|
الباب الثاني من الجاهلية إلى الإسلام
الفصل الأول منهج الأنبياء في الإصلاح والتغيير
العالم الذي وجهه محمدr بُعث محمد بن عبد الله r والعالم بناءّ أُصيب بزلزال شديد هزَّه هزاً عنيفاً ؛ فإذا كل شيء فيه في غير محله ، فمن أساسه ومتاعه ما تكسَّر ، ومنه ما التوى وانعطف ، ومنه ما فارق محله اللائق به وشغل مكاناً آخر ، ومنه ما تكدَّس وتكوَّم . نظر إلى العالم بعين الأنبياء فرأى إنساناً قد هانت عليه إنسانيته ، رآه يسجد للحجر والشجر والنهر ، وكل ما لا يملك لنفسه النفع والضرر. رأى إنساناً معكوساً قد فسدت عقليته ، فلم تعد تسيغ البديهات ، وتعقل الجليات ؛ وفسد نظام فكره ، فإن النظري عنده بديهي وبالعكس ، يستريب في موضع الجزم ، ويؤمن في موضع الشك ؛ وفسد ذوقه فصار يستحلي المر ويستطيب الخبيث ، ويستمرئ الوخيم ؛ ويطل حسه فأصبح لا يبغض العدو الظالم ، ولا يحب الصديق الناصح . رأى مجتمعاً هو الصور المصغرة للعالم ، كل شيء فيه في غير شكله أو في غير محله ، قد أصبح هو الذئب راعياً والخصم الجائر قاضياً ، وأصبح المجرم فيه سعيداً حظياً ، والصالح محروماً شقياً ؛ لا أنْكرَ في هذا المجتمع من المعروف ولا أَعْرف من المنكر . ورأى عادات فاسدة تستعجل فناء البشرية ، وتسوقها إلى هوة الهلاك . رأى معاقرة الخمر إلى حد الإدمان ، والخلاعة والفجور إلى حد الاستهتار وتعاطي الربا إلى حد الاغتصاب واستلاب الأموال ، ورأى الطمع وشهوة المال إلى حد الجشع والنهم ، ورأى القسوة والظلم إلى حد الوأد وقتل الأولاد . رأى ملوكاً اتخذوا بلاد الله دُوَلاً ، وعباد الله خَولاً. ورأى أحباراً ورهباناً أصبحوا أرباباً من دون الله ؛ يأكلون أموال الناس بالباطل ، ويصدون عن سبيل الله . رأى المواهب البشرية ضائعة زائغة لم يُنتفع بها ولم تُوجَّه التوجيه الصحيح ، فعادت وبالاً على أصحابها وعلى الإنسانية ، فقد تحولت الشجاعة فتكاً وهمجية ، وجود تبذيراً وإسرافاً ، والأنفة حمية جاهلية ، والذكاء شطارة وخديعة ، والعقل وسيلة لابتكار الجنايات ، والإبداع في إرضاء الشهوات . رأى أفراد البشر والهيئات البشرية كخامات لم تحظ بصانع حاذق ينتفع بها في هيكل الحضارة ، وكألواح الخشب لم تسعد بنجار يركب منها سفينة تشق بحر الحياة . رأى الأمم قطعاناً من الغنيم ليس لها راع ، والسياسة كجمل هائج حبله على غاربه ، والسلطان كسيف في يد سكران يجرح به نفسه ، ويجرح به أولاده وإخوانه .
نواحي الحياة الفاسدة : إن كل ناحية من نواحي هذه الحياة الفاسدة تسترعي اهتمام المصلح وتشغل باله ، فلو كان رجل من عامة رجال الإصلاح لتوافر على إصلاح ناحية من نواحيها ، وظل طول عمره يعالج عيباً من عيوب المجتمع ويعانيه، ولكن نفسية الإنسان معقدة التركيب دقيقة النسج كثيرة المنافذ والأبواب ، خفية التخلص والتنصل ، وإنها إذا زاغت أو اعوجت لا يؤثر فيها إصلاح عيب من عيوبها وتغيير عادة من عاداتها ، حتى يغير اتجاهها من الشر إلى الخير ، ومن الفساد إلى الصلاح ، وتقتلع جرثومة الفساد من النفس البشرية التي قد تنبت بفساد المجتمع واختلال التربية كما تنبت الحشائش الشيطانية في أرض كريمة ، وتحسم مادة الشر ويغرس فيها حب الخير والفضيلة ومخافة الله عز وجل . وكل داء من أدواء المجتمع الإنساني وكل عيب من عيوب الجيل الحاضر يتطلب إصلاحه حياة كاملة ، ويستغرق عمر إنسان بطوله ، وقد يستغرق أعمار طائفة من المصلحين ولا يزول، فإذا ذهب أحد يطارد في بلاد قد نشأت على حياة الترف والبذخ ودانت باللهو واللذة ، أعياه أمرها وحبطت جهوده ، لأن شرب الخمر ليس إلا نتيجة نفسية تعشق اللذة حتى في السم ، وتبتغي النشوة حتى في الإثم ، فلا تهجره بمجرد الدعاية والنشر والكتب والخطب وبيان مضاره الطبيَّة ومفاسده الخلقية ، وبسنِّ القوانين الشديدة والعقوبات الصارمة ([1]) ، لا تهجره إلا بتغيير نفسي عميق ، وإذا أرغمت على تركه بغير هذا التغيير تسللت إلى غيره من أنواع الجريمة أو استباحته بتغيير الأسماء والصور .
