|
الباب الثالث العصر الإسلامي
الفصل الأول عهد القيادة الإسلامية
الأئمة المسلمون وخصائصهم : ظهر المسلمون وتزعموا العالم ، وعزلوا الأمم المريضة من زعامة الإنسانية التي استغلتها وأساءت عملها ، وساروا بالإنسانية سيراً حثيثاً متزناً عادلاً ، وقد توفرت فيها الصفات التي تؤهلهم لقيادة الأمم ، وتضمن سعادتها وفلاحها في ظلِّهم وتحت قيادتهم . أولاً : أنهم أصحاب كتاب منزل وشريعة إلهية ، فلا يقِّننون ولا يشترعون من عند أنفسهم ، لأن ذلك منبع الجهل والخطأ والظلم ، ولا يخبطون في سلوكهم وسياستهم ومعاملتهم للناس خبط عشواء ، قد جعل الله لهم نوراً يمشون به في الناس ، وجل لهم شريعة يحكمون بها بين الناس) أو من كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها ( . [ الأنعام : 122] ، وقد قال الله تعالى : ) يا أيها الذين ءامنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا أعدوا هو أقرب للتقوى واتقوا لله إن الله خبير بما تعملون ( [المائدة : 8] . ثانياً: أنهم لم يتولوا الحكم والقيادة بغير تربية خلقية وتزكية نفس ، بخلاف غالب الأمم والأفراد ورجال الحكومة من الماضي والحاضر ، بل مكثوا زمناً طويلاً تحت تربية محمد r و إشرافه الدقيق ، يزكيهم ويؤدبهم ويأخذهم بالزهد الورع والعفاف والأمانة والإيثار على النفس وخشية الله وعدم الاستشراف للإمارة والحرص عليها . يقول : " إنا والله لا نُولي هذا العمل أحداً سأله ، أو أحداً حرص عليه " ([1]) ، ولا يزال يقرع سمعهم : ) تكل الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين ( . [ القصص ، 83] ، فكانوا لا يتهافتون على الوظائف والمناصب تهافت الفراش على الضوء ، بل كانوا يتدافعون في قبولها وتحرجون من تقلُّدها فضلاً عن أن يرشحوا أنفسهم للإمارة ويزكوا أنفسهم وينشروا دعاية لها وينفقوا الأموال سعياً وراءها ، فإذا تولوا شيئاً من أمور الناس لم يهدوه مغنماً أو طعمة أو ثمناً لما أنفقوا من مال أو جهد ، بل عدُّوه أمانة في عنقهم وامتحاناً من الله ، ويعلمون أنهم موقوفون عند ربهم ومسؤولون عن الدقيق والجليل ، وتذكروا دائماً قول الله تعالى : ) إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ( [ النساء : 58] ، وقوله : ) وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم في ما ءاتكم ( [ الأنعام : 165]. ثالثاً: أنهم لم يكونوا خَدَمَة جنس ، ورُسُل شعب أو وطن ، يسعون لرفاهيته ومصلحته وحده ، ويؤمنون بفضله وشرفه على جميع الشعوب والأوطان ، لم يُخلقوا إلا ليكونوا حكَّاماً ، ولم تُخلق إلا لتكون محكومة لهم ، ولم يخرجوا ليؤسسوا إمبراطورية عربية ينعمون ويرتعون في ظلها ، ويشمخون ويتكبرون تحت حمايتها ، ويُخرجون الناس من حكم الروم والفرس إلى حكم العرب وإلى حكمهم أنفسهم . إنما قاموا ليخرجوا الناس من عبادة العباد جميعاً إلى عبادة الله وحده ، كما قال ربعي بن عامر رسول المسلمين في مجلس يزدجرد : " الله ابتعثنا لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده ، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ، ومن جَوْر الأديان إلى عدل الإسلام " ([2]). .فالأمم سواء والناس عندهم سواء ، الناس كلهم من آدم، وآدم من تراب ، لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي إلا بالتقوى ) يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر أو أنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ( . [ الحجرات : 13 ] ([3]). وقد قال عمر بن الخطاب لعمرو بن العاص عامل مصر - وقد ضرب ابنه مصرياً ، وافتخر بآبائه قائلاً : خذها من الأكرمين ، فاقتص منه عمر -: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً ([4]).فلم يبخل هؤلاء بما عندهم من دين وعلم وتهذيب على أحد ، ولم يراعوا في الحكم والإمارة والفضل نسباً ولوناً ووطناً ، بل كانوا سحابة انتظمت وعمَّت العباد ، وغوادي مُزْنة أثنى عليها السهل والوعر ، وانتفعت بها البلاد والعباد على قدر قبولها وصلاحها([5]). وفي ظل هؤلاء وتحت حكمهم استطاعت الأمم والشعوب - حتى المضطهدة منها في القديم - أن تنال نصيبها من الدين والعلم والتهذيب والحكومة ، وأن تساهم العرب في بناء العالم الجديد ، بل إن كثيراً من أفرادها فاقوا العرب في بعض الفضائل ، وكان منهم أئمة هم تيجان مفارق العرب وسادة المسلمين من الأئمة والفقهاء والمحدثين ،حتى قال ابن خالدون : " من الغريب الواقع أن حملة العلم في الملة الإسلامية أكثرهم العجم ، لا من العلوم الشرعية ولا من العلوم العقلية([6]). إلا في القليل النادر ، وإن كان منهم العربي في نسبته ، فهو عجمي في لغته ، ومرباه ومشيخته، مع أن الملة عربية ، وصاحب شريعتها عربي "([7]). ونبغ من هذه الأمم في عصور الإسلام قادة وملوك ووزراء وفضلاء، هم نجوم الأرض ونجباء الإنسانية ،وحسنات العالم ، فضيلة ومروءة وعبقرية وديناً وعملاً ، لا يحصيهم إلا الله . رابعاً: إن الإنسان جسم وروح ، وهو قلب وعقل وعواطف وجوارح، لا يسعد ولا يفلح ولا يرقى رُقياً متزناً عادلاً حتى تنمو فيه هذه القوى كلها نمواً متناسباً لائقاً بها ، ويتغذى غذاء صالحاً ، ولا يمكن أن توجد المدينة الصالحة البتة إلى إذا ساد وسط ديني خلقي عقلي جسدي يمكن فيه للإنسان بسهولة أن يبلغ كماله الإنساني ، وقد أثبتت التجربة أنه لا يكون ذلك إلا إذا كانت قيادة الحياة وإدارة دفة المدينة بيد الذين يؤمنون بالروح والمادة ، ويكونون أمثلة كاملة في الحياة الدينية والخلقية ، وأصحاب عقول سليمة راجحة ، وعلوم صحيحة نافعة ؛ فإذا كان فيهم نقص في عقيدتهم أو تربيتهم عاد ذلك النقص في مدينتهم ، وتضخَّم وظهر في مظاهر كثيرة ، وفي أشكال متنوعة . فإذا تغلبت جماعة لا تعبد إلا المادة وما إليها من لذة ومنفعة محسوسة ولا تؤمن إلا بهذه الحياة ، ولا تؤمن بما وراء الحس أثَّرت طبيعتها ومبادئها وميولها في وضع المدينة وشكلها ، وطبعتها بطابعها ، وصاغتها في قالبها ، فكملت نواح للإنسانية واختلت نواح أخرى أهم منها؛ عاشت في هذه المدينة وازدهرت في الجصّ والآجر ، وفي الورق والقماش، وفي الحديد والرصاص ، وأخصبت في ميادين الحروب وساحات القتال ، و أوساط المحاكم ومجالس اللهو ومجامع الفجور ، وماتت و أجدبت في القلوب و الأرواح وفي علاقة المرأة بزوجها ، والولد بوالده والوالد بولده ، والأخ بأخيه والرجل بصديقة ، وأصبحت المدينة كجسم ضخم متورم يملأ العين مهابة ورواء ، ويشكو في قلبه آلاماً وأوجاعاً، وفي صحته انحرافاً واضطراباً . وإذا تغلبت جماعة تجحد المادة أو تهمل ناحيتها ، لا تهتم إلا بالروح وما راء الحس والطبيعة ، وتعادي هذه الحياة وتعاندها ؛ ذبلت زهرة المدينة وهزلت القوة الإنسانية ، وبدأ الناس - بتأثير هذه القيادة - يؤثرون الفرار الصحاري والخلوات على المدن ، والعزوبة على الحياة الزوجية ، ويعذبون الأجسام حتى يضعف سلطانها فتتطهر الأرواح ، ويؤثرون الموت على الحياة ، لينتقلوا من مملكة المادة إلى إقليم الروح ، ويستوفون كمالهم هناك ؛ لأن الكمال في عقيدتهم لا يحصل في العالم المادي؛ ونتيجة ذلك أن تحتضر الحضارة وتخرب المدن ويختل نظام الحياة. ولما كان هذا مضاداً للفطرة لا تلبث أن تثور عليه ، وتنتقم منه بمادية حيوانية ليس فيها تسامح لروحانية أو أخلاق ، وهكذا تنتكس الإنسانية ، وتخلفها البهيمية والسبعية الإنسانية الممسوخة ، أو تهجم على هذه الجماعة الراهبة جماعة مادية قوية ، فتعجز عن المقاومة لضعفها الطبعي ، وتستلم وتخضع لها ، أو تسبق هي - بما يعتريها من الصعوبات في معالجة أمور الدنيا - فتمد يد الاستعانة إلى المادية ورجالها ، وتسند إليهم أمور السياسة ، وتكتفي هي بالعبادات والتقاليد الدينية ، ويحدث فصل بين الدين والسياسة ، فتضمحل الروحانية والأخلاق ويتقلص ظلها وتفقد سلطانها على المجتمع البشري والحياة العلمية ، حتى تصير شبحاً وخيالاً أو نظرية علمية لا تأثير لها في الحياة ، وتؤول الحياة مادية محضة . وقلَّما خلت جماعة من الجماعات التي تولت قيادة بني جنسها من هذا النقص ، لذلك لم تزل المدينة متأرجحة بين مادية بهيميَّة وروحانية ورهبانية ولم تزل في اضطراب . يمتاز أصحاب النبي r بأنهم كانوا جامعين بين الديانة والأخلاق والقوة السياسة ، وكانت تتمثل فيهم الإنسانية بجميع نواحيها وشعبَها ومحاسنها المتفرقة في قادة العالم ، وكان يمكن لهم - بفضل تربيتهم الخلقية والروحية السامية واعتدالهم الغريب الذي قلما اتفق للإنسان ، وجمعهم بين مصالح الروح والبدن ، واستعدادهم المادي الكامل وعقلهم الواسع - أن يسيروا بالأمم الإنسانية إلى غايتها المثلى الروحية والخلقية والمادية. دور الخلافة الراشدة مثل المدينة الصالحة : وكذلك كان ، فلم نعرف دوراً من أدوار التاريخ أكمل وأجمل و أزهر في جميع هذه النواحي من هذا الدور ، دور الخلافة الراشدة ، فقد تعاونت فيه الروح والأخلاق والدين والعلم والأدوات المادية في تنشئة الإنسان الكامل ، وفي ظهور المدينة الصالحة . كانت حكومة ن أكبر حكومات العالم ، وقوة سياسية مادية تفوق كل قوة في عصرها ، تسود فيها المثل الخلقية وتحكَّم معايير الأخلاق الفاضلة في حياة الإنسان ونظام الحكم ، وتزدهر فيها الأخلاق الفضيلة مع التجارة والصناعة ويساير الرقي الخلقي والروحي اتساع الفتوح واحتفال الحضارة، فتقل الجنايات وتندر الجرائم بالنسبة إلى مساحة المملكة وعدد سكانها ورغم دواعيها وأسبابها ، وتحسن علاقة الفرد بالفرد والفرد بالجماعة وعلاقة الجماعة بالفرد ، وهو دور كمالي لم يحلم الإنسان بأرقى منه ، ولم يفترض المتفرضون أزهى منه ، ولم يكن إلا بسيرة الرجال الذين يتولون الحكم ويشرفون على المدينة وبعقيدتهم وتربيتهم وخطتهم في الحكم وسياستهم ، فكانوا أصحاب الدين وأخلاق عالية أينما كانوا ، كانوا أعفة أمناء خاشعين متواضعين ، حكاما كانوا أو رعايا أو شرطة أو جنوداً . يصف شيخ من عظماء الروم جنود المسلمين فيقول : إنهم يقومون الليل ويصومون النهار ، ويوفون بالعهد ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويتناصفون بينهم([8]) ، وقال آخر : " هم فرسان بالنهار رهبان بالليل، لا يأكون في ذمتهم إلا بثمن ، ولا يدخلون إلا بسلام ، يقضون على من حاربوا حتى يأتون عليه " ([9]).ويقول الثالث : " أما الليل فرهبان ، وأما النهار ففرسان ، يريشون النبل ويبرونها ويثقفون القنا ، لو حدثت جليسك حديثاً ما فهمه عنك لما علا من أصواتهم بالقرآن والذكر "([10]) ، ويغنم الجند في المدائن تاج كسرى وبساطه ، وهو يساوي مئات الألوف من الدنانير ، فلا عبث به يد ولا تشح عليه نفس ، ثم يسلمونه إلى الأمير ، ويرسله الأمير إلى خليفة المسلمين ، فيتعجب ويقول : إن الذين أدوا هذا لأمناء"([11]).
