الباب الخامس :

قيادة الإسلام للعالم


 

الفصل الأول

قيادة الإسلام للعالم نهضة العالم الإسلامي

 

اتجاه العالم بأسره إلى الجاهلية :

       لأسباب تاريخية عقلية ، طبيعية قاسرة ، ذكرناها في البحوث السابقة تحولت أوروبا النصرانية جاهلية مادة ، تجردت من كل ما خلَّفته النبوة من تعاليم روحية ، وفضائل خلقية ، ومبادئ إنسانية ، وأصبحت لا تؤمن في الحياة الشخصية إلا باللذة والمنفعة المادية ، وفي الحياة السياسية إلا بالقوة والغلبة ، وفي الحياة الاجتماعية إلا بالوطنية المعتدية ، والقومية الغاشمة ، وثارت على الطبيعة الإنسانية ، والمبادئ الخلقية ، وشغلت بالآلات ، واستهانت بالغايات ، ونسيت مقصد الحياة ، وبجهادها المتواصل في سبيل الحياة وبسعيها الدائب في الاكتشاف والاختبار ، مع استهانتها المستمرة بالتربية الخلقية وتغذية الروح ، وجحودها بما جاءت به الرسل،  وبإمعانها في المادية ، وبقوتها الهائلة مع فقدان الوازع الديني ، والحاجز الخلقي ، أصبحت فيلاً هائجاً ، يدوس الضعيف ، ويهلك الحَرْث والنسل.

       وبانسحاب المسلمين من ميدان الحياة وتنازلهم عن قيادة العامل وإمامة الأمم ، وبتفطريهم في الدين والدنيا ، وجنايتهم على أنفسهم وعلى بني نوعهم أخذت أوروبا بناصة الأمم ، وخلفتهم في قيادة العالم وتسيير سفينة الحياة والمدينة التي أعتزل ربِّانها ، وبذلك أصبح العالم كله - بأممه وشعوبه ومدنياته - قطاراً سريعاً تسير به قاطرة الجاهلية والمادية إلى غايتها  ،وأصبح المسلمون - كغيرهم من الشعوب - ركاباً لا يملكون من أمرهم شيئاً ، وكلما تقدمت أوروبا في القوة والسرعة ، وكلما ازدادت وسائلها ووسائطها، ازداد هذا القطار البشري سرعة إلى الغاية الجاهلية ، حيث النار والدمار والاضطراب والتناحر والفوضى الاجتماعية والانحطاط الخلقي والقلق الاقتصادي والإفلاس الروحي ، وها هي أوروبا تستبطئ الآن أسرع قطار ، وتريد أن تصل إلى غايتها بسرعة الطائرة ، بل بسرعة القوة

الذرية .

 

      استيلاء الفلسفة الأوروبية على العالم :

       وليس على وجهة الأرض اليوم أمة أو جماعة تخالف الأمم الغربية في عقائدها ونظرياتها ، وتزاحمها في سيرة وتعارضها في وجهتها وتناقضها في مبادئها وفلسفتها الجاهلية ، ونظام حياتها المادي ، لا في أوروبا ولا في أمريكا ، ولا في أفريقية وآسيا ، والذي ونسمع من خلاف سياسي ونزاع بين الأمم فإنما هو تنافس في القيادة ، وتنازع فيمن يكون هو القائد إلى هذه الغاية المشتركة ، فدول المحور ([1]) إنما كانت تكره أن يبقى الحلفاء مستبدين بالقيادة العالمية منذ زمن طويل ، مستأثرين بموارد الأرض وخيراتها وأسواقها ومستعمراتها ، وبشرف السيادة على العالم وحدهم ، مع أنها لا تقل عنهم في القوة والعلم والنظام والنبوغ والذكاء ، بل ربما تفوقهم ، أما أنها كانت تريد أن تسير إلى غاية أخرى ، وأن تقدم بدعوة المسيح ، وتقيم في الأرض القسط ، وأن تقود الأمم إلى الدين والتقوى ، وتنصرف بها وتتجه من المادية إلى الروحانية والأخلاق ، فهيهات هيهات  .

       أما روسيا الشيوعية فليست إلا ثمرة الحضارة الغربية ، قد أينعت وأدركت ، ولا تمتاز عن الشعوب والدول الأوروبية إلا أن روسيا قد خلعت جلباب النفاق والزور ، ونفَّذت  ما تزوِّره وتبطنه الأمم الغربية منذ زمن طويل ، وتعتقده منذ قرون في الأخلاق والاجتماع ، وقد استبطأت روسيا سير هاتيك الأمم والدول في سبيل الإلحاد واللادينية والإباحة المادية البهيمية ، فهي تريد أن تتولى قيادة العالم ، وتسير بالأمم الإنسانية سيراً حثيثاً إلى ما وصلت إليه .

 

الشعوب والدول الآسيوية :

أما الشعوب والدول الآسيوية والأمم الشرقية فهي في طريقها إلى الغاية التي وصلت إليها شعوب أوروبا في الحضارة والسياسة ، وتدين بما تدين بن هذه الشعوب في الأخلاق والآداب والاجتماع ، وتعتقد عن الحياة والكون ، وتتحلَّى بما تتحلَّى به من سيرة وخلق وتهذيب ، إلا أنها لا ترضى أن يتولى أمرها النزلاء الأجانب ، ويقيموا عليها الحَجْر كما يُقام على السفيه ، و أن تكون للأوروبيين عليها دول وإمبراطوريات ينعمون في ظلها ويرتعون في جنباتها ، ولا يكون لها مثلها في الشرق وأفريقية وآسيا، ولا تستمع حتى في داخل بلادها بما استمتع به الأوروبيون طويلاً حتى في خارج بلادهم . أما أنها تنكر على الأوروبيين ماديتهم ، وتنقم منهم أخلاقهم وسيرتهم ، وتنعى عليهم فلسفتهم ومبادئهم ، فلعل ذلك لا يخطر منها على بال ، بل قد زُيِّن لها كل ما تتصف به الأمم الأوروبية ، فحلا في عينها.

وكلما سنحت لهذه الأمم فرصة الاستقلال ، وملكت زمام أمورها تجلت أخلاقها ومبادؤها ، وظهرت سيرتها الجاهلية في صورتها الطبيعية الحقيقية ، فإذا هي أفظع صورة وأبشعها في التاريخ ، قساوة قلب وضراوة بالدم الإنساني ، وهتكاً للأعراض ونهباً للأموال وقتلاً وتدميراً ، وقد ظهرت من بعض هذه الشعوب الآسيوية على إثر استقلالها من الحكم الأجنبي فظائع ومنكرات تستبشعها الوحوش والسباع وتستكُّ منها الأسماع ، فقد عاملت بعض الشعوب المواطنة بعصبية دينية وسياسية ، معاملة عز نظيرها في التاريخ ؛ رُضَعاءُ يُقتلون ويُقطعون إرباً أرباً ، ونساء تهتك أعراضهن ثم يقتلن من غير رحمة ولا حياء ، وآبار تسمم ، وبيوت تهدم ، ونيران تشعل وقنابل تقذف ، وإذا دخلوا قرية فاتحين منتشرين أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة ووضعوا فيها السيف . وعاث الوحوش في الدماء والأعراض ، حتى أقفرت القرى ، وامتلأت الآبار بالسيدات اللاتي آثرت الموت على هتك الأعراض ، هذا عد نساء قتلن بهمجية وطرق فظيعة لم تسبق في التاريخ ،إلى غير ذلك من الأفاعيل التي يشك فيها الناس في البلاد الإسلامية والمتحضرة.

هذا غير ذلك الاضطهاد الديني والمقاطعة الاجتماعية التي تلقاها تلك الطوائف في بلادها ، وما تلقى ثقافتها وديانتها من مطاردة ومهاجمة من تلقاء هذه الشعوب ، فتُحرم الحرية الثقافية واللسانية ، وتُرغم على لغة مصطنعة دائرة ، ويحاول الأقوياء أن يمحوا كل أثر من آثار حضارتها وثقافتها ويختلقوا عليها الأكاذيب والجنايات ، ويمثلوا قصة الحمل والذئب كل يوم ، فيعزل رجالها من الوظائف ، وتسد في وجوههم أبواب المعاش والتجارة والحرف ، وتقفل دكاكينهم ومحالُّهم التجارية، وتصادر أملاكهم وأموالهم بعلل واهية مضحكة .

ثم إن هذه الأمم أفلست إفلاساً شائناً في الدين والأخلاق ، وقد أُشربت في قلوبهم حب المال والمادة ، وتسلَّطَ عليها شيطان الأثرة والجشع حتى ضجت منها الحكومات وتعبت ، فقد ارتفعت الأسعار ارتفاعاً فاحشاً، فلما التجأت الحكومة إلى التسعير اختلفت السلع والأموال ، وأصبح الناس لا يجدون كسوة و لا طعاماً ولا حاجة إلا بالسعر الذي يريده التاجر ، فنفقت السوق السوداء ، وشاعات الجنايات والخيانات والارتشاء والتهريب ، وأصبحت الحكومة والتجار كفرسي رهان أو قرني ميدان ، كل يريد أن يغلب صاحبه وينتهز غرته ، وأصبح الناس حبة بين حجري الرحى لا يدرون كيف يفعلون .

وقد حاول رجال الإصلاح والديانة أن يفنخوا في هذه الأمم حياة جديدة وينبوا فيها روح الأخلاق والفضيلة والأمانة والاقتصاد ، فأخفقوا إخفاقاً تاماً ، وعلموا أن خَلْق أمة بأسرها أهون من إصلاح هذه الأمم وتهذيبها ، وقد انقطعت مادتها وانقضى أجلها .

وهكذا أصبح العالم شرقاً وغرباً في أزمة روحية وخلقية واجتماعية واقتصادية تطلب حلاً سريعاً عاجلاً .

 

الحل الوحيد للأزمة العالمية :

والحل الوحيد هو تحوُّل القيادة العالمية وانتقال دفة الحياة من اليد الأثيمة الخرقاء التي أساءت استعمالها إلى يد أخرى برئية حاذقة .

إن تحوُّل القيادة من بريطانيا إلى أمريكا ومنهما جميعاً إلى روسيا لا يغني غناء ، ولا يغير من الموقف شيئاً ، فإن هذا التحول ليس إلا نقل المجداف من اليمين إلى اليسار إذا تعبت الأولى والعكس ، فما دام المجدِّف واحداً فلا فرق بين يمينه وشماله ، وليست بريطانيا وروسيا إلا أيدي رجل واحد تتداول دفة الحياة ، وتتناوب تجديف السفينة على خد واحد إلى جهة واحدة .

إن التحول المؤثر الواضح هو تحولٌ من أوروبا - بالمعنى الواسع الذي يشمل بريطانيا وأمريكا وروسيا ، ومن كان على شاكلتها من الأمم الآسيوية والشرقية - التي تقودها المادية والجاهلية ، إلى العالم الإسلامي الذي يقوده سيدنا محمد r برسالته الخالدة ودينة الحكيم .

هذا هو التحول الذي يغير وجه التاريخ ، ويحوِّل مجرى الأمور ، وينقذ العالم من الساعة الرهيبة التي ترقبه .

إن حقاً على العالم الإسلامي أن يُمنِّي نفسه بهذا المنصب الخطير ، و يطمح إليه ، وإن حقاً على كل بلد إسلامي وشعب إسلامي أن يشد حيازيمه لذلك ، وإن حقاً على كل مسلم أن يجاهد في سبيله ويبذل ما في وسعه ، فهذه المهمة الشريفة التي نيطت بالأمة الإسلامية يوم برزت إلى عالم الوجود ، ويوم ظهرت نواتها في جزيرة العرب .

 

العالم الإسلامي على إثر أوروبا :

من الغريب الواقع أن المسلمين قد أصبحوا في الزمن الأخير في كثير من نواحي الأرض ، حتى في مراكز الإسلام وعواصمه حلفاء للجاهلية الأوروبية وجنوداً متطوعين لها ، بل صار بعض الشعوب والدول الإسلامية يرى في الشعوب الأوروبية التي تزعمت حركة الجاهلية منذ قرون ، ونفخت فيها روحاً جديدة ، وركزت أعلامها على الشرق والغرب : ناصراً للمسلمين ، حامياً لذمار الإسلام المستضعف ، حاملاً لراية العدل في العالم قوَّاماً بالقسط .