لم يكن الرسول رجلاً إقليمياً أو زعيماً وطنياً : وكان مجال العمل في بلاد العرب فسيحاً إذا كان الرسولr رجلاً إقليمياً وسار في قومه سير القادة السياسيين والزعماء الوطنيين ، له أن يعقد للأمة العربية لواء تنضم إليه قريش والقبائل العربية ، ويكوَّن إمارة عربية قوية موحدة يكون رئيسها ، ولاشك أن أبا جهل بن هشام وعتبة بن ربيعة وغيرهما كانوا في أما كانوا يشهدون بصدقة و أمانته ؟ أما حكمَّوه في أكبر حادث من حوادث حياتهم المكية ومنحوه أكبر شرف ، إذ حكوه في وضع الحجر الأسود في مكانه من البيت ؟ أما قالوا له عن لسان عتبة ، وهم ما عرفوا الإغراء السياسي :" إن كنت إنما بك الرياسة عقدنا ألويتنا لك فمنت رأساً ما بقيت " ([2]) . وإذا صار له ذلك كان يمكنه أن يرمي الدولة الفارسية بفرسان العرب وشجعانهم ، وينتصر للعروبة المهضومة ، وينتصر من العجم الظالمين ، ويغرز علم الفتح العربي والمجد القومي على هضاب الروم وفارس ، وإذا لم يكن من حكمة السياسة أن يناجز إحدى الإمبراطوريتين في ذلك الحين ، فكان يمكنه أن يغير على اليمن أو الحبشة وجارة أخرى ويضمها إلى الإمارة العربية الوليدة . وكانت في الحياة العربية نواح اجتماعية واقتصادية كثيرة تحتاج إلى حنكة سياسي وكفاية إدارية وعزيمة عصامي وابتكار عبقري ، فلو قُيَّض لها رجل من هؤلاء الرجال لكان للعرب شأن كبير وتاريخ جديد .
لم يُبعث لينسخ باطلاً بباطل : ولكن محمداً r لم يُبعث لينسخ باطلاً بباطل ، ويبدل عدوانا بعدوان ويحرِّم شيئاً في مكانه ويحلُه في مكان آخر ، ويبدل أًثرَة أمة بأثَرة أخرى ، لم يُبعث زعيماً وطنياً أو قائداً سياسياً ، يجر النار إلى قرصه ، ويصغي الإناء إلى شقه ، ويخرج الناس من حكم الفرس والرمان إلى حكم عدنان وقحطان. وإنما أرسل إلى الناس كافة بشيراً ونذيراً ، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً ، إنما أُرسل ليخرج عباد الله جميعاً من عبادة العبادة إلى عبادة الله وحده ، ويخرج الناس جمعياً من ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة ، ومن جَوْر الأديان إلى عدل الإسلام ، يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ، ويحل لهم الطيبات ، ويحرم عليهم الخبائث ، ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم . فلم يكن خطابه لأمه دون أمة ووطن دون وطن ، ولكن كان خطابه للنفس البشرية وللضمير الإنساني ، وكانت أمته العربية لانحطاطها وبؤسها أحق من يبدأ به مهمته الإصلاحية وجهاده العظيم ، وكانت أم القرى والجزيرة العربية لموقعها الجغرافي واستقلالها السياسي خير مركز لرسالته ، وكانت الأمة العربية بخصائصها النفسية ومزاياها الأدبية خير محلٍّ لدعوته وخير داعية لرسالته . قُفل الطبيعة البشرية ومفتاحها : ولم يكن r من عامه المصلحين الذين يأتون البيوت من ظهورها ، أو يتسللون إليها من نوافذها ، ويكافحون بعض الأدواء الاجتماعية والعيوب الخلقية فحسب ، فمنهم من يوفق لإزالة بعضها مؤقتاً في بعض نواحي البلاد ، ومنهم من يموت ولم ينجح في مهمته ([3]).
الفصل الثاني : رحلة المسلم من الجاهلية إلى الإسلام
دفاع الجاهلية عن نفسها : ما أخطأ المجتمع الجاهلي فهم هذه الدعوة ومراميها ، وما غُمَّ على أهله أمرها ، وأدركوا عندما قرع أسماعهم صوت النبيr أن دعوته إلى الإيمان بالله وحده سهم مسدَّد إلى كبد الجاهلية ونعي لها ، فقامت قيامة الجاهلية ودافعت عن تراثها دفاعها الأخير ، وقاتلت في سبيل الاحتفاظ به قتال المستميت ، وأجلبت على الداعيr بخيلها ورجلها ، وجاءت بحدِّها وحديدها : ) وانطلق الملأ منهم أن مشوا واصبروا على ءالهتكم إن هذا لشيء يراد ( . [ سورة ص : 6 ( . ووجَد كل ركن من أركان هذه الحياة ومن أثافي الجاهلية نفسه مهدداً وحياته منذَرة ، وهنا وقع ما تحدث عنه التاريخ من حوادث الاضطهاد والتعذيب ، وكان ذلك آية توفيق النبي r لأنه أصاب الغرض ، وضرب على الوتر الحساس ، ثبوت الراسيات ،لا يثنيه أذى ، ولا يلويه كيد ، ولا يلتفت إلى إغراء . يقول لعمِّه : " يا عم لو وُضعت الشمس في يميني والقمر في يساري ما تركت هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك في طلبه " ([4]) .
