعروفة بحركة التّبليغ :

لقد رأى الشّيخ محمّد إلياس (م 1363ه‍) ما أصاب المسلمين من التّحلّل والإفلاس في الإيمان ، والرّوح والشّعور الدّيني في هذه المدّة ، وما أثّرت فيهم الحكومة الإنجليزيّة ، والحضارة الغربيّة ، والتّعليم المدني ، وغفلة الدّعاة ، والاشتغال الزّائد بالحياة ، والانهماك بالمادّة حتى صارت المدارس الشّرعيّة والأوساط الدّينيّة ، كجزر في بحر محيط ، وأصبحت تتأثّر ولا تؤثّر ، بضعفها وعزلتها عن الحياة ، فرأى أنّ التّعليم وحده لا يكفي ، والاعتزال لا يفيد ، والإنزواء لا يصحّ ، ولا بدّ من الاتّصال بطبقات الشّعب ، ولا بدّ من التّقدّم إليها من غير انتظار ، لأنّها لا تشعر بمرضها ، وفقرها في الدّين ، ويجب أن يبتدأ بغرس الإيمان في القلوب ومبادئ الإسلام ، ثم الأركان والعلم والذّكر ، مع مراعاة الآداب التي تقوّي هذه الدّعوة وتحفظها من الفتن ، منها إكرام كلّ مسلم ، ومنها عدم الاشتغال بما ليس بسبيل الدّاعي ، وترك ما لا يفيد ، وقد دعا إلى هذا النّظام بكلّ قوّة ونفوذ ، ودعا إلى الخروج في سبيل هذه الدّعوة ، وبثّها في القرى والمدن .

وبدأ دعوته بمنطقة هي أحطّ المناطق الهندية خلقًا ، وأبدعها عن الدّين وأعظمها جهالة وضلالة ، وهي منطقة « ميوات » في جنوب دلهي عاصمة الهند ، ودعا النّاس فيها إلى الانقطاع عن أشغالهم والخروج من أوطانهم لمدّة محدودة ، قد تكون شهرًا ، وقد تكون أكثر من ذلك ، وعرف أنّهم لا يتعلّمون الدّين ولا يتغيّرون في الأخلاق إلا إذا خرجوا من هذا المحيط الفاسد الذي يعيشون فيه .

وقد قبل دعوته مئات وألوف من هذه المنطقة ، وخرجوا شهورًا ، وقطعوا مسافات بعيدة ما بين شرق الهند وغربها ، وشمالها وجنوبها ، ركبانًا ومشاةً ، فتغيّرت أخلاقهم ، وتحسّنت أحوالهم ، واشتعلت عواطفهم الدّينيّة ، وانتشرت الدّعوة في الهند وباكستان من غير نفقات باهظة ، ومساعدات ماليّة ، ونظم إداريّة ، بل بطريقة بسيطة تشبه طريقة الدّعوة في صدر الإسلام ، وتذكر بالدّعاة المخلصين المجاهدين المؤمنين الذين كانوا يحملون في سبيل الدّعوة والجهاد ، متاعهم وزادهم ، وينفقون على أنفسهم ويتحمّلون المشقّة محتسبين متطوّعين .

وانتشرت الدّعوة وتغلغلت في عدّة قارّات وأمكنة بعيدة وكانت لها جولات في آسيا وأوربا وأمريكا وإفريقيا ، واستراليا ، تغيّرت بها حياة القائمين بها والمواجهين لها وكان فيها إقبال على العناية بالدّين ودراسته والتّطوع له().

وجماعة التّبليغ والدّعوة معروفة في طول الهند وعرضها ، وفي بنغلاديش ، وباكستان، بأنّها جماعة وهّابيّة تدعو إلى منابذة التّقاليد الشّركيّة ومحاربة القبوريين ، وإنّ أشدّ النّاس عداوة لجماعة التّبليغ هم الطّائفة البريلوية المبتدعة الخرافيّة ، التي تنتمي إلى الشّيخ أحمد رضا خان ، التي تناصبها العداء وتتّهمها بالعمالة للحركة الوهّابيّة ، وتحارب كتاب «تقوية الإيمان»() للإمام إسماعيل الشّهيد ، وقد تشعل حربًا ، وتتعدّى ضربًا لأصحابها ، شأنها في هذا شأن الجاهليين الذين كانوا يقولون :

 

[سورة فصّلت ، الآية: 26].

ولكن يشهد الله بأنّ كلّ هذه المحاولات والاتّهامات ، والمناوشات لا تزيد الجماعة إلا صبرًا واستقامةً ، فيجازيهم الله تعالى بقلب الأحوال ، وتغيير النّفوس والقلوب ، فكم من مبتدعة عادوا إلى حظيرة السّنّة ، وكم من واقعين في الشّرك ، عادوا إلى التّوحيد الخالص، وكم من ضُلاّل اهتدوا إلى الحقّ ، يشهد بذلك ويراه رأي العين كلّ من يجول في هذه المناطق والقرى والأحياء ، وإن كان هناك من مآخذ على بعض المنتمين إلى الجماعة ، فذلك يرجع إلى تقصيرهم ، وقلّة استيعابهم وفهمهم للأسس والأهداف والمناهج .

يجب التّركيز على مقاومة التّحدّيات

والأخطـار للكيـان الإســلامـي :

ثمّة الظّروف العصبيّة التي يعيشها المسلمون ، والمخاطر المحدقة بهم ، والتّحدّيات التي يواجهونها ، لا تسمح بالانشغال بقضيّة من القضايا الفرعيّة التي درست وأفتى بموجبها العلماء لمذهب من المذاهب الفقهيّة ، ويعمل بموجبها منذ قرون ، ومحاربة مدرسة فقهيّة لأجل قضيّة ليست جوهريّة ، ولا تمسّ العقيدة ومبدأ التّوحيد ، وهذا ليس ممّا يأتي بأي خير للأمّة ، فالجهود يجب أن تبذل في إصلاح المفاسد الخلقيّة ، والعقائد الباطلة ، والبدعات والتّقاليد الخرافيّة .

