|
الفصل الثاني القومية والوطنية في أوروبا
انكسار الكنيسة اللاتينية سبب قوة العصبية والقومية الوطنية: قدَّمنا أن الوطنية والقومية والاعتداد الشديد بالشعب والموقع الجغرافي من خصائص الطبع الأوروبي الذي سرى في العنصر الأوروبي مسرح الروح ، وجرى منه مجرى الدم ، وأصبح طبيعة ثانية له ، ولكن النصرانية قهرت هذه الطبيعة ، لأنها - على علاقاتها ، وبرغم ما طرأ عليها من التحريف والتبدل - لا يزال عليها مسحة من تعليم المسيح ، وفيها أثاره من علمه ؛ والدين السماوي مهما تحرَّف لا يعرف الفروق المصطنعة بين الإنسان والإنسان ، ولا يفرق بين الأجناس والألوان والأوطان، فجمعت النصرانية الأمم الأوروبية تحت لواء الدين ، وجعلت من العالم النصراني عشيرة واحدة ، وأخضعت الشعوب الكثيرة للكنيسة اللاتينية فغلبت العصبية القومية والنعرة الوطنية ، وشغلت الأمم عنها لمدة طويلة. ولكن لما قام لوثر سنة 1483-1546م بحركته الدينية الإصلاحية الشهيرة ضد الكنسية اللاتينية ، ورأى من مصلحة مهمته أن يستعين بالألمان جنسه ، ونجح في عمله نجاحاً لا يستهان بقدره ، وانهزمت الكنيسة اللاتينية في عاقبة الأمر وانفراط عَقْدها - استقلت الأمم ، وأصبحت لا تربطها رابطة ؛ ولم تزل كل يوم تزداداً استقلالاً في شؤونها وتشتتاً ، حتى إذا اضمحلت النصرانية نفسها في أوروبا قويت العصبية القومية والوطنية ، وكان الدين والقومية ككفتي ميزان كلما رجحت واحدة طاشت الأخرى ، ومعلوم أن كفة الدين لم تزل تخففُّ كل يوم ، ولم تزل كفة منافسته راجحة ، وقد أشار إلى هذه الحقيقة التاريخية الفضل الإنجليزي المعروف لورد لوثين Lord Lothian السفير البريطاني السابق في أمريكا في خطبته التي ألقاها في حلفة جامعة عليكرة في يناير سنة 1938م: " لما قضت حركة لوثر التي تدَّعي حركة إصلاح الدين على وحدة أوروبا الثقافية والدينية ، انقسمت هذه القارة في إمارات شعبية مختلفة ، وأصبحت منازعاتها ومنافساتها خطراً خالداً على أمن العالم ". وكانت نتيجة الانحطاط الديني ، وانخفاض مبادئ الدين والأخلاق، ورجحان كفة الوطنيّة والقومية ؛ يقول ( لورد لوثين ) في نفس هذه الخطبة: " إن الدين الذي هو المرشد اللازم للإنسان الوسيلة الوحيدة لحصول الغاية الخلقية ، والشرف المعنوي للحياة البشرية ، كان نتيجة الانحطاط في سلطانه أن فتن العالم الغربي بمذاهب سياسية تقوم على أساس اختلاف الأجناس والطبقات ، وآمن - بتأثير العلوم الطبيعية- أن الرقي المادي هو الغاية العليا ، والوطر الأكبر ، ولا يزال يزيد هذا الأمر في مشاكل الحياة وأثقالها وتكاليفها ، وكان من نتائج ذلك أيضاً أنه صعب على أوروبا أن توفق بين روحها وحياتها توفيقاً ينقذها من القومية ، داهية هذا العصر الكبرى " ([1]) .
طرائف العصبية القومية في أوروبا : كانت نتيجة انحلال النظام الديني وانتعاش النعرة القومية أولاً، أن أصبحت أوروبا معسكراً وحداً ضد الشرق ، وخطَّت خطاً فاصلاً بين الغرب والشرق ، أو بين أوروبا وبين سواها من القارات والأقاليم . والجنس الآري وبين ما عداه من أجناس البشر ، يعتقد أن كل ما دون هذا الخط له الفضل على كل ما وراءه من نسل وشعب وثقافة وحضارة وعلم وأدب ، وأن الأول خُلق ليسود ويحكم ، والثاني ليخضع ويدين ؛ والأول ليبقى ويزدهر ، والثاني ليموت ويضمحل ؛ وهذا بعينه ما امتاز به اليونان والروم في عهدهم ، فقد كانوا لا يعدون مهذبين إلا أنفسهم فقط ، وكانوا يسمون كل شيء غريباً، خصوصاً كل ما كان واقعاً في شرق المحيط الأطلانتيكي: بربرياً . وكان نتيجة هذه النفسية الجنسية والعصبية ضد كل ما جاء من الخارج ويعزى إلى أجنبي ، أن صارت بعض الشعوب الأوروبية تنظر إلى الدين المسيحي وإلى المسيح كطارئ ونزيل يريدون أن ينفوه من بلادهم ويتبرؤوا منه ،يمثل ذلك ما قال أحد المعلمين في ألمانيا وهو البروفيسور أترني : " لأي شيء يدرس أولادنا تاريخ أمة أجنبية ، ولماذا يعص عليهم قصص إبراهيم وإسحاق ؟ ينبغي أن يكون إلالهنا أيضاً ألمانيا". ونشأت في ألمانيا طائفة تتبرأ من سيدنا المسيح عليه السلام لكونه من بني إسرائيل ، الذين لا يزالون يدينون له بالحب والتعظيم يجتهدون أن يثبتوا أنه كان من سلالة آرية ، وظهرت في ألمانيا نزعة إلى إحياء الآلهة القومية القديمة التي كان يعبدها الشعب الألماني في عهده القديم . وليست روسيا العالمية بأقل حماسة للعصبية الجنسية والوطنية من منافسها القديم ألمانيا . فيعتقد الناس في روسيا أن أغلب الاختراعات الكبرى في العصر الحديث إنما يرجع الفضل فيها إلى الروس . فليس ( لافوزاييه ) هو واضع القانون الخاص بتركيب الأجسام ، بل هو مدين بما ينسب إليه للعالم الروسي ( ميشل لوموتوسوف ) ، وليس ( الأديسون ) فضل في استخدام الكهرباء في الإضاءة فقد سبقه (لووجين) الروسي بست سنوات إلى ذلك ، ونشرت جريدة برافدا : أن العلماء الروسيين توصلوا إلى اختراع التلغراف قبل ( مورس) ، وإلى تسيير القاطرة البخارية قبل ( ستفنسن ) ، إلى غير ذلك من تحديات للتاريخ ، ليس الباعث عليها إلا العصبية الجنسية وتقديس ( روسيا) .
عدوى القومية في الأقطار الإسلامية : ومما يدعو إلى الأسف والاضطراب ، أن هذه العدوى القومية قد سرت إلى بعض الأقطار الإسلامية ، التي كان يجب وكان من المترقب أن تكون زعيمة لدعوة الإسلام العالمية ، حاملة في عصرها لرسالة الأمن والسلام ، وأن تكون جبهة قوية ضد القومية الوطنية ، وذلك بانحلال الدين في هذه البلاد ، وبتأثير الآداب الأوروبية والحضارة الغربية ، فترى في الترك النزعة الطورانية ، والدعوة إلى إحياء جاهليتها القديمة وآدابها وثقافتها ، والنظرة إلى الدين الإسلامي الذي انتشر على أيدي العرب وشرعية الإسلام وثقافته ولغته نظرة تشبه نظرة ألمانيا الجديدة إلى الأديان التي جاء بها الأنبياء من غير النسل الآري والآداب السامية وثقافتها ، فاعتقد بعض المفكرين في تركيا الفتاة أن الإسلام دين طارئ غريب لا يصلح للترك ، وأن الأولى بهم أن يرجعوا إلى وثنيتهم الأولى قبل أن اعتنق آباؤهم الدين الإسلامي ، تقول الفاضلة خالدة أديب هانم عن ( ضياء كوك ألب ) وهو من كبار مؤسس تركيا الجديدة أدباً وتهذيباً : " كان ضياء كوك ألب يريد أن ينشئ تركيا جديدة تكون صلة بين الأتراك العثمانيين وبين أسلافهم الطورانيين، فقد كان يريد أن يقوم بإصلاح مدني بواسطة المعلومات التي جمعها عن التنظيمات السياسية والمدنية في عهد الأتراك قبل الإسلام ، كان ضياء يعتقد ويؤمن بأن الإسلام الذي وضعه العرب لا يصلح لشأننا ، ولابدَّ لنا من إصلاح ديني يوافق طبائعنا إذا لم نرجع إلى عهدنا الجاهلي " ([2]) . ومما لاشك فيه أن هذه النزعة قد وُجدت في الترك وكذلك في الإيرانيين في الزمن الأخير : قال الأمير : ( شكيب أرسلان ) - رحمه الله - وهو الخبير الثقة فيما يتعلق بالترك فضلاً عن العرب - لطول مكثه في تركيا - وكان عضواً في مجلس الأمة : " وهناك فئة ثانية تدعى الفئة الطورانية تخالف الفئة الأولى - أي فئة تقول بالقومية العثمانية الإسلامية في كل هذه النظريات - وأشهر دعاتها ضياء كوك ألب ، وأحمد أغائف ويوسف أقشورا اللذان قدما من روسيا ، وجلال ساهر ، ويحيى كمال ، وحمد الله صبحي رئيس وجاق ( تورك بوردي ) ، ومحمد أمين بك الشاعر الملمي ، وكثير من الأدباء والمفكرين ، وأكثر الطلبة والنشء الجديد . وهؤلاء يزعمون أن الترك هم من أقدم أمم البسيطة وأعرقها مجداً ، وأسبقها إلى الحضارة ، وأنهم هم والجنس المغولي واحد في الأصل ، ويلزم أن يعودا واحداً ، ويسمون ذلك بالجامعة الطورانية ، ولم يقتصروا منها على الترك الذين في سيبريا وتركستان والصين وفارس ، والقوقاس والأناضول والروملي ، بل مبدؤهم مدُّ هذه الرابطة إلى المغول في الصين، وإلى المجر والفلانديين في أوروبا ، وكل ما يقال أنه يُنمى إلى أصل طوراني. وهم يقولون بخلاف ما يقول الأولون ، فهم ترك أولاً ومسلمون ثانياً، وشعارهم عدم التديُّن وإهمال الجامعة الإسلامية ، إلا إذا كانت خادمة لنفوذ القومية الطورانية ، فتكون عندئذ واسطة لا غاية ، وقد غلا كثير من هذه الفئة في الطورانية حتى قالوا : نحن أتراك فكعبتنا طوران ، وهم يتغنون بمدائح جنكيز ، ويعجبون بفتوحات المغول ، ولا ينكرون شيئاً من أعمالهم ، وينظمون الأناشيد للأحداث في وصف الوقائع الجنكيزية ليطبعوهم على الإعجاب بها ، ويُرقُّوا مستوى نفوسهم بزعمهم "([3]) . . وقال أيضاً : " هذا ولما كان هذا العصر عصر القوميات كما لا يَخْفَى اقتداءً بالأمم الأوروبية في الزمن الأخير كانت القومية الفارسية قد أخذت تشتد أكثر من ذي قبل ، وذلك نظير ما حصل عند الترك ، وصار كثير من ناشئة الفرس يبحثون عن دين فارس القديم ، وذلك نظير ناشئة الترك الذين أخذوا يبحثون عن عبادات أجدادهم ، وعن الذئب الأبيض الذي كانوا يعبدونه ، حتى صوروه في بعض كتبهم الحديثة ، وقال لهم المرحوم ( موسى كاظم) شيخ الإسلام - وهو الذي أخبرني بذلك - : إن العرب كانت عندهم عبادات كهذه تقشعر منها الأبدان ، ولكنهم اقتلعوها بالإسلام ، وافتخروا بأن الله لطف بهم وأنقذهم منها فرُفِعوا عن مستوى تلك السفالات ، و أما أنتم فتريدون أن تناسوا الاعتقاد بالبارئ تعالى ، وتتذاكر عبادة الذئب الأبيض، فيا للأسف !! . فكما حصل عند الترك حصل عند الفرس وصار ناشئتهم يبحثون عن دياناتهم القديمة التي منها الكيرومرتية (أي تعظيم النور) والتحرز من الظلمة ، ومن هنا جاءتهم عبادة النار ، ومنها فرقة ( زرادشت ) الذي كان يدعو إلى وحدانية الله ويقول : إنه خالق النور والظلمة ، وإنَّ الخير والشر إنما حصلا بامتزاجهما ، وإنهما لو لم يمتزجا لما كان وجود للعالم. إلى غير ذلك من العقائد والأوابد والآثار التي كانت عند قدماء الفرس : كالثنوية ، والزرداشتية ، والمانوية ، ومنهم من يبحث عن المزدكية التي كانت تدعو إلى الإلحاد والإباحية " ([4]).
الفكرة القومية في العرب : وكان أدهى من كل ذلك وأمرّ، أن سرت عدوى القومية إلى العرب آخر القرن التاسع عشر الميلادي ، الذين ظلوا ثلاثة عشر قرناً يدعون إلى الأخّوة البشرية ، والمساواة الإنسانية ، بحكم تعاليم دينهم الذي اختارهم الله له ، وامتزج بدمائهم ولحومهم ، وأصبحت لهم طبيعة لا تفارقهم ، وذلك بحكم عوامل ، بعضها داخلية وبعضها خارجية أجنبية . فمن أهم العوامل الداخلية ، الكبرياء القومية ، التي تظاهر بها بعض الحكام الأتراك ، والغطرسة التي ظهرت في بعض معاملاتهم وتصرفاتهم، والتي كانت تُشعر كثيراً من العرب ، الذين عندهم حساسية زائدة ، بأنهم أمة من الدرجة الثانية ، أو يشمّون فيها رائحة الاستعمار ، وقد أعان على ذلك عدم إحلالهم للغة العربية المحل اللائق ، والنظر إلى اللغة التركية ، كلغة الشعب الحاكم ، وكاللغة الرسمية ، إلى غير ذلك من الأخطاء السياسية، فضلاً عما توجبه الجامعة الإسلامية ، التي نادى بها الأتراك في العهد الأخير ، فأثار ذلك في العرب النقمة ، والنخوة العربية ، وأضرمها، وعمل في تعميق جذورها بعض كبار المثقفين المسيحيين ، الذين لم تربطهم رابطة العقيدة والدين ، والإخاء الإسلامي بطبيعة الحال ، وتلقوا الثقافة الغربية التي قد سرى في أدبها وشعرها ، وفلسفتها وسياستها تمجيداً العنصر والجنس ، والفكرة القومية. وجاء العامل الثاني الأجنبي ، فانتهز دعاة الغرب ، والقادة السياسيون ، الذين كانوا يحلمون من القديم ، بانهيار الإمبراطورية العثمانية، وانفراط عقدها ، وزوال سلطانها ونفوذها الروحي والسياسي من الشرق ، فاحتضنوا هذه الفكرة التي قد دب دبيبها في عروق بعض الشباب العرب الطامحين وبدؤوا يغذونها بكتاباتهم ومؤلفاتهم ، ورحلاتهم وجولاتهم في المدن العربية الكبرى ، واتصالاتهم بقادة الرأي ، وحَمَلة الأقلام ، ورؤساء القبائل والطوائف في العالم العربي ، ويرحون إليهم - متقنَّعين بالحب للعرب ، والدفاع عن حقهم - بنقل مركز الخلافة من الأستانة ، التي اغتصبته في القرن العاشر الهجري ، إلى مكانها الشرعي الطبيعي في أحد الحرمين الشريفين ، أو إحدى عواصم الأقطار العربية الإسلامية ، وكيف تسرِّبت هذه الفكرة إلى عقول العرب ، وكيف بدأت تعمل عملها ، وما هو الدور الذي لعبه المفكرون الغربيون في ولادتها ، ثم في إرضائها، وتغذيتها، ونقلها من مكان إلى مكان ؟ نقرأ ذلك واضحاً، في ما ننقله من كتاب ( مستقبل الإسلام ) Future of Islam الذي ألفه المستر ولفرد بلتني في سنة 1882م ، وقد كان لهذا الكتاب صدى واسع الأوساط العربية والإسلامية ، وتُرجم إلى العربية والأردية ، وصدرت له عدة طبعات . يقول المستر بلنتي في مقدمة الكتاب : " إن زعماء مصر اختاروا طريقاً وسطاً إزاء قضية الخلافة ، وإنهم ركزوا قوتهم على ( الحرية ) وضغطوا عليها ، ولم يقفوا موقف المنازع والمعارض ، إنهم لم يحدثوا ثغرة في الإسلام ، وما أرادوه ، فالسلطان عبد الحميد خان لا يزال يُعترف به كأمير المؤمنين ، وهو أحق بهذا المنصب ، وأولى به بالنسبة إلى غيره ، وقد أُجَّلت النشأة الثانية للخلافة إلى وقت تموت فيه الخلافة العثمانية حتف أنفها ، إنه موقف رصين هادئ للمصريين، وحري بهم أن يفعلوا ذلك " . ويستطرد قائلاً : " إنه يمكن أن يتحول هذا الانتصار - إذا صبرنا سنوات قليلة- إلى انتصار أوسع وأشمل ، إنه لا يماري فيه إلا القليل ، وإن فاه السلطان عبد الحميد أو انعزاله عن الحكم ، سوف يؤدي إلى نقل مركز الخلافة إلى القاهرة، ويتيح للعرب أن يستردوا قيادتهم الدينية ( المفقودة ) من جديد". ويقول في موضع آخر من الكتاب في باب (مكة ، العاصمة الحقيقة): " لقد بدا لعقلاء المسلمين واضحاً جلياً ، أنه إذا بدأنا في الرحلة إلى الوراء ([5])، فنضطر إلى قطع شوط بعيد ، عن مركز الدين وعاصمته في جزيرة العرب ، وهي مهد الإسلام ، ومهبط الوحي والإلهام ، وهي البلد الوحيد الذي يتمتع بجميع صفات الحكم الديني ، يستطيع أن يزاوله إلى أبعد الحدود ، ولا يوجد فيها المسيحيون واليهود ، فيضطر إلى خلاف معهم ونزاع ، ولا لا هو ببلد خصب غني ، يسيل عليه لعاب الدول الغربية ، والخليفة هناك لا يخشى إنذار سفير إنجليزي أو فرنسي ، وتهديد مبعوث آخر أجني ، أنه يستطيع أن يتصرف بحرية شأن نائب الرسول ، ويكون الإسلام صافياً نقياً من جميع الشوائب والأدران ، لذلك كله من المحتمل أن تعود الخلافة إلى أهلها في مكة والمدينة ". ويمضي قائلاً: " إن نقل العاصمة الروحية من القسطنطينية إلى مكة عملية طبيعية سهلة لا تغير في الأفكار والمعتقدات الراهنة للجمهور ، ويتفق مع آراء العملاء واتجاهاتهم كل الاتفاق ، إن مكة والمدينة هما المأوى الشرعي والملاذ الروحي لأهل الحل والربط ، وستكونان مركز القوة الروحية ، وقد وافق على هذا الرأي كل من تحدثت إليه في هذا الموضوع ، وآمنوا بأن جميع العلماء سيوافقون على هذه الفكرة عدا أصدقاء تركيا ، أما أنا فإني أرى أن مكة هي المقر الرئيسي للخلافة ، كنا نسمع منذ زمان هذه الجملة السائرة ( أن رومة هي العاصمة ) ، كذلك جملة ( مكة هي العاصمة ) تؤثر تأثيراً بالغاً في الأذهان ، فإن أضيف إليها ( أن الخلافة في قريش )، فإنه يثير على أقل تقدير اهتزازاً ونشوة في العرب والأقحاح ، إن العنصر العربي بلا شك يؤيد مثل هذا الخيار ، ولا يغيب عن بالنا أن منطقة نفوذ العرب تمتد من مراكش إلى بوشهر ، كما يقع في هذه المنطقة مسلمو الهند والملايون بل إن كل عنصر إسلامي أينما كان يدور في هذا الفلك ، ما عدا الأتراك الذين لا يزالون يفقدون أهميتهم على مرّ الأيام " ([6]). ونشبت الحرب الأولى (1914-1918م) وسنحت للأقطار العربية فرصة الانشقاق عن الإمبراطورية العثمانية ، وانتهز الحلفاء هذه الفرصة الذهبية ، فنفخوا في قربة القومية ، وقام لورانس الداهلية بدروه ، فأشعل الحماس القومي ، وآثار العرب على الأتراك ، وثار الشريف حسين في الحجاز ، وأهل الشام في الشام ، وفضلوا الانضمام إلى راية الحلفاء على البقاء في جوار الأتراك المسلمين ، الذين كانوا رمز قوة الإسلام وشوكته، وتناسوا نصوص القرآن والسنة في هذه القضية ، واعتمدوا على الوعود الخلابة ، والسياسة المتقلبة ، التي لا تعرف إلى المصلحة ، ولا تعبد إلا القوة ، وكان من قيام الحكومة العربية الهاشمية في سوريا ، ثم نَقْض الحلفاء للعهود وتجاهلهم لها بتاتاً ، وانهيار هذه الحكومة السريع ما عمله الجميع . ثم جاء مفهوم القومية العربية ( وهو مفهوم غربي ) وهي فكرة مستقلة وفلسفة بذاتها ، لها كل ما للدين من حمية وحرارة ، وشعائر ومقدسات ، فخضع لها العرب المثقفون - خصوصاً الشباب - الذين ضعفت صلتهم بالدين لأسباب كثيرة ، ونشأت فيهم الرغبة الشديدة لنيل المجد والعظمة في أقرب وقت ، ومجاراة الشعوب الحرة الراقية في مضمار المدينة والتقدم ، ولم يجدوا لذلك سبيلاً - بزعمهم - إلا (القومية العربية)، ونشا فيهم اليأس والتذمر من الأوضاع القائمة واليأس من الأمم الغربية التي أوجدت إسرائيل ، ولا تزال تعطف عليها وتتبناها ، فالتجؤوا إلى القومية العربية كرد فعل عنيف وثورة فكرية ، وغلا فيها بعض الغلاة، فتوصلوا إلى إنكار كل ما عداها ، ومحاربة كل ما سواها ، إلا أن هذه الفكرة - التي التجؤوا إليها كأقوى سلاح في وجه العدو ، وأكبر وسيلة لرد ما فقدته الأمة العربية من شرف واعتبار - قد فقدت الشيء الكثير من الثقة والحماس، بعدما لم تعط ثمرتها المطلوبة ، ولم تحقق المعجزة في حرب العرب وإسرائيل في عام 1967م .