ورضي عامة المسلمين بأن يكونوا ساقة عسكر الجاهلية ، بدل أن يكونوا قادة الجيش الإسلامي ، وسرت فيهم الأخلاق الجاهلية مبادئ الفلسفة الأوروبية سريان الماء في عروق الشجر والكهرباء في الأسلاك، فترى المادية الغربية في البلاد الإسلامية في كثير من مظاهرها وآثارها ، وترى تهافتاً على الشهوات ونهماً للحياة نهم من لا يؤمن بالآخرة ، ولا يوقن بحياة بعد هذه الحياة ، ولا يدخر من طيباتها شيئاً . وترى تنافساً في أسباب الجاه والفخار وتكالباً عليها ، فِعْل من يغلو في تقويم هذه الحياة وأسبابها ، وترى إيثاراً للمصالح والمنافع الشخصية على المبادئ والأخلاق، شان من لا يؤمن ببني ولا بكتاب ، ولا يرجو معاداً ، ولا يخشى حساباً . وترى حباً للحياة وكراهة للموت ، دأْب من يعدُّ الحياة الدنيا رأس بضاعته ، ومنتهى أمله ومبلغ علمه ، وترى افتناناً بالزخاف والمظاهر الجوفاء كالأمم المادية التي ليس عندها أخلاق ولا حقيقة حية ، وترى خضوعاً للإنسان ، واستكانة للملوك والأمراء ورجال الحكومة والمناصب ، وتقديسهم شأن الأمم الوثنية وعبدة الأصنام .

 

المسلمون على علاَّتهم موئل الإنسانية وأمة المستقبل :

ولكن برغم من أصيب به المسلمون من علَّة وضعف فإنهم هم الأمة الوحيدة على وجه  الأرض ، التي تعد خصيم الأمم الغربية وغريمتها ومنافستها في قيادة الأمم ، ومزاحمتها في وضع العالم ، والتي يعز عليها دينها أن تراقب سير العالم ، وتحاسب الأمم على أخلاقها وأعمالها ونزعاتها، وأن تقودها إلى الفضيلة والتقوى ، وإلى السعادة في الدنيا والآخرة ، وتحول بينها وبين جهنم ما استطاعت من القوة ، والتي يحرِّم عليها دينها وضعها وفطرتها أن تتحوَّل أمة جاهلية .

هذه هي الأمة التي يمكن أن تعود في حين من الأحيان خطراً على النظام الجاهلي ، الذي بسطته أوروبا في الشرق والغرب وأن تحبط مساعيها.

وقد صوف هذا الخطر شاعر الإسلام الحكم : ( محمد إقبال ) في قصيدته البديعة ( برلمان إبليس ) على لسان إبليس ، ذكر فيها :

أن الشياطين وزملاء إبليس وأعوانه اجتمعوا في مجلس شورى ، وتباحثوا في سير العالم ، وأخطار الغد وفتنه ، وما يتوجَّسون من خيفة على نظامهم ، وجلَّلوا خَطْبها وتناذروا شرها، فذكر أحدهم الجمهورية وحسب لها حساباً كبيراً ، فقال الثاني : لا يهولنك أمرها فإنها ليست إلا غطاء للملوكية ، ونحن الذين كسرنا الملوكية اللباس الجمهوري ، إذ رأينا الإنسانية بدأ يتنبه ويفيق ويشعر بكرامته ، وخفنا ثورة على نظامنا قد لا تحمد عاقبتها ، فألهيناه بلعبة الجمهورية ، وليس الشان في الأمير والملك . إن الملوكية لا تنحصر في وجود شخص ترتكز فيه الملوكية ، وفرد يستبد بالسلطان ، وإنما الملوكية أن يعيش الإنسان عيالاً على غيره مستشرفاً إلى متاع غيره ، سواء في ذلك الشعب والفرد . أما رأيت نظام الغرب الجمهوري وجهه مشرق وضاح وباطنه أظلم من باطن جنيكز خان ؟

فقال الآخر : لا بأس إذا بقيت روح الملوكية ، ولكن ماذا يقول النائب المحترم في هذه الفتنة الدهماء التي أثارها هذا اليهودي الذي يدعى كارل ماركس ، ذلك الباقعة الذي ليس نبياً ولكنه يحمل عند أتباعه كتاباً مقدساً ، هل عندك نبأ أن أقام العالم وأقعده ، وأثار العبيد على السادة حتى تزعزت مباني الإمارة والسيادة .

فقال الآخر : مخاطباً رئيس المجلس : يا صاحب الفخامة ، إن سحرة أوروبا وإن كانوا مريديك المخلصين ، ولكني لم أعد أثق بفراستهم ، ها هو السامري اليهوي الذي نسخة من مزدك ( الزعيم الفارسي الاشتراكي) قد كاد يأتي على العالم بقواعده ، فاستنسر البُغاث ، وأصبح الصعاليك يزاحمون الملوك بالمناكب ويدفعونهم بالراح ( أعلام جعلت بطائحاً) ، إنا قد استهنَّا بخطب هذه الحركة الاشتراكية ، وها هي ذي قد استفحلت وتفاقم شرها ، وها هي الأرض ترجف بهول فتنة الغد .. يا سيدي ، إن العالم الذي كنت تحكمه سينقض عليك ، وينقلب نظام العالم ظهراً لبطن  .

فتكلم رئيس المجلس ( إبليس ) وقال : إني أملك زمام العالم وأتصرف به كيف أشاء ، وسيرى العالم عجباً إذا حرشت بين الأمم الأوروبية ، فتهارشت تهارش الكلاب ، وافترس بعضها بعضاً فعل الذئاب ، وإذا همستُ في آذان القادة السياسيين وأساقف الكنائس الروحانيين فقدوا رشدهم وجُنَّ جنونهم .

أما ما ذكرتم عن الاشتراكية ح؛ فكونوا على ثقة أن الخرق الذي أحدثته الفطرة بين الإنسان والإنسان لا يرفؤه المنطق المزدكي ( الفلسفة الاشتراكية ) لا يخوفني هؤلاء الاشتراكيون الطرداء والصعاليك السفهاء.

إن كنت خائفاً فإني أخاف أمة لا تزال شرارة الحياة والطموح كامنة في رمادها ، ولا يزال فيها رجال تتجافى جنوبهم عن المضاجع ، وتسيل دموعهم على خدودهم سَحَراً ، لا يخفى على الخبير المتفرس أن الإسلام هو فتنة الغد ، وداهية المستقبل ، ليست الاشتراكية .

أنا لا أجهل أن هذه الأمة قد اتخذت القرآن مهجوراً ، وأنها فتنت بالمال وشغفت بجمعه وادخاره كغيرها من الأمم ، أنا خبير أن ليل الشرق داج مكفهر ، وأن علماء الإسلام وشيوخه ليست عندهم تلك البيضاء التي تشرق لها الظلمات ويضيء لها العالم ، ولكني أخاف أن قوارع هذا العصر وهزَّته ستقض مضجعها ، وتوقظ هذه الأمة وتوجهها إلى شريعة محمد(r)  إني أحذركم وأنذركم من دين محمد (r) حامي الذمار ، حارس الذمم والأعراض ، دين الكرامة والشرف ، دين الأمانة والعفاف ، دين المروءة والبطولة ، دين الكفاح والجهاد .. يلغي كل نوع من أنواع الرق ، يمحو كل أثر من آثار استعباد الناس ، لا يفرق بين مالك ومملوك ، ولا يؤثر سلطاناً على صعلوك ، يزكي المال من كل دنس ورجس ، ويجعله نقياً صافياً ، ويجعل أصحاب الثروة والملاَّك مستخلفين في أموالهم ([2])، أمانة لله وكلاء على المال، وأي ثورة أعظم وأي انقلاب أشد خطراً مما أحدثه هذا الدين في عالم الفكر والعمل يوم صرخ أن الأرض لله لا للملوك والسلاطين .

فابذلوا جهودكم أن يظل هذا الدين متوارياً عن أعين الناس ، وليهنكم أن المسلم بنفسه هو ضعيف الثقة بربه قليل الإيمان بدينه ، فخير لنا أن يبقى مشتغلاً بمسائل علم الكلام والإلهيات وتأويل كتاب الله والآيات ، اضربوا على آذان المسلم ، فإنه يستطيع أن يكسر طلاسم العالم ويبطل سحرنا بأذانه وتكبيره ، واجتهدوا أن يطول ليله ويبطئ سحره ، اشغلوه يا أخواني عن الجد والعمل حتى يخسر الرهان في العالم . خير لنا أن يبقى المسلم عبداً لغيره ، ويهجر هذا العالم ويعتزله ، ويتنازل عنه لغيره زهداً فيه ، واستخفافاً لخطره ، يا ويلتنا ويا شقوتنا لو انتبهت هذه الأمة التي يعزم عليها دينها أن تراقب العالم وتُعِسَّة  .

 

رسالة العالم الإسلامي :

لا ينهض العالم الإسلامي إلا برسالته التي وكلها إليه مؤسسة r والإيمان بها والاستماتة في سبيلها ، وهي رسالة قوية واضحة مشرقة ، لم يعرف العالم رسالة أعدل منها ، ولا أفضل ولا أيمن للبشرية منها .

وهي نفس الرسالة التي حملها المسلمون في فتوحهم الأولى ، والتي لخصها أحد رسلهم في مجلس يزدجر ملك إيران بقوله :" الله ابتعثنا لنخجر من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده ، ومن ضيق الدنيا إلى سَعَتها، ومن جَوْر الأديان إلى عدل الإسلام " . رسالة لا تحتاج إلى تغيير كلمة وزيادة حرف ، فهي منطبقة تمام الانطباق على القرن العشرين انطباقها على القرن السادس المسيحي ، كأن لزمان قد استدار كهيئته يوم خرج المسلمون من جزيرتهم لإنقاذ العالم من براثن الوثنية والجاهلية .

فلا يزال اليوم عاكفين على أصنام لهم - من أوثان منحوتة ومنجورة ومقبورة ومنصوبة - ولا تزال عبادة الله وحده مغلوبة غربية ، ولا تزال الفتنة قائمة على قدم وسائق ، ولا يزال إله الهوى يُعبد ، ولا يزال الأحبار  والرهبان والملوك والسلاطين و أصحاب القوة والثروة والزعماء الأحزاب السياسية أرباباً من دون الله ، تقرب لها القرابين وينصب لها الجبين .

وكذلك العالم اليوم - رغم اتساعه وتوفر وسائل السفر والانتقال من مكان إلى مكان ، واتصال الشعوب والأمم بعضها ببعض - أضيق بأهله منه بالأمس ، قد ضَيَّقَته المادية التي لا تنظر إلا إلى قدمها ، ولا تؤمن إلا بفائدة صاحبها ، ولا تعرف غير العكوف على الشهوات وعبادة اللذات . وقد خنقته الأثرة التي لا تسمح لاثنين بالعيش في إقليم واسع ، والوطنية الضيقة التي تنظر إلى كل أجنبي شرزاً ، وتجحد كل فضل وتحرمه كل حق.

ثم ضيق خناق هذه الحياة المادية المسيطرون السياسيون الذين يحتكرون وسائل الحياة والرزق والقوت ، يضيِّقون هذه الحياة لمن شاؤوا ويوسعونها لمن شاؤوا ، ويبسطون الرزق - زعموا - لمن شاؤوا ، ويقدرونه لمن شاؤوا ، فأصبحت المدن الواسعة أضيق من جُحْر ضَبِّ ، وأصبح الناس في بلادهم في شبه حَجْرٍ كحَجْر السفيه واليتيم ، وضاقة على الناس الأرض بما رَحُبَت ، وضاقت عليهم أنفسهم ، وأصبح الناس في أغلال وأصفاد المدينة والمملكة ، مُهددين في كل وقت بمجاعات مصطنعة وحقيقية ، وحروب خارجية وداخلية ، وإضرابات واضطرابات أسبوعية ويومية .

نعم ومن جَوْر الأديان إلى عدل الإسلام ‍‌! ولا تزال في هذا العصر المتنور الراقي المثقف أديان تعبث بعقول الديان ، وتسخرهم كالحمير والبقر، وتزيِّن لأتباعها قتل مئات من البشر لأجل بقرة ذُبِحَت في عيد الأضحى ، أو شجرة مقدسة عُضدت في قرية من القرى  .

وهنالك أديان بغير اسم الأديان لا تقل في نفوذها وسلطانه ، ولا تقل عن جَوْرها وعدوانها وعبثها بعقول أتباعها وفي عجائب عن الأديان القديمة: وهي النظم السياسية والنظريات الاقتصادية التي يؤمن بها الناس كدين ورسالة ، كالجنسية والوطنية ، والديمقراطية الاشتراكية ، والدكتاتورية والشيوعية ،وهي أقل مسامحة لمن لا يدين بها ، وأشد قسوة من منافسيها ، و أضيق عطفاً من الأديان الجاهلية  .

والاضطهاد السياسي اليوم أفظع من الاضطهاد الديني في القرون المظلمة فإنها تغلب حزب من الأحزاب الوطنية أو ساد مبدأ من المبادئ السياسية أو انتصر فريق على فريق في الانتخاب ، سد في وجه منافسه الأبواب ، وعذَّبه أشد العذاب ، وما حرب إسبانيا الأهلية التي دامت مدة طويلة ، وسفكت فيها دماء غزيرة ، وما حرب الصين التي قامت بين الجمهوريين والشيوعيين من أهل الصين ، وحرب ( كوريا ) التي قمت بين الجنوبيين والشماليين ، وحرب فيتنام التي تقوم بين جنوبها وشمالها ، وبين أمريكا المتطفِّلة ، وأهل البلاد ؛ إلا نتيجة اختلاف في العقيدة السياسية والنظريات الاقتصادية .