في سبيل الدين الجديد : مكث رسول الله r ثلاث عشرة حجة يدعو إلى الله وحده والإيمان برسالته واليوم الآخر في كل صراحة ، ولا يكنِّي ولا يلوِّح ولا يلين ، ولا يستكين ولا يحابي ولا يداهن ، ويرى في ذلك دواء لكل داء . وقامت قريش وصاحوا به من كل جانب ، ورموه عن قوس واحدة ، وأضرموا البلاد عليه ناراً ليحولوا بينه وبين أبنائهم وإخوانهم ؛ فأصبح الإيمان به والانحياز إليه جد الجد ، لا يتقدم إليه إلا جادُّ ملخص هانت عليه نفسه ، وعزم على أن يقتحم لأجله النيران ، ويمشي إليه ولو على حَسَك السِّعْدان. فتقدَّم فتية من قريش لا يستخفُّهم طيش الشباب ، ولا يستويهم مطمع من مطامع الدنيا ، إنما همهم الآخرة وبغيتهم الجنة ، سمعوا منادياً ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم ، فضاقت عليهم الحياة الجاهلية بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وقلقت بهم مضاجعهم ، فكأنهم على الحسك ، ورأوا أنهم لا يسعهم إلا الإيمان بالله ورسوله ، فآمنوا وتقدموا إلى النبيr ، وهو في بلدهم وبين سمعهم وبصرهم - فكانت رحلة طويلة شاقة لما أقامت قريش بينه وبين قومه من عقبات - ووضعوا أيديهم في يديه ، وأسلموا أنفسهم وأرواحهم إليه ، وهم من حياتهم على خطر ، ومن البلاد والمحنة على يقين. سمعوا القرآن يقول : ) آلم أحس، أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا ءامنا وهم لا يفتنون ، ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليلعمن الكاذبين ( [ 1-3] . وسمعوا قوله تعالى : ) أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم الباسآء والضراء وزلزوا حتى يقول الرسول والذين ءامنوا معه متى نصر الله إلا أن نصر الله قريب ( [البقرة:214]. فما كان من قريش إلا ما توقعوه ، قد نثرت كنانتها ، وأطلقت عليهم كل سهم من سهامها ؛ فما زادهم كل هذه إلاثقة وتجلُّداً ، وقالوا : ) هذا وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيماناً وتسليماً ( [الأحزاب : 22] . ولم يزدهم هذا البلاد والاضطهاد في الدين إلا متانة في عقيدتهم وحميَّة لدينهم ومقتاً للكفر وأهله ، وإشعالاً لعاطفتهم وتمحيصاً لنفوسهم ، فأصبحوا كالتبر المسبوك واللُّجين الصافي ، وخرجوا من كل محنة وبلاء خروج السيف بعد الجلاء .
التربية الدينية : هذا والرسول r يغذّي أرواحهم بالقرآن ، ويربي نفوسهم بالإيمان ويخضعهم أمام رب العالمين خمس مرات في اليوم عن طهارة بدن وخشوع قلب وخضوع جسم وحضور عقل ، فيزداد كل يوم سمو روح ونقاء قلب، ونظافة خلق ، وتحرُّراً من سلطان الماديات ، ومقاومة للشهوات ونزوعاً إلى رب الأرض والسماوات ، ويأخذهم بالصبر على الأذى والصفح الجميل وقهر النفس ؛ لقد رضعوا حب الحرب وكأنهم ولدوا مع السيف ، وهم من أمة من أيامها حرب البسوس وداحس والغبراء ، وما يوم الفجار ببعيد. ولكن الرسول يقهر طبيعتهم الحربية ويكبح نخوتهم العربية ، ويقول لهم : " كُفُّوا أيديكم وأقيموا الصلاة " ، فانقهروا لأمره وكفُّوا أيديهم ، وتحلموا من قريش ما تسيل منه النفوس في غير جبن وفي غير عجز ، ولم يسجل التاريخ حادثة دافع فيها مسلم في مكة عن نفسه بالسيف مع كثرة الدواعي الطبيعية إلى ذلك وقوَّتها ، وذلك غاية ما روي في التاريخ من الطاعة والخضوع ، حتى إذا تعدت قريش في الطغيان وبلغ السيل الزبى أذن الله لرسوله و لأصحابه بالهجرة وهاجروا إلى يثرب وقد سبقهم إليها الإسلام . في مدينة الرسول r والتقى أهل مكة بأهل يثرب ، لا يجمع بينهم إلى الدين الجديد ؛ فكان أروع منظر لسلطان الدين شهده التاريخ . وكان الأوس والخزرج لم ينفضوا عنهم غبار حرب بُعاث ، ولا تزال سيوفهم تقطر دماً ، فألَّف الإسلام بين قلوبهم ، ولو أنفق أحد ما في الأرض جميعاً ما ألف بين قلوبهم ، ثم آخى رسول الله r بينهم وبين المهاجرين ، فكانت أخوة تزري بأخوة الأشقاء ، وتبرُّ كل ما روي في التاريخ من خُلَّة الأخلاء . كانت هذه الجماعة الوليدة - المؤلفة من أهل مكة المهاجرين و أهل يثرب الأنصار - نواة للأمة الإسلامية الكبيرة التي أُخرجت للناس ، ومادة للإسلام فكان ظهور هذه الجماعة في هذه الساعة العصبية وقاية للعالم من الانحلال الذي كان يهدده ، وعصمة للإنسانية من الفتن والأخطار التي أحدقت بها ؛ لذلك قال الله تعالى لما حضَّ على الأخوة والألفة بين المهاجرين والأنصار : ) إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ( [ الأنفال : 73] .