تأثير الإمامة الإسلامية في الحياة العامة : إن هذا الرعيل من أتباع محمد r كان خليقاً بأن يسعد النوع الإنساني في ظله وتحت حكمه ، وأن يسير بقيادته سديد الخُطا رشد الغاية مستقيم السير ، وأن يعمر ويطمئن العالم في دوره وتخصب الأرض وتأخذ زخرفها، فإنهم كانوا خير القائمين على مصالحها حارسين لها ، ولا ينظرون إلى هذه الحياة كقفص من حديد أو غلِّ في عنق ، فيعادونه ويكسرونه ، ولا ينظرون إليها كفرصة من لهو ونعيم ومتعة لا تعود أدباً فينتهزونها ويهتبلونها ، ولا يضيعون منها ساعة ولا يدخرون من طيباتها ، وكذلك لا يعدونها عذاباً وعقوبة بجرمية فيتخلصون منها . لا ينظرون إلى الدنيا كمائدة ممدودة فيتهالكون عليها ، وإلى ما في الأرض من نعماء وخزائن وخيرات كأنها مال سائب يتقاتلون عليه ، والأمم الضعيفة كفريسة يتسابقون في اقتناصها ؛ بل يعدون هذه الحياة نعمة من الله هي أصل كل خير وسبب كل بر ، يتقربون فيها إلى الله ، ويصلون إلى كمالهم الإنساني الذي قدر لهم ، وفرصة من عمل وجهاد لا فرصة بعدها ) الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً ( [ الملك : 2] ، ) إنا جعلنا ما على الأرض زينة لهم لنبلوهم أيهم أحسن عملاً ( [الكهف:7]. ويعدون هذا العالم مملكة الله استخلفهم فيها - أولاً - من حيث أصل الإنسان الذي جعله خليفة في الأرض ) إني جاعل في الأرض خليفة ( [ البقرة : 30] . ) هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً ( [البقرة : 29]. ) ولقد كرمنا بني ءآدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً ( [ الإسراء : 70]، - وثانيا- من حيث إنه إنسان أسلم لأمر الله وانقاد لحكمه ، فاستخلفه في الأرض واسترعاه أهلها ) وعد الله الذين ءامنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذين ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً ( [ النور:55] . ومنحهم حق التمتع بخيرات الأرض من غير إسراف وتبذير ) هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات وهو بكل شيء عليم ( [ البقرة : 29] ، ) يا بني ءادم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين ( [ الأعراف : 31] ، ) قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين ءامنوا في الحياة الدنيا الخالصة يوم القيامة ( [ الأعراف : 32] . وجعل لهم الولاية على أمم الأرض وجماعات البشر يراقبون سيرها وسيرتها وأخلاقها ورغباتها ، فيرشدون الضال ويردُّون الغاوي ويصلحون الفاسد ويقيمون الأود ، ويرأبون الصدع ويأخذون للضعيف من القوي وينتصفون للمظلوم من الظالم ، ويقيمون في الأرض القسط ويبسطون على العالم جناح الأمن ) كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ( [ آل عمران: 110] ) يا أيها الذين ءامنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ( [ النساء: 135]. وقد وصف عالم ألماني مسلم ميزة المسلم وصفاً دقيقاً ، قال : " إن الإسلام لا ينظر - كالنصرانية - إلى العالم بمنظار أسود ، بل هو يعلمنا أن لا نسرف في تقدير الحياة الأرضية ، وأن لا نغالي في قيمتها مغالاة الحضارة الغربية الحاضرة ، إن المسيحية تذم الحياة الأرضية وتكرهها ، والغرب الحاضر - خلاف الروح النصرانية - يهتم بالحياة كما يهتم النهِم بطعامه ، وهو يبتلعه ولكن ليس عنده كرامة له ، والإسلام بالعكس ينظر إلى الحياة بسكينة واحترام ، هو لا يعبد الحياة بل يعدها كمرحلة نجتازها في طريقنا إلى حياة عليا ، وبما أنها مرحلة ؛ ومرحلة لابد منها ليس للإنسان أن يحتقرها أو يقلل من قيمة حياته الأرضة . إن مرورنا بهذا العالم في سَفَر الحياة لابد منه ، وقد سبق به تقدير الله ، فالحياة الإنسانية لها قيمتها الكبرى ، ولكن لا ينبغي لنا أن ننسى أنها ليست إلا واسطة وآله ، وليست قيمتها إلا قيمة الوسائط والآلات ، الإسلام لا يسمح بالنظرية المادة القائلة : " إن مملكتي ليست إلا هذا العالم " ، ولا بالنظرية النصرانية التي تزدري الحياة وتقول : " ليس هذا العالم مملكتي" ، وطريق الإسلام طريق وسط بينهما ، القرآن يرشدنا أن ندعو : ) ومنهم من يقول ربنا ءاتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ( [ البقرة : 201]. فالتقدير لهذا العالم وأشيائه ليس حجر عثرة في سبل جهودنا الروحية الخصبة ، والرقي المادي مرغوب فيه مع أنه ليس غاية في نفسه. إن غاية جهودنا ينبغي أن تكون إيجاد أحوال وظروف شخصية واجتماعية- والمحافظة عليها إن وجدت - تساعد في ارتقاء القوة الخلقية في الإنسان ، مطابقة لهذا المبدأ . الإسلام يهدي الناس إلى الشعور بالمسؤولية الخلقية في كل عمل يعمله كبيراً كان أو صغيراً . إن نظام الإسلام الديني لا يسمح أبداً بمثل ما أمر به الإنجيل قائلاً: " أعطوا ما لقيصر لقيصر ، وأعطوا ما لله لله " ، لأن الإسلام لا يسمح بتقسيم حاجات حياتنا إلى خلقية وعملية ، ليس هناك إلا خيرة فقط ، خيرة بين الحق والباطل ، وليس شيء وسطاً بينهما ، لذلك هو يلح على العمل لأنه جزء لازم للأخلاق لا غنى عنه ، ينبغي لكل فرد مسلم أن يسعد نفسه مسؤولاً شخصياً عن المحيط الذي يحيط به وكل ما يقع حوله ، ومأموراً بالجهاد لإقامة الحق ومحق الباطل في كل وقت وفي كل جهة ، فإن القرآن يقول : ) كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ( [ آل عمران : 110] . هذا هو المبرر الخلقي للحركة الإسلامية الجهادية والفتوح الإسلامية الأولى والاستعمار الإسلامي ، فالإسلام استعمار إن كان لابد من هذا التعبير ولكن هذا النوع من الاستعمار ليس مدفوعاً بحب الحكومة والاستيلاء ، وليس من الأثرة الاقتصادية للقومية في شيء ، ولم يكن يحفز المجاهدين الأولين إلى الجهاد طمعٌ في خفض من العيش ورخائه على حساب الآخرين، ولم يقصد منه إلا بناء إطار عالمي لأحسن ما يمكن للإنسان من ارتقاء روحي ، كما أن العلم بالفضيلة على حسب تعليم الإسلام يفرض على الإنسان تبعة العمل بالفضائل . الإسلام لا يوافق أبداً على الفصل الأفلاطوني والتفريق النظري البحت بين الفضيلة والرذيلة ، بل يرى أنه من الوقاحة والرذيلة أن يميز الإنسان نظرياً بين الحق والباطل ، ولا يجاهد لارتقاء الحق وإزاحة الباطل ، فإن الفضيلة - كما يقول الإسلام - تحيا إذا جاهد الإنسان لبسط سلطانها على الأرض ، وتموت إذا خذلها وتقاعد عن نصرتها " ([12]) . المدينة الإسلامية وتأثيرها في الاتجاه البشري : كان ظهور المدينة الإسلامية بروحها ومظاهرها وقيام الدولة الإسلامية بشكلها ونظامها في القرن الأول لهجرة محمد r فصلاً جديداً في تاريخ الأديان والأخلاق ، وظاهرة جديدة في عالم السياسة والاجتماع ، انقلب به تيار المدينة ، واتجهت به الدنيا اتجاهاً جديداً ، فكانت الدعوة الإسلامية لم يزل يأتي بها الأنبياء ويبشر بها المبشرون ويجاهد في سبيلها المخلصون ، ولكن لم يكن يتمكن دعاتها من إقامة حكومة قائمة على أساسها ومنهاجها متشبعة بمبادئها ، ومن إقامة مدينة مطبوعة بطابعها مبنية على أحكامها مثل ماتمكنوا في هذه المرة ، ولم تنل هذه الدعوة والجهود من النجاح في هذا السبيل مثل ما نالت أخيراً على يد محمد r وخلفائه الراشدين . فكان هذا الفتح المبين للإسلام محنة جديدة للجاهلية لم تعهدها من قبل ، ولم تعرف كيف تخرج منها ، عدها بها دعوة دينية روحية ، فإذا هي تصبح نجاة وسعادة وروحاً ومادة وحياة ، وقوة ومدنية واجتماعاً وحكومة وسياسة . دين سائغ معقول كله حكمة وبداهة إزاء أوهام وخرافات و أساطير ، وشرع إلهيّ ووحيٌ سماوي إزاء أقيسة وتجارب إنسانية وتشريع بشري ، ومدنية فاضلة قوية البنيان محكمة الأساس ، يسود فيها روح التقوى والعفاف والأمانة ، وتقدر فيها الأخلاق الفاضلة فوق المال والجاه، والروح فوق المظاهر الجوفاء ، يتساوى الناس فلا يتفاضلون إلا بالتقوى، ويهتم الناس بالآخرة فتصبح النفوس مطمئنة والقلوب خاشعة ، وقل التنافس في أسباب الحياة والتكالب على حطام الدنيا ، ويقل التباغض والتشاحن . كل ذلك إزاء صاخبة مضطربة متناحرة مداعية البنيان متزلزلة الأركان ، يظلم الكبير فيها الصغير ، ويأكل القوي فيها الضعيف ، ويتسابقون في اللهو والفجور ، ويتنافسون في الجاه والأموال وأسباب الترف والنعيم ، حتى تصبح الدنيا كلها حرباً في حرب ، وتصبح المدينة جحيماً على أهلها ، ) ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون ( [ السجدة . 21] . حكومة عادلة تساوي بين رعيتها ، وتأخذ للضعيف من القوي ، وتحرس للناس أخلاقهم كما تحرس لهم بيوتهم وأموالهم ، وتحفظ عليهم دماءهم وأعراضهم ؛ خيارهم امراؤهم ، وأزهدهم في العيش أملكهم لأسبابه وأقدرهم عليه .. إزاء حكومة عم فيها الجور والعسف ، وتوضع رجالها على الخيانة والظلم ، وتسابق أهلها في أكل أموال الناس ، وهتك أعراضهم وسفك دمائهم ، تفسد على الناس أخلاقهم بما تضرب لهم مثلاً بأخلاقها ، شرارهم أمراؤهم وملوكهم ، تشبع دوابهم وكلابهم وتجوع رعيتهم، وتكسى بيوتهم ويعرى الناس . فأصبح الناس لا يجدون عائقاً عن الإسلام ، ولا يواجهون صعوبة وعنتاً في سبيل قبول الإسلام ، ولا يرون للجاهلية مرجحاً ومصلحة، ويدخل الرجل في الإسلام فلا يخسر شيئاً ولا يفقد شيئاً ، ويجد برد اليقين وحلاوة الإيمان وعزة الإسلام ودولة قوية يعتز بها ، و أنصار يفدونه بأرواحهم وأنفسهم ، ونفساً مطمئنة ، وثقة في الحياة بعد الموت؛ فصار الناس ينتقلون من معسكر الجاهلية إلى معسكر الإسلام باختيارهم، وصارت أرض الجاهلية تنتقص من أطرافها ، وكلمة الإسلام تعلو وظله يمتد ، حتى ارتفعت الفتنة وكان الدين لله . وكان تأثير هذا الانقلاب عظيماً جليلاً ، فكان الطريق إلى الله من قبل في دولة الجاهلية وغربة الإسلام شاقاً عسيراً محفوفاً بالأخطار ، فأصبح الآن سهلاً يسيراً آمناً مسلوكاً ، وكان يصعب على الإنسان في الوسط الجاهلي أن يطيع الله ، فصعب عليه في الإسلامي أن يعصي الله ، وكانت الدعوة إلى النار بالأمس ظاهرة منصورة ، فأصبحت اليوم خافتة مخذولة؛ وكانت أسباب سخط الله وعصيانه مكشوفة موفورة ، فعادت نادرة مستورة؛ وكانت الدعوة إلى الله في أرض جريمة قد ترتكب سراً وخفية ، فأصبحت جهراً وعلانية وحرة آمنة لا تلقى معارضة ذات بال ، ولا يخاف أصحابها اضطهاداً في سبيل العقيدة وأذى في سبيل الدين الجديد : ) تخافون أن يتخطفكم الناس فئاواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات ( [ الأنفال: 216]، وأصبح أصحابها يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ،يأمرون وينهون بمعنى الكلمة . صارع طباع الناس وعقولهم تتغير وتتأثر بالإسلام من حيث يشعرون ومن حيث لا يشعرون ، كما تتأثر طبيعة الإنسان والنبات في فصل الربيع ، وبدأت القلوب العاصية الجافة ترقه وتخشع ، وبدأت مبادئ الإسلام وحقائقه تتسرب في أعماق النفوس وتتغلغل في الأحشاء ، وبدأت قيمة الأشياء تتغير في عيون الناس ، والموازين القديمة وتخلفها الموازين الجديدة، وأصبحت الجاهلية حركة رجعية كان من الجمود والغبارة المحافظة عليها ، وصار