الديانة القومية الأوروبية وأركانها : والخطوة الثانية في هذا الطريق أن أصبحت الشعوب والدول في أوروبا الصغيرة منها والكبيرة ، عوالم مستقلة لا ترى العالم خارج الخطوط التي خطتها الطبيعة من جبال وأنهار ، أو خطتها بيدها من غاية سياسية واستعمار ، ولا تعترف بوجود الإنسان في غير منطقتها فلا تحترمه ولا تعرفه ، واتخذت نفسها إلهاً تدين له بكل ما يدين به العبّاد المخلصون من عبادة وتقديس ، وأضاح هي دماء لآخرين ونفوسهم وأموالهم وبلادهم ، وقتال في سبيله وتفان في طاعته ، محيا وممات لأجله . وهذا الدين القومي يشتمل على شيئين : إيجابي وسلبي ، أما الإيجابي فهو الاعتقاد بأن الشعب أو الأمة فوق كل شيء ، وأفضل من كل شيء ، وأن الله - إذا كانت الأمة تعترف به وتعتقد أو ترى أن المصلحة تستغل هذه الكلمة - لم يخلق أفضل من هذه الأمة ، ولا أنجب منها ، ولا أذكى ولا أقوى ولا أحق بالحكم والسيادة والولاية على الأمم ، والرعاية للعالم منها ، وأنها أمينة ووكيلة ووصيفة في الأرض ، ولم يخلق بلاداً أحب إليه من هذه البلاد ، ولا تربة أزكى من تربتها ، وهذا هو الدين القومي الذي لا يسمح لإنسان أن يعيش في بلاده حتى يؤمن به . ولا تختلف شعوب أوروبا الحاضرة ودولها في هذه الديانة القومية إلا في الصراحة والنفاق ، و أن بعضها تقول وتفعل ، وبعضها تفعل ولا تقول، فإن بذرة القومية الوطنية إذا ألقيت في الأرض فإنها لا تلبث أن تنشأ وتمد عروقها في الأرض ثم تصير شجرة ، فدوحة تظلّل الأمة ، ولا يمكن لشعب أن يؤمن بالقومية ، ثم لا يعتدي ولا يتطاول ، أو لا يريد أن يعتدي ويتطاول ولا يمقت الآخرين ، ولا يزدريهم . كما لا يمكن أن يسرف الإنسان في الخمر ، ثم لا يسكر ولا يهذي كما قال الشاعر : ألقاه في البحر مكتوفاً وقال له : إيَّاك إيَّاك أن تبتلَّ بالماءِ خصوصاً إذا كان العلم والأدب والشعر والفلسفة والتاريخ وحتى العلوم الطبيعية متعاونة على إنشاء العاطفة القومية والنعرة الشعبية والخيلاء الجنسية والفخر بالآباء والتعظيم بالماضي ، ولا يكون رادع من خلق ولا وازع من دين ، وتولَّى القيادة رجال لا يعرفون غير القومية والمجد القومي غاية ومرمى . ومن مقومات هذه الحياة القومية التي لا تقوم بغيرها ، الكراهة والخوف ، وذلك هو الجزء السلبي في دين القومية ، فإن الحماسة القومية لا تظهر ولا تبقى حتى يكون للشعب ما يكرهه وما يخافه ، فلا يزال القائدون يثيرون الكامن من عواطفه ويُذْكرون الخامد من حميته ، ويضربون على الوتر الحساس وهو الكراهة والخوف ، فلولاهما لانقشعت سحارة القومية وتراجع سيلها . وقد حلَّل ذلك الأستاذ ( جود ) تحليلاً فلسفياً نفسياً فقال " " إن العواطف التي هي مشتركة ، والتي يمكن إثارتها بسهولة هي عواطق المقت والخوف التي تحرك جماعات كبيرة من الدهماء ، بدل الرحمة والجود والكرم والحب ، فالذين يريدون أن يحكموا على الشعب لغاية ما، لا يجنحون حتى يلتمسوا له ما يكرهه ويوجدوا له من يخاف ، وإذا أدرتُ أن أوحد الشعوب ينبغي أن أخترع لهم عدواً على كوكب آخر - على القمر مثلاً - تخافة هذه الشعوب ، فلم يعد من دواعي العجب أن الحكومات القومية في هذا العصر في معاملتها لجيرانها إنما تقاد بعواطف المقت والخوف ، فعلى تلك العواطف يعيش من يحكمونها ، وعلى تلك العواطف يقوى الاتحاد القومي "([7]) .
الحل الإسلامي لمعضلة الحرب والمنافسات الشعوبية : إن هذا الحل الذي قدمه الأستاذ ( جود ) لمشكلة الأمم ومعضلة الحروب والمنافسات الشعبوبية حل عادل وتوجيه معقول ، فلا تنصرف عداوة الشعوب والأمم بعضها لبعض حتى يكون لها عدو من غيرها تشترك في عداوته وكرهه والمخافة منه ، وتتعاون في الحرب معه ، ولكن هذا لا يحتاج إلى اختراع وابداع ، ولا يلزم أن يوجد لها عدو على كوكب آخر كالقمر والمريخ ، وأنَّى لهم التناوش من مكان بعيد ؟ فالدين ينبه إلى أن هذا العدو للنوع الإنساني ولذرية آدم يوجد على الأرض نفسها ، وحق على كل إنسان أن يعاديه ويحترس منه ويتعاون مع بني نوعه في معاداته ومحاربته ، يقول القرآن : ) إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً إنما يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير ( [ فاطر : 6] ، ويقول : ) يا أيها الذين ءامنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين ( [ البقرة : 208]. وقد قسم الإسلام العالم البشري إلى قسمين فقط ، أولياء الله وأولياء الشيطان ، وأنصار الحق وأ،صار الباطل ، ولم يشرع حرباً ولا جهاداً إلا ضد أنصار الباطل وأولياء الشيطان أينما كانوا ومن كانوا ، فقال : ) الذين ءامنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفاً ( [ النساء : 76]. وهذه الحروب التي لم يشهد التاريخ أيمن منها وأقل إراقة للدماء وذهاباً بالنفس ، ولا أعود منها على الإنسانية بالصالح العام والخير المشترك والسعادة جمعاء ، فلا يُربى عدد المقتولين من الفريقين ( المسلم والكافر) في جميع الغزوات والسرايا والمناوشات التي ابتدأت من السنة الثانية للهجرة ، ودامت إلى السنة التاسعة على ألف وثمانية عشر نفساً (1018): المسلمون منهم 259، والكفار 759. ([8]) . أما المصابون حرب 1914-1918م الكونية فيبلغ عددهم على الأصح واحداً وعشرين مليون نسمة([9]) (000،000،21) عدد المقتولين منهم سبعة ملايين ( 000،000،7) وقدر المستر مكستن (Maxton) عضو البرلمان الإنجليزي أن المصابين في الحرب الثانية الكبرى 1939م ، لا يقل عددهم عن خمسين مليوناً(000،000،50) وقد كلف قتل رجل واحد في الحرب عشرة آلاف جنية ، أما مجموع نفقاتها فيبلغ (000،000،000،37) سبعة وثلاثون مليار جنية ، أما نفقات الحرب الثانية لساعة واحدة فمليون من الجنيهات (000،000،1) ([10]) . ثم كانت الحروب الدينية الإسلامية حاقنة للدماء عاصمة للنفوس والأموال ، وفاتحة عهد السعادة والغبطة في العالم ، أما حرب التنافس والحمية الجاهلية التي تدعى الحرب الكبرى فقد كانت مقدمة حروب متسلسلة ؛ وإليك ما قاله المستر لويد جورج بطل الحرب الكبرى ورئيس الوزارة الإنجليزية حينئذ : " لو رجع سيدنا المسيح إلى العالم لما عاش إلا قليلاً ، إنه سيرى الإنسان لا يزال بعد ألفي سنة مشغوفاً بالشر والإفساد والقتل والفتك ببني نوعه ، والنهب والإغارة ، بل إنه سيرى أكبر حرب في التاريخ قد استنزفت دم جسم الإنسانية وأهلكت الحرث والنسل حتى أثابت الناس مجاعة ، وماذا يرى السيد المسيح يا ترى ، هل يرى الناس يتصافحون كالإخوان والأصدقاء ؟ لا ؛ بل يراهم يتهيؤون لحرب أشد هولاً من الأولى وأعظم فتكاً وتعذيباً ، يراهم يتسابقون في اختراع الآلات الجهنمية ويبتدعون وسائل التعذيب " ([11]) . وليس اشتغال هذه الشعوب بالعداوة والحروب فيما بينها ، وما هذه القومية والوطنية .. إلخ إلا لانصراف هذه الشعوب عن عداوة عدوها الحقيقي ونسيانها له ، فالنار تأكل نفسها إن لم تجد ما تأكل ، كما قال الشاعر الجاهلي : و أحياناً على بكر أخينا إذا لم نجد إلا أخانا فإذا عرفت عدوها وعرفت ضرره على نفسها ، وعرفت خطره وقوته كن ذلك مشغلة لها عن كل حرب وعداوة وشح ومنافسة وأحقاد وهمية وترات مصطنعة . وقد قالت العرب قديماً : " عند الحفيظة تذهب الأحقاد" وهكذا جعل محمد r من قبائل العرب المتعادية التي كانت سيوفهم تقطر من دمائهم كالأوس والجزرج في المدينة ، ونبي عدنان وبني قحطان في الجزيرة ، والأجناس المتباينة في العالم ، أمة واحدة ومعسكراً واحداً إزاء الكفر والجاهلية ، إذ جعل لها في خارجها ما تكرهه وتعاديه ، وهو الباطل والطاغوت ووكلاؤه وأنصاره ، وشغلها بحربة وقرأ : ) الذين ءامنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفاَ ( [ النساء: 76]؛ فنسيت أحقادها وتراتها ، ولم تتذكرها إلا لما انصرفت عن عدوها وتشاغلت عن قتاله ومعاداته ، فكانت حروب داخلية وفتن يعرفها الجميع .
دعاية القومية وإضرارهم بالشعوب الصغيرة : ولا يزال القوميون في داخل البلاد وخارجها يزينون للشعوب الصغيرة القومية، ويُطْرون أدبها ولسانها وثقافتها وتهذيبها ، ويمجدون لها تاريخها حتى تصبح نشوانة بالعواطف القومية والخيلاء والكبرياء ، وتُدلُّ بنفسها ، وتظن أنها مانعتها حصونها وما أعدَّت للحرب ، وتنقطع عن العالم وتتحرش أحياناً بالدول الكبيرة غروراً بنفسها ، أو تهجم عليها الدول فلا تلبث إلا عيشة أو ضحاها ، وتذهب ضحية لقوميتها وانحصارها في دائرة ضيقة ، ولا يغني أولئك المسؤولون عنها شيئاً ) كمثل الشيطان إذ قال للإنسان أكفر فلما كفر قال إني برئ منك ( [ الحشر : 16] ، كذلك وقع لبولندا وبلجيكا وهولندا ويونان ودنمارك ، وهكذا وقع لإيران والعراق في الحرب الثانية .
مطامح الدول الكبيرة : أما الدول الكبيرة فترى من واجب قوميتها أن تبسط سيطرتها على أكبر رقعة في الأرض ، وترفرف أعلامها على مساحات واسعة وإن كانت قفاراً أو صحارى وتكون لها مستعمرات وممتلكات في قارات مختلفة ، وإن كن ذلك يكلفها جيوشاً و أموالاً بغير فائدة جديَّة ، تعود عليها ، ويصعب عليها حراستها والقيام بشؤونها ، كل ذلك ممّا توجبه عليها الشريعة القومية، وليس لها غاية أخلاقية وثمرة أخلاقية أدبية غير ما تسميه ( المجد القومي والشرف القومي ) ([12]). " إن المجد القومي إنما يعني أن يكون الشعب يملك قوة يسلط بها رغبته وهواه على آخرين إذا مست الحاجة ، ويكفي لشناعة ما يسمونه ( المثل الكامل للشعب ) وهو المجد القومي إنه يناقض الصفات الخلقية والفضيلة إذا كانت بلاد لا تقول إلا صدقاً ، وتفي بوعودها وتعامل الضعفاء ومعاملة إنسانية فمستوى شرفها عند الأمم منحط ، فالشرف - كما قال المستر بلدون - عبارة عن قوة تنال الأمة بها المجد والفخار ، وتستلفت إليها الأنظار وتشغل الأفكار ، ومعلوم أن هذه القوة التي تنال الأمة بها هذه الدرجة من الشرف إنما تتوقف على قنابل نارية متفجرة ومشعلة للنيران ، وعلى وفاء الشبان وولائهم للوطن ، الذين يحبون إلقاء تلك القنابل على المدن. فالشرف الذي لأجله شعب يناقض تلك الصفات والأخلاق التي يمدح بها الفرد ، فأرى أن الشعب يجب أن يعبد همجياً وغير مهذب بالمقدار الذي يملكه من الشرف ، إذ ليس من الشرف أن ينال الإنسان أو الشعب الشرف بالخديعة والمكر والظلم " ([13]). ويقول في موضوع آخر : " إن الكبر - أكثر من الطمع - هو الذي يحمل الطبقة الحاكمة في بريطانيا على اتباع خطط لا تتفق مع ما يتظاهرون به من حبِّ الصلح الوئام ، دع رجلاً يقترح على ولاة الأمر في بريطانيا أن يهجروا قيراطاً من رمل من ممتلكاتها التي لا تغرب عنها الشمس ومن أشدها قحولة وجدباً ، تَرَ المحافظين الأبطال في إنجلترا يقيمون العالم ويقعدونه سخطاً وحنقاً ، وترى الصحافة الإنجليزية المعتدلة تتميز غيظاً ، إذاً تعلم أن هؤلاء المحافظين ليسوا طماعين فقط بل هو مستكبرون معاندون "([14]).