انحلَّت العقدة الكبرى : ولم يزل الرسول r يربيَّهم تربية دقيقة عميقة ، ولم يزل القرآن يسموا بنفوسهم ويذكي جمرة قلوبهم ، ولم تزل مجالس الرسول r تزيدهم رسوخاً في الدين وعزوفاً عن الشهوات ، وتفانياً في سبل المرضاة وحنيناً إلى الجنة ، وحرصاً على العلم وفقاً في الدين ومحاسبة للنفس ، يطيعون الرسول مع المنشط والمكره، وينفرون في سبيل الله خفافاً وثقالاً ، قد خرجوا مع الرسول للقتال سبعاً وعشرين مرة في عشر سنين ، وخرجوا بأمره لقتال العدو أكثر من مئة مرة ، فهان عليهم التخلي عن الدنيا، وهانت عليهم رزيئة أولادهم ونسائهم في نفوسهم ، ونزلت الآيات بكثير مما لم يألفوه ولم يتعودوه ، وبكل ما يشق على النفس إتيانه في المال والنفس والولد والعشيرة ، فنشطوا وخفوا لامتثال أمرها . وانحلت العقدة الكبرى - عقدة الشرك والكفر - فانحلت العُقد كلها ، وجاهدهم الرسول جهاده الأول فلم يحتج إلى جهاد مستأنف لكل أمر ونهي ، وانتصر الإسلام على الجاهلية في المعركة الأولى ، فكان النصر حليفه في كل معركة ، وقد دخلوا في السلم كافة بقلوبهم وجوارحهم و أرواحهم كافة، لا يشاقُّون الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى ، ولا يجدون في أنفسهم حرجاً مما قضى ، ولا يكون لهم الخيرة من بعدما أمر أو نهى . حدثوا الرسول عما اختانوا أنفسهم ، وعرضوا أجسادهم للعذاب الشديد إذا فرطت منهم زلة استوجبت الحد . نزل تحريم الخمر والكؤوس المتدفقة على راحاتهم ، فحال الله بينها وبين الشفاه المتلمِّظة والأكباد المتقدة ، وكُسرت دنان الخمر فسالت في سكك المدينة . حتى إذا خرج حظ الشيطان من نفوسهم ، بل خرج حظ نفوسهم من نفوسهم ، وأنصفوا من أنفسهم إنصافهم من غيرهم ، وأصبحوا في الدنيا رجال الآخرة ، وفي اليوم رجال الغد ؛ لا تجزعهم مصيبة ولا تبطرهم نعمة ولا يشغلهم فقر ولا يطغيهم غنى ، ولا تلهيهم تجارة ولا تستخفُّهم قوة ، ولا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً ، وأصبحوا للناس القسطاس المستقيم . قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسهم أو الوالدين والأقربين ، وطَّأ لهم أكناف الأرض و أصبحوا عصمة للبشرية ووقاية للعالم وداعية إلى دين الله . واستخلفهم الرسول r في عمله ولحق بالرفيق الأعلى قرير العين من أمته ورسالته .