الإسلام شيئاً راقياً عصرياً، كان من الظروف والكياسة الانتساب إليه والظهور بمظاهره ، وكانت الأمم بل كانت الأرض تدنوا رويداً إلى الإسلام، ولا يشعر أهلها بسيرهم كما لا يعشر أهل الكرة الأرضية بدورانهم حول الشمس ، يظهر ذلك في فلسفتهم وف يدينهم وفي أدبهم وفي مدنيتهم ، وتشفُّ عن ذلك بواطنهم وضمائرهم وتنم عن الحركة الإصلاحية التي ظهرت فيهم حتى بعد انحطاط المسلمين . جاء الإسلام بالتوحيد ونعى على الوثنية والشرك ، فهان الشرك منذ ذلك اليوم في عيون أهله وصغر ، وصار أهله يخجلون منه ويتبرؤون منه ولا يقرون به ، بعد ما كانوا يجتهدون في إظهاره ، ويستميتون في الدفاع عنه ، وأصبح أهل كل دين يؤوِّلون ما في نظامهم الديني من شرك أو مظاهر شرك ووثنية ورسومها وتقاليدها ويلوون بذلك ألسنتهم ، ويجتهدون في التعبير عنه وشرحه بما يقرب إلى التوحيد الإسلامي ويشبهه . يقول الأستاذ أحمد أمين : " ظهر بين النصارى نزعات يظهر فيها أثر الأسلام . من ذلك أنه في القرن الثامن الميلادي أي في القرنين الثاني والثالث الهجريين ظهر في سبتمانيا([13]). (Septinania ) حركة تدعو إلى إنكار الاعتراف أمام القسس ، وأن ليس للقسس حق في ذلك ، وأن يضرع الإنسان إلى الله وحده في غفران ما ارتكب من إثم ، والإسلام ليس له قسيسون ورهبان وأحبار ، فطبيعي أن لا يكون فيه اعترف " . وكذلك كانت حركة تدعو إلى تحطيم الصور والتماثيل الدينية ( Iconoclasts ) ذلك أنه في القرن الثامن والتاسع للميلاد أو القرن الثالث أو الرابع الهجريين ، ظهر مذهب نصراني يرفض تقديس الصور والتماثيل، فقد أصدر الإمبراطور الروماني ( ليو ) الثالث أمراً سنة 726م يحرم فيها تقديس الصور والتماثيل ، وأمراً آخر سنة 730 م يعد الإتيان بهذا وثنية ، وكذلك كان قسطنطين الخامس وليو الرابع ، على حين كان الباب جريجوري الثاني والثالث وجرمانيوس بطريرك القسطنطينية والإمبراطورة إيريني من مؤيدي عبادة الصور ، وجرى بين الطائفتين نزاع شديد لا محل لتفصيله. وكل ما نريد أن نذكره أن بعض المؤرخين يذكرون أن الدعوة إلى نبذ الصور والتماثيل كانت متأثرة بالإسلام ، ويقولون : إن كلوديوس ( Cladius) أسقف تورين ( الذي عين سنة 828م ، وحول 213م ) والذهي كان يحرق الصور والصلبان وينهى عن عبادتها في أسقفيته ، ولد وربِّى في الأندلس الإسلامية . وكراهية الإسلامي للتماثيل والصور معروفة ، روى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت : " قدم رسول الله r من سفر ، وقد سترت سهوة لي بقرام فيه تماثيل ، فلما رآه هتكه ، وتلوَّن وجهه ، وقال : " يا عائشة أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله "([14]). قالت : فقطعناه فجعلناه منه وسادة أو سادتين " والأحاديث في هذا الباب مستفيضة . وقد تحدث عن الصور والتماثيل الدينية المؤرخ الأوروبي الشهير ( جيون ) بتفصيل زائد يقول : " كانت عبادة الصور قد نالت إعجاباً كبيرة في الكنيسة ، وكان ضعاف العقيدة من المسيحيين قد قبلوها تدريجياً ، اعتقاداً منهم بقدسيتها وعصمتها من كل إثم ، وفي بداية القرن الثامن عندما كانت هذه البدعة قد وصلت إلى القمة تفطَّن اليونانيون فجأة إلى أنهم بعثوا دين آبائهم من جديد في ستار المسيحية ، تهكَّم بهم على ذلك اليهود والمسلمون الذين كانوا قد استوحوا من التوراة والقرآن دوافع المقت والكراهية الدائمة لصناعة الأصنام وفنون الوثنية . الأمر الذي أقلقهم وأحزنهم ، وقد كانوا يستطيعون أن يصرفوا النظر عن الموضوع إذا كان يتعلق باليهود وحدهم نظراً إلى صغارهم وذلتهم ، ولكن ملامة المسلمين الفاتحين الذين كانوا يحكمون في دمشق وكادوا يستولون على القسطنطينية نالت منهم أهمية كبيرة " . يقول ( جيبون ) " إن أول من بذل جهوده ضد عبادة الصور الأصنام هو الإمبراطور ليو ( كاسر الأصنام ) ( 717-741م ) ، وابنه كانستائن الخامس ( 714-775م) -ص252- وقضى مجلس ( SYNOD ) المنعقد في القسطنطينية عام 754م بعد مباحثات استغرقت ستة أسهر ؛ أن عبادة صور المسيح وتماثيله بدعة ، ولكن المنقطة الشرقية أبت هذا الحكم ولم تقبله إلا باضطرار ، وكان الإيطاليون قد قاموا بثورة ضد هذا الحكم عام 728م " ([15]). وكذلك وجدت طائفة من النصارى([16])شرحت عقيدة التثليث بما يقرب من الوحدانية وأنكرت ألوهية المسيح عليه السلام ([17]). ويمكن لمن يطالع تاريخ أوروبا الديني وتاريخ الكنيسة النصرانية أن يتلمس تأثير الإسلام العقلي في نزعات المصلحين والثائرين على النظام الأسقفي السائد ، أما دعوة ( لوثر ) الإصلاحية الكبيرة ، فقد كانت - على علاَّتها - أبرز مظهر للتأثُّر بالإسلام وبعض عقائده كما اعترف المؤرخون. وترى كذلك تأثيراً للعقلية الإسلامية والشريعة الإسلامية في أخلاق الأمم واجتماعها وتشريعها في أوروبا النصرانية وفي الهند الوثنية بعد الفتح الإسلامي ([18]).تراه وتلمسه في الاتجاه إلى التوحيد ونزعات الاحترام للمرأة وحقوقها والاعتراف بمبدأ المساواة بين طبقات البشر ، إلى غير ذلك مما سبق إليه الإسلام وامتازت به شريعته ومدنيته . يقول الباحث الهندي المعروف ( K.M Panikar ) سفير الهند في مصر سابقاً ، وهو يتحدث عن تأثير عقيدة التوحيد الإسلامية في عقلية الشعب الهندي ودياناته : " من الواضح المقرر أن تأثير الإسلام في الديانة الهندوكية كان عميقاُ في هذا العهد ( الإسلامي ) ، إن فكرة عبادة الله في الهنادك مدينة للإسلام ، إن قادة الفكر والدين في هذا العصر - وإن سمَّوا آلهتهم بأسماء شتى - قد دعوا إلى عبادة الله ، وصرحوا بأن الإله واحد ، وهو يستحق العبادة ، ومنه تُطلب النجاة والسعادة ، وقد ظهر هذا التأثير في الديانات والدعوات التي ظهرت في الهند في العهد الإسلامي كديانة ( Bhagti) ودعوة ( كبيرة ) ([19]) . ويقول رئيس وزراء الهند الأسبق جواهر لال نهرو في كتابه ( Discovery of India ) : " إن دخول الغزاة الذين جاؤوا من شمال غرب الهند ، ودخول الإسلام له أهمية كبيرة في تاريخ الهند ، إنه قد فضح الفساد الذي كان قد انتشرت في المجتمع الهندوكي ، إنه قد أظهر الطبقات واللمس المنبوذ ، وحب الاعتزال عن العالم الذي كانت تعيش فيه الهند ، إن نظرية الأخوة الإسلامية والمساواة التي كان المسلمون يؤمنون بها ويعيشون فيها ، أثرت في أذهان الهندوس تأثيراً عميقاًُ ، وكان أكثر خضوعاً لهذا التأثير البؤساء الذين حرم عليهم المجتمع الهندي المساواة والتمتع بالحقوق الإنسانية " . ويقول كاتب عصري فاضل وهو ( N . C . Mehta ) في كتابه ( الحضارة الهندية والإسلام ) ( Indian Civilization and Islam) : " إن الإسلام قد حمل إلى هند مشعلاً من نور قد انجلت به الظلمات التي كانت تغشى الحياة الإنسانية في عصر مالت فيه المدنيات القديمة إلى الانحطاط والتدلي ، وأصبحت الغايات الفاضلة معتقدات فكرية ؛ لقد كانت فتوح الإسلام في عالم الأفكار أوسع و أعظم منها في حقل السياسة ، شأنه في الأقطار الأخرى ، لقد كان من سوء الحظ أن ظل تاريخ الإسلام في هذا القطر ( الهندي ) مرتبطاً بالحكومة ، فبقيت حقيقة الإسلام في حجاب ، وبقيت هباته وأياديه الجميلة مختلفة عن الأنظار " . ولا يستطيع دين من الأديان ومدنية من المدنيات تعيش في العامل المتمدن المعمور أن تدعي أنها لم تتأثر بالإسلام والمسلمين في قليل ولا كثير . يقول ( Robert Briffault) في كتابه ( The Making of Humanity) : " ما من ناحية من نواحي تقدم أوروبا إلا وللحضارة الإسلامية فيها فضل كبير وآثار حاسمة لها تأثير كبير " ([20]) . ويقول في موضع آخر : " لم تكن العلوم الطبيعية ( التي يرجع فيها الفضل إلى العرب) هي التي أعادت أوروبا إلى الحياة ، ولكن الحضارة الإسلامية قد أثرت في حياة أوروبا تأثيرات كبيرة ومتنوعة منذ أرسلت أشعتها الأولى إلى أوروبا" ([21]). فلو جرت الأمور هكذا وتمت الأمم الإنسانية بقيادة الجماعة التي خُلقت لقيادتها ، وأُعطيت القوس باريها ، وجرت المياه في مجاريها ، لكان للعالم الإنساني تاريخ غير التاريخ الذي نقرؤوه . .حافلاً بالزلازل والنكبات ناطقاً بطول بلاء الإنسانية ومحنها ، لكان له تاريخ مجيد جميل يغتبط به كل إنسان ويقر عيناً ؛ ولكن جرت الأقدار بغير ذلك ، وبدأ الانحطاط في المسلمين أنفسهم .
الفصل الثاني الانحطاط في الحياة الإسلامية
الحد الفاصل بين العصرين : قال أحد الأدباء : " أمران لا يحدَّد لهما وقت بدقة : النوح في حياة الفرد ، والانحطاط في حياة الأمة ، فلا يشعر بهما إلا إذا غلبا واستوليا" ، إنه لحقُّ في قضية أكثر الأمم ، ولكن بدأ التدلّي والانحطاط في حياة الأمة الإسلامية أوضح منه في حياة الأمم الأخرى ، ولو أردنا أن نضع إصبعنا على الحد الفاصل بين الكمال والزوال لو وضعنا على ذلك الخط التاريخي الذي يفصل بين الخلافة الراشدة والملوكية العربية أو ملوكية المسلمين .
نظرة في أسباب نهضة الإسلام : كان زمام القيادة الإسلامية - والعالمية بالواسطة - بيد الرجال الذين كان كل فرد منهم معجزة جليلة لمحمد r ، إيماناً وعقيدة وعملاً وخلقاً وتربية وتهذيباً وتزكية نفس وسمو سيرة ، وكمالاً واعتدالاً ، لقد صاغهم النبي r صوغاً ، وصبّهم في قالب الإسلام صبًّاً ، فعادوا لا يشبهون أنفسهم إلا في الأجسام ، لا في الميول والنزعات ، ولا في الرغبات والأهواء ، ولو دقق مدقق لما رأى في سيرتهم و أخلاقهم مأخذاً جاهلياً ينافي روح الإسلام والنفسية الإسلامية ، ولو تمثل الإسلام بشراً لما زاد على أن يكون كأحدهم. وكانوا كما قلنا أمثلة كاملة وأقيسة تامة للدين والدنيا والجمع بينهما، فكانوا أئمة يصلُّون بالناس ، وقضاة يفصلون قضاياهم ، ويحكمون بينهم بالعدل والعلم ، وأمَنَة لأموال المسلمين وخزنتهم ، وقواداً يقودون الجيوش ويحسنون تدبير الحروب ، وأمراء يباشرون إدارة البلاد ، ويشرفون على أمور المملكة ويقيمون حدود الله ، وكان الواحد منهم في آن واحد تقياً زاهداً ، وبطلاً ومجاهداً ، وقاضياً فهماً ، وفقيهاً مجتهداً ، وأميراً حازماً، وسياسياً محنكاً . فكان الدين والسياسة يتمثلان في شخص واحد ، وهو شخص الخليفة وأمير المؤمنين ؛ حوله جماعة ممن تخرجوا - إن صح -التعبير - في هذه المدرسة ، المدرية النبوية ، أو المسجد النوبي ، أُفرغوا في قالب واحد يحملون روحاً واحدة ، وتلقوا تربية واحدة ، يستشيرهم الخليفة ويستعين بنهم ، فلا يقطع أمراً ذا بال حتى يَشْهدوه ، فسرت روحوهم في المدينة ، ونظام الحكم ، وحياة الناس واجتماعهم وأخلاقهم ، وانعكست ميولهم ورغباتهم في المدينة وظهرت خصائصهم فيها ، فلا عداء بين الروح والمادة ، ولا صراع بين الدين والسياسة ، ولا فصل بين الدين والدنيا ،ولا تجاذب بين المصالح والمبادئ ؛ ولا تزاح بين الأغراض والأخلاق ، ولا تناحر بين الطبقات ولا تنافس في الشهوات . شروط الزعامة الإسلامية : إن الزعامة الإسلامية تقتضي دقيقة ، واسعة جداً ، نستطيع أن نجمعها في كلمتين : ( الجهاد ) و ( الاجتهاد ) ؛ فهاتان كلمتان خفيفتان بسيطتان ، ولكنهما كلمتان جامعتان عامرتان بالمعاني الكثيرة .