منافسة الشعوب في المستعمرات والأسواق : وقد سبقت إلى هذا الاستعمار والامتلاك أمم وتخلَّفت أخرى ، ثم نهضت الأخيرة تنافسها وتطالب بأسهمها ، وتبحث لها عن مستعمرات وأسواق لبضائعها وشرفات تغرز عليها علم المجد والفخار ، وتُعَدُّ بفضلها عن الإمبراطوريات الكبار ، وقامت الأولى تدفعها وتحول بينها وبين ما تشتهي ، وتزعم أنها إنما تغضب للأمم الصغيرة ونصرة المظلوم . ولكن كثيراً من الناس ، من أنفسها ومن الأجانب يشكُّون في إخلاص هذه الأمم وفي صفاء طويتَّها وحسن نيتها . يقول الأستاذ (جودي) الإنجليزي - جاهلاً أو متجاهلاً للمسائل التي أدت إلى قسمة ضيزى للعمران ، ضارباً صفحاً عن سخط بعض الشعوب مثل اليابانيين ، يعتد أن الإنجليز أمة سلمية ويرمى اليابانيين بحب القتال والضراوة بالحرب : " الإنجليز لاشك أمة سلمية ولكن مسالمتهم مسالمة لص قد اعتزل حرفته القديمة ، وقد أحرز شرفاً وجاهاً بفضل غنائمه السابقة ، وهو يبغض الذين يدخلون جديداً في حرفته القديمة ، عنده فضول أموال وغنائم لا يستهلكها ، ولكنه يلقِّب الذين يريدون أن يساهموا في ذلك بهواة الحرب " ([15]). وكثيراً ما ينشب الحرب بين هذه الأمم السابقة إلى السيادة والتملك وبين هذه الأمم المتطلعة لها الطامحة إليها ، ولكن هذه الحرب لا يصحُّ قياسها على حرب تُشهر لردع الظالم والانتصار للمظلوم وإقامة القسط عملاً بقول الله عز وجل : ) وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بعت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغى حتى تفئ إلى أمر الله فإن فآت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين ( [ الحجرات: 9]. ولكن هذه الحرب حرب شح ومناقشة ، وحرب غَيْرة وحسد؛ ما كانت عصبة الأمم ( الفقيدة ) التي كانت هذه الحروب تُشهر تحت إشرافها، ولا خليفتها ( الأمم المتحدة ) كما قال الأمير شكيب أرسلان : " مثل العروض بحراً بلا ماء ، ما وجدت إلا لتُلْبس الاعتداء حلَّة قانونية ، وتسوغ الفتوحات بتغيير الأسماء ، لا يطيعها سوى ضعيف عاجز ، ولا تستطيع أن تحكم على قوي متجاوز " أو في لفظ فقيد الإسلام الدكتور محمد إقبال :" جمعية لصوص ونباشين تألفت لتقسيم الأكفان " . قال الأستاذ ( جود) الإنكيزي : " إن حرباً تشهر تحت إشراف عصبة الأمم ليست للعدل بين الأمم يقوم بها شرطة العالم للأخذ على يد الظالم وعقاب المعتدي ، ليست هذه الحروب إلا كفاحاً بين الطوائف المتنافسة في القوة . الواحدة منها حريصة على المحافظة على القسط الأكبر من ثروة العالم ومواردها ، والأخرى متهالكة على تحصيلها ، إن مثل هذه الحرب لا تختلف عن حروب نشبت بين الطوائف المتنافسة في الماضي ، ولا عن حروب النمسا وبروسيا([16])، وعن حرب السنوات السبع ([17]) وعن حروب نابليون ؛ وعن حرب 1914-1918م . لا تختلف هذه الحرب عن هذه الحروب كلها إلا في الاسم . أما التذرع بأن هذه الحروب إنما نصبت للدفاع عن الديمقراطية وعن عُصْبة الأمم ، وضد الفاشية والاعتداء فلا يغير من الموقف شيئاً " ([18]).
الفرق بين حكم الجباية ، وحكم الهداية : روي أن عمر بن عبد العزيز خليفة المسلمين قال لعامله مرة :" ويحك إن محمدً r بُعث هادياً ولم يبعث جابياً " . وهذه الجملة تعرب عن روح الحكومة الدينية التي تتأسس على منهج النبوة ، وتسير على آثار الأنبياء وخطتها وسياستها ، فتكون عنايتها واهتمامها بالدين وبإصلاح أخلاق المحكومين وبما يعود عليهم بالنفع والضرر في الآخرة أكثر من اهتمامها بالجباية والخراج وأنواع المحاصيل والإيراد ، وتنظر في جميع مسائل السياسة والمالية من الوجهة الدينية وتقدم المبادئ الدينية والخلقية على المنافع والمصالح المادية ، فتمنع الخمر وتحرم الزنى وأنواع الخلاعة والفجور والعقود المالية الفاسدة ، النافعة للأفراد ، المضرة بالمجتمع ، فتحظر الربا والقمار ، وإن كان ذلك يرجع إلى الحكومة بالخسارة المالية الفادحة ، وتشرع مشاريع إصلاحية ، وتراقب الأخلاق وتعنى بتهذيب النفوس ، وإن كان ذلك يكلفها أموالاً طائلة وميزانية ضخمة ؛ ونتيجة هذا النوع من الحكومات إذا قامت في بلاد ما ، بينَّها القرآن ، وتنبأ بها للمهاجرين الأولين : ) الذين إن مكانهم في الأرض أقاموا الصلاة وءاتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور ([الحج:41]. أما الحكومات التي تقوم للجباية لا للهداية ، وللانتفاع لا للنفع ، فطبيعي أن تكون عنايتها مصروفة إلى أنواع الخراج والمحاصيل والغلاَّت ، وكثيراً ما يكون ذلك على حساب الأخلاق والفضائل والنظام المنزلي ، فتبيح أنواعاً كثيرة من الخلاعة والفجور بقيد تنظَّمها و لا تمنعها ، فتسمح بالبغاء الرسمي ، وقد ترابي بنفسها ، وتبيح القمار وكثيراً من الجنايات والجرائم الخلقية بتغيير الأسماء ، وتحديد بعض الأشياء تأميناً لمصالحها ، ولا تبيح الخمر فقط بل تبيعها وتتولى تجارتها وتنظيمها ، وتحاكم وتعاقب من يمنعها ويجاهد ضدها ن وقد تجبر أهل البلاد شراء المخدرات التي تصدَّرها ، كما فعل بعض الحكومات الأوروبية في آسيا مع أهل الصين ، فطبيعي كذلك أن تصاب هذه الشعوب المحكومة في أخلاقها وترزأ في روحها وقبلها ، بل أن أهل البلاد ينحط مستوى أخلاقهم لمجرد مخالطة هذه الشعوب الحاكمة ومجاورتها ، ويلحقهم عدوى الأمراض الخلقية الفاشية في الأقطار الأوروبية التي ولدتها الحضارة المادية هنالك ، وذلك ما أقروا به أنفسهم وشكوا منه . فالحكومات الأوروبية تحمل معها مفاسد الحضارة الغربية وشرورها وكيف يُرجى من هذه الحكومات أن تزدهر الفضيلة والأخلاق ويرقى مستوى أخلاق الشعب في ظلها ودولتها ، ولم يكن ذلك في بلادها و أوطانها ، وليس ذلك من رسالتها ومهمتها ، ولا مما تدين به وتعتقده ( وكل إناء بالذي فيه ينضح )؛ ولم تزل طريق الملوك والفاتحين غير طريق الأنبياء الهداة والمصلحين ، وإن الحقيقة التي ذكرها القرآن على لسان ملكة سبأ حقيقة راهنة تختلف في الأزمنة والأمكنة : ) إن الملوك إذا ادخلوا قرية أفسدوا وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون(.
الفصل الثالث أوروبا في الانتحار
عصر الاكتشاف والاختراع : إذا عرفت عصور التاريخ بما يميزها عن غيرها ، وأضيفت إليه ، أمكننا أن نسمى هذا العصر عصر الاكتشاف والاختراع ، وعصر اللاسكي والكهرباء ؛ وفض الأوروبيين وتقدمهم في هذا الباب وعبقرية رجال الاكتشاف والاختراع و إبداعهم من القضايا التي لا تقبل المكابرة . ولكن مهما بالغ المبالغون في إطراء الصناعات والمخترعات الحديثة في أوروبا ، وبرغم إعجابنا بها والثناء على مكتشفيها ومخترعيها ، ينبغي ألا ننسى أن هذه الصناعات والمخترعات ليست غايات في نفسها مقصود بالذات ، بل هي وسائط ووسائل لغاية أخرى نحكم عليها بالخير والشر، والنفع والضر ، بمقياس هذه الغاية وكونها خيراً أو شراً ، ونحكم عليها بالنجاح والخيبة بالقياس إلى مطابقتها للغاية التي وضعت لها ، والنظر في النتائج التي حصلت منها ، والدور الذي لعبته في حياة الناس ومجتمعهم وأخلاقهم وسياستهم .
الغاية من الصناعات والمخترعات ، وموقف الإسلام : ما الغاية فعلى ما أرى هي التغلب على العقبات والصعوبات في سير الحياة التي سببها الجهل والضعف ، والانتفاع بقوة الطبيعة المودعة في هذا الكون ، وخيراتها وخزائنها المبثوثة فيها ، واستخدامها لمقاصد صحيحة من غير علو في الأرض ولا فساد . كان الإنسان يسافر في الزمن القديم ماشياً ، ثم ألُهم أن يسخَّر لذلك الحيوان ، فاتخذ العجلات الأربع وأتَّخذ الجياد العتاق ، ثم لم يزل يتدرج في السرعة والاختراع حتى وصل من المركبة إلى القطار ، ومنها إلى السيارة، ومنها إلى الطائرة ، وكذلك من السفينة الشراعية إلى البواخر ، فلا بأس، بل يا حبذا إذا كان ذلك كله تابعاً لمقاصد صحيحة يسافر الإنسان بها من مكان إلى مكان لغرض صحيح جدي مثمر ، ويحمل عليها أثقاله إلى بلد لم يكن بالغه إلى بشقَّ النفس ؛ ويوفر الوقت والقوة الحديثة التي ينتفع بها الإنسان مشروعاً ، ويستخدمها لمقاصد رشيدة نافعة . إن موقف الإسلام في ذلك بيِّن واضح ، فقد أخبر أن الإنسان خليفة الله في الأرض ، قد سخَّر الله العالم لأغراضه الصحيحة يتصرف منه وغير تصرف فقال : ) هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً ( [البقرة : 29]، وقال : ) الله الذي خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم وسخر لكم الفلك لتجرب في البحر بأمره وسخره لكم الأنهار ، وسخر لكم الشمس والقمر دآبين وسخر لكم الليل والنهار ، وءاتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار ( [32-34]. وقال : ) ولقد كرمنا بني ءادم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير من خلقنا تفضيلاً ( [ الإسراء : 70] ليلاحظ القارئ الإطلاق في قوله : ) وحملناهم في البر والبحر ( وقوله :) ورزقناهم من الطيبات ( وقال : ) والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنا تأكلون ، ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون ، وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرؤوف رحيم ، والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا يتعلمون ( [ النحل : 5-8] . قد منَّ الله في هذه الآية على الإنسان بتمكينه لبلوغ غايته من غي شق النفس ، واستدل به على رأفته به ، ورحمته له . وقال : ) والذي خلق الأزواج كلها وجعل من لكم من الفلك والأنعام ما تركبون ، لتستوا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين ، وإنا إلى ربنا لمنقلبون ( [ الزخرف : 12-14]. وما أجدر الإنسان أن يقول إذا استوى على سيارة أو طائرة : ) سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين ( ، فهد أبعد من أن يكون مقرناً لقطع من صفيح وحديد لا حياة فيها ولا حركة ، يسخرها له ، تجري بأمره رخاء حيث أصاب ، ولا ينسى أنه راجع إلى الله ومحاسب على ما أوتي من قوة وسعة ، فإن أساء استعمال هذه القدرة والتمكين عوقب على ذلك . وكذلك لا ينسى أنه عبد خاضع لله منقاد لحكمه لا يملك موتاً ولا حياة ولا نشوراً ، ولا يطغى ، فـ ) إن الإنسان ليطغى ، إن راءه استغنى(. وقال: ) لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه باس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز ( [ الحديد : 25] فالحديد فيه منافع للناس ، من أكبر منافعه أن يستخدم لنصر الله ورسله ، ولذلك قدم عليه ذكر إرسال الرسل ، وإنزال الكتب . فالمسلم ينتفع بكل ما خلق الله وأودع في الكون من قوة في سبيل الجهاد في سبيل الله ، وفي نشر دينه ، وإظهاره على الدين كله ، و إعلاء كلمته ، وفيما أباح الله ورغَّبه فيه من تجارة مشروعة وكسب حلال، وسفر برِّ ، ومنافع مباحة .
إنما طائركم معكم : إن المصنوعات الجمادية لا ذنب عليها ، فإنها خاضعة لإرادة الإنسان وعقيلته وأخلاقه ، فهي ذات نفسها ليست خيراً ولا شراً ، ولكن الإنسان هو الذي يجعلها باستعماله لها خيراً أو شراً ، وكثيراً ما تكون خيراً في نفسها، فيحولها الإنسان شراً بسوء استعماله وخبث سريرته ، وفساد تربيته ، فليس الشأن في هذه الآلات والمخترعات ، إنما الشأن فيمن يستغلها وفي الغرض الذي يستعملها له . وحقيق أن يقال - لمن أصبح يتطير في أوروبا من هذه الآلات ، ومن الطائرات التي تقذف القنابل ، وتدمر المنازل ، وتنسف القرى والمدن، والغواصات التي تغرق بواخر الركاب المسالمين والتجار الآمنين ، واللاسلكية التي تذيع الكذب والزور ، وتنشر الخلاعة والمجون ، ويشكو منها ، ويوجه إليها الملاكم - : إنما ) طائركم معكم ( [ يس : 19] فإن العلوم الطبيعية تسخر للإنسان القوة المادية ، وليس من شأنها أن تعلمه أيضاً كيف يستعملها ، وفيم يضعها ، كالكبريت يعطيك ناراً ، ولك أن تحرق بها بيتاً على سكانه ، أو تطبخ طعاماً أو تستدفئ بالنار. والذي يعلِّم كيف يستعمل الإنسان قوة وفيما يضعها هو الدين ، فالدين يرشد الإنسان كيف ينتفع بقوته انتفاعاً حقيقياً ، وكيف يشكر نعمة الله ، ويَحْظر على الإنسان أن يكون بقوته التي خوَّله الله إياها معيناً على الظلم والجريمة والإثم والعدوان ، كما قال موسى عليه : ) رب بمآ أنعمت على فلن أكون ظهيراً للمجرمين ( [ القصص : 17] ، وقال سليمان : ) هذا من فضل ربي ليبلوني ءأشكر أم كفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم ( [ النمل : 40].
التخليط بين الوسائط والغايات : أما الأوروبيون فقد حرموا أنفسهم من الدين ، فلم يبق لهم رادع من خلق أو وازع ، أو مرشد من علم إلهي يرشدهم إلى الجادة ، ونسوا غاية خلقهم ومبدأهم ومصيرهم وقالوا : ) إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين ( فاعتقدوا بطبيعة هذه العقيدة أن ليس للإنسان وراء اللذة والراحة والانتفاع المادي والعلو في الأرض وبسط السيطرة - كمملكة لا سيد لها ولا وراث - والتغلب على أهلها والاستئثار بخيراتها وخزائنها؛ مقصد ولا غاية ، فاستعملوا هذه القوة ولعلم في حصول اللذات والتغلب على الناس وقهر المنافسين ، وتنافسوا في اختراع الآلات التي ينالون به وطرهم ويعجزون بها غيرهم ؛ ولم يزل بهم ذلك حتى اختلطت عليهم الوسائط بالغايات ، فاعتقدوا الوسائط غايات ، وافتُنوا بالمخترعات والمكتشفات كغاية في نفسها لا لغيرها ، وعكفوا عليها وتشاغلوا بها كتشاغل الصبيان باللعب والدمُّى ، واعتقدوا أن الراحة هي الحضارة ، ثم تقدموا وصاروا يعتقدون أن السرعة هي الحضارة . يقول الأستاذ جود : " يقول دزرائيلي (Disraeli) إن المجتمع في عصره يعتقد أن الحضارة هي الراحة ، أما نحن فنعتقد أن الحضارة عبارة عن السرعة ، فالسرعة هي إله الشباب العصري ، وإنه يضحِّي على نُصبه بالهدوء والراحة والسلام والعطف على الآخرين من غير رحمة "([19]).