أغرب انقلاب في تاريخ العالم : لقد كان هذا الانقلاب الذي أحدثه r في نفوس المسلمين وبواسطتهم في المجتمع الإنساني أغرب ما في تاريخ البشر ، وقد كان هذا الإنقلاب غريباً في كل شيء : كان غريباً في سرعته ، وكان غريباً في عمقه ، وكان غريباً في سعته وشموله ، وكان غريباً في وضوحه وقربه إلى الفهم ؛ فلندرس هذا الانقلاب عملياً ، ولنتعرف مدى تأثيره في المجتمع الإنساني والتاريخ البشري . تأثير الإيمان الصحيح في الأخلاق والميول : كان الناس - عرباً وعجماً - يعيشون حياة جاهلية ، يسجلون فيها لكل ما خلق لأجلهم ويخضع لإرادتهم وتصرفهم ، لا يثيب الطائع بجائزة ولا يعذب العاصي بعقوبة ولا يأمر ولا ينهي ، فكانت الديانة سطحية طافية في حياتهم ليس لها سلطان على أرواحهم ونفوسهم وقلوبهم ، ولا تأثير لها في أخلاقهم واجتماعهم ، كانوا يؤمنون بالله كصانع أتم عمله واعتزل وتنازل عن مملكته لأناس خلع عليهم خلعة الربوبية ، فأخذوا بأيديهم أزمّة الأمر وتولَّوا إدارة المملكة وتدبير شؤونها وتوزيع أرزاقها ، إلى غير ذلك من مصالح الحكومة المنظمة ، فكان إيمانهم بالله لا يزيد على معرفة تاريخية، وكان إيمانهم الله وإحالتهم خلق السماوات والأرض إلى الله لا يختلف عن جواب تلميذ من تلاميذ فن التاريخ يقال له : من بنى هذا القصر العتيق ؟ فيسمي ملكاً من الملوك الأقدمين من غير أن يخافه ويخضع له ؛ فكان دينهم عارياً عن الخشوع لله ودعائه وما كانوا يعرفون عن الله ما يحببه إليهم ؛ فكانت معرفتهم مبهمة غامضة ، قاصرة مجملة ، لا تبعث في نفوسهم هيبة ولا محبة . وهذه الفلسفة اليونانية قد عرَّفت بواجب الوجود في سُلُوب ليست فيها صفة مثبتة من صفات القدرة والربوبية والإعطاء والمنع والرحمة ، ولم تُثبت له إلا الخلق الأول ، ونفت عنه الاختيار والعلم والإرادة ، ونفت الصفات وقرَّرت تفد قائدة إيجاب واحد ، ولم نعلم مدينة واحدة ولا مجتمعاً ولا نظاماً ولا عملاً ولا بناية قامت على مجرد سُلُوب ، فتجردت الديانة في أوساط الفلسفة الإغريقية عن روح الخشوع والاستكانة لله والالتجاء إليه في الحوادث ومحبته بكل القلب . وهكذا فقدت الديانة السائدة على العالم روحها وأصبحت طقوساً وتقاليد وأشباحاً للإيمان . انتقل العرب والذين أسلموا من هذه المعرفة العليلة الغامضة الميتة إلى معرفة عميقة واضحة روحية ذات سلطان على الروح والنفس والقلب والجوارح ، ذات تأثير في الأخلاق والاجتماع ، ذات سيطرة على الحياة وما يتصل بها ، آمنوا بالله الذي له الأسماء الحسنى والمثل الأعلى ، آمنوا برب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين ، الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر ، الخالق البارئ المصور ، العزيز الحكيم ، الغفور والودود ، الرؤوف الرحيم ، له الخلق والأمر ، بيده ملكوت كل شيء ، يجير ولا يُجار عليه ، إلى آخر ما جاء في القرآن من وصفه ، يثيب بالجنة ويعذب بالنار ، ويبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، يعلم الخِبْءَ في السماوات والأرض ، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ، إلى آخر ما جاء في القرآن من قدرته وتصرُّفه وعلمه . فانقلبت نفسيتهم بهذا الإيمان الواسع العميق الواضح انقلاباً عجيباً ، فإذا آمن أحد بالله وشهد أن لا إله إلا الله انقلبت حياته ظهراُ لبطن ؛ تغلغل الإيمان في أحشائه وتسرب إلى جميع عروقه ومشاعره ، وجرى منه مجرى الروح والدم ، واقتلع جراثيم الجاهلية وجذورها ؛ وغمر العقل القلب بفيضانه ، وجعل منه رجلاً غير الرجل ، وظهر منه من روائع الإيمان واليقين والصبر والشجاعة ومن خوارق الأفعال والأخلاق ما حيَّر العقل والفلسفة وتاريخ الأخلاق ، ولا يزال موضع حيرة ودهشة منه إلى الأبد ، وعجز العلم عن تعليله بشيء غير الإيمان الكامل العميق .
وخز الضمير : وكان هذا الإيمان مدرسة خلقية وتربية نفسية تملي على صاحبها الفضائل الخلقية من صرامة إرادة وقوة نفس ومحاسبتها والإنصاف منها، وكان أقوى وازع عرفه تاريخ الأخلاق وعلم النفس من الزلاَّت الخلقية والسقطات البشرية ، حتى إذا جمحت السَّورة البهيمية في حين من الأحيان وسقط الإنسان سقطة ، وكان ذلك حيث لا تراقبه عين ولا تناوله يد القانون- تحول هذا الإيمان نفساً لوَّامة عنيفة ووخزاً لاذعاً للضمير وخيالاً مروعاً ، لا يرتاح معه صاحبه حتى يعترف بذنبه أمام القانون ، ويعرض نفسه للعقوبة الشديدة ، ويتحملها مطمئناً مرتاحاً ، تفادياً من سخط الله وعقوبة الآخرة . وقد حدثنا المؤرخون الثقات في ذلك بطرائف لم يحدث نظيرها إلا في التاريخ الإسلامي الديني ، فمنها ما روى مسلم بن الحجاج القشيري صاحب الصحيح بسنده عن عبد الله بن بريدة عن أبيه أن ماعز بن مالك الأسلمي ، أتى رسول الله r فقال :" يا رسول الله ، إني ظلمت نفسي وزنيت ، وإني أريد أن تطهرني " فرده ، فلما كان من الغد أتاه فقال :" يا رسول الله إني قد زنيت " ، فرده الثانية ، فأرسل رسول الله r إلى قومه فقال : أتعلمون بعقله بأساً تنكرون منه شيئاً ؟ فقالوا : ما نعلمه إلا وفيَّ العقل من صالحينا فيما نرى ، فأتاه الثالثة فأرسل إليهم أيضاً فسأل عنه ، فأخبروه أنه لا بأس به ولا بعقله ، فلما كانت الرابعة حفر له حفرة ثم أمر فرُجم . قال فجاءت الغامدية فقالت : " يا رسول الله ، إني قد زنيت فطهرني " وأنه ردَّها ، فلما كان الغد قال : يا رسول الله لم تردّني ؟ لعلك أن تردني كما رددت ماعزاً ، فوا الله إني لحبلي . قال : إما لا فاذهبي حتى تلدي . قال : فلما ولدت أتته بالصبي في خرقه قالت : هذا قد ولدته ، قال : فاذهبي فأرضعيه حتى تطعميه ، فلما فطمته أتته بالصبي ، في يده كسر خبز ، فقالت : هذا يا نبي الله قد فطمته وقد أكل الطعام ، فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين . ثم أمر فحفر لها إلى صدرها وأمر الناس فرجموها . فاستقبلها خالد بن الوليد بحجر فرمى رأسها فنضح الدم على وجه خالد فسبها ، فسمع نبي الله سبه إياها فقال :" مهلاً يا خالد ، فوالذي نفسي بيده لقد تابت توبةّ لو تابها صاحب مكس لغفر له " ، ثم أمر بها فصلَّى عليها ودفنت " ([5]).