الجهاد : أما الجهاد فهو بذل الوسع وغاية الجهد لنيل أكبر مطلوب ، وأكبر وَطَر للمسلم ؛ طاعة الله ورضوانه والخضوع لحكمه والإسلام لأوامره ، وذلك يحتاج إلى جهاد طويل شاق ضدّ كل ما يزاحم ذلك من عقيدة وتربية ، وأخلاق وأغراض وهوى ، وكل ما ينافس في حكم الله وعبادته من آلهة في الأنفس والآفاق ، فإذا حصل ذلك للمسلم وجب عليه أن يجاهد لتنفيذ حكم الله و أوامره في العالم حوله ، وعلى نبي جنسه ، فريضة من الله وشفقة على خلق الله ، ولأن الطاعة الانفرادية قد تصعب وتمتنع أحياناً بغير ذلك، وذلك ما يسميه القرآن ( الفتنة ) . ومعلوم أن العالم كله بما فيه من جماد ، ونبات ، وحيوان ، وإنسان ، خاضع لمشيته الله وأحكامه التكوينية ، وقوانينه الطبيعية : ) وله أسلم من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً وإليه يرجعون ( [ آل عمران : 83]. ) ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير حق عليه العذاب ( [ الحج : 18 ] . فيتعين أن جهاد المسلم إنما هو لتنفيذ شريعته التي جاء بها الأنبياء ، وإعلاء كلمته ونفاذ أحكامه ، فلا حكم إلا الله ولا أمر إلا له ، وهذا الجهاد مستمر ماض إلى يوم القيامة ، وله أنواع و أشكال لا يأتي عليها الحصر ، منها القتال ، وقد يكون أشرف أنواعه ، وغايته أن لا تبقى في الدنيا قوتان متساويتان متنافستان تتجاذبان الأهواء والأنفس ) وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله ( [ البقرة : 193] . ومن مقتضيات هذا الجهاد أن يكون الإنسان عارفاً بالإسلام الذي يجاهد لأجله ، وبالكفر والجاهلية التي يجاهد ضدها ، يعرف الإسلام معرفة صحيحة ، ويعرف الكفر والجاهلية معرفة دقيقة ، فلا تخدعه المظاهر ولا تغره الألوان ، وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : إنما ينقض الإسلام عروة عروة من نشأ في الإسلام ولم يعرف الجاهلية . ولا يجب على كل مسلم أن تكون معرفته دقيقة بالكفر والجاهلية ومظاهرهما وأشكالهما وألوانهما ، ولكن على من يتزعم الإسلام ويتولى قيادة الجيش الإسلامي ضد الكفر والجاهلية أن تكون معرفته بالكفر والجاهلية فوق معرفة عامة المسلمين وأوساطهم . كذلك يجب أن يكون استعدادهم كاملاً وقوَّتهم تامة ، ويقرعون الحديد بالحديد ، بل بأقوى من الحديد ، ويقابلون الريح بالإعصار ، ويواجهون الكفر وأهله بكل ما يقدرون عليه ، وبكل ما امتدت إليه يدهم ، وبكل ما اكتشفه الإنسان ووصل إليه العلم في ذلك العصر ، من سلاح وجهاز واستعداد حربي ،لا يقصَّرون في ذلك ولا يعجزون : ) وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم ( [ الأنفال : 60] .
الأجتهاد : أما الاجتهاد فنريد به أن يكون من يرأس المسلمين قادراً على القضاء الصحيح في النوازل والحوادث التي تعرض في حياة المسلمين وفي العالم وفي الأمم التي يحكمها ، وفي المسائل التي تفاجئ وتتجدد ، والتي لا يستقصيها فقه مدوَّن ، ومذهب مأثور ، وفتاوى مؤلفة ، ويكون عنده معرفة روح الإسلام وفهم أسرار الشريعة والاطلاع على أصول التشريع الإسلامي قوة الاستنباط - انفراداً واجتماعاً - ما يحل به هذه المشاكل ويرشد الأمة في الغمة . ويكون عنده من الذكاء والنشاط والجد والعلم ما يستخدم به ما خلق الله في هذا الكون من قوى طبيعية ، وما بث في الأرض من خيرات ومنابع ثروة وقوة ، وأن يسخرها لمصلحة الإسلام بدل أن يستخدمها أهل الباطل لأهوائهم ، ويتخذوها وسيلة للعلو في الأرض ، ويسخَّرها الشيطان لتحقيق أغراضه والإفساد في الأرض .
انتقال الإمامة من جماعة إلى جماعة : ولكن من الأسف ومن سوء حظ العالم البشري أن تولَّى هذا المنصب الخطير رجل لم يعدُّوا له عدة ، ولم يأخذوا له أهبة ، ولم يتلقوا تربية دينية وخلقية عميقة متينة كما تلقى الأولون وكثيرون في عصرهم وجيلهم ، ولم يكن عندهم من روح الجهاد في سبيل الإسلام ومن قوة الاجتهاد في المسائل الدينية والدنيوية ما يجعلهم يضطلعون بأعباء الخلافة الإسلامية . وهذا الحكم عام يشمل عدداً من خلفاء بني أمية وبني العباس. تحريفات الحياة الإسلامية : فظهر في ذلك ثلمات في ردم الإسلام لم تسدّ حتى الآن ، ووقعت تحريفات في الحياة الإسلامية . فصل الدين عن السياسة : وقع فصل بين الدين والسياسة عملياً ، فإ، هلاء لم يكونوا من العلم والدين بمكان يستغنون به عن غيرهم من العلماء وأهل الدين ، فاستبدوا بالحكم والسياسة ، واستعانوا - إذا أردوا واقتضت المصالح - بالفقهاء ورجال الدين كمشيرين متخصصين ، واستخدموهم في مصالحهم واستغنوا عنهم إذا شاؤوا وعصّوهم متى شاؤوا ؛ فتحررت السياسة من رقابة الدين، وأصبحت قيصرية أو كسروية مستبدة ، وأصبحت في كثير من الأحيان مُلْكان عضوضاً، وأصبحت كجمل هائج حبله على غاربه . وأصبح رجال الدين والعلم بين معارض للخلافة وخارج عليها ، وحائد منعزل اشتعل بخاصة نفسه ، وأغمض العين عما يقع ويجري حوله، يائساً من الإصلاح ، ومنتقد يتلهف ويتنفس الصعداء مما يرى ويسمع ولا يملك من الأمر شيئاً ، ومتعاون مع الحكومة لمصلحة دينية أو شخصية ؛ ولكلَّ ما نوى .. وحينئذ انفصل الدين والسياسة . أصبح الدين مقصوص الجناح كتوف الأيدي ، وأصبحت السياسة مطلقة اليد ، حرة التصرف نافذة الكلمة صاحبة الأمر والنهي ، ومن ثمَّ أصبح رجال العلم والدين طبقة متميزة ، ورجال الدنيا طبقة متميزة ، والشقة بينهما شاسعة ، وفي بعض الأحيان بنيهما عداء وتنافس .
النزعات الجاهلية في رجال الحكومة : ولم يكن كثير من رجل الحكومة حتى الخلفاء أمثلة كاملة في الدين والأخلاق ، بل كان في عدد منهم عروق للجاهلية ونزعاتها ، فسرَت روحهم ونفسيتهم في الحياة العامة والاجتماع ، واصحبوا أسوة للناس في أخلاقهم وعوائدهم وميولهم ، وزالت رقابة الدين والأخلاق وارتفعت الحٍسْبة، وفقدت حركة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سلطانها ، لأنها لا تستند إلى قوة ولا تحميها حكومة ، وإنما يقوم بها متطوعون لا قوة لديهم ولا عقاب ، والدواعي إلى خلافها متوافرة قوية ، فتنفست الجاهلية في بلاد الإسلام ورفعت رأسها ، وأخلد عدد كبير من الناس إلى الترف والنعيم وإلى الملاهي والملاعب ، وانغمسوا في الملذات والشهوات واستهتروا استهتاراً . ونظرة في كتاب الأغاني وكتاب الحيوان للجاحظ تُريك ما كان هناك من رغبة جامحة إلى اللهو ، وتهافُت على الملاهي والملذات ، ونهمة للحياة الدنيا وأسبابها في كثير من الطبقات . وبهذا السيرة ، وبهذه الأخلاق المنحطة ، ومع هذا الانهماك في الملاهي لا تستطيع أمة أن تؤدي رسالة الإسلام ، وأن تقوم في الدنيا مقام خلفاء الأنبياء ؛ وتذكَّر بالله والآخرة وتحض على التقوى والدين ، وأن تكون أسوة للناس في أخلاقها ، بل لا تستطيع أن تتمتع بالحياة والحرية زمناً طويلاً ([22]): ) سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلاً ( [ الأحزاب : 62] . سوء تمثيلهم بالإسلام : وكان هؤلاء في كل ما يأتون ويذرون ممثلين لأنفسهم وسياستهم فقط.. لا يمثلون الإسلام ، ولا سياسته الشرعية ، ولا قانونه الحربي، ولا نظامه المدني ، ولا تعاليمه الأخلاقية إلا في النادر . ففقدت رسالة الإسلام تأثيرها وقوتها في قلوب غير المسلمين ، وضعفت ثقتهم به ؛ وفي لفظ مؤرخ أوربي : " بدأ الإسلام بالانحطاط ، لأن البشرية بدأت تشك في صدق القائمين بتمثيل الديانة الجديدة " .
قلة الاحتفال بالعلوم العملية المفيدة : إن العلماء المفكرين منهم لم يعتزوا بالعلوم الطبيعية التجريبية وبالعلوم العملية المثمرة المفيدة اعتناءهم بعلوم ا بعد الطبيعة والفلسفة الإلهية التي تلفوها من اليونان ، وما هي إلا وثنيتهم القومية التي ترجموها في لغتهم الفلسفية ، وأضفوا عليها لباساً من الفن ، وماهي إلا ظنون وتخمينات وطلاسم لفظية لا حقيقة لها ولا معنى ، وقد أغنى الله المسلمين عنها وكفاهم هذا البحث والتنقيب وعملية تجزئة وتحليل في مسائل ذات الله وصفاته وما يتعلق بها أشبه بالتحليل الكيماوي ، وبما أنزل إليهم ببينات من الهدى والفرقان وجعلهم على نور من ربهم . ولكن المسلمين لم يشكروا هذه النعمة العظيمة ، وظلوا قروناً طويلة يجاهدون من هذه العلوم والمباحث في غير جهاد ، ويضيعون ذكاءهم في مباحث فلسفية وكلامية لا تجدي نفعاً ولا تأتي بنتيجة ، وليس لها دعوة في الدنيا والآخرة ، وتشاغلوا بها عن علوم واختبارات تسخَّر لهم قوى الطبيعة ويسخرونها لمصلحة الإسلام ، ويبسطون بها سيطرة الإسلام المادية والروحية على العالم كله . وكذلك اشتغلوا بمباحث الروح وفلسفة الإشراق ومسائل وحدة الوجود ، وبذلوا فيها قسطاً كبيراً من أوقاتهم وجهودهم وذكائهم . أما وصل إليه المسلمون في العلوم الطبيعية والتجريبية ، فإنه وإن كان أرقى من العصور السابقة وأكثر ثروة في العلم والاختبار ، إلا أنه لا يتناسب مع فتوحهم الواسعة في دوائر علمية أخرى ، ولا يتلاءم مع المدة الطويلة التي تمتعوا بها في التاريخ ، ولم يظهر فيها من النوابغ والعبقريين مثل ما ظهر في موضوعات أخرى . وإن ما خلفوه من كتب في الطبيعيات والكونيات والتجارب العملية ، وإن كانت مما استفادت منه أوروبا في نهضتها وأقرَّت بقيمتها ، إلا أنها تتضاءل جداً أمام هذه المكتبة الهائلة الزاخرة التي أنتجتها أوروبا في القرنين السابع عشر والثامن عشر فقط ، فمهما افتخرنا بآثار علماء الأندلس وحكماء الشرق ، فإنها لا تعد شيئاً بجانب الإنتاج الغربي الضخم في العلم والحكمة والتجربة والاختبار ، لا في الكمية ولا في الكيفية ، ولا في الإبداع ، ولا في الإبتكار ، ولا في التدقيق العلمي وفي الإتقان الفني. وإذا أردت أن تعرف مقدار عناية الشرق الإسلامي بالناحية الروحية ونسبتها إلى الناحية العلمية والتجريبية فقارن بين كتاب الفتوحات المكية للشيخ ابن عربي مثلاً وبين أكبر كتاب في الطبيعيات والحكمة ، تر فرقاً هائلاً في ضخامة المادة والعناية بالموضوع والجهاد يفي سبيله ، وبذلك تعرف ذوق الشرق الغالب عليه .