فرسالة العالم الإسلامي هي الدعوة إلى الله ورسوله والإيمان باليوم الآخر ، وجائزته الخروج من الظلمات إلى النور ، ومن عبادة الناس إلى عبادة الله وحده ، والخروج من ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ، وقد ظهر فضل هذه الرسالة وسهل فهمها في هذا العصر أكثر من كل عصر ، فقد افتضحت الجاهلية وبدت سوآتها للناس ، واشتد تذمُّر الناس منها ، فهذا طور انتقال العالم من قيادة الجاهلية إلى قيادة الإسلام ، لو نهض العالم الإسلامي ، واحتضن هذه الرسالة بكل إخلاص وحماسة وعزيمة ، ودان بها كالرسالة الوحيدة التي تستطيع أن تنقذ العالم من الإنهيار والانحلال .

 

الاستعداد الروحي :

ولكن العالم الإسلامي لا يؤدي رسالته بالمظاهر الدينية التي جادت بها أوروبا على العالم ، وبحذق لغاتها وتقليد أساليب الحياة التي ليست من نهضة الأمم في شيء ، إنما يؤدي رسالته بالروح والقوة المعنوية التي تزداد أوروبا كل يوم إفلاسًاً فيها ، وينتصر بالإيمان والاستهانة بالحياة والعزوف عن الشهوات والشوق إلى الشهادة والحنين إلى الجنة ، والزهد في حطام الدنيا ، وتحمُّل الأذى في ذات الله صابراً محتسباً ، قال الله تعالى: ) ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون وكان الله عليماً حكيماً ( [ النساء: 104].

فقوة المؤمن وسر انتصاره في إيمانه ورجائه لثواب الله ، فإذا كان العالم الإسلامي لا يرمي إلا إلى ما تراه أوروبا من العرض القريب ، ولا يطمح إلا فيما تطمح فيه أوروبا من حطام الدنيا ، ولا يؤمن إلا بما تؤمن به أوروبا من المحسوسات والماديات ، كانت أوروبا بقوتها المادية أحق بالانتصار والسيادة من العالم الإسلامي الذي يتخلف عنها في القوة المادية تخلفاً شائناً ولا يفوقها في القوة المعنوية .

لقد أتى على العالم الإسلامي حين من الدهر ، وهو مستخفّ بهذه القوة المعنوية لا يحتفل بها ، ولا يحتفظ بالبقية منها ، لا يغذيها ، حتى نضب معينها في قلبه ، فلما خاض العالم الإسلامي المعارك التي تحتاج إلى الإيمان ، والصبر والثبات ، وتحمل الشدائد والنكبات؛ وزلزل بعض الزلزال، ولجأ إلى القوة المعنوية الكامنة في نفوس المسلمين ، كانت كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً ، هناك عرف أنه قد جنى على نفسه جناية عظيمة بإهمال هذه القوة الروحية وتضييعها ، وبحث في جعبته فلم يجدد شيئاً يسد مكانها و يغني غناءها .

وخاض العالم الإسلامي في معارك حاسمة ، وهو يرى أن المسلمين تقوم قيامتهم ، وسوف يهرعون للدفاع عن الإسلام وحماية بلادهم المقدسة ويغضبون لله ورسوله وحُرماته ،و أن الأقطار الإسلامية تشتعل ناراً وتتوقد حمية وحماسة ؛ فإذا الحادث لم يؤثر في العالم الإسلامي التأثير المنتظر، وإذا النظر ضئيل والسخط خافت ، وإذا العالم الإسلامي كعادته - في غدواته وروحاته - منهمك في لذته وشهواته ، كأن لم يحدث كبير شيء ، فعرف أن الحمية الدينية قد ضعفت في العالم الإسلامي ، وأن شعلة الجهاد قد انطفأت أو كادت ، وهنالك عرف الناس ضعف العالم الإسلامي وخذلانه وهوانه على أنفسهم .

فالمهم الأهم لقادة العالم الإسلامي ، وجمعياته وهيئاته الدينية وللدول الإسلامية غرس الإيمان في قلوب المسلمين ، وإشعال العاطفة الدينية ، ونشر الدعوة إلى الله ورسوله ، والإيمان بالآخرة ، على منهاج الدعوة الإسلامية الأولى ، لا تدخر في ذلك وسعاً، وتستخدم لذلك جميع الوسائل القديمة والحديثة ، وطرق النشر والتعليم ، كتجوال الدعاة في القرى والمدن، وتنظيم الخطب والدروس ، وكتب المغازي والفتوح الإسلامية ، وأخبار أبطال الإسلام وشهدائه ؛ ومذاكرة أبواب الجهاد ، وفضائل الشهداء، وتستخدم لذلك ( الإذاعة ) والصحافة وكتب الأدب ، وجميع القوى والوسائل العصرية .

والقرآن وسيرة محمد r قوتان عظيمتان تستطيعان أن تشعلا في العالم الإسلام نار الحماسة والإيمان ، وتحدثا في كل وقت ثورة عظيمة على العصر الجاهلي ، وتجعلا من أمة مستسلمة ، منخذلة ناعسة ، أمة فتية ملتهبة حماسة وغَيْرة وحنقاً على الجاهلية وسخطاً على النظم الجائرة .

إن علة العالم الإسلام اليوم هو الرضا بالحياة الدنيا والاطمئنان بها، والارتياح إلى الأوضاع الفاسدة والهدوء الزائد في الحياة ، فلا يقلقه فساد، ولا يزعجه انحراف ، ولا يهيجه منكر ، ولا يهمه غير مسائل الطعام واللباس . ولكن بتأثير القرآن والسيرة - إن وجدا إلى القلب سبيلاً- يحدث صراع بين الإيمان والنفاق ، واليقين والشك ، بين المنافع العاجلة والدار الآخرة ، وبين راحة الجسم ونعيم القلب ، وبين حياة البطالة وموت الشهادة ، صراع أحدثه كل نبي في وقته ، ولا يصلح العالم إلا به ، حينئذ يقوم في كل ناحية من نواحي العالم الإسلامي ، بل في كل أسرة إسلامية وفي كل لد إسلامي ) فتية ءامنوا بربهم وزدناهم هدى ، وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقوال ربنا رب السموات والأرض لن ندعوا من دونه إلهاً لقد قلن إذا شططاً ( [ الكهف : 13-14].

هنالك تتجدد ذكرى بلال ، وعمار ، وخباب ، وخبيب ، وصيهب ، ومصعب بن عمير ، وعثمان بن مظعون ، وأنس بن النضر، هنالك تفوح روائح الجنة وتهبُّ نفحت القرن الأول ، ويولد للإسلام عالم جديد لا يشبه العالم القديم في شيء .

 

الاستعداد الصناعي والحربي :

ولكن مهمة العالم الإسلامي لا تنتهي هنا ، فإذا أراد أن يضطلع برسالة الإسلام ويملك قيادة العالم فليه بالمقدرة الفائقة ، والاستعداد التام في العلوم والصناعة والتجارة في الحرب ، وأن يستغني عن الغرب في كل مرفق من مرافق الحياة ؛ وفي كل حاجة من الحاجات ، يقوت ويكسو نفسه  ويصنع سلاحه ، وينظم شؤون حياته ، ويستخرج كنوز أرضه وينتفع بها؛ ويدير حكوماته برجاله وماله ، ويمخر البحار المحيطة به بسفنه وأساطيله، ويحارب العدو ببوارجه ودباباته وأسلحة بلاده ، وتزيد صادراته على وارداته ، ولا يتحاج إلى الاستدانة من الغرب ، ولا يضطر إلى أن يلجأ إلى راية من راياته وينضم إلى معسكر من معسكراته .

أما ما دام العالم الإسلامي خاضعاً للغرب في العلم والسياسة والصناعة والتجارة ، يمتص الغرب دمه ، ويحفر أرضه فيستخرج منها ماء الحياة ، وتغزو بضائعه أسواق العالم الإسلامي وبيوته وجيوبه كل يوم فتستخرج منا كل شيء . وما دام العالم الإسلامي يستدين من الغرب الأموال، ويستعير منها الرجال ، ليديروا حكومته ، ويشغلوا الوظائف الخطيرة ، ويدربوا جيشه ، ويستورد منه البضائع ويجلب منه الصنائع، وينظر إليه كأستاذ ومربِّ، وسيد وربِّ ، لا يبرم أمراً إلا بإذنه ولا يصدر إلا عن رأيه فلا يستطيع أبداً أن يواجه الغرب فضلاً أن يناهضه ويغالبه .

هذه الناحية العلمية والصناعية التي أخل بها العالم الإسلامي في الماضي ، فعوقب بالعبودية الطويلة والحياة الذليلة ، وابتلى العالم الإسلامي بالسيادة الأوروبية الجائرة التي ساقت العالم إلى النار والدمار والتناحر والانتحار ، فإن فرط العالم الإسلامي مرة ثانية في الاستعداد العلمي والصناعي والاستقلال في شؤون حياته كُتب الشقاء للعالم وطالت محنة الإنسانية وبلاؤها .

 

تبوُّء الزعامة في العلم والتحقيق :

وقد تناول العالم الإسلامي - بما فيه العالم العربي - منذ زمن طويل مكانته في القيادة العلمية والتوجيه ، والاستقلال الفكري ، وأصبح عيالاً على الغرب متطفلاً على مائدته حتى في اللغة العربية وآداب اللغة وعلومها، وحتى في علوم الدين كالتفسير والحديث والفقه ، وأصبح المستشرقون هم المرشدون الموجّهين في البحث والتحقيق ، والدراسة والتأليف ، وهو المنتهى والمرجع والحجة في الأحكام والآراء الإسلامية والنظريات العلمية والتاريخية ، وهم الأسوة في النقض والإبرام ، وعدد كبير منهم قساوس وإرساليون ويهود ومسيحيون متعصبون ، يضمرون للإسلام وصاحب رسالته r العداء والبغضاء ، وللحضارة الإسلامية السخرية والاستهزاء ، ويخونون في النصوص النقول ، ويحرّفون الكلم عن مواضعه ، ومنهم عدد لم يتقن اللغة العربية ولم يبرع فيها ، وهم يخطئون في فهم النصوص وترجمتها أخطاء فاحشة .

وقد تغلغلت أفكارهم ودعاياتهم في الأوساط العلمية الحديثة في العامل الإسلامي ، وتجلت بصورة واضحة في الدعوة إلى فصل الدين عن السياسة، وأن الدين قضية شخصية لا شأن له بالمجتمع ، وأن الدين عقيدة وعبادة وخلق ، لا شأن له بالسياسة والحكم ، وفي الدعوة إلى تغيير مفهوم الدين وأحكام الشريعة الإسلامية على أساس الحضارة الغربية وفلسفتها .. إلى غير ذلك من الأفكار التي لا يدعو إليها تلاميذ المستشرقين والخاضعون لهم في الشرق الإسلامي  .

وقد عجز كتَّاب الشرق المسلمون والمفكرون الشرقيون عن مواجهة الحضارة الغربية وجهاً لوجه ونقد أسسها وقيمها نقداً حُرّاً جريئاً، فيه الابتكار ، وفيه الاستقلال . وقد بلغ بعضهم من ضعف التفكير ، والإغراق في التقليد منزلة رأى فيها أن الحضارة الغربية هي آخر ما وصل إليه العقل البشري ، وأنه لا منزلة وراءها ، ومنهم من دعا إلى تطبيق الحضارة الغربية برُمتَّها ، وعلى علاَّتها في الشرق ، ودعا بعض الأقطار الإسلامية  العربية إلى اعتبار نفسها جزءً لا يتجزأ من القارة الأوروبية ، وإذابتها فيها، واختيار الثقافة اليونانية التي هي أصل الثقافات الأوروبية([3]) .

وندر في هذه الطبقة وجود (عملاق) يكفر بالحضارة الغربية وفلسفة حياتها وقيمها ، ويشرح الحضارة الغربية وأسسها التي قامت عليها في ثقة واعتداد وعلم وبصيرة . ونستثني من هذه الكلية بعض الأفراد الأفذاذ.

ولابد - إذ أراد العالم الإسلامي أن يقوم على قديمه ويفكر بعقله - أن يقاوم هذا الخضوع ، ويكون فيه علماء عماليق وكتَّاب جهابذة ، يتناولون الحضارة الغربية بالنقد والتشريح ، وكتابات المستشرقين وآراءهم بالجرح والتعديل ، ويتبحرون في العلوم الإسلامية ويتعمقون فيها حتى يفيد منهم كباء المستشرقين في أوروبا وأمريكا ، ويصححون بهم آراءهم وأخطاءهم  ،ويتوجه روَّاد العلم والتحقيق والدراسات العالية إلى عواصم العالم العربي وحواضر العالم الإسلامي ، كما اعتادوا أن يتوجهوا إلى عواصم أوروبا وأمريكا . فهذه المدن الإسلامية ، أولى بأن تكون مركزاً للثقافة الإسلامية والعلوم الدينية وآداب اللغة العربية من العواصم الأوروبية وجامعات أوروبا ، ومن سقوط الهمة والقناعة بالدون أن تتخلَّى هذه العواصم العريقة في العلم والدين عن زعامتها العلمية ومكانتها الرئيسية  .