الثبات أمام المطامع والشهوات : وكان هذا الإيمان حارساً لأمانة الإنسان وعفافه وكرامته ، يملك نفسه من النّزوع أمام المطامع والشهوات الجارفة ، وفي الخلوة والوحدة حيث لا يراها أحد ، وفي سلطانه ونفوذه حيث لا يخاف أحداً .وقد وقع في تاريخ الفتح الإسلامي من قضايا العفاف عند المغنم وأداء الأمانات إلى أهلها والإخلاص لله ما يعجز التاريخ البشري عن نظائره ؛ وماذاك إلا نتيجة رسوخ الإيمان ومراقبة الله واستحضار علمه في كل مكان وزمانه. حدَّث الطبري قال : لما هبط المسلمون المدائن وجمعوا الأقباض أقبل رجل بحقَّ معه فدفعه إلى صاحب الأقباض . فقال والذين معه : ما رأينا مثل هذا قط ، ما يعدله عندنا ولا يقاربه ، فقالوا : هل أخذت منه شيئاً ؟ فقال: أما والله لولا الله ما أتيتكم به . فعرفوا أن للرجل شأنا . فقالوا من أنت؟ فقال : لا والله لا أخبركم لتحمدوني ولا غيركم ليقرظوني ، ولكني أحمد الله وأرضى بثوابه ، فأتبعوه رجلاً حتى انتهى إلى أصحابه ، فسأل عنه فإذا هو عامر بن عبد قيس ([6]).
الأنفة وكبر النفس : وكأن هذا الإيمان بالله رفع رأسهم عالياً وأقام صفحة عنقهم فلن تُحنى لغير الله أبداً . لا لملك جبار ولا لحَبْر ولا لرئيس ديني ولا دنيوي . وملأ قلوبهم وعيونهم بكبرياء الله تعالى وعظمته ، فهانت وجوه الخلق وزخارف الدنيا ومظاهر العظمة والفخفخة ؛ فإذا نظروا إلى الملوك وحشمتهم وما هم فيه من ترف ونعيم وزينه وزخرف ، فكأنهم ينظرون إلى صور ودُمى قد كسيت ملابس الإنسان . عن أبي موسى : قال انتهينا إلى النجاشي وهو جالس في مجلسه وعمرو بن العاص عن يمينه وعمارة عن يساره ، والقسيسون جلوس سماطين ، وقد قال له عمرو وعمارة : إنهم لا يسجدون لك ، فلما انتهينا بدَرَنا من عنده من القسيسين والرهبان : اسجدوا للملك . فقال جعفر : لا نسجد إلا الله ([7]).
الاستهانة بالزخارف والمظاهر الجوفاء : أرسل سعد قبل القادسية رِبْعي بن عامر رسولاً إلى رستم قائد الجيوش الفارسية وأميرهم ، فدخل عليه وقد زينوا مجلسه بالنمارق والزرابي الحرير ، وأظهر اليواقيت واللآلئ الثمينة العظيمة ، وعليه تاجه وغير ذلك من الأمتعة الثمينة ، وقد جلس على سير من ذهب . ودخل ربعي بثياب صفيقة وترس وفرس قصيرة ، ولم يزل راكبها حتى داس بها على طرف البساط ، ثم نزل وربطها ببعض تلك الوسائد ، وأقبل وعليه سلاحه ودرعه وبيضته على رأسه ، فقالوا له : ضع سلاحك ، فقال : إني لم آتكم وإنما جئتكم حين دعوتموني ، فإن تركتموني هكذا وإلا رجعت . فقال رستم : ائذنوا له . فأقبل يتوكأ على رمحه فوق النمارق ، فخرق عامتها ، فقال له : ما جاء بكم ؟ فقال : الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله ، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ، ومن جَوْر الأديان إلى عدل الإسلام .