الضلالات والبدع : وكاد يحجب توحيد الإسلام النقي حجبٌ من الشرك والجهل والضلالة وطرأت على النظام الديني بدع شغلت مكاناً واسعاً من حياة المسلمين وشغلتهم عن الدين الصحيح ، وعن الدنيا؛ وميزة المسلمين بين أمم الأرض وفضلهم إنما هو من هذا الدين الذي جاء به محمد r ، وميزة هذا الدين وإعجازه في صحته وحفظه ، لأنه يمتاز بأنه وحي الله وشريعته ووضعه المعجز وشرعه الحكيم ) تنزيل من حكيم حميد ( [فصلت : 42] ، إذا عملت فيه عقول الناس ، ودخلت فيه أعمال الناس وأهواؤهم لم يكن له على الأديان التي حرَّفها أهلها ، و النظم التي نسجتها أيدي الناس إلا بمقدار ما يه من الوحي المحفوظ والعلم المعصوم ، ولم يكن ضامناً لسعادة الدنيا والآخرة ، ولم يكن حقيقياً بأن تخضع له العقول وينجذب إليه الناس.
إنكار الدين على المسلمين وإهابتهم بهم : ولا يغربن على البال إن الدين لم يزل طول هذه المدة حياً محفوظاً من التحريف والتبديل ، مُهيباً بالمسلمين ناعياً عليهم انحرافهم عن طريقه ، ولم يزل مناره عالياً وضؤوه مشرقاً ) يهدى به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذته ويهديهم إلى صراط مستقيم(.[ المائدة : 16] . ولم الكتاب والسنة يبعثان في نفوس القراء ثورة على الشرك والبدع ، وعلى الجهالة والضلالة ، وثورة على أخلاق الجاهلية وعوائدها ، وثورة على ترف المترفين واستبداد الملوك . ولم ينهض بتأثيرهما في كل دور من أدوار التاريخ الإسلامي ، وفي كل ناحية من نواحي العالم الإسلامي رجال يقومون في هذه الأمة على طريقة الأنبياء ، يجددَّون لها أمر دينها ، وينفخون فيها روح الجهاد ، ويفتحون لها باب الاجتهاد ، ويسعون لإقامة حكومة إسلامية على منهاج الخلافة الراشدة ، فمنهم من استشهد في هذه السبيل ، ومنهم من استطاع أن يمثل دوراً قصيراً يذكرَّ بالخلافة الراشدة : ) من المؤمنين رجال صدقوا من ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً ( [ الأحزاب : 23] ، وهم مصادق الحديث " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك"([23]). فتاريخ الجهاد والتجديد في الإسلام متصل لا تقطعه فترة ، ومشاعل الإصلاح متسلسلة بعضها من بعض لم تطفئها العواصف ([24]). حسن بلاء العالم الإسلامي في القرن السادس : في القرن السادس الهجري منَّ الله على العالم الإسلامي - الذي بدت عليه أمارات الضعف والشيخوخة بعد السلاجفة وتوزعه ملوك وأمراء في الأنحاء - بقيادة كبار حف الله بهم شرف الإسلام وعزته ، وأعاد بهم الحياة في العالم الإسلامي المنهار ، بدأت الغزوات الصليبية - التي كانت تهدف أولاً إلى الاستيلاء على الأماكن المقدسة عند المسيحيين - تتحدى الإسلام والمسلمين كلهم ، وتهدد الجزيرة العربية ومهد الإسلام والدول المجاورة للشام ، واستولى الصليبيون الأوروبيون فعلاً على القدس وعلى عامة مدن الشام وقلاعه ، وطمعوا في مدنية الرسول r ، وكانوا أكبر خطر على الإسلام والمسلمين بعد فتنة الردَّة . هنالك قيَّض الله للإسلام عماد الدين أتابك زنكي (541هـ) الذي قارع الصليبيين وهزمهم في معار ك كثيرة ، وفتح الرها ، وقام بعده ولده العظيم الملك العادل نور الدين محمود زنكي (م 569هـ) وصمَّم على إجلاء الصليبيين من الشام واسترداد القدس للمسلمين ، ومات رحمه الله قبل أن يكمل مهمته . وخلفه في ذلك أحد رجاله ومرشّحيه الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب ملك مصر ، وهو الرجل الذي هيأه الله لهذه المهمة العظمية وجمع فيه من خصال الحزم والعزم والإخلاص والتجرد للغاية ، والحرص على الجهاد والتفاني في سبيله ، وعلو الهمة في نصر الإسلام وقتال أهل الكفر والبغي ، وحسن القيادة ، وقوة التنظيم ، والصلاح والديانة ، الفتوة الفائقة ، والإنسانية السامية ، ومكارم الأخلاق، ما لا يجتمع إلا في أفذاذ الرجال في العالم ، فكان بذلك معجزة من معجزات الإسلام، ودليلاً على أن الإسلام لم ينته دوره ولم يفقد الحيوية والإنتاج ، وقد توحد العالم الإسلامي من بين نهر الفرات وبين النيل للمرة الأولى بعد مدة طويلة ليقاتل أوروبا التي تدفقت جيوشها واندفع ملوكها وامراؤها وقوادها الكبار ليهاجموا العالم الإسلامي . وقد اجتمع تحت لواء صلاح الدين للجهاد أجناس كثيرة من المسلمين لم تجتمع قبل ، والتهبت شعلة الجهاد و الغيرة الإسلامية بعد مدة طويلة ، واستخدم صلاح الدين للجهاد كل ما وصل إليه العالم الإسلامي من العلم والاختراع وصناعة الحرب يومئذ ، واستخدم هو كل ما أوتي من الذكاء والصبر والتفكير ، وهزم الصليبيين في حطين عام ( 583هـ) هزيمة منكرة وكسر شوكتهم ، وفتح القدس في نفس العام ، واستولى على فلسطين كلها ، وانحصر الصليبون في ( صور ) فقط ، وألقت أوروبا أفلاذ أكبادها ، وجاءت بحدِّها وحديدها ، واجتمعت جيوشها الكثيفة تحت قيادة القائد الكبيرة رتشارد Rixhatd ملك انكلترا ، وكانت الحرب بين الصليبيين والمسلمين سجالاً حتى وقعت الهدنة سنة (588هـ ، 2سبتمبر 1192م)، وجلاء معظم الغزاة الصليبيين عن فلسطين ، ورجع رتشارد إلى ملكه ، وبعد ذلك بسنة استأثر الله بصلاح الدين . ويحسن بنا أن ننقل هنا ما علَّق المؤرخ الإنكليزي Stanley Lane Poole على هذه الهدنة في كتابه عن صلاح الدين ، وبه نستطيع أن نعرف قوة العالم الإسلام ووحدته تحت قيادة صلاح الدين : " انتهت الحر بالمقدسة التي استمرت خمسة أعوام ، لقد كان المسلمون قبل انتصارهم في معركة حطين في يوليه 1187م لا يملكون قيراطاً من الأرض غربي نهر الأردن ، أما في سبتمبر سنة 1192م لما وقع الصلح في الرملة ملكوا البلاد لها إلا سلسلة تمتد من صور إلى يافا ، كان المسيحيون لا يزالون يملكونها ، ولم تكن هذه الهدنة مما يخجل لها لصلاح الدين ويتأسف ، لقد بقي معظم ما فتحه الصليبيون في حوزة الإفرنج ، ولكن كانت النتيجة تافهة جداً بالنسبة إلى خسائر الأموال والنفوس ، فقد زحفت أوروبا كلها إلى الأرض المقدسة ، لما استنفرها البابا للغزو الصليبي ، وبذلك القيصر فريدريك وملوك إنكلترا وفرنسا وصقلية وليوبولد النمساوي والدوق البرجندي والكونت الفلاندري ومئات من النبلاء المشاهير وأمراء الشعوب المسيحية وملك حكومة القدس المسيحية وملوك الحكومات النصرانية في فلسطين ، وفرسان طبقة الداوية، وطبقة الأسبتار وأبطالها ، لقد بذل هؤلاء كلهم كل ما في وسعهم للإستيلاء على القدس ولتزدهر الحكومة المسيحية التي كان مركزها القدس ، والتي أشرفت على الانقراض . ولكن ماذا كان مصير هذه الجهود كلها ، مات القيصر فريدريك في هذه المدة ، ورجع ملوك إنكلترا وفرنسا إلى بلادهم ، ودفن كثير من زملائهم الأمراء والنبلاء في أرض إيليا ، وبقي القدس في حوزة صلاح الدين كما كان ، ولم يكن من حظ المسيحيين إلا إمارة عكا الصغيرة إلى الساحل . لقد وقف العالم المسيحي وقفة رجل واحد إزاء المسلمين ، ولكنه لم يستطع أن يزحزح صلاح الدين عن مكانه ، كان جيش صلاح الدين قد أعياه الجهاد الطويل والمتاعب العظيمة ، وقد ظل أعواماً طوالاً مرابطاً مناضلاً مكافحاً عدواً قوياً جداً ، ولكن لم يسمع من جندي واحد أنين أو شكاة ، إنهم لم يتأخروا يوماً في الحضور ولم يضنوا قط بالنفائس والنفوس كلما دعاهم صلاح الدين إلى الجهاد وكلما استنفرهم للقتال ، وربما شكا أحد الأمراء التابعين له في بعض أودية دجلة البعيدة من هذه النجدة التي لا تكاد تنتهي ، ولكنهم قدَّموا بعوثهم وحضروا بجيوشهم لنصرة السلطان كلما طُلبوا . وقد قاتل الجيش الموصلي بكل بطولة وحماسة في حرب ( أرسوف) الأخيرة ، وكان السلطان واثقاً بأنه سيأتيه المدد من جيوش مصر والعراق وكذلك من جيوش الشام الشمالي والمركزي . وكان التركمان والعرب والمصريون مسلمين وخدمة أوفياء للسلطان ، وحضروا كالعبيد كلما طلبهم السلطان ، وقد مزج السلطان هذه العناصر المختلفة مزجاً غريباً وألف بينهم رغم ما فيه من اختلاف في الجنس والقومسة ، وما بين أفرادها من خلافات داخلية ومنافسات قبلية ، فكانوا كالجسد الواحد . وقد عانى السلطان بعض الصعوبة في توحيد هذه الأجناس ، وقد ظهرت في بعض المناسبات بوادر الخلاف، فقد تمرد الجيش في يافا مرة ، ولكن رغم ذلك كله بقيت الأمم المختلفة الأجناس إلى خريف سنة 1192م خاضعة لأمر السلطان ، وظلت تجاهد في سبيل الله من سنة 1187م العام الذي طلبها فيه صلاح الدين للجهاد ؛ وفي خلال هذه المدة الطويلة لم يسجل التاريخ حادثة عصت فيها مقاطعة أو ثارت فيها دولة تابعة أو رئيس من الرؤساء ، وكانت الآمال الكبيرة التي عقدت بنصيحتهم ومثابرتهم تعي الراسخين في الوفاء والجن الأقوياء . إنما علمنا قريباً من أقربائه في العراق ثار عليه ، ولكن السلطان مّ عليه بالعفو ، وهدأ الرجل ، وبذلك يُعلَم ما كان للسلطان من نفوذ غريب في دولته ورعيته ، وانتهت الحرب التي استمرت خمسة أعوام ، وانتهت محنها ومتاعبها ، والسلطان هو الملك الوحيد من جبال الكرد إلى صحراء النوبة ، وكان ملك بلاد الكرد وملك أرمينيا وسلطان قونية وقيصر قسطنطينية وراء هذه الحدود يحرصون على صداقة صلاح الدين ومساعدته، وما قبل صلاح الدين أن يكون عليه منة لأحد من هؤلاء ولم يحضروا قط لنجدته إنما حضروا لتهنئته . وكان صلاح الدين بطل هذه المعركة ومركز هذه الدائرة ، وكان أخوة العادل هو الشخصية الثانية التي ظهرت على مسرح القتال ، ولا نعرف أحداً من القواد والأمراء استولى عليه ، وكان عنده مجلس حربي يستشيره في أمور الحرب ، وقد وقع نادراً أن غلب رأي هذا المجلس الخاطئ على رأس السلطان الصحيح ، كما كان أمام صور وعكا ، ولكن لم يكن أحد من أعضاء هذا المجلس مستأثراًَ به دون غيره . لقد كان الأخوة والأبناء و أبناء الأخوان والزملاء القدماء ، والولاة الجدد ، والعقلاء ، والقضاة الأذكياء ، والمعتمدون الأوفياء ، والمتعصبون ، والوعاظ ، والعلماء ؛ كلهم متفقين على الجهاد ، وقاتلوا تحت لوائه جنباً إلى جنب ، وخدموه بكل ما عندهم من قوة وكفاية ونصيحة ، وكان كلٌ يعلم أن صلاح الدين سيد الجميع وأميرهم ، وكان قلبٌ واحدٌ وإرادة واحدة يسيطر عليهم في أزمات مختلفة وساعات عصيبة وحروب طاحنة ، هو قلب صلاح الدين القوي وإرادته الحديدية " . أ . هـ . فقر القيادة في العالم الإسلام بعد صلاح الدين : مات صلاح الدين بعدما قضى مهمته إلى حد بعيد ، وانجلى الخطر القريب العاجل الذي كان يهدد كيان الإسلام ومركزه ، وتراجع سيل الصليبيين وقد تعلموا دروساً مفيدة ، ودرسوا جوانب الضعف والقوى في كلتا الجبهتين ، رجعوا ليستعدوا للصليبية الجديدة في القرن التاسع عشر المسيحي ، وعاد المسلمون إلى سيرتهم الأولى من انقسام وتنافس ، وتطاحُن وغفلة ، ولم يُرزق العالم الإسلامي بعد ذلك قائداً مخلصاً للإسلام ، مؤْثِراً لمصلحته على هواه ، متجرداً للجهاد محبّباً تجتمع حوله القلوب مثل صلاح الدين الذي استطاع بحول الله وقوته وبمواهبه العظيمة أن يدحر أوروبا كلها ، ويحفظ للإسلام ملكه وشرفه ، وعمَّ الانحطاط في العالم الإسلامي واستفحل مع الأيام . نتاج القرون المنحلَّة : وظلت خلية الإسلام تعسل في أدوار الانحطاط أيضاً ، ويظهر من الملوك والفاتحين أفراد هم أنموذج الصحابة والسلف الصالح في سيرتهم وأخلاقهم ، في دينهم وتقواهم ، وينهض في العالم الإسلامي رجال يتجمّل التاريخ بذكرهم . وكان المسلمون - رغم انحرافهم عن سيرتهم الأولى وطريقهم المثالي- أقرب إلى طريق الأنبياء ، وأطوع لله من الأمم الجاهلية المعاصرة لهم ، وكان وجودهم دولتهم أكبر عائق للجاهلية في انتشارها وازدهارها ، وكانوا رغم نقائصهم أكبر قوة في العالم تهابها الدول ، وتحسب لها كل حساب . انهيار صرح القوة الإسلامية : ولم تزل تضعف هذه القوة وتهن بدون أن يشعر بذلك الأجانب ، حتى إذا خُضدت شوكة المسلمين في القرن السابع الهجري ، لمَّا مزَّق التتار حكومة خوارزمشاه - الإمبراطورية الإسلامية الأخيرة - وسقطت بغداد في أيديهم .. زال ذلك الشبح المخيف وسقط المجدار ([25]).، فعاثت الطيور والوحش في الحقل ، وتجاسر الناس على المسلمين وبلادهم . ورث التتار والمغول تراث المسلمين وخلفوهم في الحكومة ، وناهيك به بؤساً وشقاء للإنسانية وخراباً للعالم أن تتولى قيادة العالم أمة جاهلة وحشية ، ليس عندها دين ولا علم ، ولا ثقافة ولا حضارة .