أمّا المسائل التي يعتمد عليها المسلمون المؤمنون بالتّوحيد ، وهم معروفون باتّجاهاتهم المختلفة ، وتمسّكهم بآداب الشّريعة ، واحترازهم عن المحرّمات حسب المستطاع ، فمحاربتهم لأجل خلافهم الفقهي في مسألة من المسائل الفرعيّة ، وجعلهم عرضة للحملات الجائرة ، ليس إلا كما قلت في بحثي « المدخل إلى دراسات الحديث النّبوي الشّريف » «جهاد في غير جهاد ونضال في غير عدو ».

ويعرف من عنده شيء من الخبرة والاطلاع على المشاريع والتّصميمات عند الأكثريّة غير المسلمة في الهند ، أنّ هناك مخططًا دقيقًا وحاسمًا لإبادة الشّعب المسلم الهندي ، فكريًا ، وثقافيًا ، واجتماعيًا ، وحضاريًا ، ولغويًا ، في المرحلة الأولى ، ثم إبادة الشّعب المسلم دينيًا وعقائديًا وتحويل هذا القطر « الهندي الكبير » الذي حكمه المسلمون نحو ثمانية قرون وخدموه ، ورقّوه حضاريًا ، وثقافيًا ، وإداريًا ، وعقائديًا ، إلى الأندلس (إسبانيا) الثّانية ، فليكن هذا الخطر موضع تأمّل وكفاح ، الذي بدت أماراته وطلائعه واضحة بإنجازات كثيرة وتحويلات عديدة في المقرّرات الدّراسيّة ، وإلزام اللّغة الهنديّة ، وإبعاد اللّغة الأرديّة ، وبالتّدخّل في قانون الأحوال والمجلاًت الإنجليزيّة والهنديّ’ ، وبما يعلنه قادة الحركات الطّائفيّة والإقليميّة ، حتى رؤساء الوزارات في بعض المقاطعات ، من مشاريع وقرارات وإنجازات ، فلا مبرّر للتّغاضي عن هذه الحقائق الرّهيبة والانشغال بالفرعيّات والقضايا الجانبيّة ، وعلى الله قصد السّبيل ومنها جائر .

 

فهرس الكتاب

مقدّمة الكتاب

دور الجاهليّة العقائديّة في بعض الأقطار الإسلاميّة بتأثير مواطنيها الأصليين القدماء ، ومقاومتها من العلماء الرّاسخين والمصلحين الكبار

الإمام الشّيخ أحمد بن عبد الأحد « العمري السّرهندي »

الإمام ولي الله الدّهلوي

خطّته في الإصلاح

نجاحه في عمله

الإمام أحمد بن عرفان الشّهيد – رحمه الله – ورفقته ، وتأثيرهم في الحياة

الشّيخ إسماعيل الشّهيد – رحمه الله – مدرستان للدّاعين إلى الكتاب والسّنّة والعاملين بالحديث

مراكز الدّعوة والتّربية الهادئة المنشئة للدّعاة والعلماء المصلحين

معهد ديوبند ومدرسة مظاهر العلوم وخدمتها للدّين

الشّيخ الإمام محمّد قاسم النّانوتوي

الشّيخ رشيد أحمد الكنكوهي – رحمه الله

الشّيخ أشرف علي التّهانوي – رحمه الله

الشّيخ حسين أحمد المدني – رحمه الله

الشّيخ العلاّمة خليل أحمد السّهارنفوري

العلاّمة المحدّث الشّيخ محمّد زكريا

ابن الشّيخ يحيى الكاندهلوي

هدف المكفّرين والمبتدعين

سِرّ نجاح هذه المدارس

قيادة حركة النّضال ضدّ الحكم الإنجليزي

ندوة العلماء ومعهدها

الشّيخ العلاّمة السّيّد سليمان النّدوي

منهج ندوة العلماء

الاتّصال والعناية بالعالم العربي المسلم

الدّعوة الدّينيّة العالميّة المعروفة بحركة التّبليغ

يجب التّركيز على مقاومة التّحدّيات والأخطار للكيان الإسلامي

 

 


      

 H E R A A
FOR RESEARCH, PUBLISHING & DISTRIBUTING
Thikana, 504/30A, Taigor Marg, Nadwa Road
Lucknow 226020, India

Email: heraa@nadwi.net
.in

ربيع الأول 13, 1426

 



عنوان الموقع الرسمي لندوة العلماء بالهند Nadwatul Ulama`s  Website

http://nadwatululama.org

عنوان البريد الإلكتروني لندوة العلماء E-mail address

nadwa@sancharnet.in

عنزان البريد الإلكتروني الخاص برئيس ندوة العلماء E-mail address of Nazim Nadwatul Ulama

nadwi@nadwi..net.in

      

 H E R A A
FOR RESEARCH, PUBLISHING & DISTRIBUTING
Thikana, 504/30A, Taigor Marg, Nadwa Road
Lucknow 226020, India

Email: heraa@nadwi.net.in

ربيع الأول 13, 1426

 


عنوان الموقع الرسمي لندوة العلماء بالهند Nadwatul Ulama`s  Website

http://nadwatululama.org

عنوان البريد الإلكتروني لندوة العلماء E-mail address

nadwa@sancharnet.in

عنزان البريد الإلكتروني الخاص برئيس ندوة العلماء E-mail address of Nazim Nadwatul Ulama

nadwi@nadwi..net.in