عدم تعول القوة والأخلاق في أوروبا : إن الأوروبيين قد فقدوا تعادل القوة والأخلاق ، والتوازن بين العلم -بظاهر من الحياة الدنيا - والدين منذ قرون ، فلم تزل القوة والعلم في أوروبا بعد النهضة الجديدة ينموان على حساب الدين والأخلاق ، ولم يزل الأولان في ارتفاع وارتقاء ، والآخران في انخفاض والانحطاط ، حتى بعدت النسبة بينهما ونشأ جيل كأنه ميزان لصقت إحدى كفيته بالأرض - وهي كفة القوة والعلم - ، وخفت الثانية - وهي كفة الأخلاق والدين - حتى ارتفعت جداً . وبينما يتراءى هذا الجيل للناظر في خوارق الصناعية وعجائبه الكونية وتسخيره للمادة والقوة الطبيعية لمصالحه و أغراضه كأنه فوق البشر ؛ إذا هو لا يتميز في أخلاقه وأعماله ، في شرهه وطمعه ،في طيشه ونزفه ، وفي قسوته وظلمه على البهائم والسباع . وبينما هو قد ملك جميع وسائل الحياة إذا هو لا يدري كيف يعيش ! وبينما هو قد بلغ الغايات وراء الغايات في الكماليات وفضول الحياة ، إذا هو لم يعرف المبادئ الأولية والبديهيات للحياة الإنسانية والمدنية والأخلاقية ، فتراه يصعد إلى السماء ويريد أن يناطح الجوزاء ، وهو لم يتقن شؤون الأرض ولم يصلح ما تحت قدميه ، وقد خولته العلوم الطبيعية قوة قاهرة وهو لا يحسن استعمالها ، كطفل صغير أو سفيه أو مجنون يملك أزمَّة الأمور ويؤتى مفاتيح الخزائن، فهو لا يزيد على أن يعبث بالجواهر الغالية والنفائس المخزونة ، ويعيث في دماء الناس ونفوسهم . قوة الآلهة وعقل الأطفال : يقول الأستاذ (جود ) الإنجليزي : " إن العلوم الطبيعية قد منحتنا القوة الجديرة بالآلهة ، ولكننا نستعملها بعقل الأطفال والوحوش "([20]). ويقول في موضع آخر : " إن هذا التفاوت بين فتوحنا العلمية المدهشة ، وطفولتنا الاجتماعية المخجلة ، نواجهه على كل منعطف ومنعرج ، نستطيع أن نتحدث من وراء القارات والبحار ، ونرسل الصور بالبرق ، وننصب اللاسلكية في منازلنا، ونستمع في سيلان إلى دقات (Big Ben) - الساعة العظمى - تضرب في لندن ، ونركب فوق الأرض والبحر وتحتهما ، والأطفال يتحدثون على الأسلاك البرقية ، والآلات الكاتبة صامتة ، وتُملأ الأسنان من غير إيجاع ، والزروع تنمى بالكهرباء ، والشوارع تفرش بالمطاط ، وأشعة روتنجن (X.rays ) نوافذ نطل منها على داخل أبداننا ، والصور المتحركة تتكلم وتغني ، ويُكشف عن المجرمين والمغتالين باللاسلكية ، والغواصات تذهب إلى القطب الشمالي ، والطائرات تطير إلى القطب الجنوبي ؛ ومع ذلك كله لا نقدر في وسط مدننا الكبرى أن نخصص رحبة يلعب فيها أطفال الفقراء في راحة وسلام ، ونتيجة ذلك أنّا نقتل منهم ألفين (2000) ونجرح منهم تسعين ألفاً ( 90000) سنوياً . قال ليس فيلسوف هندي في انتقاده اللاذع لإطرائي لعجائب حضارتنا - وكان بعض سواق السيارات قد نجح في قطع ثلاثمئة أو أربعمئة ميل في ساعة على رمال (Pendine) ، وطارت طائرة من موسكو إلى نيويورك في عشرين أو خمسين ( لا أذكر ) ساعة - قال الفيلسوف : نعم ، أنكم تقدرون أن تطيروا في الهواء كالطيور وتسبحوا في الماس كالسمك ، ولكنكم إلى الآن لا تعرفون كيف تشمون على الأرض "([21]).
ويتعلمون ما لا يضرهم ولا ينفعهم : وقد أصبحت هذه المخترعات والمكتشفات الجديدة - مما كانت تعود على النوع الإنساني بخير كبير ولو كان مستعملها يعرف الخير ويقدر أن يتجه إليه - أصبحت وضررها أكبر من نفعها ، وكان كما قال القرآن عن السحر : ) ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ( [ البقرة : 102] . اسمع شاهداً من أهلها ينتقد هذه المخترعات ويبوح بالحقيقة وهو (جود) السابق الذكر : " وقد استطعنا أن نسافر بسرعة زائدة من مكان إلى مكان ، ولكن الأمة التي تسافر إليها قلما تصلح للسفر ، وقد زويت الأرض للرحالين وتدانت لأمم ووطئ عتبة بعض ، ولكن كان نتيجة ذلك أن توترت لعلاقات بينها ، وأصبحت أسوأ مما كانت ، أما المرافق التي استطعنا بها أن نتعارف بجيراننا فقد عادت فحشرت العالم في الحرب ، اخترعنا آلة الإذاعة وتحدثنا بها إلى الشعوب المجاورة والأمم الشقيقة ، ولكن كان عاقبتها أن كل شعب يستنفد موارد الهواء لإيذاء الشعب المجاور ومعاكسته ، إذ يجتهد أن يقنعه بفضل نظمه السياسي على نظامه " ([22]). " انظر إلى الطائرة التي تحلق في السماء ، يخيل إليك أن صانعيها كانوا في علمهم ولباقتهم وصناعتهم فوق البشر ، والذين طاروا عليها أولاً لاشك أنهم كانوا في علو همتهم وعزمهم وجرأتهم أبطالاً مغاوير ، ولكن انظر الآن إلى المقاصد التي استعملت لها الطائرة وتستعمل لها في المستقبل ، إنما هي قذف القنابل وتمزيق جثث الإنسان ، وخنق الأحياء وإحراق الأجساد ، وإلقاء الغازات السامة ، وتقطيع المستضعفين الذين لا عاصم لهم من هذا الشر إرباً إرباً ، وهذه أما مقاصد الحمقى أو الشياطين"([23]). " وما عسى أن يقول المؤرخ غداً كيف كنا نستعمل معدن الذهب؟ سيذكر أنّا توصلنا إلى أن نخبر عن الذهب اللاسلكي ، وسيستعرض الصور التي تمثل اللياقة والمهارة التي كان أصحاب المصارف يزنون بها الذهب ويعدونه ، وكيف تحدينا قانون الجاذبية في نقله من عاصمة إلى عاصمة ، وسيسجل إن أشباه الوحوش الذين كانوا ماهرين وجرآء في فتوحهم الصناعية كانوا عاجزين عن التعاون الدولي الذي كان يقتضيه ضبط الذهب والتقسيم الصحيح ، وكانوا لا يعنون إلا بأن يدفنوا المعادن بالسرعة الممكنة، وكانوا يستخرجون الذهب والمعادن من بطون الأرض في جنوب إفريقية ، ويدفنونها في مصارف لندن ونيويورك وباريس " ([24]). ويتناول هذا البحث - التفاوت بين العلم والصناعة وبين الأخلاق الإنسانية ، وإخفاق الحضارة الحديثة في أداء رسالتها - مفكر آخر يجمع بين العلم والفلسفة والعلوم الطبيعية في تحليل أدق وأسلوب أعمق وهو الدكتور ( Alexis Carrel ) في كتابه ( الإنسان ، ذلك المجهول ) (Man the Unknown) : " يظهر أن الحضارة العصرية لا تستطيع أن تنتج رجالاً يملكون الابتكار والذكاء والجرأة. وفي كل قطر تقريباً يرى الإنسان في الطبقة التي تباشر إدارة الأمور وتملك زمام البلاد انحطاطاً في الاستعداد الفكري والخلقي. إننا نلاحظ أن الحضارة العصرية لم تحقق الآمال الكبيرة التي عقدتها بها الإنسانية ، وأنها أخفقت في تنشئة الرجال الذين يملكون الذكاء والإقدام الذي يسير بالحضارة على الشارع الخطر الذي تتعثر عليه ، إن الأفراد والإنسانية لم تتقدم بتلك السرعة التي تقدمت بها المؤسسات التي نبعت من عقولها ، إنها هي نقائض القادة السياسيين الفكرية والخلقية وجهلهم الذي يُعرِّض أمم العصر للخطر " ([25]). " إن الوسط الذي أنشأته العلوم الطبيعية وعلم الصناعات للإنسان لا يناسب الإنسان ، لأن مرتجل لم يقم على تصميم وتفكير سابق ، ولم يراع فيه الانسجام مع شخصية الإنسان . إن هذا الوسط الذي هو وليد ذكائنا واختراعاتنا لا يطابق قاماتنا ولا أشكالنا ، نحن غير مسرورين ، نحن في انحطاط في الأخلاق وفي العقول . إن الأمم التي ازدهرت فيها الحضارة الصناعية وبلغت أوجها هي أضعف مما كانت ، وهي تسير سيراً حثيثاً إلى الهمجية ، ولكنها لا تدرك ذلك إنه لا حارس لها من المحيط الثائر الذي أقامته العلوم الطبيعية حول هذه الأمم . الحق يقال ، إن حضارتنا - كالحضارات التي تقدمتها - قد فرضت شروطاً للبقاء ستجعل - لأسباب لا تزال مجهولة - الحياة محالاً. إن علمنا بالحياة وكيف يجب أن يعيش الإنسان متأخر جداً عن علمن بالماديات ، وهذا التأخر هو الذي جنى علنيا " ([26]). " لا يُجنى نفع من الزيادة في عدد المخترعات الآلية ، لا فائدة في ن نعلق أهمية كبيرة على اكتشافات علوم الطبيعة والفلكيات وعلم الكيمياء ، أي خير في الزيادة في الراحة والترف ، والجمال والمنظر وكماليات حضارتنا إذا منع ضعفنا من الانتفاع بذلك وتوجيهه إلى صالحنا . إنه لا خير في إحكام طريق للحياة يُقضى فيه العنصر الخلقي ، وتبعد منه أشرف عناصر الأمم العظيمة ، إن الأليق بنا أن نُعنى بأنفسنا أكثر من أن نُعنى بصناعة بواخر أسرع وسيارات أريح ، وراديو أرخص ، وتلسكوبات لفحص هيكل سديم على بعد سحيق " . " ما هو مدى التقدم الحقيقي الذي نحققه حينما تنقلنا إحدى الطائرات إلى أوروبا أو إلى الصين في ساعات قلائل ؟ هل من الضروري أن نزيد الإنتاج منها ؟ أليس هناك أي ظل من الشك في أن علوم الميكانيكا والطبيعة والكيمياء عاجزة عن إعطائنا الذكاء والنظام الأخلاقي والصحة والتوازن العصبي والأمن والسلام " ([27]).
أوروبا في الانتحار : والحاصل أن الغربيين لما فقدوا الرغبة في الخير والصلاح ، وضيعوا الأصول والمبادئ الصحيحة ، وزاغت قلوبهم وانحرفت ، واعتلَّت أذواقهم ، لم تزدهم العلوم والمخترعات إلا ضرراً ، كما أن الأغذية الصالحة تستحيل في جسم الممعود والموبوء مرضاً وفساداً ؛ بل لم تزدهم هذه الآلات والمخترعات إلا قوة وسرعة في الإهلاك واستعانة على الانتحار ، وقد أحسن المستر إيدن ( Eden) رئيس وزراء بريطانيا السابق وصف ذلك بعض خطبه سنة 1938م : " إن هل الأرض كادوا يرجعون في أخريات هذا القرن إلى عهد الهمجية والوحشية ، ويعيشون عيشة سكان الكهوف والمغارات ، ومن الغريب المضحك أن البلاد والدول تنفق ملايين الجنيهات على وقاية نفسها من آلة فتاكة تخافها ، ولكنها لا تنفق على ضبطها ، وإني أتعجب في بعض الأحيان وأقول : كيف لو زار العالم الجديد زائر من كوكب آخر وهبط إلينا فما عسى أن يشاهده ؟ سيجدنا نعد العدة لإهلاك بعضنا ، ونتبادل الأنباء عنها ، ويخبر بعضنا بعضاً كيف نستعمل هذه الآلات الجهنمية " .
القنبلة الذرية وفظائعها : لعل المستر إيدن لما أفضى بهذا الحديث لم يدر بخلده أن لعالم المتدن وعلى رأسه أمريكا رسول السلام وزعيم الحضارة والعالم الجديد سيتوصل أثناء لحرب إلى استعمال آلة تبزُّ جميع لآلات والمخترعات في التدمير والتقتيل ، وتفوق ذكاء الإنسان وخياله في الهول والفظاعة . قد كانت هذه الآلة هي القنبلة الذرية التي جربتها أمريك مرة في صحراء نيوميكسيكو، وثانية على رؤوس البشر في مدينة هيروشيم ، وبعدها في نجازاكي ؛ المدينتين اليابانيتين ، وقد أذاع رئيس بلدة ( هيروشميا) في 20 أغسطس 1949م أن الذين هلكوا في اليوم السادس من أغسطس 1945م من اليابانيين يتراوح أعمارهم بين مئتي ألف وعشرة آلاف ومئتي ألف وأربعين ألفاً ( ب-ت) . ويقول المستر ستوارت ( Stuart Gilder) في مقالة نشرتها صحيفة الهند الإنجليزية السيارة (Statesman) في عددها الصادر في 16 سبتمبر 1945م : "يقول البروفسور ( Plesch) : لا يؤمن على الناس الذين كانوا يبعدون عن المنطقة التي انفجرت فيها القنبلة الذرية مئة ميل أن يكونوا قد تأثروا بها ، فينبغي أن يفحص عنهم فحصاً طبياً ، ولا يستغرب أن يصبح الناس يوماً ويقرؤوا في الجرائد أن علامات الإصابة بطاعون القنبلة الذرية قد ظهرت في الذين يسكنون على آلاف الأميان من اليابان . ويقول البروفسور ( م . ي . أولي فنيت ) معلِّم جامعة برمنجهام وعوض الهيئة الصناعية في إعداد القنبلة الذرية : " من الأمور الخرافية أن يعتقد إنسان أن بريطانيا أو دولة أخرى تستطيع أن تحافظ على سر القنبلة الذرية ، إن المبادئ التي قامت عليها صناعة القنبلة الذرية مكشوفة لكل دولة ، إن بريطانيا وأمريكا استفادتا بتجارب السابقين وبلغتا إلى نهاية صناعة القنبلة الذرية، ولكنها لا تدوم سراً حربياً إلا لأجل معدود ، لأن كل بلاد صناعية تستطيع أن تعد القنبلة الذرية في مدة خمس سنوات ، وإذا أفرغت جهودها ووجهت قواها إلى صناعتها فيمكن أن تبلغ إلى نهايتها في سنتين " . ويقول البروفسور المذكور : "وأنا على يقين أنه سيظهر في مدة قصيرة على مسرح العالم قنابل تفوق القنابل الأولى بعشرة آلاف في قوة الإنفجار ، وستليها قنابل قوتها مليون طن ، ولا ينفع في التوقي منها دفاع أو احتياط ، وإن ست قنابل فقط من هذا القبيل تكفي في تدمير إنجلترا على بكرة أبيها ، وإن العلماء الروسيين ينجحون في إعداد القنابل في مدة قصيرة جداً " . وقد اخترعت أمريكا قنبلة أخرى تفوق القنبلة الذرية في القوة والفظاعة ، وهي (Hydrogen Bomb) ، وقد جرى اختبارها للمرة الثانية في المحيط الهادي يوم 26 من مارس سنة 1954م. وقد ذكر المستر شارلس - بي - ولسن (Chales E.Wilso) سكرتير وزارة الدفاع أن النتائج لا تكاد تصدق . وقد ذكر المستر لويس استراس ( Lewis Strauss) رئيس لجنة القوة الذرية في أمريكا أن قنبلة هيدروجينية واحدة تستطيع أن تبيد مساحة مدينة نيويورك الواسعة . وقال العالم الطبيعي الشهير ونائب رئيس مجلس الأمن اللواء صاحب سنج في دهلي الجديدة : إن أربع قنابل هيدروجينية وزن كل واحدة منها مئة طن تستطيع أن تقتل كل نسمة على وجه الأرض ، وقد شاع أخيراً أن روسيا اكتشفت القنبلة النيتروجينية ( Nitrogen bomb) التي هي أدهى وأمر من القنبلة الهيدروجينية .