 

التنظيم العلمي الجديد :

ولابد للعالم الإسلامي من تنظيم العلم الجديد بما يوافق روحه ورسالته . وقد ساد العالم الإسلامي على العالم القديم بزعامته العلمية ، فتسرب بذلك في عقلية العالم وثقافته ، وتغلغل في أحشاء الأدب والفلسفة ، وظل العالم المتمدن قروناً يفكر بعقله ويكتب بقلمه ويؤلف بلغته ، فكان المؤلفون في إيران وتركستان وأفغانستان والهند لا يؤلفون كتاباً له شأن إلا باللغة العربية ، وكان بعضهم يؤلف الأصل بالعربية ويلخصه بالفارسية كما فعل الغزالي ، ( في كيمياء السعادة ) .

وإن كانت هذه الحركة العلمية التي ظهرت في صدر الدولة العباسية متأثرة باليونان والعجم ، وغير مؤسسة على الفكر الإسلامي النقي والروح الإسلامي ؛ وإن كانت فيها مواضع ضعف من الناحية العلمية والدينية ، ولكنها سادت على العالم بقوتها ونشاطها ، واضمحلت أمامها النظم العلمية القديمة .

وجاءت نهضة أوروبا فنسخت هذا النظام القديم باختباراتها ونقدها العلمي ، ووضعت منهاجاً جديداً للعلم والدراسة كان نسخة صادقة لروحها وعقليتها ونفسيتها المادية ، فلا يخرج منه الطالب إلا وهو متشبَّع بهذه الروح ، وخضع العالم مرة ثانية لهذا النظام التعليمي ، وخضع له العالم الإسلامي بطبيعة الحال - إذ كان مصاباً بالانحطاط العلمي والشلل الفكري من زمان ، وكان لا يجد المدد والغوث إلا في أوروبا - فقبل هذا النظام التعليمي على علاَّته، فهو النظام السائد اليوم في أنحاء العالم الإسلامي.

وكانت نتيجة هذا النظام الطبيعية ، صراعاً بين النفسية الإسلامية - إن كانت لا تزال في الشباب ، لم تقتلها البيئة - وبني النفسية الجديدة ، وبين وجهة الأخلاق الإسلامية ووجهة الأخلاق الأوروبية ، وبين الميزان القديم والجديد للأشياء وقيمتها ، وكانت نتيجة هذا النظام حدوث الشك والنفاق في الطبقة المثقفة وقيمتها ، وقلة الصبر ، والنهم للحياة وترجيح العاجل على الآجل ، إلى غير ذلك مما هو من طبائع المدنية الأوروبية  .

فإذا أراد العالم الإسلامي أن يستأنف حياته ، ويتحرر من رق غيره ، وإذا كان يطمح إلى القيادة ، فلابد إذن من الاستقلال التعليمي ، بل لابد من الزعامة العلمية ، وما هي بالأمر الهين ، إنها تحتاج إلى تفكير عميق ، وحركة التدوين والتأليف الواسعة ، وخبرة إلى درجة التحقيق والنقد بعلوم العصر ، مع التشبع بروح الإسلام والإيمان الراسخ بأصوله وتعاليمه ، إنها لمهمة تنوء بالعصبة أولي القوة ، إنما هي من شأن الحكومات الإسلامية ، فتنظم لذلك جمعيات ، وتختار لها أساتذة بارعين في كل فن ، فيضعون منهاجاً تعليمياً يجمع بين محكمات الكتاب السنة وحقائق الدين التي لا تتبدل  وبين العلوم العصرية النافعة والتجربة والاختبار ، ويدوِّنون العلوم العصرية للشباب الإسلامي على أساس الإسلام ، وبروح الإسلام وفيها كل ما يحتاج إليه النشء الجديد ، مما ينظمون به حياتهم ويحافظون به على كيانهم ويستغنون به عن الغرب ويستعدُّون للحرب، ويستخرجون به كنوز أرضهم وينتفعون بخيرات بلادهم ، وينظمون مالية البلاد الإسلامية ، ويديرون حكوماتهم على تعاليم الإسلام ، بحيث يظهر فضل النظام الإسلامي في إدارة البلاد ، وتنظيم الشؤون المالية على النظم الأوروبية ، وتنحلُّ مشاكل اقتصادية عجزت أوروبا عن حلها .

وبالاستعداد الروحي والاستعداد الصناعي والحربي والاستقلال التعليمي ينهض العالم الإسلامي ، ويؤدي رسالته، وينقذ العالم من الإنهيار الذي يهدده فليست القيادة بالهزل ، إنما هي جد الجد ، فتحتاج إلى جد واجتهاد ، وكفاح وجهاد ، واستعداد أي استعداد  .

كـل امـرئ يجـري إلـى         يـوم الهـياج بـما استـعدَّا

 

      دور القيادة الجديدة :

لقد وقف العالم-نتيجة لقيادة الغرب - على فوهة بركان مستعدَّ للانفجار أو على شفا جرهار ، ولا صلاح للعالم ، ولا بقاء للإنسانية ، مادام الغرب في وضعه الحاضر، هو المهيمن على الحياة كلها ، وهو مصدر التوجيه ، والإدارة في جميع القارات - فضلاً عن البلاد والحكومات - كالدمّل الممتدّ في جسم الإنسانية السليم ؛ وهو مردّ كل قلق ، و كل فوضى ، وكل ثورة وانقلاب في أقصى الشرق ، وفي أبعد أطراف العالم الإسلامي ، لا تمثر مع سطيرته جهود إصلاحية ، ولا تبقى رغم إدارته ومصالحه حكومات صالحة، ولا نظام راشد ، لا أمل في السعادة إلا في تحوّل القيادة والقوة من الغرب المادي الأناني الذي لم يعد قادراً على إسعاد البشرية ، ولا رغبة له في إلى من يحمل للعالم وللإنسانية روحاً جديداً ، وتصميماً جديداً ، ويعتبر نفسه مسؤولاً عن ذلك أمام الله ، مكلَّفاً به من قَبَلِه ، وهو المسلم الذي ينتظره العالم من جديد ، ويهيب به شاعر الإسلام الدكتور محمد إقبال ، فيقول:

" أنت للسرّ الأزلي حارس و أمين ، ولسيّد هذا الكون يسار ويمين ([4]). لقد كانت نشأتك من التراب، ولكن بك قَوَام العالم وبقاء الأمم ، اشرب كأساً فائضة من اليقين ، وانهض من حضيض الظن والتخمين ، انتبه من السبات العميق ، الذي طال أمده ، واشتدت وطأته .

الغياث من الإفرنج الذين خلبوا العقول ، وسحروا النفوس ، الغياث من هؤلاء الذين خدعوا مرة بالرقة والدلال ، ومرة بالقيود والأغلال ، وتارة مثلوا دور (شيرين ) وطوراً لعبود دور ( أبرويز) ([5]). لقد مثل الأوروبيون في العصر الحديث دور جنكيز خان وهُولاكو ، وأصبح العلم كله خراباً يباباً بإغارته وغزوهم .

       يا باني الحرم ، ويا خليفة إبراهيم ، انهض لبناء العالم الجديد ، انتبه من السبات العميق ، الذي طال أمده واشتدت وطأته "([6]).


 

الفصل الثاني

زعامة العالم العربي

 

أهمية العالم العربي :

إن العالم العربي له أهمية كبيرة في خريطة العالم السياسية ، وذلك لأنه وطن أمم لعبت أكبر دور في التاريخ الإنساني ، ولأنه       يحتضن منابع الثروة منابع الثروة والقوة الكبرى : الذهب الأسود الذي هو دم الجسم الصناعي والحربي اليوم و لأنه صلة بين أوروبا وأمريكا ، وبين الشرق الأقصى ، ولأنه قلب العالم الإسلامي النابض يتجه إليه روحياً ودينياً ويدين بحبه وولائه ، ولأنه عسى - لا قدر الله - أن يكون ميدان الحرب الثالثة ، ولأن فيه الأيدي العاملة ، والعقول المفكرة ، والأجسام المقاتلة ، والأسواق التجارية ، والأراضي الزراعية .

ولأن فيه مصر ذات النيل السعيد بنتاجها ومحصولها وخصبها وثروتها ورقيها ومدنيتها ، وفيه سورية وفلسطين وجاراتها ، باعتدال مناخها وجمال إقليمها وأهميتها الاستراتيجية ، وبلاد الرافدين بشكيمة أهلها ومنابع البترول فيها ، والجزيرة العربية بمركزها الروحي وسلطانها الديني، واجتماع الحج السنوي لا مثيل في العالم ، وآبار البترول الغزيرة  .

كل ذلك جعل العالم العربي محط أنظار الغربيين ، وملتقى مطامعهم وميدان تنافس لقيادته، وكان رد فعله أن نشأ في العالم العربي شعور عميق بالقومية العربية ، وكثر التغني ( بالوطن العربي )و ( المجد العربي) .

 

محمد رسول الله روح العالم العربي :

ولكن المسلم ينظر إلى العالم العربي بغير العين التي ينظر إليها الأوروبي وبغير العين التي ينظر بها الوطن العربي ، إنه ينظر إليه كمهد الإسلام ومشرق نوره ، ومعقل الإنسانية ، وموضع القيادة العالمية ، ويعتقد أن سيدنا محمداً العربي هو ورح العالم العربي وأساسه وعنوان مجده ، وأن العالم العربي- بما فيه من موارد الثروة والقوة وبما فيه من خيرات وحسنات - جسم بلا روح ، وخط بلا وضوح إذا انفصل - لا سمح الله بذلك - عن سيدنا رسول الله r وقطع صلته عن تعاليمه ودينه ، وأن سيدنا رسول الله r هو الذي أبرز العالم العربي للوجود ، فقد كان هذا العالم وحدات مفككة ، وقبائل متناحرة ، وشعوباً مستبعدة ، ومواهب ضائعة، وبلاداً تتسكَّع في الجهل والضلالات ، فكان العرب لا يحملون بمناجزة الدولة الرومية والدولة الفارسية ، ولا يخطر ذلك منهم على بال، ولا يصدِّقون بذلك إذا قيل لهم في حال من الأحوال .

وكانت سورية التي تكوِّن جزءاً مهماً من العالم العربي مستعمرة رومية تعاني الملكية المطلقة والحكم الجائر المستبد ، لا تعرف منى الحرية والعدل ، وكان العراق مطيَّة لشهوات الدولة الكيانية مثقلة بالضرائب المجحفة والإتاوات الفادحة . وكانت مصر قد اتخذها الرومان ناقة حلوباً ركوباً ، يجزُّون صوفها ويظلمونها في علفها ، ثم إنها تعاني الاضطهاد الديني مع الاستبداد السياسي .

فما لبث هذا العالم المفكك المنحلّ ، المظلوم المضطهد أن هبت عليه نفحة من نفحات الإسلام الذي جاء به محمد r ، أدرك رسول الله هذا العالم وهو ضائع هالك ، وعلَّمه الكتاب والحكمة وزَّكاة ، فكان هذا العالم بعد البعثة المحمدية سفير الإسلام، ورسول الأمن والسلام ، ورائد العلم والحكمة ، ومشعل الثقافة الحضارة . كان غوثاً للأمم ، وغيثاً للعالم ، هنالك كانت الشام ، وكان العرق ، وكانت مصر ، وكان العالم العربي الذي نتحدث عنه ، فلولا محمد r ، ولولا رسالته ، ولولا ملَّته ، لما كانت سورية ، ولا كان العراق ، ولا كانت مصر ، ولا كان العالم العربي ، بل ولا كانت الدنيا كما هي الآن حضارة وعقلاً ، وديانة وخلقاً .

فمن استغنى عن دين الإسلام من شعوب العالم العربي وحكوماته ، وولَّى وجهه شطر الغرب أو أيام العرب الأولى ، أو استلهم قوانين حياته أو سياسته من شرائع الغرب ودساتيره ، أو أسَّس حياته على العنصرية أو العربية التي لا شأن لها بالإسلام ، ولم يرضَ برسول الله قائداً ورائداً وإماماً وقدوة ، فليردّ على محمد بن عبد الله r نعمته ويرجع إلى جاهليته الأولى ، حيث الحكم الروماني والإيراني ، وحيث الاستعباد والاستبداد ، وحيث الظلم والاضطهاد ، وحيث الجهل والضلالة ، وحيث الغفلة والبطالة ، وحيث العزلة عن العالم ، والخمول والجمود ، فإن هذا التاريخ المجيد ، وهذه الحضارة الزاهية ، وهذا الأدب الزاخر ، وهذه الدول العربية ، ليست إلا حسنة من حسنات محمد عليه الصلاة والسلام  .