الشجاعة النادرة والاستهانة بالحياة : ولقد بعث الإيمان بالآخرة في قلوب المسلمين شجاعة خارقة للعادة وحنيناً غريباً إلى الجنة واستهانة نادرة بالحياة ، تمثلوا الآخرة وتجلت لهم الجنة بنعمائها كأنهم يرونها رأي عين . فطاروا إليها طيران حمام الزاجل لا يلوي على شيء . تقدم أنس بن النضر يوم أحُد وانكشف المسلمون ، فاستقبله سعد بن معاذ فقال : يا سعد بن معاذ ، الجنة ورب الكعبة ، إني أجد ريحها من دون أحد ، قال أنس : فوجدنا به بضعا وثمانين ضربة بسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم ووجدناه قد قُتل ومثَّل به المشركون ، فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه([8]). قال رسول الله r يوم بدر : قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض! فقال عمير بن الحمام الأنصاري : يا رسول الله ، جنة عرضها السماوات والأرض ؟!. قال نعم ، قال : بخ بخ ، فقال رسول الله r : ما يحملك على قولك بخ بخ ؟ قال : لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها . قال : فإنك من أهلها. فأخرج تمرات من قَرْنه فجعل يأكل منهن، ثم قال : لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة ، فرمى بما كان معه من التمر ، ثم قاتلهم حتى قتل ([9]). عن أبي بكر بن أبي موسى الأشعري قال : سمعت أبي رضي الله عنه وهو بحضرة العدو يقول : قال رسول الله r :" إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف " ، فقال رجل رث الهيئة فقال : يا أبا موسى أأنت سمعت رسول الله r يقول هذا ؟ قال : نعم . فرجع إلى أصحابه فقال : أقرأ عليكم السلام ، ثم كسر جفن سيفه فألقاه ، ثم مشى بسيفه إلى العدو فضرب به حتى قُتل ([10]). وكان عمرو بن الجموح أعرج شديد العرج ، وكان له أربعة بنين شباب يغزون مع رسول الله r إذا غزا ، لما توجَّه رسول الله r إلى أُحد أراد أن يتوجه معه ، فقال له بنوه : إن الله قد جعل لك رخصة ، فلو قعدت ونحن نكفيك ، وقد وضع الله عنك الجهاد ، فأتى عمرو بن الجموح رسول الله فقال : يا رسول الله ، إن بنَّي هؤلاء يمنعونني أن أخرج معك ، ووالله إني لأرجو أن أستشهد فأطأ بعرجتي هذه الجنة . فقال له رسول الله r : أنا أنت فقد وضع الله عنك الجهاد ، وقال لبنيه : وما عليكم أن تدعوه لعل عز وجل أن يرزقه الشهادة ، فخرج مع رسول الله r فقتل يوم أحد شهيداً([11]). قال شداد بن الهاد : جاء رجل من الأعراب إلى النبي r فآمن به واتبعه فقال : أُهاجر معك ، فأوصى به بعض أصحابه ، فلما كانت غزوة خبير غنم رسول الله r شيئاً فقسمه ، وقسم للأعرابي فأعطي أصحابه ما قسم له وكان يرعى ظهرهم ، فما جاء دفعوه إليه فقال : ما هذا ؟ قالوا : قَسْم قسمه لك رسول الله r ، فأخذه فجاء به إلى النبي r فقال : ما هذا يا رسول الله ؟ قال : قَسْم قسمته لك ، ما على هذا اتبعتك ، ولكن ابتعتك على أن أُرْمَى ها هنا - وأشار إلى حقله - بسهم ، فأموت فأدخل الجنة ، فقال : إن تصدق الله ليصدقك ، ثم نهضوا إلى قتال العدو فأُتي به النبي r وهو مقتول فقال : أهو هو ؟ قالوا : نعم ، قال : صدق الله فصدقه ([12]).