الفصل الثالث : دور القيادة العثمانية :
العثمانيون على مسرح التاريخ : في ذلك الحين ظهر الترك العثمانيون على مسرح التاريخ ، وفتح محمد الثاني بن مراد ، وهو ابن أربع وعشرين سنة القسطنطينية العظمى عاصمة الدول البيزنطية المنعية سنة ( 853هـ/1453م ) ، فتجدد رجاء الإسلام ، وانبعث الأمل في نفوس المسلمين ، وكان الترك وعلى رأسهم آل عثمان موضعاً للثقة في فقيادة الأمم الإسلامية وفي استرداد قوة المسلمين ومكانتهم في العالم ، وكان فتحهم للقسطنطينية - التي استعصت على المسلمين ثمانية قرون ([26])- دليلاً على كفاءتهم وقوتهم ، وبلوغهم درجة الاجتهاد في صناعة آلات الحرب ، واستخدامهم لمهمتهم قوة العلم والعمل ، وكل ذلك ما لا غنى للأمة عنه .
تفوق محمد الفاتح في فن الحرب : وكان محمد الفاتح - كما يقول درابر - يعرف العلوم الرياضية ويحسن تطبيقها على الفن الحربي ، وكان أعدَّ لهذا الفتح عدته ، واستفاد من كل ما في عصره من معدات حربية . لقي زائر بندقي وهو (GIACOME DE LAANGUSCHI) أولانغاستون (LANGSTON ) السلطان محمد الفاتح حوالي الوقت الذي فتحت فيه قسطنطينية ؛ ووصفه هكذا : " شاب في 26 سنة من العمر([27]). ( وبعد ما ذكر حِلْيته وأخلاقه اللائقة بالنوابع ، وثقافته الواسعة ) ذكر أنه : يبحث بكل دقة عن المعلومات عن أوضاع إيطاليا ، وكرسي ( عاصمة ) البابا ، والإمبراطور ، وكم ممالك هنا في أوروبا ، وعنده خريطة لها ، وتظهر عليها دولها وأقاليمها، لا يعجب ولا يبتهج بأي شيء كإعجابه وابتهاجه بدراسة أوضاع العالم وعلم الحرب، باحث فطن للأمور . يلتهب رغبة في الحكم ، هذا هو الرجل الذي علينا مشعر المسيحيين أن نواجهه ، إنه شديد المراقبة والحذر ، قادر على تحمل المشقة والبرد ، والحرارة والعطش والجوع .. ويقول: إن الزمن تغير الآن، إذ يسير من الشرق إلى الغرب كما سار الغربيون ( فيما سلف ) إلى الشرق، ويقول : إن إمبراطورية العالم يجب أن تكون واحدة ، دين واحد ودولة واحدة ، ولتحقيق هذه الوحدة ليس هناك في العالم مكان أليق من القسطنطينية " ([28]). قال البارون ( كارادوفو ) ( Baron Carra de vaux) في كتابه ( مفكرو الإسلام ) في الجزء الأول منه عند ترجمة محمد الفاتح : " إن هذا الفتح لم يقيَّض لمحمد الفاتح اتفاقاً ، ولا تيسيراً لمجرد ضعف دولة بيزنطة ، بل كان هذا السلطان يدبَّر التدابير اللازمة له من قبل، ويستخدم له كل ما كان في عصره من قوة العلم ، فقد كانت المدافع حنيئذ حديثة العهد بالإيجاد ، فأعمل في تركيب أضخم المدافع التي يمكن تركيبها يومئذ ، وانتدب مهندساً مجرباً ركَّب مدفعاً كان وزن الكرة التي يرمي بها 300 كيلو جرام ، وكان مدى مرماه أكثر من ميل ، وقيل إنه كان يلزم لهذا المدفع 700 رجل ليتمكنوا من سحبه ، وكان يلزم له نحو ساعتين من الزمن لحشوه . ولما زحف محمد الفاتح لفتح القسطنطينية كان تحت قيادة ثلاثمئة ألف مقاتل ، ومعه مدفعية هائلة ، وكان أسطوله المحاصر للبلدة من البحر (120) سفينة حربية ، وهو الذي - من قريحته - تصوَّر سحب جانب من الأسطور من البر إلى الخليج ، وأزلق على الأخشاب المطلية بالشحم (70) سفينة أنزلها في البحر من جهة قاسم باشا"([29]).
مزايا الشعب التركي : وقد تفرد الشعب التركي المسلم تحت قيادة آل عثمان بمزايا اختص بها من بين الشعوب الإسلامية يومئذ ، واستحق بها زعامة المسلمين: أولاً - أنه كان متوافراً لديه القوة الحربية التي يقدر بها على بسط سيطرة الإسلام المادية والروحية ، ويردُّ بها غاشية الأمم المناوئة وعاديتها، ويتبوَّأ بها قيادة العالم ؛ فقد بادر العثمانيون في صدر دولتهم لاستعمال المعدَّات الحربية ، وخصوصاً النارية منها ، واهتموا بالمدافع ، وأخذوا بالحديث الأحدث من آلات الحرب ، عُنوا بفن الحرب وتنظيم وتعبئتها ، حتى صاروا في صناعة الحرب أئمة بغير نزاع ، والمثل الكامل والقدوة لأوروبا . وكانوا يحكمون في ثلاث قارات : أوروبا ، وآسيا ، وإفريقيا ؛ ملكوا الشرق الإسلامي من فارس حتى مراكش ، ودوَّخوا آسيا الصغرى وتوغلوا في أوروبا ، حتى بلغوا أسوار ( فْيينَّا ) ، وكانوا سادة البحر المتوسط من غير نزاع .. قد جعلوه بحيرة عثمانية لا أثر للأجنبي حوله؛ وقد كتب معتمد القيصر بطرس الأكبر لدى الباب العالي أن السلطان يعتبر أن البحر الأوسد كداره الخاصة ، فلا يباح دخوله لأجنبي ، وأنشؤوا أسطولاً عظيماً لا قبل لأوروبا به ، حتى اجتمعت لسحقه كل من إمارات البابا والبندقية وإسبانيا والبرتغال ومالطا عام 945هـ 1547م ، ولكن لم تغن عنهم كثرتهم شيئاً. قد جمعت الإمبراطورية العثمانية في عهد سليمان القانوني الكبير بين السيادتين البرية والبحرية ، وبين السلطتين السياسية والروحية . بلغت حدود الدولة العثمانية في عهد سليمان الطونة والصاوة ( النهرية) في الشمال ، ونبع النيل والمحيط الهندي في الجنوب ، وسلسلة جبال القفقاس في الشرق ، وجبال أطلس في الغرب ، وهي مساحة تزيد على 400ألف ميل مربع . وكان الأسطول العثماني مؤلفاً مما يزيد على 2000مركب حربي ، وكان القسم الشرقي من بحر سفيد وبحر الأدرياتيك ومرمرا وأزرق والأسود والأحمر وفارس في حوزته وتحت سيطرته . يقول الأستاذ برنارد لويس المؤرخ المختص في تاريخ تركيا في كتابه (استبول ) : " ويعتبر بحق حكم سليمان ( 1520-1566م) المعروف عند الأتراك بـ( القانوني ) وعند الأوروبيين بـ ( الذروة في قوة العثمانيين ومجدهم ) .." . " وامتدت رقعة الإمبراطورية في أوروبا بعد انتصارات جديدة ، كما تأسست القوة البحرية العثمانية في شرقي البحر الأبيض المتوسط بعد الاستيلاء على جزيرة رودس ( RHODES) في 1522م ، وفَتْح وإخضاع بلغراد في 1521م والانتصار العظيم في معركة موهاكس ( MOHACS ) الطريق لفتح المجر ، والصراع المرير المتواصل مع آل هبسبرج (HAPSBURGS ) للسيادة على أوروبا الوسطى " ([30]). " وفي سنة 1529م حاصر جيش عثماني مدنية فْيينَّا ، وفي سنة 1537م حاولت قوة عثمانية صغيرة طرد البرتغاليين عن بحر الهند ، وفي سنة 1553م قاد السلطان سليمان جيشاً إلى إيران ، وفي 1555م حاول أسطول عثماني الاستيلاء على مالطا ،ولم يدرك أحد لزمن طويل أن كل هذه الإنجازات كانت أعلى مَدَّ للتيار العثماني " ([31]) . " ورافق توسع الإمبراطورية العثمانية وقوتها العسكرية اقتصاد متين وإدارة دقيقة وثقافة غنية رفيعة " ([32]) . " وظلت الإمبراطورية العثمانية بعد وفاة سليمان بأكثر من قرن قوة جبارة وكانت قادرة في سنة 1683م أن تقوم بالحملة الثانية العظيمة على فيينَّا " ([33]) . " وفي رسالة قدمها كوجوبيك ( KOCHUBEY ) إلى السلطان مراد الرابع في 1630م يدَّعى الكاتب أنه منذ عهود خلفاء الإسلام الأوائل لم تكن هناك أية سلالة من الحكام أكثر ولاء وإخلاصاً للإسلام من السلاطين العثمانيين ، ولا أبدت أية منها احترام مبادئ الشريعة الإسلامية وعلمائها كما أبدى هؤلاء السلاطين ، وليست في هذه الدعوة أية مبالغة ، فالاعتبار الديني العميق ( لمبادئ الشريعة وعلمائها ) عند السلالات التركية والمشاهد عند السلاجقة العظام فيما قبل قد استمر وازداد في حكم العثمانيين ، وسبق السلاطين العثمانيون جميع أسلافهم في جعل الشريعة القانون الفعلي للبلاد، ويبدي سلوك أحسنهم شعوراً عميقاً بالواجب نحو أمانة دينية مقدسة"([34]) . ودخلت كل مدينة شهيرة في العالم القديم ما عدا رومة في ضمن حدود الدولة العثمانية ([35])، وكانت أوروبا كلها ترتعد منهم فرَقاً ، ويدخل ملوكها الكبار في ذمة ملوكهم ، ويمسك أهل الديار عن قرع أجراس كنائسهم احتراماً للترك إذا نزلوا بها ، وأمر البابا أن يحتفل بعيد ، وأن تقام صلوات الشكر مدة ثلاث أيام لما أتاه نعي محمد الفاتح . ثالثاً- كانوا من أحسن مركز للقيادة العالمية ، كانوا في شبه جزيرة البلقان بحيث يشرفون منها على آسيا و أوروبا ، وكانت عاصمتهم واقعة بين البحرين : الأسود والأبيض ، وواصلة بين البرَّين: آسيا وأوروبا ، فكانت خير عاصمة لأكبر دولة تحكم على آسيا وأوروبا وأفريقيا ، حتى قال نابليون : " لو كانت الدنيا دولة واحدة لكانت القسطنطينية أصلح المدن لتكون عاصمة لها " . وكانت أوروبا لها الخطر الكبير والشأن العظيم في المستقبل القريب ، تزخر فيها القوى الحيوية ، وتجيش في صدروها عوامل الرقي ، فكان في استطاعة الترك - لو وفَّق الله - أن يتقدموا في ميدان العلم والعقل ، ويسبقوا أمم أوروبا النصرانية ، ويصبحوا أئمة العالم يقودنه إلى الحق والهدى قبل أن تملك أوروبا زمام العالم وتقوده إلى النار والدمار .