الذي خبث لا يخرج إلا نكداً : وقد تضعضع أساس المدينة الأوروبية كما ذكرنا بالتفصيل ، ولم يزل بناؤه متزعزعاً ، ولم تزده الأيام ولم يزده الارتفاع إلى زيغاً واختلالاً ، وفسدت بذرتها فلم تصلح شجرتها ولم تطب ثمرتها : ) والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا ( [ الأعراف : 58]. وقد شرح ذلك في إيجاز السيد الأستاذ أبو الأعلى المودودي في أحد فصول كتابه ( تنقيحات )- بالأوردية - قال : "ظهرت الحضارة الغربية في أمة لم يكن عندها مَعِينٌ صاف ولا نبع عذب للحكمة الإلهية ، لقد كان فيها قادة للدِّين ، ولكن لم يكونوا أصحاب حكمة ولا علم ولا شريعة إلهية ، ولم يكن عندهم إلا شبح ديني لو حاول أن يسير بالنوع الإنساني على صراط مستقيم في طرق الفكر والعمل لما استطاع ، ولم يكن له إلا أن يكون حجر عثرة وسداً في سبيل ارتقاء العلم والحكمة ، وهكذا كان ، وكان عاقبة ذلك أن الذين كانوا يريدون الرقي نبذوا الدين بالعراء ، واختاروا طريقاً لم يكن دليلهم فيها إلا المشاهدة والاختبار والقياس والاستقراء ، ووثقوا بهذه الدلائل التي هي في حاجة بنفسها إلى الهداية والنور ، وجاهدوا واجتهدوا باحتذائها في طرق الفكر والنظر والتحقيق والاكتشاف والبناء والتنظيم ، ولكن ضلت خطوتهم الأولى في كل جهة وفي كل مجال ، وانصرفت فتوحهم في ميادين العلم والتحقيق ، ومحاولاتهم في سبيل الفكر والنظر إلى غاية لم تكن صحيحة . إنهم بدؤوا وساروا من نقطة الإلحاد والمادية ، نظروا في الكون على أنه ليس له إله ، نظروا في الآفاق والأنفس على أنه لا حقيقة فيها إلا المُشاهَد والمحسوس، وليس وراء هذا الستار الظاهر شيء ، إنهم أدركوا نواميس الفطرة بالاختبار والقياس ، ولكنهم لم يتوصلوا إلى فاطهرا ، إنهم وجدوا الموجودات مسخَّرة واستخدموها لأغراضهم ، ولكنهم جهلوا أنهم ليسوا سادتها ومدبريها ، بل هم خلفاء سيدها الحق ، فلم يروا أنفسهم مسؤولين عنها ، ولم يروا على أنفسهم عُهدة وتَبِعَة ، فاختلَّ أساس مدينتهم وتهذيبهم، وانصرفوا عن عبادة الله إلى عبادة النفس ، واتخذوا إلههم هواهم، وفتنتهم عبادة هذا الإله ، وسارت بهم هذه العبادة في كل ميدان من ميادين الفكر والعمل على طرق زائغة خلاَّبة رائعة ، ولكن مصيرها إلى الهلاك . هذا هو الذي مسخ العلوم الطبيعية ، فصارت آلة لهلاك الإنسان ، وصاغ الأخلاق في قالب الشهوات والرياء والخلاعة والإباحة ، وسلط على المعيشة شيطان الأثرة والشح والفتك ببني النوع ، ودس في عروق الاجتماع وشرايينه سموم عبادة النفس والأنانية والإخلاد إلى الراحة والتنعم، ولطخ السياسة بالجنسية والوطنية وفروق اللون والنسل وعبادة إله القوة ، فجعلها لعنة كبرى للإنسانية . والحاصل أن البذرة الخبيثة التي أُلقيت في تربة أوروبا في نهضتها الثانية لم تأت عليها قرون حتى نبتت منها دوحة خبيثة ، ثمارها حلوة ولكنها سامة ، أزهارها جميلة ولكنها شائكة ، وفروعها مخضرة ولكنها تنفث غازاً ساماً لا يُرى ولكنه يسمم دم النوع البشري . إن أهل الغرب الذين غرسوا هذه الشجرة الخبيثة قد مقترها ، وأصبحوا يتذمرون منها ، لأنها خلقت في كل ناحية من نواحي حياتهم مشاكل وعقداً لا يسعون لحلها إلا وظهرت مشاكل جديدة ، ولا يَفْصلونها فرعاً من فروعها إلا وتطلع فروع كثيرة ذات شوك ؛ فهم في معالجة أدوائهم وإصلاح شؤونهم كمعالج الداء بالداء وناقش الشوكة بالشوكة . إنهم حاربوا الرأسمالية فنجمت الشيوعية ، إنهم حاولوا أن يستأصلوا الديمقراطية فنبعت الدكتاتورية ، أرادوا أن يحلوا مشاكل كل المجمع فنبتت حركة تذكير النساء (Feminism) وحركة منع الولادة ، أرادوا أن يشترعوا قوانين لاستئصال المفاسد الخلقية ، فاشرأبت حركة العصيان والجناية ؛ فلا ينتهي شر إلا إلى شر ، ولا فساد إلا إلى فساد أكبر منه ، ولا تزال هذه الشجرة تثمر لهم شروراً ومصائب ، حتى صارت الحياة الغربية جسداً مقروحاً ، يشكو كل جزء منه أوجاعاً وآلاماً ، وأُعيَى الداء الأطباء ، واتسع الخرق على الراقع ؛ الأمم الغربية تتململ ألماً ، قلوبها مضطربة وأرواحها متعطشة إلى ماء الحياة ولكنها لا تعلم أين معين الحياة . إن الأكثرية من رجالها لا تزال تتوهم أن منبع المصائب في فروع هذه الشجرة ، فهم يفصلونها ويستأصلونها من الشجرة ، ويضيعون أوقاتهم وجهودهم في قطعها ، إنهم لا يعلمون أن منبع الفساد في أصل الشجرة ، وفيهم جماعة قليلة من العقلاء أدركوا أن أصل حضارتهم فاسد ، ولكنهم لما نشؤوا قروناً في ظل هذه الشجرة - و بأثمارها نبت لحمهم ونشز عظمهم- كلَّت أذهانهم عن أن يعتقدوا أصلاً آخر غير هذا الأصل يستطيع أن يخرج فروعاً وأوراقاً صالحة سليمة ، وكلا الفريقين في النتيجة سواء؛ إنهم يتطلبون شيئاً يعالج سقمهم ويريحهم من كربهم ولكنهم لا يعلمونه ولا مكانه " ([28]).
الفصل الرابع رزايا الإنسانية المعنوية في عهد الاستعمار الأوروبي ليس من قصدنا الآن أن نبحث عن رزايا الأمم الشرقية الآسيوية في السياسة والاقتصاد والتجارة والصناعة ، وخسارتها في ممتلكاتها ، وانكسارها أمة بعد أمة وقطراً بعد قطر أمام قوة الغرب المادية ودهائه السياسي ، فلذلك حديث يطول ، ولا يسعه هذا المؤلَّف الصغير ، وقد طرق هذا الموضوع كثير من المؤلفين والمؤرخين في الشرق والغرب ، وألفوا فيه مؤلفات بين صغير وكبير ومتوسط ، وأشبعوا فيه الكلام . ولكن الذي يهمنا - ونحن نتكلم في هذا الكتاب عن خسارة العالم بانحطاط المسلمين واستيلاء الأوروبيين بالتبع - رزئية العالم الإنساني وخَطْب المجتمع البشري في الروح والأخلاق والنفس ، ومعان أسمى من المادة وما يتصل بالجسم والأرض في عهد النفوذ الأوروبي العام ، وسيل حضارته الجارفة ، فتلك رزية لا تقبل العزاء ، وكسر لا ينجبر ، والذين أدركوه قليل ، والذين تحدثوا به أقل من أولئك القليل . ولما كان نظام الحياة الإسلامي وهو المنافس للنظام الجاهلي ، كان طبعاً رزء المسلمين في عهد انتصار الحكم الجاهلي أكبر ، وقسطهم في هذه المصيبة العالمية أوفر ، لأن الإسلام والجاهلية ككفتي ميزان ، كلما رجحت كفة طاشت الأخرى . والآن نتحدث عن هذه المزايا المعنوية رزيئة رزئية .
بطلان الحاسة الدينية : ما غاية هذا العالم التي ينتهي إليها ، ومصيره الذي يصير إليه، هل بعد هذه الحياة حياة أخرى ؟ وما هو وضعها إذا كانت ؟ وهل لهذه الحاي الآخرة تعليمات وإرشادات في الحياة الدنيا ؟ ومن أي منبع تُستقى هذه المعلومات ؟ وما هي الطرق والأسس التي إذا سار عليها الإنسان كانت حياته الآخرة راضية مَرْضية ؟ وما مصدر هذه الطرق؟ وما هي الطريق المثلى للوصول بعد الموت إلى نعيم لا ينفذ وقرة عين لا تنقطع ؟ ومن أين تستفاد هذه الطريق ؟ . تلك الأسئلة ورثها الشرقي أبا عن جد ، وشغلت خاطره ، وأزعجت فكره طيلة قرون ، ولم يقدر أن يذهل عنها وتناساها حتى في لوه وزهوه ، وكانت هذه الأسئلة حافز نفسه ، ونداء ضميره ؛ ولم يستطع أن يتصامَّ عنه ويطوي دونه كشحاً ، بل أصغى إليه في رغبة ونصيحة وإخلاص ، وأحل هذه الأسئلة من نفسه وحيته المحل الأول ، وما زال منذ آلاف من السنين في أخذ وردَّ ونقض وإبرام في هذا الموضوع ، وليس ما نسميه ما وراء الطبيعة والفلسفة الإلهية ، والإشراق والرياضة النفسية ، والعلوم والحكمة إلا محاولات ومغامرات في هذا الطريق الطويل المظلم ، وارتياداً إثر ارتياد في مناطق مجهولة ، ينبئ عن اهتمام الشرق البليغ بهذا الموضوع ورغبته الملحة فيه . هذه طبيعة الشرقي وطبيعة أكثر أفراد البشر في الأقاليم المعتدلة قبل ظهور الغربيين ؛ وإن استعرنا لذلك لغة الفلاسفة وتعبيرهم قلنا: لم يزل في الناس - عدا حواسهم الظاهرة الخمس - حاسة سادسة يسوغ أن نسميها بالحاسة الدينية ، وكما أن الحواس الظاهرة لها دوائر عمل تُحصِّل فيها محسوساتها الخاصة بها ، فللعين مبصرات وللأذن مسموعات .. إلخ ، كذلك هذه الحاسة الدينية لها ثمرات وتأثيرات هي من خواص هذه الحاسة التي لم تزل لأهل الشرق ضربة لا زب ، وكما أن من فقد حاسة من الحواس الظاهرة بطلت محسوساتها الخاصة بها ، فلا تحصل له بحاسة أخرى إلا بطريق خرق العادة ، ولا تحل حاسة مهما كانت قوية وصحيحة محل الحاسة الأخرى؛ كذلك من فقد الحاسة الدينية لطارئ مؤثر أو حرمها لنقص في الفطرة بطلت نتائجها الخاصة بها ، وانعدمت في حقه ، بحيث لا يستطيع أن يتصورها أم يصدقها ، شأن الأعمى لا يبصر الألوان والأجرام المرئية ، وقد يعاند ويكابر في إنكارها ، وشأن الأصم الذي ليست الدنيا الصاخبة إلا مدينة الأموات عنده ، ليس بها داع ولا مجيب ؛ كذلك من حُرم الحاسة الدينية جحد الغيب ، وكابر فيما هو وراء الطبيعة وعاند في المعاني الدينية ، وقسا على الرقائق والقوارع التي تهز النفوس ، وترقق القلوب وتذرف العيون .
ما لجرح بميت إيلام : أشد العقبات التي واجهها الأنبياء والدعاة الدينيون ، واصطدمت بها خطبهم ومواعظهم ودعوتهم ، هم أولئك الذين حرموا الحاسة الدينية أو فقدوها بتاتاً، والذين تحجرت قلوبهم وماتت نفوسهم في مسألة الدين ، والذين آلوا على أنفسهم أنهم لا يفكرون في أمر الدين وأمور الآخرة ، ولا يلقون السمع لهذا الموضوع أصلاً، والذين لما سمعوا كلام النبي r الذي تجيش له الصدور وتلين له الصخور ، مازادوا أن قالوا في صمم وإعراض ) إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين ( [ المؤمنون:37] ولما انتهى النبي من كلامه السائغ المعقول الذي يفهمه الأطفال ، والذي كان بلغتهم الفصيحة قالوا : ) ما نفقه كثيراً مما تقول وإنا لنراك فيها ضعيفاً ( [ هود : 91] ، ) وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي ءاذننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا عاملون ( [فصلت:5]. لاشك ن هذه الأسئلة كانت موضوع دراسة العلماء والمفكرين في فجر النهضة الأوروبية الجديدة ، واستمروا يبحثون فيها ويؤلفون وتناقشون ، ولكن كلما قطعت المدينة الأوروبية شوطاً تخلفت هذه المباحث والأسئلة شوطاً ؛ ولما ظهرت خواص هذه المدينة الباضنة وتجلت في مظهرا المادي خَفَتَ في ضجتها هذا الذي كان ينبع من أعماق القلب وقراره الضميري الإنساني الحي ، ولا ينكر أن هذه الأسئلة تدرس في قسم الفلسفة وعلوم ما وراء الطبيعة في المدارس والمجامع العلمية والمكاتب العامة، ويتباحث فيها العلماء المتخصصون ، وتظهر لهم في هذا الموضوع تأليفات بين آونة وأخرى ؛ ولكن الذي لا شك فيه أنها فقدت سلطانها على القلوب والأفكار وامَّحت علامة الاستفهام النيِّرة التي كان يراها كل إنسان عاقل ، فيقف أمامها كما تقف القُطُر أمام الإشارات ، وأصبحت هذه الاستفسارات لا تحيك في صدر الإنسان ولا تشغله كما كانت تشغل آباءه وتحيك في صدورهم ، ولم يكن ذلك عن إيمان وانشراح صدر وطمأنينة قلب واقتناع بحل صحيح وارتياح إلى نتيجة حاسمة . كلا ! لم يكن ذلك إلا لأن هذه الأسئلة فقدت أهميتها ، وأخلت مكانها لأسئلة مادية أهم في أعين أبناء القرنين التاسع عشر والعشرين منها . ولأن رجل العصر قد لعز الحياد التام في هذه المسائل وصرف النظر عنها ، فلا عليه إن كانت بعد هذه الحياة حياة ثانية ، وكانت الجنة والنار والثواب والعقاب والنجاة والهلاك أو لم تكن ، فلا يهمه شيء من ذلك سلباً لا إيجاباً ، لأن شيئاً من ذلك لا يمس مسائلة اليومية أو في آخر الشهر ، ولا يتصل بشخصه وعياله في الساعة الحاضرة ، وهو رجل لا يعتقد في النيسئة ولا يترك عاجلاً بآجل ، ولا يتكلف ما لا يعنيه ، فيترك هذه المباحث ( الفارغة ) يبحث فيها معلم الفلسفة في الجامعة ، ويفضي فيها برأيه المؤلف في هذا الموضوع. أما هو فهو رجل جد وعمل ، لا يعرف إلا حياة المصانع والإدارات وسير الماكينات ، ولا يهتم إلا بتسلية النفس وترويحها في آخر النهار والنوم الهادئ في آخر الليل ، والأجرة في آخر الأسبوع أو الراتب في أواخر الشهور وحساب الأرباح في آخر السنة ، وإعادة الصحة والشباب في آخر العمر ، أما ما بعد الحياة فهو عنده مجهول ووهم من الأوهام : ) بل ادراك علمهم في الآخرة بل هم في شك منها بل هم منها عمون ( [ النمل : 66]. إن هذا الضرب من الناس لا يزال يزداد عدداً وأهمية في كل أمة وبلاد بتأثير الحضارة الغربية ، ذلك الضرب من الناس لم يترك اشتغالهم بالحياة الدنيا والعكوف عليها فراغاً لدعوة دينية ، وإن الذي يدعوهم إلى الدين والحياة والآخروية ليتحيَّر معهم كما يتحيَّر السندباد البحري - كما تروي لنا حكايات ألف ليلة وليلة - مع بيضة العنقاء ، ظنها السندباد البحري بناء من رخام ، فدار حولها عدة مرات ليبحث عن باب يدخل منه فلم يجد ، كذلك الداعي الديني يدور حول رؤوسهم لا يجد منفذاً يدخل منه إلى عقولهم ، ويُدخل به دعوته الدينية إلى نفوسهم ، فقد أقفلت الحياة المادية ومسائلها جميع أبوابها وسدت جميع نوافذ فكرهم . وكما أن رجلاً لم يحظ من الفطرة بالذوق الأدبي ، يسمع الألحان الجميلة والأبيات الرقيقة فلا يعدها إلا صوتاً لا فن فيها ، كذلك الذي حرم الحاسة الدينية لا تؤثر فيه دعوة الأنبياء و خطب الوعاظ ، وحكمة العلماء وأمثال الصحف السماوية ، وتضيع فيه بلاغة البلغاء وإخلاص المخلصين ، ويصبح كل ذلك صحية في واد ونفخة في رماد. لقد أسـمعـت لو ناديت حياً ولكـن لا حـيـاة لـمـن تنادي والذي مُنِيَ بهذا الضرب من الناس يفهم السر في قوله تعالى : ) ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ( [ البقرة: 7] ، ) أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلاً ( [ الفرقان : 44] ، وتظهر له حقيقة قوله : ) ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون( [ البقرة : 171] ولم يلق في شرحها وتعليها ما لقيه المفسرون من صعوبة الذين لم يشاهدوا هذا النوع . داء هذا العصر الذي لا ينجح فيه الدواء ولا يؤثر فيه العلاج هو الاستغناء التام عن الدين ، ولم يلق رجال الدعوة الدينية من العنت والشدة في أحط أدور الفسق والفجور وفي أحلك عهود المعصية والغفلة ، ما يلاقونه في دعوة هؤلاء الذين لزموا الإعراض لتم في هذه المسائل ( الكلامية ) فلا تعنيهم سلباً ولا إيجاباً : ) إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين ( [ النمل : 80]. وقد فطن لهذا الفرق الجوهري بين النفسية القديمة والجديدة أحد كبار معلمي الفلسفة وعلم النفس في إحدى جامعات أوروبا الكبرى وشرحه في عبارة وجيزة قال س . م . جود : " ثارت في قديم الزمان شكوك واعتراضات وأسئلة واستفسارات حول الدين ، لم يطمئن بعض أصحابها ولم يرتاحوا إلى جواب مقنع ، ولكن مما يمتاز به هذا الجيل أنه لا تزعجه الأسئلة رأساً ، ولا تحيك في صدره ولا تنشأ في هذا العصر أصلاً " .