الإيمان هو قوة العالم العربي :

فالإسلام هو قومية العالم العربي ، محمد r هو روح العالم العربي وإمامه وقائده، والإيمان هو قوة العالم العربي التي حارب بها العالم البشري كله فانتصر عليه ، وهو قوته وسلاحه اليوم كما كان بالأمس ، به يقهر أعداءه ، ويحفظ كيانه، ويؤدي رسالته. إن العالم العربي لا يستطيع أن يحارب الصيونية أو الشيوعية أو عدواً آخر بالمال الذي ترضخ بريطانيا أو تتصدق به أمريكا أو روسيا ، أو تعطيه مقابل ما تأخذ من أرضه من الذهب الأسود ، إنما يحارب عدوه بالإيمان والقوة المعنوية ، وبالروح التي حارب بها الدولة الرومية والإمبراطورية الفارسية في ساعة واحدة فانتصر عليهما جميعاً .

إنه لا يستطيع أن يحارب أعداءه بقلب يحب الحياة ويكره الموت ، وبجسم يميل إلى الدَّعة والراحة ، وعقل يخامره الشك وتتنازع فيه الأفكار والأهواء ، أو بيد مضطربة وقلب متشكك ضعيف الإيمان ، وقوة متخاذلة في الميدان ، فالمهم لأمراء العرب وزعمائهم وقادة الجامعة العربية أن يغرسوا الإيمان في الشعوب العربية ، وجماهير الأمة وأولياء الأمور ، والجيوش العربية والفلاحين والتجار، وفي كل طبقة من طبقات الجمهور ، ويشعلوا فيها شعلة الجهاد في سبيل الله ، والتَّوْقَ إلى الجنة ، ويبعثوا فيها الاستهانة بالمظاهر الجوفاء وزخاف الدنيا ويعلموهم كيف يتغلبون على شهوات النفس ومألوفات الحياة ، وكيف يتحملون الشدائد في سبيل الله ، وكيف يستقبلون الموت بثغر باسم ، وكيف يتهافتون عليه تهافت الفراش على النور  .

 

      تضحية شباب العرب قنطرة إلى سعادة البشرية :

       بُعث رسول الله r وقد بلغت شقاوة الإنسانية غاية ما وراءها غاية، وكانت قضية الإنسانية أعظم من أن يقوم لها أفراد متنعمون لا يتعرضون لخطر ولا لخسارة ولا منحة ، لهم النعيم الحاضر والغد المضمون ، إنما تحتاج هذه القضية إلى أناس يضحُّون بإمكانياتهم ومستقبلهم في سبيل خدمة الإنسانية وأداء رسالتها المقدسة ، ويعرِّضون نفوسهم وأموالهم ومعائشهم وحظوظهم من الدنيا للخطر والضياع ، وتجاراتهم وحرفهم ومكاسبهم للتلف والكساد ، ويخيبون آمال آبائهم وأصدقائهم فيهم ، حتى يقولوا للواحد منهم كما قال قوم صالح : ) قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا ( [ هود : 62].

       إنه لا بقاء للإنسانية ولا قيام لدعوة كريمة بغير هؤلاء المجاهدين ، وبشقاء هذه الحفنة من البشر في الدنيا- كما يعتقد من معاصريهم - تنعم الإنسانية وتسعد الأمم ، ويتحول تيار العالم من الشر إلى الخير ، ومن السعادة أن يشقى أفراد وتنعم أمم ، وتضيع أموال وتكسد تجارات لبعض الأفراد وتنجو نفوس وأرواح لا يحصيها إلا الله من عذاب الله ونار جهنم.

       علم الله عند بعثة الرسول r أن الروم والفرس والأمم المتحضرة المتصرفة بزمام العالم المتمدن لا تستطيع بحكم حياتها المصطنعة المترفة أن تتعرض للخطر ، وتتحمل المتاعب والمصاعب في سبيل الدعوة والجهاد وخدمة الإنسانية البائسة ، ولا تستطيع أن تضحي بشيء من دقائق مدنيتها وتأنقاتها في الملبس والمأكل ، وأن تتنزل عن حظوظها ولذاتها وزخارفها فضلاً عن حاجاتها ، وأنه لا يوجد فيها أفراد يقوون على قهر شهواتهم ، والحد من طموحاتهم ، والزهد في فضول الحياة ومطامع الدنيا ، والقناعة بالكفاف ، فاختار لرسالة الإسلام وصحبة الرسول عليه الصلاة والسلام أمة تضطلع بأعباء الدعوة والجهاد وتقوى على التضحية والإيثار ، تلك هي الأمة العربية القوية السليمة التي لم تبتلعها المدينة ولم ينخرها البذخ والترف ، وأولئك هم أصحاب محمد r ، أبر الناس قلوباً وأعمقهم علماً وأقلهم تكلُّفاً .

قام الرسول بهذه الدعوة العظيمة فأدى        حقوقها: من الجهاد في سبيلها وإيثارها على كل ما يقف في وجهها، والعزوف عن الشهوات ومطامع الدنيا ، فكان في ذلك أسوة وإماماً للعالم كله ، كلَّمة وفد قريش وعروض عليه كل ما يغري الشباب ويرضي الطامحين ، من رئاسة وشرف ومال عظيم وزواج كريم ، فرفض كل ذلك في صرامة وصراحة ، وكلَّمه عمه وحاول أن يحدِّ من نشاطه في سبيل الدعوة فقال :" يا عم ، والله لو وضعوا الشمس في يمني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته ".

       ثم كان أسوة للناس في عصره وبعد عصره بقيامه بأكبر قسط من الجهاد والإيثار ، والزهد وشظف العيش ، وأقل قسط من العيش وأسباب الحياة ، فقد أوصد على نفسه الأبواب  وسد في وجهه الطرق ، وتعدى ذلك إلى أسرته وأهل بيته والمتصلين به ، فكان أكثر الناس اتصالاً به وأقربهم إليه أقلم حظاً في الحياة ، وأعظمهم نصيباً في الجهاد والإيثار ، فإذا أراد أن يحرِّم شيئاً بدا ذلك بعشيرته وبيته ، وإذا سن حقاً أو فتح باباً لمنفعة قدَّم الآخرين ، وربما حرَّمه على عشيرته الأقربين.

       أراد أن يحرم الربا فبدأ بربا عمه عباس بن عبد المطلب فوضعه كله، وأراد أن يهدر دماء الجاهلية فبدأ بدم ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب فأبطله ، وسن الزكاة وهي منفعة مالية عظيمة مستمرة إلى يوم القيامة ، فحرّمها على عشيرته بن هاشم إلى آخر الأبد ، وكلَّمه علي بن أبي طالب يوم الفتح أن يجمع لبني هاشم الحجابة مع السقاية فأبى ، وطلب عثمان بن طلحة وناوله مفتاح الكعبة وقال : هاك مفتاحك يا عثمان ، اليوم يوم بر ووفاء ن وقال : خذوها خالدة تالدة فيكم ، لا ينزعها منكم إلا ظالم .

        وحمل أزواجه على الزهد والقناعة وشظف العيش وخيَّرهن بين عشرته مع الفقر وضيق العيش ، ومفارقته مع السعة والرخاء ، وتلا عليهن قوله تعالى : ) يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحاً جميلاً، وإن كنتن تردن الله ورسوله ودار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجراً عظيماً ( [ الأحزاب : 28-29] ، فاخترّن الله والرسول .

       وتأتيه فاطمة تشكو إيه ما تلقى في يدها من الرَّحى ، وبلغها أنه جاءه رفيق فيوصيها بالتسبيح و التحميد والتكبير ، ويقول لها إنه خير لها من خادم .. وهكذا كان شأنه مع أهل بيته والمتصلين به فالأقرب ثم الأقرب.

وآمن به رجل من قريش في مكة ، فاضطربت حياتهم الاقتصادية اضطراباً عظيماً ، وكسدت تجاراتهم وحُرم بعضهم رأس ماله الذي جمعه في حياته ، وحرم بعضهم أسباب الترف والرخاء وأناقة اللباس التي كان فيها مضرب المثل ، وكسدت تجارة بعضهم لاشتغاله بالدعوة وانصراف الزبائن عنه ، وحرم بعضهم نصيبه في ثروة أبيه .

       ثم لما هاجر الرسول إلى المدينة وتبعه الأنصار تأثرت بذلك بساتينهم ومزارعهم ، فلما أردوا أن يقبلوا عليها بعض الوقت ويصلحوها لم يسمح لهم بذلك ، وأنذرهم الله به فقال : ) و انفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيدكم إلى التهلكة ( [ البقرة : 195].

       وهكذا كان شأن العرب والذين احتضنوا هذه الدعوة منهم ، فقد كان نصيبهم من متاعب الجهاد وخسائر النفوس والأموال أعظم من نصيب أي أمة في العالم ، وقد خاطبهم الله بقوله : ) قل إن كان ءاباكم وأبناؤكم وأخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين ( [ التوبة : 24]. وقال:) ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ( [ التوبة : 120] . لأن سعادة البشرية إنما كانت تتوقف على ما يقدمونه من تضحية ، وإيثار ما يتحملون من خسائر ونكبات فقال : ) ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين ( [البقرة : 155]. وقال :) أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا ءامنا وهم لا يفتنون ( [العنكبوت:2].

وكان إحجام العرب عن هذه المكرمة وترددهم في ذلك امتداداً لشقاء الإنسانية واستمراراً للأوضاع السيئة في العالم فقال : ) إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ( [ الأنفال : 73].

وقد وقف العالم في القرن السادس المسيحي على مفترق الطرق، إما أن يتقدم العرب ويعرِّضوا نفوسهم وأموالهم وأولادهم وكل ما يعز عليهم للخطر  ويزهدوا في مطامع الدنيا ويضحوا في سبيل المصلحة الاجتماعية بأنانيتهم، فيسعد  العالم وتستقيم البشرية وتقوم سوق الجنة وتروج بضاعة الإيمان ، وما أن يؤثروا شهواتهم ومطامعهم وحظوظهم الفردية على سعادة البشرية وصلاح العالم ، فيبقى العالم في حمأ الضلالة والشقاء إلى ما شاء الله ، وقد أراد الله بالإنسانية خيراً وتشجع العرب - بما نَفَحَ فيهم محمد r من روح الإيمان والإيثار ، وحبَّب إليهم لدار الآخرة وثوابها - فقدموا أنفسهم فداء للإنسانية كلها ، وزهدوا في مطامع الدنيا طمعً في ثواب الله وسعادة النوع الإنساني ، وجهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ، وضحَّوا بكل ما يحرص عليه الناس من مطامع وشهوات وآمال وأحلام ، وأخلصوا لله العمل والجهاد ، فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة ، والله يحب المحسنين .

       وقد استدار الزمان كهيئة يوم بعث الرسول ، ووقف العالم على مفترق الطرق مرة ثانية ، إما أن يتقدم العرب - وهم أمة الرسول وعشيرته- إلى الميدان ويغامروا بنفوسهم وإمكانياتهم ومطامحهم ، ويخاطروا فيما هم فيه من رخاء وثراء ، ودنيا واسعة ، وفرص متاحة للعيش ، وأسباب ميسورة ؛ فينهض العالم من عثارة ، وتتبدل الأرض غير الأرض ؛ وإما أن يستمروا فيما هم فيه من طمع وطموح ، وتنافس في الوظائف والمرتبات ، وتفكُّر في كثرة الدخل والإيراد ، وزيادة غلة الأملاك وربح التجارات ، والحصول على أسباب الترف والتنعُّم؛ فيبقى العالم في هذا المستنقع الذي يتردد فيه منذ قرون .

       إن العالم لا يسعد وخيرة الشباب في العواصم العربية عاكفون على شهواتهم ، تدور حياتهم حول المادة والمعدة لا يفكرون في غيرهما ، ولا يترفعون عن الجهاد في سبيلهما ، ولقد كان شباب بعض الأمم الجاهلية الذين ضحوا بمستقبلهم في سبيل المبادئ التي اعتنقوها أكبر منهم نفساً، وأوسع منهم فكراً ، بل كان الشاعر الجاهلي ( امرؤ القيس ) أعلى منهم همة ، إذ قال :

ولو أني أسعى لأدنـى معيشة         كفانـي ولم أطلـب قليلاً من المال

ولكنمـا أسعـى لمجـد مُؤثَّل        وقـد يدرك المجـد المؤثَّـل أمثالي

       إن العالم لا يمكن أن يصل إلى السعادة إلا على قنطرة من جهاد ومتاعب يقدمها الشباب المسلم . إن الأرض لفي حاجة إلى سماد ، وسماد أرض البشرية جسمه ؛ وبينما أمراء العرب وأغنياؤهم على سيارات تباري الريح وتثير النقع ، إذا بفوج من النساء والأطفال عليه ثياب سوداء ، قد أصبحت خيوطاً من طول اللبس ، لا يعدو لأجل فلس أو قرص؛ فما دامت المدن العربية تجمع بين القصور الشامخة والسيارات الفاخرة ، وبين الأكواخ الحقيرة والبيوت المتداعية الضيقة المظلمة ، ومادامت التخمة والجوع يزخران في مدينة واحدة ، فالباب مفتوح على مصراعيه للشيوعية والثورات والاضطراب والقلق لا توقفها دعاية ولا قوة ، وإذا لم يَسُدْ النظام الإسلامي في بلاده بجماله واعتداله؛ يحل محله نظام جائر بعسفه وقهره عقاباً من الله كردِّ فعل عنيف .