انحطاط الأتراك في الأخلاق ، وجمودهم في العلم وصناعة الحرب : ولكن من سوء حظ المسلمين - فضلاً عن سوء حظ الأتراك - أخذ الترك في الانحطاط والتدنّي ، ودبًّ إليهم داء الأمم من قبلهم : الحسد والبغضاء ، واستبداد الملوك وجَوْرهم وسوء تربيتهم وفساد أخلاقهم ، وخيانة الأمراء وغشهم للأمة وإخلاء الشعب إلى الدَّعة والراحة ، إلى غير ذلك من أخلاق الأمم المنحطة مما هو مبين في كتب التاريخ التركي ، وليس هذا موضع تفصيله ، وكان من شر ما أصيبوا به الجمود في العلم والجمود في صناعة الحرب وتنظيم الجيوش ، وقد نسوا قوله تعالى : ) وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وءاخرين من دونهم لا تعلمونهم ( [ الأنفال : 60] ، وقول النبي r :" الحكم ضالة المؤمن حيث وجدها فهو أحق بها " ، وكان خليقاً بهم - لحرج مركزهم السياسي والجغرافي ، وقد أحاطت بهم الدول الأوروبية إحاطة السوار بالمعصم - أن يجعلوا وصية القائد الإسلامي الكبير عمرو بن العاص رضي الله عنه للمسلمين في مصر نصب أعينهم : " واعلموا أنكم في رباط إلى يوم القيامة لكثرة الأعداء حولكم وتشوَّف قلوبهم إليكم وإلى داركم " ولكن الترك وقفوا ، وتقدم الزمان ، وتخلَّفوا وسبقت الأمم الأوروبية.
الجمود العلمي في تركيا : وقد وصفت الفاضلة خالدة أديب هانم هذا الجمود العلمي في تركيا وصفاً يحسبن بنا أن ننقله هنا ، قالت : " ما دامت فلسفة المتكلمين تهيمن على الدنيا ظل علماء الإسلام في تركيا يقومون بواجبهم ويحسنون القيام به، وكانت المدرسة السليمانية ومدرسة الفاتح مركزين للعلوم والفنون السائدة في ذلك الزمان ،لكن لما نشط الغرب من عقال الفلسفة الإلهية والمباحث الدينية الكلامية ، ووضع أساس العلم الحديث والحكمة الجديدة، فأحدث انقلاباً في العالم لم تعد جماعة العلماء تقدر على الاضطلاع بأعباء التعليم والقيام بواجبات المعلمين . كان يعتقد هؤلاء أن العلم لا يزال حيث كان في القرن الثالث عشر المسيحي لم يتجاوز ذلك المقام ولم يتقدم، ولم تزل هذه الفكرة الخاطئة سائدة على نظامهم التعليمي إلى القرن التاسع عشر المسيحي ". إن فكرة علماء تركيا والبلاد الإسلامية الأخرى هذه ليست من الدين في شيء ، إن الفلسفة الإلهية أو علم الكلام الذي كان عند المسلمين أو النصارى ، إنما كان مبنياً على فلسفة الإغريق ، وكان الغلبة فيه لأفكار أرسطاطاليس الذي كان فيلسوفاً وثنياً ، ويجدر بي في هذا المقام أن أقارن بجمال بين عقلية العلماء المسيحيين والمسلمين . لم يتعرض القرآن الكريم بالتفصيل لمسألة خلق العالم الطبيعي ، والقسط الأوفى في تعليمه والأهمية الكبرى للحياة الخُلقية والاجتماعية ، ومقصوده الأكبر فصل ما بين الحسن القبيح ، والخير والشر ، وإنه جاء بشرعية للعالم ، وكلما ذكر مسألة من مسائل ما بعد الطبيعة أو المعارف الروحية قلما نرى فيها تعقيداً أو إشكالاً ، أن أساس تعليمه التوحيد ، فكان الإسلام ديناً سمحاً بسيطاً ، وهو أفسح صَرْراً من النظريات الجديدة على العالم الطبيعي من الأديان الأخرى بكثير ، ولكن هذا التسامح وهذه البساطة التي كانت تساعد في التحقيق العلمي الجديد لم تطل مدتها في حياة المسلمين . قيَّد العلماء والمتكلمون في القرن التاسع الهجري الإلهيات- فضلاً عن الفقه - بسلاسل وقيود ، وأوصدوا باب التحقيق والاجتهاد ، في ذلك الوقت تغلغلت أفكار أرسطاطاليوس في الفلسفة الإسلامية . بالعكس من ذلك الدين المسيحي - الذي هو أولى بأن يسمى دين الراهب بولس - فإن ( سِفْر بدء التكوين ) يحتوي على تفصيل للعالم الطبيعي ، وإذا آمن النصارى بأنه كلام الله كان الواجب عليهم أن يقرروا صدقه ، ولما كانت المشاهدة لا تؤيدهم في هذا التأويل لجؤوا إلى الاستدلال وتمسكوا بأهداب أرسطاطاليس لأن منطقه يعمل عمل السحر . لما بدأ الغرب في دراسة الطبية بواسطة المشاهدة والاختبار والتحليل والتجزئة أُسْقِط في أيدي رجال الكنيسة ، ولما وصل العلماء بطرق علمية إلى اكتشافات مهمة خاف علماء النصرانية على سيادة الكنيسة أن تنقرض، فحدث صراع عنيف بين الدين والعلم ، وذهب كبار علماء الطبيعة - الذين كانوا عاكفين على دراستهم وتحقيقهم - ضحية علمهم . واضطرت الكنيسة النصرانية بعد المعارك الدموية بين الدين والعلم أن تواجد الواقع ، فأدخلت علوم الطبيعة في برنامج مدارسها وكلِّياتها، وأصبحت جامعاتها التي لم تكن تختلف بالأمس عن مدارس المسلمين ، مركزاً للعلوم الطبيعية والعلوم الحديثة ، ولم تهجر مع هذا فلسفتها، وكان نتيجة ذلك أن ظل للكنيسة سلطان على فريق من الطبقة المثقفة ، وكان للقسُس الكاثوليك والبروتستانت مشاركة في العلوم الحديثة ، وكانوا يقدرون على أن يباحثوا الناشئة في كل موضوع . وكان العلماء في تركيا العثمانية على الضد من ذلك ، فلم يُعْنَوا باكتساب العلوم الحديثة ، بل منعوا الأفكار الجديدة عن أن تدخل في منطقتهم ، وإذا كانوا متصرفين بزمام تعليم الأمة الإسلامية ، ولم يسمحوا لشيء طريف بأن يقرب منهم ، فإن الجمود قد تغلب على نظامهم التعليمي، وكانت مشاغلهم السياسية قد طغت في دور الإنحطاط ، وكانت لا تسمح لهم بأن يتحملوا متاعب المشاهدة والاختبار ، فلم يكن لهم إلا أن يلحُّقوا على فلسفلة أرسطاطاليوس ، ويبنوا علمهم على الاستدلال ، فلم تزل المدارس الإسلامية في القرن التاسع عشر المسيحي ، كما كانت في القرن الثالث عشر المسيحي " ([36]).
الانحطاط الفكري والعلمي العام : ولم يكن الجمود العلمي الفكري مقتصرين على تركيا و أوساطها العلمية والدينية فحسب ، بل كان العالم الإسلامي من شرقه إلى غربه مصاباً بالجدب العلمي ، وشبه شلل فكري ، قد أخذه الإعياء والفتور، واستولى عليه النعاس ، ولعل القرن التاسع - إذا لم نقل القرن الثامن - آخر قرون النشاط والتوليد والابتكار في الدين والعلم ، والأدب والشعر والحكم ، والقرن العاشر أول قرون الخمود والتقليد والمحاكاة . وترى هذا الخمود عاماً شاملاً للعلوم الدينية والفنون الأدبية والمعاني الشعرية والإنشاء والتاريخ ومناهج التعليم ، فلا تجد في كتب التراجم التي ألفت للعصور الأخيرة من تطلق عليه لقب العبقري ، أو النابغة أو المحقق على الأقل ، أو من جاء في فن من الفنون بشيء طريف مبتكر ، أو زاد في العلم زيادة حسنة ، إذا استثنينا بعض الأفراد في أطراف العالم الإسلامي ، كالشيخ أحمد بن عبد الأحد السرهندي ( م 1024هـ ) صاحب الرسالة الخالدة في الشريعة والمعارف والإلهية ، والشيخ ولي الله بن عبد الرحيم الدهلوي ( م 1176هـ ) صاحب ( حجة الله البالغة ) و (إزالة الخلفاء ) و ( الفوز الكبير ) و ( رسالة الإنصاف )، وابنه الشيخ رفيع الدين (م1233هـ ) صاحب ( تكميل الأذهان ) و ( أسرار المحبة ) ، والشيخ إسماعيل بن عبد الغني بن ولي الله الدهلوي ( م 1246هـ ) صاحب ( منصب الإمام ) و ( العقبات والصراط المستقيم ) ([37]). ولا نقرأ في شعر هذه العصور الأخيرة - على كثرة ما نظم وقيل فيها- شعراً مطبوعاً يعلق بالذهن ، أو إنشاء مترسلاً ينشرح له الصدر ، ترى أدباً فاتراً بادراً قد أفسده التأنق في الحلية اللفظية والمبالغة والتهويل في الألفاظ والمعاني ، وكثرة التملُّق في المدح والغزل بالمذكر في الشعر، والتكلف حتى في الرسائل الإخوانية والأغراض الطبيعية ، والسجع البارد في كتب التاريخ والتراجم . كذلك حلقات التعليم قد رحلت عنها كتب المتقدمين وحلَّت محلها كتب المتأخرين المتكلَّفين ، وغصَّت بالحواشي والتقريرات والتلخيصات والمتون التي ضنَّ فيها مؤلفوها على القرطاس ، وتعمدَّوا التعقيد والغموض ، وكأنهم ألفوها في صناعة الاختزال ، وكل ذلك ينبئ عن الانحطاط الفكري والعلمي الذي حل بالعالم الإسلامي وتغلغل في أحشائه .
معاصرو العثمانيين في الشرق: وعاصرت الدولة العثمانية دولتان قويتان في الشرق ، إحداهما الدولة المغولية التي أسسها بابر التيموري ( سنة 933هـ / 1546م) وكان معاصراً للسلطان سليم الأول ، وتوالى على عرشها ملوك أعظم ملوك المسلمين شوكة وأبهة وقوة حربية واتساع مملكة ، وكان أعظمهم أورنك زيب ، وكان آخر الملوك التيموريين الأقوياء ، وأوسعهم مملكة وأعظمهم فتوحاً وأمتنهم ديانة وأعرفهم بالكتاب والسنة ، وقد عاش أكثر من تسعين سنة ، وحكم خمسين سنة ، وتوفي 1118هـ ، أي في فجر القرن الثامن عشر المسيحي ، وهو عصر مهم جداً في تاريخ أوروبا ، ولكنه لم يكن هو ولا سلفه على شيء من الاتصال بما كان يجري في أوروبا وما تتمخض به حوادث جسام ، وما يفور في صدرها من عوامل الرقي والنهضة ، وكانوا ينظرون إلى من يغشاهم من تجار أوروبا وأطبائها أو سفراء دولها - على قلة ورودهم هذه البلاد النائية - نظر الاستخفاف والاحتقار . وكانت تصاقب دولتهم في أفغانستان الدولة الصفوية ، وكانت راقية متحضرة ، ولكنها شُغلت بنزعتها الشيعية ، وبالهجوم على الدولة العثمانية مرة والدفاع عنه نفسها مرة أخرى . وانحصرت هاتان الدولتان في قطرهما ، وكانتا بمعزل عما يقع في الشرق الأدنى فضلاً عن الغرب ، وفي البلاد الإسلامية فضلاً عن البلاد الأجنبية ، أما التحالف والتكتل فلم يكن يخطر من أحد منهم على بال ، وذلك مما طبعت عليه الدول الشرقية والحكومات الشخصية ، ووصى بها الآباءُ الأبناءَ ، وكذلك دراسة أحوال أوروبا العلمية والحربية واقتباس العلوم والصنائع من الخارج فلم يكن يدور بخَلَد إنسان في ذلك العصر .