زوال العاطفة الدينية : لما طغى بحر المادية في العالم الإسلامي في العهد الأخير وفاض ، كوَّن رجال الدين جزراً صغيرة في بحر المادية المحيط ، يلجأ إليها الفارون إلى الله والمتبرمون من الحياة المادية والغفلة ، كان فيها رجال هم كمنارات النور في بحر الظلمات ، يربُّون الناس التربية الدينية والخلقية ، ويزكون أنفسهم ويصقلون قلوبهم . وكنت ترى في العالم الإسلامي حركة مستمرة إلى هذه الجزر ؛ فترى قوافل لروَّاد الروحانية ومنتجي التربية الدينية غادية رائحة من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب ، ومن أقصى الشمال الإسلامي إلى أقصى جنوبه ، متخطية الثغور السياسية ، مجتازة العقبات الجغرافية ، فترى هذه الجزر مستعمرات دينية ، قد امَّحت فيها الفروق الجنسية والوطنية ، وترى متحفاً إنسانياً قد اجتمع فيه الشرقي مع الغربي والبخاري ومع المراكشي والأناضولي مع الأندنوسي ، قد فروا بدينهم من الفتن ، ورموا بأنفسهم على عتبة ربهم ، يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ، ويتلقون التربية الدينية ثم ينبثَّون في أنحاء العالم دعاة مصلحين ومعلمين مرشدين، يلتقون نصيب الله من بين نصيب الشيطان ، ويُحبون أرضاً مواتاً من القلوب ، ويبذرون فيها بذور الدين. وكذلك لم تزل في جنب أقوى الدول وأوسعها دول روحية يفوق سلطانها الروحي سلطان الدولة المادي ، فيها رجال تأتيهم الدنيا راغمة ويأتيهم الملوك والأمراء صاغرين ، ولهم نظام كنظام الدول ، يُنصِّبُون ويقرون وينقلون ويستخلفون ، ولهم ( قناصل وسفراء ) في كل دولة مادية، وكأن خارطة العالم الإسلامي بين أيديهم ، فإذا خلا ثغر من ثغور الإسلام نصبوا فيه مرابطاً دينياً يحفظه من عادية الغفلة والمعصية ، ويحرسه من غاشية الجهل والطغيان([29]) . وكانت هذه الدول الروحية مستقلة في إدارتها ونظامها الداخلي ، لا يتداخل فيها الملوك والأمراء ، ولا تؤثر فيها التقلبات السياسية والحوادث المحلية ؛ ولنضرب لذلك مثلاً بالمستعمرة الروحية المعروفة (بغياث فور) ، التي أنشأها الشيخ نظام الدين البداوني الهندي (725م) في نفس عاصمة الهند ، وقد عاصر الشيخ سبعة من الملوك الجبابرة ( من غياث الدين بلبن 664-686هـ إلى غياث الدين تغلق 720-725هـ ) وحافظت على استقلالها التام من غير أن تمسها يد الملوك ، وكنت ترى رجالاً من سنجر في إيران إلى رجال من أوده في شرق الهند . وقد كان لهذه المراكز ولأصحابها الفقراء من المهابة والحشمة والاحترام الفائق ما قد يحسدهم عليه أكبر ملوك العالم ، وقد يكون هذا سبب الوحشة بينهم ، وما ذاك إلا لإقبال الناس على رجال الدين واحتفائهم والخضوع للسلطان الروحي ، فكان السيد آدم البنوري الهندي ( م1053هـ) دفين البقيع يأكل على مائدته كل يوم ألف رجل ، ويمشي في ركابه ألوف الرجال ومئات من العلماء ، ولما دخل السيد في لاهور عام 1052هـ كان في معيَّته عشرة آلاف من الأشراف والمشايخ وغيرهم ، حتى توجس شاهجان ملك الهند منه خيفة ، فأرسل إليه بمبلغ من المال، ثم قال : قد فرض الله عليك الحج فعليك بالحجاز ، فعرف إيعاز الملك ، وسافر إلى الحرمين حيث مات ([30]). وهذا الشيخ محمد معصوم ( م 1079هـ ) ابن الشيخ الكبير أحمد السرهندي قد بايعه وتاب على يده تسمعمئة ألف من الرجال ، واستخلف في دعاء الخلق إلى الله وإرشاد الناس وتربيتهم الدينية سبعة آلاف من الرجال([31]). وهذا ابنه الشيخ سيف الدين السرهندي ( م 1096هـ ) ما كان يأكل على مائدته ألف وأربعئمة ، ويقترحون الأطعمة ويتخيرونها ([32]). وهذا الشيخ محمد زبير السرهندي (م 1151) كان إذا خرج من بيته ألقى له الأغنياء الشيلان والمناديل حتى لا يطأ الأرض ، وإذا خرج لعيادة المريض أو لبعض شأنه خرج في ركابه الأغنياء والأمراء ، فكان موكباً مثل مواكب الملوك ([33]) . وهذه الأسئلة قليلة لا نقصد منها إلا الاستدلال على ما كان للدين من مكانة وشرف في عيون الناس، وعلى ما كان من احتفاء برجاله ومن يمثلونه ، وخضوعهم لسلطان الدين فوق سلطان القوة ، وتهافتهم على موارد الدين ومشارعه ، وهذه أمثلة التقطناها على عجل من تاريخ الهند الإسلامي ولمحت عابرة فيه ؛ ولو ذهبنا نستقصي أمثلته وشواهده من تاريخ الإسلام العام ومن تراجم الرجال الدينيين وسيرهم في بلاد الشام ومصر والمغرب الأقصى والعراق لكان مجلداً كبيراً. ونكتفي هنا بذكر الشيخ خالد الشهرزوري (م1242هـ ) الذي ازدحم الناس عليه في بغداد يتوبون على يديه ويستفيدون منه ، وقد خبر شيخه في رسالة كتبها إليه أن مئة من العلماء الفحول قد تخرجوا عليه ، وأن خمسمئة من كبار العلماء قد دخلوا في بيعته ، وأما العوام والخواص فلا يأتي عليهم حصر ([34]). واستمر هذا الإقبال على الدين والهجرة في طلب العلم النافع والعمل الصالح ، وتجشُّم الأسفار والأخطار لتزكية النفس وتهذيب الخلق والتوصل إلى معالم الرشد والاستعداد للآخرة إلى أول عهد الاستعمار الأوروبي ، فترى في كل قطر إسلامي مراكز دينية وملاجئ روحية يأوي إليها هل الطلب من سائر الآفاق ، وتخطبهم الدنيا والمناصب العالية في الحكومات فيأبون إلا فراراً ، ويلجؤون إلى هذا المحيط الهادئ الروحي ، ويكبوُّن على إصلاح باطنهم وسلِّ حظ الشيطان منه . وتتعدى في الحضارة إلى أواسط القرن الثالث عشر الهجري ، وقد احتل الإنجليز الهند ، ولمَّا تؤثر حضرتهم وفلسفة حياتهم في مجتمع البلاد فنرى بقايا من الحياة الدينية الأولى ، ويحدثنا مؤرخ([35]). عن زاوية الشيخ غلام علي الدهلوي ، ( م 1420هـ ) فيقول : " رأيت بعيني في هذه الزاوية رجالاً من الروم والشام وبغداد ومصر والحبشة قد بايعوا الشيخ ، وعدُّول المثول بين يديه حسنة الدهر وسعادة العمر. أما الوافدون من البلاد القريبة كالهند وأفغانستان فكانوا كالجراد ، ولا يقل عدد المقيمين في هذا الزاوية عن خمسمئة رجل تقوم الزاوية بنفقاتهم ([36]). ويجيل الشيخ رؤوف أحمد المجددي نظره في رجل هذه الزاوية اليوم الثامن والعشرين من جمادى الأولى عام 1231هـ ، فيجد رجالاً من سمرقند وبخارى وتاشقند وحصار وقندهار وكابل وبشاور وكشمير والملتان ولاهور وسرهند و أمروهه وسنبهل ، ورامبو وبريلي ولكهنؤ وجائس وبهرائج وكور كهبور وعظيم آباد ودهاكه ، وحيدر آباد،وبونه وغيرها ([37]). وليعرف القارئ أن هذا كله في زمان لم تحدث فيه طرق النقل الحديثة ، فكان كله مشياً على الأقدام وسفراً في القوافل . وتتجلى المناظر الأخيرة لهذا العهد الراحل في تاريخ مصلح الهند الكبير والمجاهد الشهير اليد الإمام أحمد بن عرفان الشهيد ( 1246هـ) ، فإذا قرأت تاريخه وجولاته في الهند بث دعوته إلى التوحيد واتباع السنة والجهاد ، رأيت ألوفاً يتوبون من الذنوب والشرك والمحدثات ، وحتى تقفر الحانات وتغض المساجد ، ويتسابقون في دعوته هو ورفقته الذين يدون بالمئات إلى بيوتهم وصنع الولائم لهم ، ويستهينون في سبيل ذلك بالأموال ويسترخصون كل عزيز وغال ، حتى يتقارعوا بينهم أيهم أيبدأ ، وأيهم يتقدم . وترى في المسلمين شهامة في سبيل الدين وعلو همة وسماحة نفس وأريحية لا تعهدها بعد ذلك ، فلما خرج السيد للحج عام 1236هـ ورفقته أكثر من سبعئمة رجل ضيَّف المسلمون في هذا الركب في كل محل يمر به ، من رائي بريلي مسقط رأسه إلى كلكته حيث ركبوا السفه ، ولما نزل بإله آباد ضيَّفه الشيخ غلام علي، وأقام هذا الركب ضيفاًعليه خمسة عشر يوماً، واجتمع الناس من القرى والضواحي وكلهم يأكلون على مائدة الشيخ الطعام الفاخر ، هذا عدا الهدايا التي أهداها إلى أهل الركب والكسوة والزاد الذي قدمه ، وفي أثناء الرجوع لما حلت القافلة من مدينة مرشد آباد في طريقها من كلكتة إلى رائي بريلي قام ديوان غلام مرتضى بضيافتهم ، وأعلن في السوق أن كل من يشتري من أهل القافلة أو يستأجر منهم أهل الصناعة فهو يؤدي الثمن من عنده ، وكلمه السيد في هذا فقال : حسبي من الفخر والشكر أني أقوم بخدمة الحجاج . وترى من الناس رقة في القلوب وانقياداً وخضوعاً للشروع ، فقد تشرف بالبيعة والتوبة مئات ألوف من المسلمين في هذا السفر ، وكان ينهالون من كل صقع ويدخلون في الخير أفواجاً ، حتى إن المرضى في مستشفى مدينة بنارس أرسلوا إلى السيد يقولون : إنا رهائن الفراش وأحلاس الدار ، فلا نستطيع أن نحضر ، فلو رأى السيد أن يتفضل مرة حتى نتوب على يديه لفعل ، وذهب السيد وبايعهم . وأقام في كلتكة شهرين ، ويقدَّر أن الذين كانوا يدخلون في البيعة لا يقل عددهم عن ألف نسمة يومياً، وتستمر البيعة إلى نصف الليل ، وكان من شدة الزحام لا يتمكن من مبايعتهم واحداً واحداً فكان يمد سبعاً أو ثماني من العمائم والناس يمسكونها ويتوبون ويعاهدون الله ، وكان هذا دأبه كل يوم سبع عشرة أو ثماني عشرة مرة . وخطب السيد في الناس في كلكتة خمسة عشر أو عشرين يوماً ، وكان يحضر هذه المواعظ نحو ألفين من وجهاء البلد والعلماء والشيوخ، فضلاً عن عامة الناس والدهماء ، وكذلك رفيقه الشيخ عبد الحي البرهانوي كن يذكَّر كل يوم جمعة ويوم الثلاثاء بعد صلاة الظهر إلى العصر ، والناس يتساقطون عليه كالفراش ؛ ويسلم كل يوم عشرة أو خمسة عشر رجلاً من الكفار . وكان من تأثير هذه الوعظ ودخول الناس في الدين وانقيادهم للشرع أن تعطلت تجارة الخمر في كلكتا ، وهي كبرى مدن الهند ومركز الإنجليز ، وكسدت سوقها وأقفرت الحانات ، واعتذر الخمارون عن دفع ضرائب الحكومة متعللين بكساد السوق وتعطُّل تجارة الخمر . ولما دعا السيد الإمام إلى الجهاد لبِّى الناس من كل طبقة دعوته في نشاط وحماسة ولحقوا به ، وترك الفلاحون سكَّنهم، و أقفل التجار دكاكينهم وغادر الناس أوطانهم وتغربوا في دين الله ، ولم يتلفتوا إلى ما وراءهم ولم يلووا على شيء حتى قتلوا في سبيل الله في وادي بالاكوت عام 1246هـ في الثغور ، ورجع فَلُّهم إلى قلل الجبال ، فاعتصموا بها وقضوا نحبهم في الجهاد . هذا كله والحضارة الإسلامية في الهند في الاحتضار ، والحكومة الإسلامية في انهيار ، ولكن لم يزل في الناس بقية من الأنفة الإسلامية والحمية الدينية والإنابة إلى الله والفرار إليه ، وسرعة الإجابة للداعي إلى الله ، والاستهانة بالحياة الدنيا وبذل النفائس في سبيل الله . ورسخت قدم الإنجليز وأصبح نظامهم التعليمي - وهو من أكبر جنودهم - يؤتي كله كل حين ، وتسربت في الناس أفكارهم وميولهم ، فصارت تقلب نظام الحياة ونظام الفكر في الهند رأساً على عقب من حيث لا يشعر أهلها ، فتقاصرت الهمم في الدين ، وخدمت جذوة القلوب ، وانطفأت شعلة الحياة الدينية ، وتصرفت الرغبات والأهواء والتنافس الطبيعي - الذي هو الدافع الأكبر إلى التقدم والإبداع - من الدين والروحانية إلى المعاش والمادة ، وقلت مرغبات الجهد في الدين والعلم وما يتصل بالروح والقلب ، وتوافرت المزهَّدات المثِّبطات عنه، وكثرت الدواعي والحافزات إلى ضده ، واتجه تيار الذكاء والنبوغ والعبقرية - الذي كان متجهاً من قبل إلى الدين - من صنوف الدين وأقسام العلم الديني والروحي ، إلى الإنتاج والإبداع في أنواع علوم المعاش ومرافق الحياة . وكان لا يزال بالعهد الراحل رمق وبقية من حياة تنازع الموت وتحاول البقاء ، فكان لا يزال في الناس رجال يدعون إلى الدين وإصلاح النفوس وتزكيتها وتهذيب الأخلاق وتصفيتها ، وهم تذكار لسلفهم في زهدهم في الدنيا والإقبال على الآخرة والإخلاص واتباع السنة ، وكانت لا تزال لهم دعوة في الناس والمسلمون يعدون الاتصال بهؤلاء والتمسُّك بأهدابهم حقً من حقوق الدين وواجباً من واجبات الحياة، وكان بعض الأغنياء والأمراء وأرباب الدنيا ، لهم اهتمام زائد بحسن الخاتمة وأمور الآخرة وصلاح القلب وعمارة الباطن ، ولكن كان هذا كله أشبه بالتهاب السراج قبل الانطفاء فقد ذوي أصل الشجرة الدينية ، وانقطعت عنها مادة الحياة ، وهبَّ عليه إعصار فيه نار . سرى الشك وسوء الظن في الأوساط الدينية والبيوت العريقة في الدين والعلم بتأثير المحيط وبتأثير التعاليم الإفرنجية ، وضعفت الثقة بالله وبصفاته وبمواعيده ، فأصبح الآباء يضنون بأولادهم على الدين ، ولا يخطرون بأوقاتهم وقواهم في سبيل الدين وعلوم الدين ، وأصبحوا يعلمونهم العلوم المعايشة واللغات الإفرنجية ، لا رغبة في تحصيل المفيد النافع ولا دفاعاً عن الإسلام ، بل زهداً في الدين وفراراً من خطر المستقبل وخوفاً على أفلاذ أكبادهم من الضياع واستسلاماً للدهر المتقلب ، وتسلَّط عليهم خوف الفقر حتى أصبحوا من خوف الموت في الموت . وهكذا انقرض هذا الجيل وطوي هذا البساط ، ولفظ هذا العهد الروحي نفسه الأخير ،وتلاه عهد المادة ، وأصبحت الدنيا سوقاً ليس فيها إلا البيع والشراء .