 

      التخلَّص من أنواع الأثرة :

       لقد أتى على العالم العربي عهد في التاريخ كانت الحياة فيه تدور حول فرد واحد - وهو شخص الخليفة أو الملك - أو حول حفنة من الرجال- هم الوزراء وأبناء الملك- وكانت البلاد تعتبر ملكاً شخصياً لذلك الفرد السعيد والأمة كلها فوجاً من الممالك والعبيد ، ويتحكم في أموالهم وأملاكهم ونفوسهم وأعراضهم ، ولم تكن الأمة التي كان يحكم عليها إلا ظلاً لشخصه ، ولم تكن حياتها إلا امتداداً لحياته .

       لقد كانت الحياة تدور حول هذا الفرد بتاريخها وعلومها وآدابها وشعرها وإنتاجها ، فإذا استعرض أحد تاريخ هذا العهد أو أدب تلك الفترة من الزمان وجد هذه الشخصية تسيطر على الأمة أو المجتمع ، كما تسيطر شجرة باسقة على الحشائش والشجيرات التي تنبت في ظلها وتمنعها من الشمس والهواء ، كذلك تضمحل هذه الأمة في شخص هذا الفرد وتذوب، وتصبح أمة هزيلة لا شخصية لها ولا إرادة ، ولا حرية لها ولا كرامة .

       وكان هذا الفرد هو الذي تدور لأجله عجلة الحياة ، فلأجله يتعب الفلاّح ويشتغل التاجر ويجتهد الصانع ويؤلف المؤلف وينظم الشاعر ، ولأجله تلد الأمهات ، وفي سبيله يموت الرجال وتقاتل الجيوش ، بل ولأجله تلفظ الأرض خزائنها ويقذف البحر نفائسه وتستخرج كنوز الأرض خيراتها.

       وكانت الأمة - وهي صاحبة الإنتاج وصاحبة الفضل في هذه الرفاهية كلها تعيش عيش الصعاليك ، أو الارقَّاء المماليك ، وقد تسعد بفُتات مائدة المَلِك ، وبما يفضل عن حاشيته ، فتشكر ، وقد تُحرم ذلك أيضاً ، فتصبر ، وقد تموت فيها الإنسانية فلا تنكر شيئاً ، بل تتسابق في التزلُّف وانتهاز الفرص .

       هذا هو العهد الذي ازدهر في الشرق طويلاً ، وترك رواسب في حياة هذه الأمة ونفوسها وفي أدبها وشعرها ، وأخلاقها واجتماعاتها ، وخلف آثاراً باقية في المكتبة العربية ، ومن هذه الآثار الناطقة كتاب ( ألف ليلة وليلة ) الذي يصور ذلك العهد تصويراً بارعاً، يوم كان الخليفة في بغداد أو الملك في دمشق أو القاهرة ، وهو كل شيء ، وبطل رواية الحياة ومركز الدائرة .

       إن هذا العهد الذي يمثله كتاب ( ألف ليلة وليلة ) بأساطيره وقصصه وكتاب الأغاني بتاريخه وأدبه ، لم يكن عهداً إسلامياً ، ولا عهداً طبيعياً معقولاً فلا يرضاه الإسلام ولا يقرّه العقل ، بل إنما جاء الإسلام بهدمه والقضاء عليه ، فقد كان هذا العهد الذي بعث فيه محمد r فسماه الجاهلية  ونَعَى عليه ، وأنكر على ملوكه - ككسرى وقيصر - وعلى أثرتهم وترفهم أشد الإنكار.

       إن هذا العهد غير قابل للبقاء والاستمرار في أي مكان وفي أي زمان  ولا سبيل إليه إلا إذا كانت الأمة مغلوبة على أمرها أو مصابة في عقلها أو فاقدة الوعي والشعور أو ميتة النفس والروح .

       إن هذا الوضع لا يقره عقل ، ومن الذي يسوّغ أن يتخم فرد أو بضعة أفراد بأنواع الطعام والشراب، ويموت آلاف جوعاً ومَسْغَبَة ، ومن الذي يسوَّغ أن يبعث ملك أو أبناء ملك بالمال عبث المجانين ، والناس لا يجدون من القوت ما يقيم صلبهم ومن الكسوة ما يستر جسمهم ، ومن الذي يسوِّغ أن يكون حظ طبقة - وهي الأكثرة- الإنتاج وحده والكدح  في الحياة والعمل المضني الذي لا نهاية لا له ، وحظ طبقة - وهي لا تتجاوز عدد الأصابع - إلا التلهي بثمرات تعب يشقى أهل الصناعة وأهل الذكاء وأهل الاجتهاد وأهل المواهب وأهل الصلاح ، وينعم رجال لا يحسنون غير التبذير ، ولا يعرفون صناعة غير صناعة الفجور ، وشرب الخمور؟! ومن الذي يسوِّغ أن يُجفَى حول ملك أو أمير فوج من خساس النفوس وسخفاء العقول وفاقدي الضمائر ، ممن لا همَّ لهم إلا ابتزاز الأموال وإرضاد الشهوات ، ولا يحسنون فنً من فنون الدنيا غير التملق والإطراء والمؤامرة ضد الأبرياء ، ولا يتصفون بشيء غير فقدان الشعور وقلة الحياء .

       إن وضع شاذ لا ينبغي أن يبقى يوماً فضلاً عن أن يبقى أعواماً .

إنه وضع إن سبق في عهد من عهود التاريخ ، وبقي مدة طويلة فقد كان ذلك على غفلة من الأمة أو على الرغم منها ، وبسبب ضعف الإسلام وقوة الجاهلية ، ولكنه خليق بأن ينهار ويتداعى كلما أشرقت شمس الإسلام واستيقظ الوعي وهبت الأمة تحاسب نفسها وأفرادها  .

فالذين لا يزالون يعيشون في عالم ( ألف ليلة وليلة ) إنما يعيشون في عالم الأحلام ، إنما يعيشون في بيت أوهن من بيت العنكبوت ، إنما يعيشون في بيت مهدد بالأخطار لا يدرون متى يُكْبس ، لا يدرون متى تعمل فيه معاول الهدم ، وإن سلموا من كل هذا فلا يدرون متى يخرّ عليهم السقف من فوقهم ، فإنه بيته قائم على غير أساس متين وعلى غير دعائم قوية .

إلا أن عهد ألف ليلة وليلة قد مضى فلا يخدعنَّ  أقوام أنفسهم ، ولا يربطوا نفوسهم بعجلة قد تكسرت وتحطمت ، إن الملوكية مصباح - إن جاز هذا التعبير - قد نفد زيته واحترقت فتيلته ، فهو إلى انطفاء عاجل ولو لم تهبّ عاصفة .

إنه لا محلَّ  في الإسلام لأي نوع من أنواع الأثرة ، إنه محل فيه للأثرة الفردية أو العائلية التي نراها في بعض الأمم الشرقية والأقطار الإسلامية ، ولا محل فيه للأثرة المنظمة التي نراها في أوروبا وأمريكا وفي روسيا ، فهي في أوروبا أثرة حزب من الأحزاب ، وفي أمريكا أثرة الرأسمالية ، وفي روسيا قلة آمنت بالشيوعية المتطرفة وفرضت نفسها على الكثرة ، وهي تعامل العمال والمعتقلين بقسوة نادرة ووحشية ربما لا يوجد لها نظير في تاريخ السخرة الظالمة ([7]).

إن الأثرة بجميع أنواعها ستنتهي ، وإن الإنسانية ستثور عيها وتنتقم منها انتقاما شديداً ، إنه لا مستقبل في العالم إلا للإسلام المسح العادل الوسط ، وإن طال أجل هذه (الأثرات ) وأُرخِىَ لها العنان وتمادت في غيها وطغيانها مدة من الزمان .

إن الأثرة - فردية كانت أو عائلة أو حزبية أو طبقية- غير طبيعية في حياة الأمة ، وإنها تتخلص منها في أول فرصة ، إنه محل لها في الإسلام ولا محل لها في مجتمع واع بلغ الرشد ، ولا أمل في استمرارها ؛ فخير للمسلمين وخير للعرب وخير لقادتهم وولاة أمورهم أن يخلصوا أنفسهم منها ، ويقطعوا صلتهم بها قبل أن تغرق فيغرقوا معها .

 

إيجاد الوعي في الأمة  :

إن أَخْوَفَ ما يُخَافُ على أمة ، ويعرِّضها لكل خطر ، ويجعلها فريسة للمنافقين ولعبة للعابثين هو فقدان الوعي في هذه الأمة ، وافتتانها بكل دعوة واندفاعها إلى كل موجة ، وخضوعها لكل متسلط ، وسكوتها على كل فظيعة وتحمُّلها لكل ضيم ، و أن لا تعقل الأمور ولا تضعها في مواضعها ، ولا تميز بين الصديق والعدو وبني الناصح والغاش ، وأن تلدغ من جحر مرة بعد مرة ولا تنصحها الحوادث ، ولا تروعها التجارب ، ولا تنتفع بالكوارث ، ولا تزال تتولى قيادها من جربت عليه الغرش والخديعة والخيانة والأثرة والأنانية والجُبن والعجز ، والخُرق والطّيش ، وكان سبباً للهزيمة والذّلة ، ولا تزال تضع ثقتها فيه ، وتمكِّنه من نفسها وأموالها وأعراضها ومفاتيح ملكها ، وتنسى سريعاً ما لاقت على يده من الخسائر والنكبات ، فيجترئ بذلك السياسيون المحترفون والقادة الخائنون ، ويأمنون سخط الأمة ومحاسبتها ، ويتمادون في غيهم ويسترسلون في خياناتهم وعبثهم ثقة ببلاهة الأمة وسذاجة الشعب وفقدان الوعي .

إن الشعوب الإسلامية والعربية - مع الأسف - ضعيفة الوعي ، إذا تحرجنا أن نقول : فاقدة الوعي ، فهي لا تعرف صديقها من عدوها ولا تزال تعاملهما معاملة سواء ، أو تعامل العدو أحسن مما تعامل الصديق الناصح ، وقد يكون الصديق في تعب وجهاد طول حياته بخلاف العدو ، ولا تزال تلدغ من جحر واحد ألف مرة ، ولا تعتبر بالحوادث والتجارب، وهي ضعيفة الذاكرة ، سريعة النسيان ، تنسى ماضي الزعماء والقادة ، وتنسى الحوادث القريبة والبعيدة ، وهي ضعيفة في الوعي الديني والوعي الاجتماعي في الوعي السياسي ، وذلك ما جرَّ عليها ويلاً عظيماً وشقاءً كبيراً ، وسلَّط عليها القيادة الزائفة وفضحها في كل معركة .

إن الأمم الأوروبية - برغم إفلاسها في الروح والأخلاق وبرغم عيوبها الكثيرة التي بحثنا عنها في هذا الكتاب - قوية الوعي ، الوعي المدني والسياسي ، قد بلغ سن الرشد في السياسة ، وأصبحت تعرف نفعها من ضررها ، وتميز بين الناصح الخادع ، وبين المخلص والمنافق ، وبين الكفؤ والعاجز ، فلا تولِّي قيادها إلا الأكفاء الأقوياء الأمناء ، ثم لا تولِّيهم أمورها إلا على حذر، فإذا رأت منهم عجزاً أو خيانة ، أو رأت أنهم مثَّلوا دورهم وانتهوا من أمرهم ، استغنت عنهم ، وأبدلت بهم رجالاً أقوى منهم وأعظم كفاءة وأجدر بالموقف ، ولم يمنعها من إقالتهم أو إقصائهم من الحكم ماضيهم الرائع وأعمالهم الجليلة وانتصارهم في حرب ، أو نجاحهم في قضية . وبذلك أمنت السياسيين المحترفين ، والقيادة الضعيفة أو الخائنة ، وخوَّف ذلك الزعماء ورجال الحكم ، وكانوا حذرين ساهين يخافون رقابة الأمة وعقابها وبطش الرأي العام .

فمن أعظم ما تخدم به هذه الأمة وتُؤمَّن من المهازل والمآسي التي لا تكاد تنتهي هو إيجاد الوعي في طبقاتها ودهمائها ، وتربية الجماهير التربية العقلية والمدنية والسياسية .ولا يخفى أن الوعي غير فشو التعليم وزوال الأمية ، وإن كانت هذه الأخيرة من أنجح وسائلها ، وليعرف الزعماء السياسيون والقادة أن الأمة التي يعوزها الوعي غير جديرة بالثقة ولا تبعث حالتها على الارتياح ، وإن أطرت الزعامة والزعماء وقدَّستهم ، فإنها - مادامت ضعيفة الوعي - عرضة لكل دعاية وتهريج وسخرية، كريشة في فلاة تلعب بها الريح ولا تستقر في مكان .