نهضة أوروبا الجاهلية وسيرها الحثيث في علوم الطبيعة والصناعات: وكان القرن السادس عشر والسابع عشر المسيحي من أهم أدوار التاريخ الإنساني الذي له ما بعده ، قد استيقظت فيه أوروبا من هجعتها الطويلة ، وهبَّت عن مرقدها مجنونة تتدارك زمان الغفلة والجهل ، وتعدو إلى غايتها عَدَواً ، بل تطير إليها بكل جناح ، تسخَّر قوى الطبيعة وتفضح أسرار الكون ، وتكشف عن بحار وقارات كانت مجهولة ، وتفتح فتوحاً جديدة في كل علم وفن وفي كل ناحية من نواحي الحياة . ونبغ في هذه المدة القصيرة رجال ومبتكرون في كل علم وعبقريون أمثال: كوبرنيكوس (Copernicus) وبرونو (Brunoe) وغاليليو (Galilio) وكِبْلر (Kepler) ونيوتن (Newton) وغيرهم الذين نسخوا النظام القديم ، وأسسوا نظاماً حديثاً و اكتشفوا عوالم في العلم ، ومن الرحالين المكتشفين أمثال كلمبس (Columbus) وفاسكودي غاما (Vasco Degama) وماجلان ( Maglin) . كان تاريخ الأمم في هذا الدور في صياغة وسبك ، وكانت نجوم الأمم والشعوب بعضها في أفول وبعضها في طلوع ، يصير الآفل منها طالعاً والطالع منه آفلاً ، وكانت ساعة في ذلك الزمان تساوي يوماً بل أياماً ، ويوم يساوي عاماً بل أعواماً ، فمن ضيَّع ساعة فقد ضيع زمناً.
تخلف المسلمين في مرافق الحياة : ولكن المسلمين لم يضيعوا ساعات وأيام ، بل ضيعوا أحقاباً وأجيالاً ، انتهزت فيها الشعوب الأوروبية كل دقيقة وثانية ، وسارات سيرت حثيثاً في كل ميدان من ميادين الحياة ، وقطعت في أعوام مسافة قرون . ومما ينبئ عن مقدار خمول تركيا في ميدان العلوم والصناعة أن صناعة السفن لم تدخل تركيا إلا في القرن السادس عشر المسيحي ، ولم تدخل المطابع في العاصمة والمحاجر في هذه الدولة إلا في القرن الثامن عشر ، وكذلك مدارس الفنون الحربية على النسق الأوروبي ، وفي آخر هذا القرن كانت تركيا بمعزل عن الصناعات والاكتشافات ، حتى لما شاهدوا بالوناً يحلَّق فوق العاصمة ظنوه من أعمال السحر والكيمياء . قد سبقتها دول أوروبا الصغيرة في الأخذ بأسباب المدينة والرفاه العام ، وحتى سبقتها مصر في اتخاذ السكك الحديدية واستعمال القطارات بأربع أعوام ، وفي استعمال طوابع البريد ببضعة أشهر .
تخلفهم في صناعة الحرب : ولم يكن انحطاط المسلمين في العلوم النظرية والحكمية والمدنية فحسب ، بل كان هذا الانحطاط عاملاً شاملاً ، حتى تخلفوا عن أوروبا في صناعة الحرب التي كان التركي في الزمن الأخير ابن بَجْدتها و أبا عُذْرتها، قد اقرّ بفضلهم وتبريزهم فيها العالم ، ولكن سبقتهم أوروبا باختراعها وقوة إبداعها وحسن تنظيمها حتى هزمت جيوشُها الجيوش العثمانية هزيمة منكرة ( سنة 1774م ) وظهر سبقها في ميدان القتال أيضاً ، فانتبهت الدولة العثمانية بعض الانتباه ، وانتدبت الماهرين الأوروبيين لتنظيم الجيش وتربية العساكر . وعُني السلطان سليم الثالث في فجر القرن التاسع عشر بالإصلاح ، وكان عصامياً قد نشأ وتعلم خارج البلاط - خلافاً لسابقيه - وأنشأ مدارس جديدة وكان يُعلَّم بنفسه في مدارس الهندسة ، وألف جيشاً على الطراز الحديث ، وأدخل تعديلات وتحسينات في النظام السياسي ، وقد بلغ الشعب حداً كبيراً من الجمود والمحافظة على القديم في كل شيء حتى ثار عليه الجيش القديم واغتاله ، وخلفه محمود الثاني الذي حكم من سنة 1807م إلى سنة 1839هـ ومن بعده عبد المجيد الأول ( 1839م -1851م) فخلف سليم الثالث في مهمته ، وتقدمت تركيا بعض التقدم . فارن هذا الشوط الذي قطعته تركيا الإسلامية في ميدان الرقي والتقدم ، بالأشواط التي قطعتها أوروبا في القرن الثامن عشر والتاسع عشر تجد الفرق هائلاً ، فلم يكن جريهما في الميدان إلا مسابقة بين سلحفاة وأرنب ، إلا أن الأرنب ساهر دائب في عمله ، والسلحفاة قد يغلبها النون وتغفي إغفاءة .
الفراغ الذي تركته الإمبراطورية العثمانية : ورغم هذه العلل التي وصفنا بها الدولة العثمانية تسجيلاً للواقع ، وأمانة للتاريخ ، لاشك أنها كانت - على علاَّتها الأخيرة - حصناً منيعاً للإسلام وسوراً قوياً واسعاً للأقطار العربية الإسلامية ، الواقعة في الشرق الأوسط بما فيها الحجاز وفلسطين ، ويمنع من تدخُّل القوى الأجنبية الغربية في هذه البلاد ، وعبثها بها عبث اللاعب بكرة القدم ، واعتدائها على مقدساتها . وقد بقي الوضع على ذلك إلى عهد السلطان عبد المجيد خان ، رغم ما قيل عنه وأُشيع ، فقد أخفقت كل محاولة مسيحية ، وكل مؤامرة يهودية ضد المقدسات الإسلامية في عهده ، حتى نشبت الحرب الكونية الأولى (1914-1918م) ، واستطاع الحلفاء أن يضموا العرب إلى معسكرهم ، ويثيروهم على الأتراك ، ونشأت فكرة القومية العربية ، وانفصلت الأقطار العربية عن الإمبراطورية العثمانية ، و أصبحت دولاً وإمارات كبيرة وصغيرة، وعاشت تحت الانتداب مدة طويلة ، ثم استقلت .. لم تبق يد قوية تحميها ، ولا سطوة عالمية تُخشى وتُرهب . وقامت ( إسرائيل ) في حضانة القوة الأوروبية الكبرى وحمايتها في قلب العالم العربي ، واستطاعت أخيراً في ( حزيران 1967م) أن تستولي على الضفة الغربية ، وشبه جزيرة سيناء ، وأن تمتلك القدس الشريف لأول مرة في التاريخ ، والعالم العربي لا يملك دفعاً ولا منعاً ، ويردد المثل العربي القديم ( إنما أُكِلتُ يوم أُكلَ الثور الأبيض )([38]).، وقد كانت نهاية الإمبراطورية العثمانية - وخاصة في الشرق - أكبر انتصار للصليبية الأوروبية واليهودية العالمية ، وقد تركت فراغاً لم يُملأ .
([1]) حديث متفق عليه . ([2]) البداية والنهاية ، لابن كثير . ([3]) من خطبة النبي r في حجة الوداع . ([4]) القصة بتمامها في تاريخ عمر بن الخطاب ، لابن الجوزي . ([5]) عن أبي موسى عن النبي r قال :" مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث أصاب أرضا، فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير ، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا ، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلَّم ، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به " رواه البخاري في الجامع الصحيح ، كتاب العلم . ([6]) يعني سواء في ذلك العلوم الشرعي والعلوم العقلية . ([7]) المقدمة ، ص 499 . ([8]) رواه أحمد بن مروان المالكي في المجالسة . ([9]) البداية والنهاية : 7/53 . ([10]) المرجع السابق : 7/16 . ([11]) سيرة عمر بن الخطاب ، لابن الجوزي . ([12]) Mohammad Asd (Leopoed Weiss ) Islam At The Cross Roada ,Fifth Edition ,p.29 ([13]) سبتمانيا : مقاطعة فرنسية قديمة في الجنوب الغربي لفرنسا على البحر الأبيض المتوسط . ([14]) السهوة : النافذة بين الدارين ، والقرام : الستر . ([15]) كتاب انحطاط روما وسقوطها ، لجيون ص 255-256 . ([16]) Hainc's Christanity of Islam in spain p.116 ([17]) ضحى الإسلام : 1 /164-165 . ([18]) Doctor Tarachand : Influence of Islam on Indian Culture ([19]) A Survey of Indian History p.132 ([20]) p.190 ([21]) p.202 ([22]) ولكن يكون من المبالغة والخطأ ، أن نعتقد أن المجتمع الإسلامي قد فقد كل ميزة روحية وخلقية ، وتشريعية ، وتجرد من جميع سماته الإسلامية ، وملامحه التاريخية ، وأنه قد أصبح كسائر المجتمعات البشرية المعاصرة ، بل الحق أنه لم يزل محافظاً على كثير من مزاياه وملامحه ، وخصائصه ، التي أورثها الإسلام، وأرسخها الخلفاء الراشدون ، وحماها العلماء الربانيون ، الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر ، الذين لم يخل عنهم مكان ولا زمان ، وتوارثتها الأجيال المسلمة ، بل كان أفضل من جميع المجتمعات المعاصرة ، والمجاورة قاطبة ، وأكثر الحدود لم تعطل ، وأكثر الأحكام الإسلامية والتشريعات السماوية كانت نفاذة مطبقة ؛ وكان هذا المجتمع عرضة الانحراف ، لا التحريف ، بعكس من واقع المجتمعات الأخرى ( كالمسيحية ، أو المجوسية ، أو الوثنية ) التي أصبحت فريسة التحريف والمسخ والنسخ . ([23]) رواه مسلم ( كتاب الجهاد ) . ([24]) اقرأ في هذا الموضوع كتاب المؤلف ( رجال الفكر والدعوة وإلى الإسلام ) . ([25]) المجدار : ما ينصب في زرع لطرد الطير والوحش . ([26]) غزا الأسطول العربي القسطنطينية بقيادة بسر بن أرطاه سنة 44 للهجرة وفق سنة 664مسيحية ، وحاصر يزيد بن معاوية القسطنطينية سنة 52هجرية وفق سنة 672مسيحية ، وحاصرها العرب أربع مرات على الأقل بعد ذلك ، ولم يفتحوها لمنعتها . ([27]) الحقيقة أن عمره حينذاك لم يكن يتجاوز 24 سنة ( المترجم ) . ([28]) العبارة مقتبسة من كتاب ( استنبول وحضارة الإمبراطورية العثمانية )ص 36-37 تأليف الأستاذ ( برناردلويس ) وتعريب الأستاذ رضوان علي الندوي . ([29]) من حواشي الأمير شكيب أرسلان علي (حاضر العالم الإسلامي ) : 1/220 ، الطبعة الثانية . ([30]) كتاب ( استنبول ) ، ص 41-42 . ([31]) كتاب ( استنبول ) ، 43-44 . ([32]) المصدر السابق نفسه . ([33])المصدر السابق نفسه ، 43-44 . ([34]).المصدر السابق ، ص 50-51 . ([35])فلسفة التاريخ العثماني ، لمحمد جميل بيْهم ، ص 280-281 ([36]) ( صراع الشرق والغرب في تركيا ) ، محاضرات في الإنكليزية لخالدة أديب ألقتها في الجامعة الملية الإسلامية ، الخطبة الثانية ( انحطاط العثمانيين ) ، ص 40-43 . of East and Weast in Tukey By Khalida Edib p.40-43 Conflict ([37]) انظر تراجمهم في كتاب ( نزهة الخواطر ) للعلامة عبد الحي الحسني ، المجلد الخامس والسادس والسابع ([38]) يعني الإمبراطورية العثمانية ، كلمة قالها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب يشير إلى قتل عثمان بن عفان رضي الله عنه ( راجع مجمع الأمثال للميداني ) : 1/25 .
H E R A A FOR RESEARCH, PUBLISHING & DISTRIBUTING Thikana, 504/30A, Taigor Marg, Nadwa Road Lucknow 226020, India Email: heraa@nadwi.net.in ربيع الأول 13, 1426
عنوان الموقع الرسمي لندوة العلماء بالهند Nadwatul Ulama`s Website http://nadwatululama.orgعنوان البريد الإلكتروني لندوة العلماء E-mail address nadwa@sancharnet.inعنزان البريد الإلكتروني الخاص برئيس ندوة العلماء E-mail address of Nazim Nadwatul Ulama nadwi@nadwi..net.in |
|
H E R A A ربيع الأول 13, 1426
عنوان الموقع الرسمي لندوة العلماء بالهند Nadwatul Ulama`s Website http://nadwatululama.orgعنوان البريد الإلكتروني لندوة العلماء E-mail address nadwa@sancharnet.inعنزان البريد الإلكتروني الخاص برئيس ندوة العلماء E-mail address of Nazim Nadwatul Ulama nadwi@nadwi..net.in
|