طغيان المادية والمعدة : روَوا أن شاعرة جاهلية ( كبشة بنت معد يكرب) عاتبت أخاها عمرو بن معد يكرب ، وعيَّرته بميله إلى قبول دية أخيه المقتول فقالت: ودَعْ عنك عَمْراً إن عَمْراً مسالم وهل بطن عَمْرو غير شبر لمطعم ؟ ما تتصور المرأة الجاهلية البسيطة أن بطن إنسان يتجاوز مقدار شبر، فكيف لو رأت معدة الإنسان الحاضر ابن القرن العشرين ؛ تضخمت وكبرت حتى وسعت الأرض ، وتجاوزت حتى أصبحت لا يملؤها إلا التراب. نعم تضخمت معدة الحرص في الإنسان حتى صارت لا يشبعها مقدار من المال ، وتولد في الناس غليل لا يُرْوَى وأُوارٌ لا يُشفى ، وأصبح كل واحد يحمل في قلبه جهنم لا تزال تبتلع وتستزيد ، ولا تزال تنادي هل من مزيد ؟هل من مزيد ؟ تسلَّط على الناس - أفراداً وأمماً - شيطان الجشع والحرص ، فكأن بهم مَسَّاً من الجنون ، وأصبح الإنسان نَهِماً يلتهم الدنيا التهاماً ، ويستنزف موارده حلالاً وحراماً ، ثم لا يرى أنه قضى لبانته وشفى نفسه ، والعهدة في ذلك على وضع الحياة الحاضرة وطبيعتها ، وكونها مادية صرفة لا تؤمن بالآخرة . وخليق بمن لا يعتد إلا بحياته الدنيا ولا يرى وراءها عالماً آخر وحياة ثانية أن تكون هذه الحياة بضاعته ، ورأس ماله وأكبر همه وغاية رغبته ومبلغ علمه ، وأن لا يؤخر من حظوظها وطيباتها ولذائذها شيئاً ، وأن لا يضيع فرصة من فرصه ، ولأي عالم يدخر ، وهو لا يؤمن بعالم وراء هذا العالم ، ولا بحياة بعد هذا الحياة؟ وقد عبر عن هذه النفسية الجاهلية الشاعر الجاهلي الشاب طرفة بن العبد في صراحة وبساطة فقال: فإن كنت لا تستطيع دفع منتي فدعني أبادرها بما ملكت يدي كريم يروِّي نفسه في حياته ستعلم إن متنا غداً أيّنا الصَّدي وكل إنسان متمدن اليوم - إلا من عصمه الله بالإيمان - يرى هذا الرأي ، ويذهب هذا المذهب في الحياة ، إلا أنه قد يجرؤ على أن يصرح به، وقد لا يملك ذلك اللسان البليغ الذي يعبر عن ضميره . والسبب الثاني : هو الأدب العصري - بمعناه الواسع - الذي لا يتحدث إلا عن المادة وأصحابها ، ويخنه لأهل الثراء وأصحاب الاحتكار وأصحاب الإنتاج ، الخنوع الذي لا يليق بالأدب الشريف العالي ، فيكتب دقائق حياتهم في تفصيل ، وينشر ألقابهم وأسماءهم بقلم عريض ، وكل نفس من أنفاس مدحه وتقريظه وكل فصل من فصول روايته ينتهي إلى نتيجة مادة أو إلى بطل من أبطال المادة ، ويزين للقارئ المذهب الأبيقوري تارة بالتلميح وتارة بالتصريح ، ويحث الشباب على التهام الحياة وانتهاب المسرَّات ؛ نثراً وشعراً ورواية تحليلاً وتصويراً، فلا ينتهون منه إلا بالروح المادي والتقديس لرجال المادة . وكذلك المجتمع الذي لا يقدَّر إلا الغني الظريف متناسياً كل ما فيه من رذيلة ولؤم اصل وسوء خلق ، ويتجنى على الإنسان الذي لا يترجح في ميزانه مهما كثرت مواهبه وطاب عنصره وسما جوهره ، ويلمِّح وقد يصرح بأن الفقير لا يستحق الحياة ، ويعامله معاملة الدواب والحمير والكلاب ، فيرغم الإنسان - إذا لم يكن ثائراً على المجتمع - على أن يخضع لشريعة مجتمعه ، وأن يتجمل ويتظرف لمجتمعه ، فلا يلبس إلا لغيره ولا يتأنق إلا لغيره . وهذا المجتمع لا تزال مقاييسه للشرف والظرافة تتغير ، ومعاييره للإنسانية تتبدل وتتحور ، ومطالبه تتنوع وتتكثر ، حتى يضيق الإنسان بها ذرعاً ويلجأ إلى طرق غير شريفة لتحصيل المال ، وإلى كدح وكد في الحياة، وهناك هموم تتوالى ولا تنتهي ومتاعب تتسلسل ولا تنقطع . وزاد الطين بلة تنافس المصانع والمنتجين والصناع؛ ففي كل صباح يتدفق على المدينة سيل جديد من أحدث المنتجات وأحدث طراز من السيارات والسجاير والأزياء والقبعات والأحذية ، والأدهان والأطلية وأسباب الزنية والزخاف والأجهزة ، ولا يجلب منها شيء قياماً بالواجب وسداً للثغور ، بل كله في سبيل الاستغلال الصناعي والاحتكار التجاري ، ولا تلبث هذه المنتجات التي في من فضول الحياة أن تدخل في أصول المعاش ولوازم المدينة ، والذي لا يتحلى بها لا يُعدُّ من الأحياء . ولهذه الأسباب ولغيرها ارتفعت قيمة المال في عيون الناس ارتفاعاً لم تبلغه في الزمن السابق ، وبلغ من الأهمية والمكانة مبلغاً لم يبلغنه - على ما نعرف - في دور من أدوار التاريخ المدوَّن ، وأصبح المال هو الروح الساري في جسم المجتمع البشري ، والحافز الأكبر للناس على أعمالهم ونشاطهم المدني ، وقد يدفع المخترع إلى الاختراع ، والصانع إلى صناعته ، والسياسي إلى مقالته ، المرشح إلى انتخابه ، والعالم إلى تأليفه، حتى القادة إلى الحرب ، فهو القطب الذي تدول حوله رحى الحياة العصرية، كما يقول الأستاذ ( جود ) معمل الفلسفة وعلم النفس في جامعة لندن:" إن النظرية المهيمنة السائدة على هذا العصر هي النظرية الاقتصادية ، وأصبح البطن أو الجيب ميزاناً لكل مسألة ، فبمقدار اتصالها بالجيب وتأثيرها فيه يُقبل الناس عليها ويُعَنْوَن بها " . إذا حكمت في عصرك وطبائعه وأذواقه وأنت بمعزل عن الحياة ، وبنيت حكمك على مؤلفات ومقالات، إنما تُكتب في زاوية من زاويا المكتب فإنك تغالط نفسك ، وقد تقرا في هذه الكتب الفلسفية أو المقالات العلمية التحليلية كأنك في عصر متمدن راق تتحكم فيه معايير الأخلاق وتسود فيه المثل العليا ، ويغشاه سحاب الفضيلة والنبل ، وتحلَّق عليه روح الديانة والعلم ، ولكن الواقع غير ذلك ، فإن هذه الكتب إنما ألفت في عالم الخيال الذي يعيش فيه مؤلفوها ، وإن أهواءهم وأذواقهم هي التي خلقت لهم عالماً خيالياً يصفونه ويصورنه في كتبهم ،حتى يخيل إلى القارئ أنه هو العالم المحيط به … وللأهواء عجائب وخوارق . ولكن إذا اتصلت بالحياة عن كثب لا عن كتب ، وخالطت الناس ودرست أحوالهم ، وأصغيت إلى حديثهم في البيت وفي القطار والبستان وعلى المائدة وفي السِّمَر ، رأيت ( الذهب ) حديث النوادي وشغل الألسنة وهو القلوب ، والبداية والنهاية في كل موضوع ، والقطب الذي تدول حوله رحى الحياة . إن شاعراً عربياً يلعن الصعلوك الذي لا يتعدى نظره ولا يسمو فكره عن لباس وطعام ويقول : لَحَا الله صُعْلوكاً مُنَاه وهَمُّه من العيش أن يلقى لبوساً ومَطْعما فكيف إذا أشرف هذا الشاعر على هذه المدينة ، وهي تجري بفلاسفتها وسياسييها ونوابغها وعلمائها ، وأشرافها و أغنيائها وفقرائها وراء غاية لا تتعدى لبوساً ومطعماً ، مهما تنوعت أشكالها وتضخمت ألقابها ؟! فالحياة كلها جهاد في سبيل اللباس والطعام .
التدهور في الأخلاق والمجتمع : احتل الأجانب الشرق الإسلامي وقد أصاب المجتمع الإسلامي انحطاط في الأخلاق والاجتماع ، وسبقت إليه أدواء خلقية واجتماعية ، كانت أهم أسباب انهيار الدول الإسلامية ، وانهزام الأمم الشرقية . ولكن مع ذلك لم يزل المجتمع الشرقي الإسلامي - على علاَّته- محتفظاً ببعض المبادئ الخلقية السامية والخصائص الاجتماعية الفاضلة التي لا يوجد لها مثيل في الأمم ، وقد نضج واكتمل فن لأخلاق عند الشرقيين ووصل من الدقة والتفصيل واللطافة ورقة الحواشي ذروة لا يصل إليها ذهن العصر ، ولا يتصورها الغربي إلا في الشعر والأدب . ويقرأ الإنسان أو يسمع روايات عن استحكام الروابط والأواصر بين أعضاء المجتمع العام وأفراد الأسرة ، وتغلغلها في الأحشاء ، واستمرارها إلى الأحقاب والأجيال ، وخلوها من كل مصلحة ومنفعة مادية ، ما لا يتصوره أبناء هذا العصر .وكذلك من حنو الآباء على الأبناء بالآباء ، وتوقير الصغير للكبير ، وحدب الكبير على الصغير ، وعن عفاف النساء ووفاء الحلائل ، وأمانة الخدمة ووفائهم ، واستقامة الشبان وثباتهم على الأخلاق ، ومعاملة الأشراف بعضهم لبعض ، والمحافظة على الرواتب والعادات والأطِّراد في مسألة اللباس والشعائر والعشرة ، والإيثار في شأن الأصدقاء والنصح لهم ، يسمع منها غرائب لا يكاد يصدِّق بها . كان بر الأنباء للآباء وطاعتهم إلى حد التفاني في سبيلهم والاضمحلال في وجودهم منتزعاً من قول النبي r :" أنت ومالك لوالدك"([38]). وكان حب الأبناء لآبائهم وبرهم وحرصهم على أداء حقوقهم غير مقتصر على حياة الأبوين ، بل كان يستمر إلى ما بعد وفاتهما بصلة أصدقائهما وأهل أنسهما والإهداء إليهم والتحبب إلى أولادهم وعشيرته ، وكان ذلك عملاً بقوله r : " إن من ابر البر صلة الرجل بأهل ودِّ أبيه بعد أن يولِّي "([39]). وكان الأبوان مثلاً للنصح والإخلاص في حبهما للأولاد ، وكان يضحيان بجميع أهوائهما وميولهما وراحتهما وبلذة الأمومة والأبوة في سبيل تثقيفهم وتربيتهم وتعليمهم ، ويتحملان في ذلك - حتى الرجل الأمي والمرأة الجاهلة - إجحاف المعلمين وعَسْفهم وإضرارهم في بعض الأحيان بجسم الصفار ، ويتجرعان المرائر ويصبران على الغصص في سبيل الأولاد ونبوغهم ، وقد تواضع على ذلك أهل البيوتات والشرف حتى أهل الطبقات الوضعية ، ويعدون من خالف ذلك رجلاً نذلاً لئيماً ، والذي روي عن هارون الرشيد في تنبيهه لولديه الأمين والمأمون ووصيته لهما بخدمة الكسائي معروف في التاريخ . ومن غرائب ما يروى في هذا الباب ويمثَّل الطبيعة الشرقية أن ( تاج الدين ألدز ) أمير الأفغان بدالسلطان شهاب الدين الغوري أسلم ولده إلى معلم ، وضرب المعلم الولد حتى مات ، فلما علم بذلك (تاج الدين ) أشار على المعلم بأن يهرب وقال : " لا آمن عليك من أم الولد ، فعسى أن ينالك منها مكروه " . كانت الرابطة بين الصغير والكبير في المجتمع الإسلامي مؤسسة على تعاليم الشرع :"من لم يرحم صغيرنا ويعرف حق كبيرنا فليس منا"([40]). ومن خصائص الحضارة الشرقية الاطراد في الحياة والمحافظة على لون واحد والتظاهر بمظهر واحد ، فكان الرجل إذا شرع في أمر وتظاهر بمظهر واصله إلى غايته ، وإذا اتخذ عادة أو شارة في اللباس أو عمل أحداً أنواع معاملة واظب عليه إلى آخر أنفاسه ، ولا تؤثر في ذلك الحوادث ولا تغيره الفصول ، ولا انحراف الصحة ولا الكسل ولا المصالح . ولم يكن العمدة في حياة الأسرة والقبائل ولم يكن الميزان في التوقير والشرف هو كثرة المال ، فيختلف المستوى المالي في أسرة اختلافاً كبيراً، ويتفاوت الرجال في قبيلة أو قوم تفاوتً عظيماً في لمال والجاه ، فهذا سريٌ مثرِ وذلك فقير مدم ، ولم يكن يستطيع أحد أن يفرق بينهم ويرفع بعضهم فوق بعض لأجل التفاوت الاقتصادي في مجتمعات الأسر والبيوتات والمآتم ( بمعناها اللغوي ) ، فإذ شم أحد رائحة الفرق أو نظرة الازدراء ، ثار كالليث ، أو إذا بدرت بادرة من المضيف تنمُّ عن هذا الفصل انسحبت الأسرة كلها من الضيافة ، وقاطعوا أهل الضيافة ، وكانوا يداً واحدة مع أخيهم المهضوم . وكان الفقير الصعلوك في قبيلة يواجه الأغنياء والملوك من تلك القبيلة بجرأة ، وهو معتز بنفسه معتد بشرفة ، لا يرى في نفسه نقيصة لأجل فقر ، وكن الغني أو الملك يكرمه ، ويحله المحل اللائق بشرفه ونسبه وفضيلته الذاتية ، بصرف النظر عن رثاثة هيئته وتبذُّله ، والأزمة الاقتصادية الطارئة على كرم عنصره وصفاء معدنه وطيب منبته ومتانة دينه ووفر علمه . وكان الفقير في ذلك يبلغ كثيراً في إخفاء عسرته وضنك معيشته ويتحمل ويتجلد ، يسوؤه أن يفطن أحد إلى فاقته ورقة حاله . وكان ضمير الحر عزيزاً محترماً كدينه وعرضه ، لا يساوم عليه ولا يباع بأي ثمن ، وكان الواحد يفضل الموت الأحمر على كذبه أو حياته يخلَّص بها نفسه من الموت . وقد روى لنا التاريخ طرائف في هذا الباب لابد أن تكون أمثلتها متوفرة في تاريخ جميع البلاد الإسلامية : منها أن الشيخ رضى الله البداوي تهم بالاشتراك في الثورة على الإنجليز عام 1857م ، وحوكم أمام حاكم إنجليزي كان من تلاميذه ، فأوعز إليه الحاكم على لسان بعض الأصدقاء أن يجحد الاتهام فيطلقه. ولكن الشيخ أبى وقال: قد اشتركت في الخروج على الإنجليزي فكيف أجحد ؟ واضطر الحاكم فحكم عليه بالإعدام ، ولما قدم للشنق بكى الحاكم وقال له : حتى في هذه الساعة لو قلت مرة : إن القضية مكذوبة علي ، وإني بريء لاجتهدت في تخليصك . فغضب الأستاذ وقال : أتريد أن أحبط عملي بالكذب على نفسي ؟ لقد خسرت إذا وضلَّ عملي ، بل قد اشتركت في الثورة فافعلوا ما بدا لكم ، وشنق الرجل !! ولم يكن صدقهم واعترافهم بما يعلمون ويعتقدون مقتصراً على ما يتصل بأنفسهم ، بل كانوا صادقين فيما يتصل بالأمة والشعب ، فلم يكونوا يعرفون العصبية الجنسية والوطنية والجنف القومي الذي أصبح اليوم من واجبات الجنسية الوطنية . وكانوا يعدون الكذب وشهادة الزور لأجل الأمة والوطن والملّة رذيلة وإثمً كبيراً ، وكانوا يعتقدون أن أحكام الشرع تعم الفرد والأمة والأمور الشخصية والاجتماعية ، وكانوا متمسكين بقوله تعالى: ) يا أيها الذين ءامنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين ( [ النساء : 135] . الآية . وقوله : ) ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا ، اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله( [ المائدة : 8] . وقوله : ) وإذا حكتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ( [ النساء : 58] وقوله : ) وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى ( [الأنعام:152]. ومما يروي لنا الشيوخ من ذلك : أنه وقع نزاع بين الهنادك والمسلمين في قرية كاندهلة من مديرية ( مظفر نكر ) في الولايات المتحدة الهندية على أرض، فادى الهنادك أنها معبد لهم ، والمسلمون أنها لهم مسجد ، وتحاكموا إلى حاكم البلد الإنجليزي ، فسمع الحاكم القضية ودلائل لفريقين ولم يطمئن إلى نتيجة ، فسأل الهنادك : هل يوجد في القرية مسلم تثقون بصدقه وأمانته أحكم على رأيه؟ قالوا : نعم ، فلان : وسموا شيخً من علماء المسلمين وصالحيهم ، فأرسل إليه الحاكم وطلبه إلى المحكمة ، فلم جاءه الرسول قال : قد حلفت أن لا أرى وجه أفرنجي ، ورجع الرسول ، فقال الحاكم : لا بأس ، ولكن احضر وادل برأيك في القضية ، فحضر الشيخ وولى دبره إلى الحاكم وقال : الحق مع الهنادك في هذه القضية، والأرض لهم. بذلك قضى الحاكم ، وخسر المسلمون القضية ، ولكن كسبوا قلوب الهنادك وأسلم منهم جماعة . ومما حكى لنا الثقات وقرأناه في التاريخ أن الشيخ عبد الرحمن الرامبوري (م1234هـ) كان يعلَّم في بلدة رامبو براتب زهيد يتقاضاه كل شهر من الإمارة الإسلامية لا يزيد على عشر روبيات ( أقل من جنية مصري) ، فقدَّم إليه حاكم الولاية الإنجليزي المستر هاكنس وظيفة عالية في كليِّة بريلي راتبها مئتان وخمسون روبية ( تسعة عشر جنيهاً مصرياً) ، وذلك يساوي خمسين جنيهاً في هذا العهد ، ووعد بالزيادة في الرابت بعد قليل ، فاعتذر الشيخ عن قبوله وقال : إني أتقاضى عشر روبيات ، وأنها ستنقطع إذا تحولت إلى هذه الوظيفة . فتعجب الإنجليزي وقال : ما رأيت كاليوم : أنا أقدم راتباً يزيد على راتبك الحالي بأضعاف أضعاف ، وتترك الأضعاف المضاعفة وتقنع بالنزر اليسير !!. فتعلل الشيخ بأن في بيته شجرة سدر وهو مغرم بثمرها ، وأنه سيُحرمها إذا أقام في بريلي. ولم يفطن الإنجليزي بعد إلى مقصود الشيخ . فقال : أنا زعيم بأن هذا الثمر يصل إليك من رامبور إلى بريلي ، فتشبث ثالثة بأن حوله طلبه وتلاميذ يقرؤون عليه في بلده ، فلو انتقل إلى هذه الوظيفة انقطعت دروسهم . ولم ييأس الإنجليزي المناقض من إقناعه فقال : أنا أجري لهم جرايات في بريلي ويواصلون دروسهم هناك ، وهنا أطلق الشيخ آخر سهامه الذي أصمى ميته فقال : وماذا يكون جوابي غداً إذا سألني ربي : كيف أخذت الأجرة على العلم ؟ وهنا بهت الإنجليزي وسُقط في يديه ، وعرف نفسية العالم المسلم ، وقضى الشيخ حياته على أقل من جنبه يأخذه كل شهر. قارن هذه الروح السامية والنفس الكبيرة التي تربأ بالعلم أن يباع بيع السلع وتغار على العقيدة والكرامة أن تشترى بمال أو بمنفعة ، بها التبذل والإسعفاف الذي وصل إليه أهل العلم والعقل والصناعة في هذا الزمان ، فقد عرض كثير منهم علمهم وعقلهم وما يحسنونه كالسلع في الأسواق، يبيعونها بالمناداة ( المزاد العلني ) ليشتريها من يزيد في الثمن كائناً من كان ، فليس الشأن عندهم في العقيدة ولا في الغرض والنتيجة ، ولا في الملاءمة والذوق ، إنما الشأن عندهم في الثمن الذي يدفعه المشتري. وكل يوم نطَّلع على مضحكات مبكيات في هذا الباب ، فهذا الأستاذ كن أمس في معهد إسلامي يدرس العلوم الإسلامية والتاريخ الإسلامي ، وقدمت إليه الكلية الكاثوليكية الفلانية وظيفة تدريس برتب يزيد على رابته السابق بخمسة جنيهات ، فانتقل إليها ، وهذا السيد فلان كان في وزارة لمعارف سابقاً، وكان شاباً مثقفاً وعالماً له هوى في التحقيق والدراسة ، تقرأ له مقالات علمية في المجلات الراية ، فإذا به ينتقل فجأة إلى مصلحة الطيران أو الإذاعة ، وسألناه: ماذا حدث له حتى غيرَّ طريقه وقلب تيار حياته ؟ فأخبرنا أن ذلك لأجل أنه يربح في مركزه الجديد عشر جنيهات!! وهذا البحاثة الفلاني كتب مقالة عن التصوف الإسلامي ونال بها ثناء أهل العلم قد تحول إلى وزارة الخارجية ، أو اصبح ترجمان دولة أوروبية ، وما هو إلا لأجل زيادة بمقدار بضعة جنيهات . أَوَ لَيْسَ هذا لأن الربح المالي قد أصبح كل شيء ، ولأن الذهب اللماع أصبح المتصرف الوحيد في مناهج الحياة والمسيطر الوحيد على الأرواح والعقليات ؟ قرأنا في التاريخ الإسلامي أن المنصور الخليفة العباسي المشهور طلب من ابن طاوس في مجس أن يناوله الداوة ليكتب شيئاً ، فامتنع ، فسأله الخليفة سبب امتناعه وعدم امتثاله لأمر خليفة المسلمين ، فقال : أخاف أنت تكتب بها معصية ،فأكون شريكك فيها ومتعاوناً على الإثم والعدوان!! إلى هذا الحد وصل بهم تمسكهم بقوله تعالى : ) وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ( [ المائدة : 2] ، أما امتناعهم عن قبول منصوب القضاء في نظم لا يرضونه ولا يرتاحون إلى سيره وتفاصيله فرواياته بلغت حد التواتر ، واطردت في أدوار الحياة الإسلامية الأولى . قارن هذا الاحتراس من التعاون على الإثم والعدوان ، وهذا التعفف عن المشاركة في نظام غير صحيح ، والامتناع عن أدنى مساعدة لهدف لا تفق ومصالح الأمة الإسلامية ، أو يعود عليه بالضرر ، أو فيه غش وخدية للأمة .. قارن كل ذلك بهذه المساعدة والتغضيد الذي تتمتع به الحكومات الأوروبية من المسلمين ، وهذا الذكاء واللباقة والقلم البليغ الذلق الذي ينتفع به الأجانب منهم في مصالحهم وإداراتهم . فهناك شبان مسلمون وكتاَّب بارعون يتولّون تحرير الصحف والمجلات التي تصدرها الحكومات الأجنبية لنشر دعايتها في بلاد المسلمين والتأثير في عقليتهم ونفسيتهم وتمويه الحقائق بمقدرة المأجورين من المسلمين أنفسهم . وهنالك جماعة من ( الأفاضل) ينحدرون من أصول عربية صميمة ، وينتمون إلى بيوتات عريقة في المجد والإخلاص والإسلام، قد جاهد آباؤهم في سبيل الحق ومحق الباطل ، وبقيت نسبتهم في أسمائهم تروي لنا تاريخاً مجيداً عن آبائهم حافلاً بجلائل الأعمال ، وجرى دمهم في عروقهم ، وظهر في ملامح وجوههم وتقاطيعها ، ويشتغلون اليوم في الحكومات الأجنبية ، ويستعملون تلك اللغة المضرية الفصحى التي نزل بها القرآن الكريم ، والتي تكلم بها رسل المسلمين في مجالس ملوك فارس والروم ، فأدوا بها رسالة الإسلام ، وألقوا المهابة في قلوبهم ، والتي ألقى بها القواد المسلمين خطب الجهاد - بهذه اللغة الكريمة التي لا تليق إلا للبطولة الإسلامية ، وبتلك الكلمات الفصيحة الرائعة التي لا تجمل إلا في مواضع الحق والجهاد ، ينشر هؤلاء دعاية الحكومات الأجنبية التي تعبث بالمسلمين بث اللاعب بالكرة ، أو عبث الوليد بجانب القرطاس ، وقد رزأتهم في سياستهم واستقلالهم وإيمانهم وعقلهم واقتصادهم ولهم أعمال من دول ذلك هم لها عاملون . قد سمعنا منهم أن هذه الحكومات تقوم بجهود نبيلة لخير العروبة والإسلام ورفع شأنهم. وأنها ( نور الحرية الوضَّاء في عالم ساده الظلام الدامس ) ، وقد سمعناهم يشيدون ( بالخدمات الجلَّى والمساعدات العظيمة التي تقدمها الإذاعة البريطانية في سبيل نهضة الأقطار العربية وتوحد تفكيرها وثقافتها وتوثيق الروابط بينها ، وما تقوم به من نشر الثقافة العربية الإسلامية ، وتعريف لمسلمين بتاريخهم المجيد ومدينتهم الزاهرة، وإطلاع العالم العربي على حقائق الأمور ، وسير الحوادث في نزاهة وصدق) ([41]).ولطالما سمعناهم وقرأنا لهم إشادة بإيمان هذه الحكومات بالديمقراطية الصحيحة ، وجهادها لتوطيد الأمن العام وسلام العالم وحرية الأمم المستضعفة والبلاد المهضومة ، ورفعها لراية العدل والمساواة ، والأخذ للمظلوم من الظالم ، وقيامها للحق .. إلخ . فإذا كان هؤلاء المتحدثون لا يرضى ضميرهم بما يقولون ، ويعرفون أن هذه الكلمات في غير محلها ، وإنما هو كله لمصالحهم المالية ، فيا لانحطاط النفس الشريفة ، ويا لرخص السلعة الغالية ، ويا ضيعة الكلمات العامرة بالمعاني ، ويا شقاء اللغة العربية بأهلها ؛ وإذا كان ذلك من اعتقاد وثقة وفهم للمعنى ، فيا جهلاً بالحقائق ، ويا إنكاراً للمحسوس ، ويا مسخاً للقلوب !!. وهذا عصر التناقض ، فيكتب أديب أو صحافي اليوم كتاباً حماسياً في سيرة بطل من أبطال الجهاد الإسلامي ، أو مجدد من مجددي الإسلام ، ولا يجف مداد مقالته أو كتابه ذلك حتى يكتب بقلمه تقريظاً أو ثناء على خائن من خونة الأمة ، أو صنيعة من صنائع الأجانب ، لمصلحة سياسية أو منفعة مالية ، ولا يرى في ذلك تناقضاً . طلب ملك من ملوك العرب من شاعر عربي فرسه ، فاعتذر أن يعطيها بأي ثمن كان وقال : أبَـْيتِ اللـعنَ إنَّ سكـابَ عَلْقٌ نفـيسٌ لا تُعـار ولا تُـباع ولكن كأن الضمير عند هؤلاء الذين يشتغلون في الحكومات الأجنبية ، أو حكومات وطنية جائرة مذِلَّة لرقاب المسلمين ومسِّودة وجهوهم ، أو يذيعون من محطاتهم ما لا يرضى به ضمير ولا يصدقه علمهم ، و يصدرون صحفاً أو يؤلفون كتباً جُعالة أو راتب شهري ، أذلُّ وأرخص من جواد الجاهلي فهو يعار ويباع ، وذلك لم يكن ليعار ولا يباع !. وكانت الروابط والأواصر في الشرق - في الغالب- قائمة على أساس غير مادي ، إما عقلي و إما روحي ووجداني ، وكان للأثرة والأنانية فيها نصيب ضئيل ، وكان نتيجة ذلك وجود روابط وأواصر لا يمكن تعليلها بالمادة وجر النفع إلى أصحابها ، وكانت هذه الروابط متغلغلة في الأحشاء ، فمن ذلك أن علاقة التلميذ بأستاذه وخلاصه له في العهد السابق ، يزري بعلاقة الولد بوالده وحبه له في هذا العصر . اشتهر نبأ وفاة الأستاذ الشهير العلاَّمة نظام الدين اللكهنوي (م1161هـ ) صاحب منهاج الدرس النظامي الجاري تطبيقه في الهند وخراسان ، فلما أتى النَّعْيُ تلميذه السيد كمال الدين العظيم آبادي ، مات من شدة الحزن ، وعمي تلميذه الآخر ( ظريف العظيم آبادي ) من كثرة البكاء وتحقق بعد ذلك أن الإشاعة كانت غير صحيحة ([42])، ولعل ذهن هذا العصر لا يسيغ هذه الراوية ، ولكن الذي عرف طبيعة الشرق ، ومدى اتصال التلميذ هنالك بأستاذه وحبه له لم يستغرب هذه الراوية ولم يكذبها . يعلم المطلع على تاريخ الأخلاق وفلسفتها أنه قد ظهرت مدرسة في أوروبا قبل المسيح بأربعة قرون ، وكان لها أنصار من كبار الفلاسفة والأخلاقيين إلى القرن التاسع عشر المسيحي ، تدرين باللذة البدنية وتعتقد أنها ميزان للأخلاق ومعيار للأعمال ، وتشير على أتباعها بأن يهتبلوا فرص التمتع بالحياة الدنيا ويغتنموا فلتات الدهر . وافترق أصحاب هذه المدرسة فرقتين ، فمنهم ( أولو الأثَرة ) الذين يقولون : ينبغي أن لا يحول بين الإنسان وشهواته حائل ، حتى لا يدع حاجة في نفسه إلا قضاها ، فينال بذلك النصيب الأكبر من اللذة والهناءة ، وقالوا : السعادة هي إرضاء الشهوة وقضاء مآرب النفس ، واقتطاف قطوف المسرة واللذة باليدين . والفرقة الثانية هم ( النفعيون ) ويرى أهل هذا المذهب أن الواجب هو تحصيل المنفعة التي ينال بها أكبر عدد من أفراد البشر أوفر قسط من اللذة والهناءة ، ولا وزن للأفعال الخلقية في نظرهم إلا بما تأتي به المسرة لغالب بني النوع ، ويرى هؤلاء أن السعادة أن تتوافر للناس بأعمالهم اللذات وتبعد عنهم الآلام . ويرى القارئ ويلمس الروح المادي المتعشق للذة والهناء في آراء هذا المذهب ونزعاته ، من أحطها وأكثرها إسفافاً إلى أرقها وأكثرها تحليقاً، وهذا يختلف عن طبائع الشرق وشرائع السماء اختلافاً بيناً . وقد أثرت هذه النزعة المادية في فلسفة الغرب وأخلاقه وأدبه وحضارته تأثيراً عميقاً ، ولا تزال مهيمنة على الحياة الغربية وآدابها حتى اليوم . ثم نزعوا دائماً في تشخيص المنفعة ووزنها إلى المادية ، لأنهم احتكموا فيها إلى أذهانهم وعقولهم ، وقد أصبحت مادية بحتة ، لأنها بحقيقة لا تأتي تحت الحس أو المساحة أو العد أو الوزن ، ولا تؤمن بمنفعة لا تجلب لذة وهناء ، حتى مؤسس هذا المذهب ( أبيقور م 271ق . م) صرح بأن مناط الحكم على الأعمال هي المنفعة ، وأن المنفعة لا قيمة لها إلا إذا اجتلب لذة واغتباطاً ، فكيف وقد تدرجت العقول والطبائع الغربية ومررت على النزوع المادي على تعاقب الأجيال والعصور ؟ فكان نتيجة ذلك أن الذهن الغربي والمنطق العصري أصبح عاجزين عن الاهتداء إلى منفعة غير محسوسة لا تجلب لذة واغتباطً ، وأصبح العقل الأوروبي محامياً عن المادية لا يحكم على الأخلاق بالحسن والصحة إلا بمقدار جلبها للمنافع المادية ، ويحسب ما يكتسب المجتمع بواسطتها من اللذة والهناء ، والافراد من الاغتباط والرخاء ، فأصبح الربح المادي هو ميزان الأخلاق والفارق بين الشر والخير ، وأصبحت الأخلاق التي لا وزن لها في مزين المادة ليس لها قيمة إلا القيمة الدينية أو الخلقية في المصطلح القديم ، ينتقص كل يوم سلطانها على القلوب والعقول، وتعدم أنصاراً ، وتصبح من شعائر القديم وذكريات العهد الماضي ؛ كحنان الأبوين وحبهما للأولاد ، ووفاء الأزواج وحفظهن للغيب ، وتحل محل هذه الأخلاق المقدرة الصناعية والاختراع والإنتاج والوطنية والجنسية ، ولا تزال ترتفع قيمتها ويرجح وزنها . ولا يزال المجتمع العصري يستغنى عن الروابط المنزلية والأرحام الدموية والشرائع الخلقية بتنظيمات اجتماعية شعبية على الخطوط السياسية والصناعية والاقتصادية . ولا يهم المجتمع الآن كيف يعامل الولد والده أو الزوجة زوجها إذا كان هؤلاء الأفراد لا يزلون في الدائرة المدنية التي اختطَّها المجتمع حول أفراده ، وما دم لا يحدث عملهم هذا اضطراباً في المجتمع وثورة على النظم ، ولا يعرقل سير المدينة ؛ فلا بأس إذا كان هنالك عقوق من ولد أو فرك من قرينة ، أو جفاء من زوج ، أو دعارة من امرأة ، و فسق من رجل ، أو خيانة من زوجة .
([1]) Convoation Adress of Lord Lothean at Muslim University Aligrah. ([2]) محاضرات ( خالدة أديب هانم ) في الجامعة المليَّة بدهلي . ([3]) من حواشي الأمير ( شكيب أرسلان ) على ( حاضر العالم الإسلامي ) : 1/158-159 , ([4]) حواشي حاضر العالم الإسلامي : 1/164-165 . ([5]) يريد به نقل مركز الخلافة من القسطنطينية إلى مكان ما في آسيا . ([6]) Future of Islam ([7]) Duide to Modern Wickedness . p .150 ([8]) عوَّلنا في هذه الأعداد على إحصاء مؤلف السيرة النبوية الشهير القاضي محمد سليمان المنصورفوري في المجلد الثاني من كتاب ( سيرة رحمة للعالمين ) ولم يغادر من الغزوات والبعوث والمناوشات صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ، أما إحصاءات غيره من المؤلفين فإنها تمثل عدداً اقل من هذه الأعداد . ([9]) وقد حقق المستر .هـ . تاونسند (E.H.Tawansend) في مقالة له نشرتها صحيفة هندو الإنكليزية اليومية (31يناير 1943م ) أن عدد المصابين في الحرب الكبرى لا يقل عن (886،513،37) المقتولون منهم (515،543،8) . ([10]) من مقالة لتاونسند في صحيفة هندو ([11]) وقد صدقت فراسته ووقع تحت أعيننا ما تنبأ به ، وقد فاقت هذه الحروب الجارية الماضية فتكاً بالأرواح والعمران ، وتدميراً للبلدان ،ووقائع تشيب لهولها الولدان ، وغلاء في السلع واتفاعاً في الأسعار ، وأصابت الناس مجاعات شديدة في كثير من الأقطار . ([12]) ومن أمثلتها الواضحة إقحام أمريكا نفسها في حرب فيتنام ، وما كلفها ذلك من قيمة هائلة في النفوس والأموال . ([13]) Guide ton Modern Wickedness.p153 ([14]) Guide to Modern Wickedness .p.180 ([15]) Guide to Modern Wickedness .p.180 ([16]) حرب منافسة وطمع اشتركت فيها فرنسا وإسبانيا وإنجلترا وهولندا ؛ لتناول غنائم انتقصت فيها أطراف النمسا وممتلكاتها ، ونشبت على أثر وفاة فريدريك ملك النمسا ، وجلوس ابنته ماريا تيريزا على العرض بوصيته ورضا الدول سنة 1740 ، وانتهت سنة 1748 م . ([17]) حروب اشتركت فيها فرنسا وروسيا وسويد وأكثر إمارات الدول الألمانية وبروسيا وإنجلترا ، حماية لبعضها واعتداء على بعضها ، ابتدت سنة 1756، وانتهت سنة 1763م . ([18]) Guide to Modern Wickedness.p.191 ([19]) Guide to Modern Wickdness.p.241 ([20]) Guide to Modern Wickedness ,p.261. ([21]) Guide to Modern Wickedness ,p.293. ([22])Guide to Modern Wickedness ,p.247. ([23])Guide to Modern Wickedness ,p.262. ([24])Guide to Modern Wickedness ,p.262. ([25])Man the Unknown, p.38. . ([26])Man the Unknown, p.38. . ([27]) المصدر السابق ، 50-51 . ([28]) تنقيحات ، مقالة ( أمم العصر المريضة ) ، ص 24-26 . ([29]) حدث الشيخ الصالح السيد أو الحسن على الهجويري ( دفين لاهور ) أن شيخ أمره بالرحلة إلى لاهور والإقامة فيها ، فاعتذر بأن هناك زميله الشيخ حسين الزنجاني ، فلا لزوم لذهابه ، فقل : لابد أن تذهب وتقيم بها . قال : فشددت رحلي وامتثلت لأمر الشيخ ، ووصلت لاهور في الليل ، وقد غلقت أبوابها فبتُّ ليلتي خارج السور ، ولما أصبحت وفتح باب السور إذا بالناس يحملون جنازة الشيخ حسن ، فعرفت سر أمر الشيخ ودخلت البلد ، وخلفته في عمله دعاء الخلق إلى الله ( كشف المحجوب للهجويري ) . ([30]) التذكرة الآدمية ( الفارسية ) . ([31]) نزهة الخواطر ، المجلد الخامس ، للشيخ عبد الحي الحسني . ([32]) ذيل الرشحات ( الفارسية ). ([33]) دار المعرف ( الفارسية ) ؛ ونزهة الخواطر ( العربية ). ([34]) در المعارف . ([35]) هو السير أحمد خان صاحب الدعوة إلى التعليم الإنجليزي في الهند ومؤسس الجامعة الشهيرة في عليكرة . ([36]) آثار الصنايد ( الأوردية ) . ([37]) دار المعارف ( الفارسية ) . ([38]) رواه أبو داود ، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعاً . ([39]) رواه مسلم ، عن ابن عمر رضي الله عنهما . ([40]) روه أبو داود ، عن عبد الله بن عمر . ([41]) الكلمات التي بين قوسين منقول لفظاً . ([42]) نزهة الخواطر للشيخ عبد الحي الحسين ( المجلد السادس ) .
H E R A A FOR RESEARCH, PUBLISHING & DISTRIBUTING Thikana, 504/30A, Taigor Marg, Nadwa Road Lucknow 226020, India Email: heraa@nadwi.net.in ربيع الأول 13, 1426
عنوان الموقع الرسمي لندوة العلماء بالهند Nadwatul Ulama`s Website http://nadwatululama.orgعنوان البريد الإلكتروني لندوة العلماء E-mail address nadwa@sancharnet.inعنزان البريد الإلكتروني الخاص برئيس ندوة العلماء E-mail address of Nazim Nadwatul Ulama nadwi@nadwi..net.in |
|
H E R A A ربيع الأول 13, 1426
عنوان الموقع الرسمي لندوة العلماء بالهند Nadwatul Ulama`s Website http://nadwatululama.orgعنوان البريد الإلكتروني لندوة العلماء E-mail address nadwa@sancharnet.inعنزان البريد الإلكتروني الخاص برئيس ندوة العلماء E-mail address of Nazim Nadwatul Ulama nadwi@nadwi..net.in
|