 

استقلال البلاد العربية في تجارتها وماليتها :

وكذلك لابدَّ للعالم العربي -كالعالم الإسلامي - من الاستقلال في تجارته وماليته وصناعته وتعليمه ، لا تلبس شعوبه وجماهيره إلا ما تنبته أرضه وتنسجه يده ، وتستغني عن الغرب في جميع شؤون حياتها وفي كل ما تحتاج إليه من كسوة ، وطعام ، وبضائع ، ومصنوعات ، وأسلحة وجهاز حربي ، وآلات وماكينات ، وأدوية ، فلا تكون كَلاَّ على الغرب وعيالاً عليه في معيشتها ومتطفلة على مائدته .

إن العالم العربي لا يستطيع أن يحارب الغرب - إذا احتاج إلى ذلك ودعت إليه الظروف- وهو مدين له في ماله ، عيال عليه في لباسه وبضائعه ، لا يجد قلماً يوقع به على ميثاق مع الغرب إلا القلم الذي صُنع في الغرب ، ولا يجد ما يقاتل به الغرب ، إلا الرصاص الذي أُفرغ في الغرب، إن عاراً على الأمة العربية أن تعجز عن الانتفاع بمنابع ثروتها وقوتها ، وأن يجري ماء الحياة في عروقها وشرايينها إلى أجسام غيرها، وأن جيشها وكلاُء الغرب وضباطه ، ويدير بعض مصالح حكومته رجاله، فلابد للعالم العربي أن يقوم هو نفسه بحاجاته : تنظيم التجارة والمالية ، وحركة التوريد والتصدير ، والصناعة الوطنية ، وتدرُّب الجيش ، وصنع الآلات والماكينات ، وتربية الرجال الذين يضطلعون بجميع مهمات الدولة ووظائف الحكومة في خبرة ومهارة فنية ، وأمانة ونصيحة .

 

رجاء العالم الإسلامي في العالم العربي :

والعالم العربي بمواهبه وخصائصه وحسن موقعه الجغرافي وأهميته السياسة يُحسن الاضطلاع برسالة الإسلام ، ويستطيع أن يتقلَّد زعامة العالم الإسلامي ، ويزاحم أوروبا ، بعد الاستعداد الكامل ، وينتصر عليها بإيمانه وقوة رسالته ونصر من الله ، ويحوِّل العالم من الشر إلى الخير ، ومن النار والدمار إلى الهدوء والسلام .

إلى قمة القيادة العالمية  :

ما أعظم التطوُّر الذي حدث في تاريخ العرب على إثر بعثة محمد r ونادت به سورة الإسراء وقصة المعراج في لغة صريحة بليغة وفي أسلوب مبين مشرق ([8]) وما أعظم النعمة التي أسبغها الله على العرب ، نقلهم من جزيرتهم التي يتناحرون فيها إلى العالم الفسيح الذي يقودونه بناصيته ، ومن الحياة القبلية المحدودة التي ضاقوا بها إلى الإنسانية الواسعة التي يشرفون عليها ويوجهونها وأصبحوا بفضل هذا التطور العظيم الذي فاجأ العرب وفاجأ العالم يقولون بكل وضوح وشجاعة لإمبراطور المملكة الفارسية العظيمة وأركان دولته :" الله ابتعثنا ليخرج بنا من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده ، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ، ومن جَوْر الأديان إلى عدل الإسلام ".

نعم ، لقد خرجوا من ضيق الدنيا أولاً إلى سعتها ، ثم أخرجوا الأمم من ضيق الدنيا إلى سعتها آخراً ، وهل أضيق من الحياة القبلية والجنسية، وأوسع من الحياة الإنسانية الآفاق؟ وهل أضيق من الحياة التي لا يُفكَّر فيها إلا في المادة الزائلة والحياة الفانية ، ولا يجاهد إلا سبيلها !! وهل أوسع من الحياة الإيمانية الروحانية التي لا نهاية لها ولا تحديداً !؟.

لقد خرجوا من ضيق جزيرة العرب ، ومن ضيق الحياة فيها ، ومن ضيق التفكير في مسائلها ومصالحها ، ومن ضيق التناحر على سيادتها ، ومن ضيق التكالب على حطامها القليل وملكها الضئيل وعيشها الذليل، إلى عالم جديد من السيادة الروحية والخلقية والعلمية والسياسية . ليس الدانوب الفائض والنيل السعيد والفرات العذب والسَّند الطويل إلا سواقي حقيرة وترعاً صغيرة فيه ، وليست جبال الألب والبرانس وعقاب لبنان وقمم هيمالايا إلا تلالاً متواضعة وسدوداً صغيرة ، وليست البلاد الواسعة كالهند والصين وتركستان إلا أحياء ضيقة وحارات صغيرة ، ونقطاً مغمورة في هذا العالم ، وليست هذه الأرض كلها - إذا نظر إليها من ارتقى إلى قمة السيادة - إلا خريطة صغيرة ملونة يراها الطائر المحلِّق في السماء ، وليست الأمم الكبيرة - مع ثقافتها وحضارتها وآدابها - إلا أسراً صغيرة في أمة كبيرة .

لقد قام العالم الكبير على أساس العقيدة الواحدة ، والإيمان العميق والصلة الروحية القوية ، وكان أوسع عالم عرفة التاريخ ، وكانت الشعوب التي تكوِّن هذا العالم أقوى أسرة عرفها التاريخ. تنصهر فيها الثقافات المختلفة ، والعبقريات المختلفة ، فتكوِّن منها ثقافة واحدة وهي الثقافة الإسلامية ، التي لم تزل تظهر في نوابغ الإسلام الذين لا يحصيهم عدد، وفي المآثر الإسلامية - بين علمية وعملية- التي لا يستقصيها التاريخ .

لقد كانت - ولا تزال- قيادة هذا العالم بجدارة واستحقاق أشرف قيادة وأعظمها وأقواها في تاريخ الزعامة والقيادة ، وقد أكرم الله بها العرب لما أخلصوا لهذه الدعوة الإسلامية وتفانوا في سبيلها ، فأحبهم الناس في العالم حباً لم يعرف له نظير ، وقلدوهم في كل شيء تقليداً لم يعرف له نظير ، وخضعت للغتهم اللغات ، ولثقافتهم الثقافات ، ولحضارتهم الحضارات ، فكانت لغتهم هي لغة العلم والتأليف في العالم المتمدن من أقصاه إلى أقصاه ، وهي اللغة المقدسة الحبيبة التي يؤثرها الناس على لغاتهم التي نشوؤا عليها ، ويؤلفون فيها أعظم مؤلفاتهم وأحب مؤلفاتهم ، ويتقنونها كأبنائها وأحسن ، وينبغ فيها أدباء ومؤلفون يخضع لهم المثقفون في العالم العربي ، ويقر بفضلهم وإمامتهم أدباء العرب ونقادهم .

وكانت حضارتهم هي الحضارة المثلى التي يتمجد الناس ويتظرفون بتقليدها ، ويحث علماء الدين على تفضيلها على الحضارات الأخرى ويطلقون على كل ما يخالفها من الحضارات ( اسم الجاهلية ) و (العجمية)، وينهون عن اتخاذ شعائرها ومظاهرها .

وبقيت هذه القيادة الشاملة الكاملة مدة طويلة والناس لا يفكرون في ثورة عليها ، وفي التخلُّص منها كما هي عادة المفتوحين والأمم المغلوبة على أمرها في كل عهد ، لأن صلتهم بهذه القيادة ليست صلة المفتوح بالفاتح أو المحكوم بالحاكم ، أو الرقيق بالسيد القاهر ، إنما هي صلى المتديَّن بالمتديَّن ، وصلة المؤمن بالمؤمن ، وعلى الأكثر إنما هي صلة التابع بالمتبوع الذي سبقه بمعرفة الحق والإيمان بالدعوة والتفاني في سبيلها ، فلا محل للثورة ، ولا محل للتذمر ولا محل لنكران الجميل ، إنما اللائق أن يعترفوا لهم بالفضل ، وتلهج ألسنتهم بالشكر والدعاء ، وأن يقولوا : ) ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم ( [ الحشر : 10].

وهكذا كان ، فقد ظلت هذه الأمم المفتوحة تعتبر العرب المنقذ من الجاهلية والوثنية ، والداعي  إلى دار السلام ، والقائد إلى الجنة ، والمعلم والأستاذ في الأدب .

هذه هي القيادة العالمية التي هَيَّأَتها البعثة المحمدية ، وأعلنتها سورة الإسراء ، وهي القيادة التي يجب أن يحرص عليها العرب أشد الحرص ، ويَعَضُّوا عليها بالنواجذ ، ويسعوا إليها بكل ما أتوا من مواهب، ويتواصى بها الآباء والأبناء ، ولا يجوز لهم - في شريعة العقل والدين والغَيْرة - أن يتخلوا عنها في زمن من الأزمان ، ففيها عوض عن كل قيادة مع زيادة ، وليس في غيرها عوض عنها وكفاية ، وهي القيادة التي تشمل جميع أنواع القيادة والسيادة ، وهي تسيطر على القلوب والأرواح ، أكثر من سيطرتها على الأجسام والأشباح  .

إن الطريق إلى هذه القيادة ممهدة ميسورة للعرب ، وهي الطريق التي جرَّبوها في عهدهم الأول : الإخلاص للدعوة الإسلامية واحتضانها ، وتبنِّيها والتفاني في سبيلها ، وتفضيل منهج الحياة الإسلامي على جميع مناهج الحياة .

وبذلك - من غير قصد وإرادة لنيل هذه القيادة وتوُّئها - تخضع لهم الأمم الإسلامية في أنحاء العالم ، وتتهالك على حبهم وإجلالهم وتقلديهم، وبذلك تنفتح لهم أبواب جديدة وميادين جديدة في مشارق الأرض ومغاربها، الميادين التي استعصت على غزاة الغرب ومستعمريه وثارت عليه ، وتدخُل أمم جديدة في الإسلام ، أمم فتية في مواهبها وقواها وذخائرها ، أمم تستطيع أن تعارض أوروبا في مدنيتها وعلومها إذا وجدت إيماناً جديداً ، وديناً جديداً ، وروحاً جديداً ، ورسالة جديدة .

إلى متى أيها العرب تصرفون قواكم الجبارة التي فتحتم بها العالم القديم في ميادين ضيقة محدودة ؟ وإلى متى ينحصر هذا السيل العرم - الذي جرف بالأمس المدنيات والحكومات - في حدود الوادي الضيق ، تصطرع أمواجه ويلتهم بعضها بعضاً ؟

إليكم هذا العالم الإنساني الفسيح الذي اختاركم الله لقيادته واجتباكم لهدايته ، وكانت البعثة المحمدية فاتحة لهذا العهد الجديد في تاريخ أمتم وفي تاريخ العالم جميعاً ، وفي مصيركم ومصير العالم جميعاً ، فاحتضنوا هذه الدعوة الإسلامية من جديد، وتفانوا في سبيلها ، وجاهدوا فيها : ) وجاهدوا في الله حق جهاد ، هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيداً عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وءاتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير ([ الحج:78].

( انتهى الكتاب، والحمد لله أولاً وأخيراً ) .


 

فهرس المراجع العربية والإسلامية :

أ- المراجع الإسلامية :

1- أيام العرب .

2- الأغاني ، لأبي الفرج الأصبهاني 

3-البداية والنهاية ، لأبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي

4- بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب ، لمحمود شكري الألوسي.

5- بيئة النبي r من القرآن ، لمحمد عزت دروزة .

6- تاريخ الرسل والملوك ، لابن جرير الطبري .

7- تعليقات الأمير شكيب أرسلان على حاضر الإسلامي ، تأليف                لوثرب ، تعريب عجاج نويهض .

8- جامع البيان عن تأويل آي القرآن ،لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري.

9- حجة الله البالغة ، لأحمد بن عبد الرحيم المعروف بـ ولي الله الدهلوي

10- حضارة العرب ، لغوستاف لوبون ، عريب عادل زعتر.

11- خطط الشام ، لمحمود كرد علي .

12- الخطط المقريزية ، لأبي العباس أحمد بن علي المقريزي .

13- زاد المعاد ، لابن القيم الجوزية .

14- ضحى الإسلام ، لأحمد أمين .

15- طبائع الاستبداد ، لعبد الرحمن الكواكبي  .

16- طبقات الأمم ، لصاعد الأندلسي .

17- فتح العرب لمصر ، ألفرد .ج.بتلر ، تعريب محمد فريد أبو حديد.

18- فلسفة التاريخ العثماني ، لمحمد جميل بيهم .

19- مستقبل الثقافة في مصر ، لطه حسين .

20- الملل والنِّحَل ، لأبي الفضل الشهرستاني.


 

ب- المراجع الأجنبية :

1-                The history of Decline and tall of the Roman empire, by Edward Gibbon.

2-                A short History of world. By H. G. Wells.

3-                The Marking of Humanity. By Robert Briffault.

4-                The Discovery of India. By Tawahar Lal Nehru.

5-                Islam At the Cross Roads. By Mohammad Asad "Lepold Weiss."

6-                India Civilization and Islam by N. C. Mehta.

7-                Influence of Islam on Indian Culture. By Dr. Tara Chand.

8-                A Survey of Indian History. By K. M. Panikkar.

9-                Conflict of East and West in Turkey. By Khalida edib.

10-          History of the European Morals. By W.E.H. Lecky.

11-          History of the conflict between Religion and Science. By Darabar.

12-          Guide to Modern Wickendness. By Joad.

13-          Philosophy for our Times. By Joad.

14-          Man the Unknown. By Alexis Carrel.

15-          Historians History of World.

16-          Encyclopedia Britannica.


 

 

فهرس الموضوعات التفصيلي :

الموضوع

الصفحة

قصة كتاب يحكيها مؤلفه

مقدمة الطبعة الثامنة

مقدمة الطبعة الرابعة

تصدير : لفضيلة الشيخ الدكتور محمد يوسف موسى

مقدمة بقلم الأستاذ سيد قطب

صورة وصفية " أخي أبو الحسن " بقلم الأستاذ أحمد الشرباص

تقديم للأستاذ عبد الرحمن حبنكة الميداني

ماذا خسر العام بانحطاط المسلمين

الباب الأول

العصر الجاهلي

الفصل الأول : ( الإنسانية في الاحتضار )

نظرة في الأديان والأمم

المسيحية في القرن السادس المسيحي

الحرب الأهلية الدينية في الدول الرومية

الانحلال الاجتماعي والقلق الاقتصادي

مصر في عصر الدولة الرومية ديانة واقتصاداً

الحبشة

الأمم الأوروبية الشمالية الغربية

اليهود

بين اليهود والمسيحيين

   إيران والحركات الهدامة فيها

تقديس الأكاسرة

التفاوت بين الطبقات

تمجيد القومية الفارسية

عبادة النار وتأثيرها في الحياة

الصين : دياناتها ونظمها

البوذية : تطوراتها وانحطاطها

أمم آسيا الوسطى

الهند : ديانة ، واجتماعاً ، وأخلاقاً

الوثنية المتطرفة

الشهوة الجنسية الجامحة

نظام الطبقات الجائر

امتيازات طبقة البراهمة

المنبوذون الأشقياء

مركز المرأة في المجتمع الهندي

العرب : خصائصهم ومواهبهم

وثنية الجاهلية

أصنام العرب في الجاهلية

الآلهة عند العرب

اليهودية والنصرانية في بلاد الرب

الرسالة والإيمان بالبعث

الأدواء الخلقية والاجتماعية

المرأة في المجتمع الجاهلي

العصبية القبلية والدموية في العرب

ظهر الفساد في البر والبحر

لمعات في الظلام

الفصل الثاني( النظام السياسي والمالي في العصر الجاهلي)

الملكية المطلقة

الحكم الروماني في مصر والشام

نظام الجباية والخراج في إيران

كنوز الملوك ومدخراتهم

الفصل الشاسع بين طبقات المجتمع

الفلاحون في إيران

الاضطهاد والاستبداد

المدينة المصطنعة والحياة المترفة

الزيادة الباهظة في الضرائب

شقاء الجمهور

بين غنى مطغ وفقر منس

تصوير الجاهلية

الباب الثاني

من الجاهلية إلى الإسلام

الفصل الأول ( منهج الأنبياء في الإصلاح والانقلاب

العالم الذي واجهه محمد r

نواحي الحياة الفاسدة

لم يكون الرسول رجلاً إقليمياً أو زعيماً وطنياً

لم يبعث لينسخ باطلاً بباطل

قفل الطبيعة البشرية ومفتاحها

الفصل الثاني : ( رحلة المسلم من الجاهلية إلى الإسلام )

دفاع الجاهلية عن نفسها

في سبيل الدين الجديد

التربية الدينية

في مدينة الرسول r

انحلت العقدة الكبرى

أغرب انقلاب وقع في تاريخ العالم

تأثير الإيمان الصحيح في الأخلاق والميول

وخز الضمير

الثبات أمام المطامع والشهوات

الأنفة وكبر النفس

الاستهانة بالزخارف والمظاهر الجوفاء

الشجاعة النادرة والاستهانة بالحياة

من الأنانية إلى العبودية

المحكمات والبينات في الإلهيات

الفصل الثالث : ( المجتمع الإسلامي )

طاقة زهر

ليس منا من دعا إلى عصبية

كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته

لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق

حلول الرسول محل الروح والنفس من المجتمع

نوادر الحب والتفاني

الفصل الرابع ( كيف حول الرسول خامات الجاهلية إلى عجائب الإنسانية)  .

كتلة بشرية متزنة

الباب الثالث

العصر الإسلامي

الفصل الأول : ( عهد القيادة الإسلامية )

الأئمة المسلمون وخصائصهم

دور الخلافة الراشدة مثل المدينة الصالحة

تأثير الإمامة الإسلامية في الحياة العامة

المدينة الإسلامية وتأثيرها في الاتجاه البشري

الفصل الثاني : ( الانحطاط في الحياة الإسلامية )

الحد الفصل بين العصرين

نظرة في أسباب نهضة الإسلام

شروط الزعامة الإسلامية

الجهاد

الاجتهاد

انتقال الإمامة من جماعة إلى جماعة

تحريفات الحياة الإسلامية

فصل الدين عن السياسة

النزعات الجاهلية في رجال الحكومة

سوء تمثيلهم للإسلام

قلة الاحتفال بالعلوم العملية المفيدة

الضلالات والبدع

إنكار الدين على المسلمين وإهابته بهم

حسن بلاد العالم الإسلامي في القرن السادس

فقر القيادة في العالم الإسلامي بعد صلاح الدين

نتاج القرون المنحلة

انهيار صرح القوة الإسلامية

الفصل الثالث : ( دور القيادة العثمانية )

العثمانيون على مسرح التاريخ

تفوق محمد الفاتح في فن الحرب

مزايا الشعب التركي

انحطاط الأتراك في الأخلاق وجمودهم في العلم وصناعة الحرب

الجمود العلمي في تركيا

الانحطاط الفكري والعلمي العام

معاصرو العثمانيين في الشرق

نهضة أوروبا الجاهلية وسيرها الحثيث في علوم الطبيعة والصناعات

تخلف المسلمين في مرافق الحياة

تخلفهم في صناعة الحرب

الفراغ الذي تركته الإمبراطورية العثمانية

الباب الرابع

العصر الأوروبي

الفصل الأول ( أوروبا المادي )

طبيعة الحضارة الغربية وتاريخها

خصائص الحضارة الإغريقية

خصائص الحضارة الرومية

الانحطاط الخلقي في الجمهورية الرومية

تنصر الروم

خسارة النصرانية في دولتها

الرهبانية العاتية

عجائب الرهبان

تأثير الرهبانية في أخلاق الأوروبيين

عجز الرهبانية عن تعديل المادية الجامحة

بين الرهبانية العاتية والمادية الجامحة

الفساد في المراكز الدينية

تنافس البابوية والإمبراطورية

شقاء أوروبا برجال الدين

جناية رجال الدين على الكتب الدينية

اضطهاد الكنيسة للعلم

ثورة رجال التجديد

تقصير الثائرين وعدم تثبتهم

اتجاه الغرب إلى المادية

افتضاح المادية في الدور الأخير

جنود المادية ودعاتها

نسخة صادقة عن الحضارة اليونانية

ديانة أوروبا اليوم المادية ، لا النصرانية

مظاهر الطبيعة في أوروبا

الغايات المادية للحركات الروحية والعلمية

التصوف المادي الغربي ووحدة الوجود الاقتصادية

نظرية دارون وتأثيرها في الأفكار والحضارة

إقبال الجهور على نظرية الارتقاء

من جنايات المادية

الفصل الثاني ( القومية والوطنية في أوروبا )

انكسار الكنيسة اللاتينية بسبب قوة العصبية والقومية والوطنية

طرائف العصبية القومية في أوروبا

عدوى القومية في الأقطار الإسلامية

الفكرة القومية في العرب

الديانة القومية الأوروبية وأركانها

الحل الإسلامي لمعضلة الحروب والمنافسات الشعوبية

دعاية القوميين واضرارهم بالشعوب الصغيرة

مطامح الدول الكبيرة

منافسة الشعوب في المستعمرات والأسواق

الفرق بين حكم الجباية وحكم الهداية

الفصل الثالث ( أوروبا إلى الانتحار )

عصر الاكتشاف والاختراع

الغاية من الصناعات والمخترعات وموقف الإسلام

إنما طائركم معكم

التخليط بين الوسائل والغايات

عدم تعادل القوة والأخلاق في أوروبا

قوة الآلهة وعقل الأطفال

ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم

أوروبا في الانتحار

القنبلة الذرية وفظائعها

والذي خبث لا يخرج إلى نكداً

الفصل الرابع ( رزايا الإنسانية المعنوية في عهد الاستعمار الأوروبي)

بطلان الحاسة الدينية

ما لجرح بميت إيلام

زوال العاطفة الدينية

طغيان المادة والمعدة

التدهور في الأخلاق والمجتمع

الباب الخامس

قيادة الإسلام للعالم

الفصل الأول : ( نهضة العالم الإسلامي )

اتجاه العالم بأسره إلى الجاهلية

استيلاء الفلسفة الأوروبية على العلم

الشعوب والدول الآسيوية

الحل الوحيد للأزمة العالمية

العالم الإسلامي على إثر أوروبا

المسلمون على علاتهم موئل الإنسانية وأمة المستقبل

رسالة العالم الإسلامي

الاستعداد الروحي

الاستعداد الصناعي والحربي

تبوء الزعامة في العلم والتحقيق

التنظيم العملي الجديد

دور القيادة الجديد

الفصل الثاني : ( زعامة العالم العربي )

أهمية العالم العربي

محمد رسول الله روح العالم العربي

الإيمان هو قوة العالم العربي

تضحية شباب العرب قنطرة إلى سعادة البشرية

العناية بالفروسية والحياة العسكرية

محاربة التبذير والفرق الهائل بين الغني والصعلوك

التخلص من أنواع الأثرة

إيجاد الوعي في الأمة

استقلال البلاد العربية في تجارتها وماليتها

رجاء العالم الإسلامي من العالم العربي

إلى قمة القيادة العالمية

 

 

 

 

 

 

      

 

 


 


([1]) دول المحور : هي ألمانيا وحلفاؤها في الحرب العالمية الثانية  .

([2]) ) وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه (  [ الحديد : 7] .

([3]) اقرأ كتاب ( مستقبل الثقافة في مصر ) للدكتور طه حسين .

([4]) يعني أنه آلة بيد القدرة الإلهية ، وجارحة لها .

([5]يشر إلى قصة غرامية فارسية قديمة تناقلها الأدباء والشعراء في إيران والهند ، تمثل ( شرين ) دور المرأة الفاتنة التي هام بها الأبطال ، و ( أبرويز) دور الملك القاهر الذي عشقها ، واستأثر  بها.

([6]( زبور عجم ) ، ص 116-118 باختصار وتوسع . ( روائع إقبال ، الطبعة الثانية ، ص100-101).

([7]اقرأ ذلك في كتاب : Forced Labour in Russia

([8]تضم سورة الإسراء وقصة والمعراج إعلاناً بأن محمد r هو نبي القبلتين وإمام المشرقين والمغربي، ووارث الأنبياء قيله وإمام الأجيال بعده .

 

 

 

 


      

 H E R A A
FOR RESEARCH, PUBLISHING & DISTRIBUTING
Thikana, 504/30A, Taigor Marg, Nadwa Road
Lucknow 226020, India

Email: heraa@nadwi.net
.in

ربيع الأول 13, 1426

 



عنوان الموقع الرسمي لندوة العلماء بالهند Nadwatul Ulama`s  Website

http://nadwatululama.org

عنوان البريد الإلكتروني لندوة العلماء E-mail address

nadwa@sancharnet.in

عنزان البريد الإلكتروني الخاص برئيس ندوة العلماء E-mail address of Nazim Nadwatul Ulama

nadwi@nadwi..net.in

      

 H E R A A
FOR RESEARCH, PUBLISHING & DISTRIBUTING
Thikana, 504/30A, Taigor Marg, Nadwa Road
Lucknow 226020, India

Email: heraa@nadwi.net.in

ربيع الأول 13, 1426

 


عنوان الموقع الرسمي لندوة العلماء بالهند Nadwatul Ulama`s  Website

http://nadwatululama.org

عنوان البريد الإلكتروني لندوة العلماء E-mail address

nadwa@sancharnet.in

عنزان البريد الإلكتروني الخاص برئيس ندوة العلماء E-mail address of Nazim Nadwatul Ulama

nadwi@nadwi..net.in