من الأنانية إلى العبودية : وكانوا قبل هذا الإيمان في فوضى من الأفعال والأخلاق والسلوك والأخذ والتَّرك والسياسة والاجتماع ، لا يخضعون لسلطان ولا يقرُّون بنظام ولا ينخرطون في سلك ، يسيرون على الأهواء ويركبون ويخبطون خَبْط عشواء فأصبحوا الآن في حظيرة الإيمان والعبودية لا يخرجون منها ، واعترفوا لله بالملك والسلطان والأمر والنهي ، ولأنفسهم بالرعوية والعبودية والطاعة المطلقة، و أعطوا من أنفسهم المقادة واستسلموا للحكم الإلهي عبيداً لا يملكون مالاً ولا نفساً ولا تصرفاً في الحياة إلا ما يرضاه الله ويسمح به ، لا يحاربون ولا يصالحون إلا بإذن الله ، ولا يرضون ولا يسخطون ولا يعطون ولا يمنعون ولا يصلون ولا يقطعون إلا بإذنه ووفق أمره . ولما كان القوم يحسنون اللغة التي نزل بها القرآن وتكلم بها الرسول r وعرفوا الجاهلية ونشؤوا عليها ، وعرفوا معنى الإسلام معرفة صحيحة وعرفوا أنه خروج من حياة إلى حياة ، ومن مملكة إلى مملكة ، ومن حكم إلى حكم ، أو من فوضوية إلى سلطة ، أو من حرب إلى استسلام وخضوع ، ومن الأنانية إلى العبودية ، وإذا دخلوا في الإسلام فلا افتيات في الرأي ولا نزاع مع القانون الإلهي ، ولا خيرة بعد الأمر ولا مشاقة للرسول، ولا تحاكم إلى غير الله ولا إصدار عن الرأي ، ولا تسمك بتقاليد وعادات ، ولا ائتمار بالنفس ، فكانوا إذا أسلموا انتقلوا من الحياة الجاهلية بخصائصها وعاداتها وتقاليدها إلى الإسلام بخصائصه وعاداته وأوضاعه، وكان هذا الانقلاب العظيم يحدث على أقر قبول الإسلام من غير تأن . همَّ فضالة بن عمير بن الملوح أن يقتل رسول الله r ، وهو يطوف بالبيت فلما دنا منه ، قال رسول الله r أفضالة ؟ قال : نعم ، فضالة يا رسول الله ! قال : ماذا كنت تحدث به نفسك ؟ قال : لا شيء ، كنت أذكر الله ، فضحك النبي r ، ثم قال : استغفر الله ، ثم وضع يده على صدره فسكن قلبه ؛ وكان فضالة يقول : والله ما رفع يده عن صدري حتى ما خلق الله شيئاً أحب إليَّ منه ، قال فضالة : فرجعت إلى أهلي فمررت بامرأة كنت أتحدث إليها،فقالت : هلمَّ إلى الحديث ، فقلت : يأبى الله عليك والإسلام ([13]).
المحكمات والبينات في الإلهيات : وقد كان الأنبياء عليهم السلام أخبروا الناس عن ذات الله وصفاته وأفعاله ، وعن بداية هذا العامل ومصيره ، وما يهجم عليه الإنسان بعد موته ، وأتاهم علم ذلك كله بواسطتهم عفواً بدون تعب ، وكَفَوهم مؤونة البحث والفحص في علوم ليس عندهم مباديها ولا مقدماتها التي يبنون عليها بحثهم ليتوصلوا إلى مجهول ، لأن هذه العلوم وراء الحس والطبيعة، لا تعمل فيها حواسهم ، ولا يؤدي إليها نظرهم ، وليست عندهم معلوماتها الأولية . لكن الناس لم يشكروا هذه النعمة وأعادوا الأمر جذعاً ، وأبدوا البحث آنفاً وبدأوا رحلتهم في مناطق مجهولة لا يجدون فيها مرشداً ولا خِرِّيتاً ، وكانوا في ذلك أكثر ضلالاً ، وأشد تعباً و أعظم اشتغالاً بالفضول من رائد لم يقتنع بما أدى إليه العلم الإنساني في الجغرافية ، وما حدد وضبط في الخرائط على تعاقب الأجيال ، فحاول أن يقيس ارتفاع الجبال وعمق البحار من جديد ، ويختبر الصحارى والمسافات والحدود بنفسه على قصر عمره، وضعف قوته ، وفقدان آلته ،فلم يلبث أن انقطعت به مطيتَّه وخانته عزيمته، فرجع بمذكرات وإشارات مختلَّة ، وكذلك الذين خاضوا في الإلهيات من غير بصيرة ، وعلى غير هدى ، جاؤوا في هذا العلم بآراء فجَّة ، ومعلومات ناقصة ، وخواطر سانحة ، ونظريات مستعجلة ، فضُّلوا وأضلُّوا. وكذلك منحهم الأنبياء عليهم السلام مبادئ ثابتة ومحكمات هي أساس المدينة الفاضلة ، والحياة السعيدة في كل زمان ومكان ، فحُرموها على تعاقب الأعصار ، فبنوا مدنيتهم على شفا جرف هار ، وأساس منهار ، وعلى قياس واختبار ، فزاغ أساس المدينة وتداعى بناؤها ، وخرَّ عليهم السقف من فوقهم . وكان الصحابة رضي الله عنهم سعداء موفقين جداً إلى عوَّلوا في ذلك على رسول الله r ، فكُفوا المؤونة وسعدوا بالثمرة ، ووفروا ذكاءهم وقوتهم وجهادهم في غير جهاد ، ووفروا عليهم أوقاتهم فصرفوها فيما يعنيهم على الدين والدنيا ، وتمسكوا بالعروة الوثقى ، وأخذوا في الدين بلب اللباب .
الفصل الثالث : المجتمع الإسلامي : طاقة زهر : إن هذا الإيمان بالله والرسول واليوم الآخر والإسلام لله ولدينه أقام عوج الحياة ، ورد كل فرد في المجتمع البشري إلى موضوعه ، لا يقصر عنه ولا يتعداه ، وأصبحت الهيئة البشرية طاقة زهر لا شوك فيها ، أصبح الناس أسرة واحدة أبوهم آدم ، وآدم من تراب، لا فضل لعربي على عجمي ، ولا لعجمي على عربي إلا بالتوقي ، يقول النبي r :" كلكم بنو آدم ، و آدم خلق من تراب ، ولينتهين قوم يفخرون بآبائهم ، أو ليكونُنَّ أهون على الله تعالى من الجعلان "([14]) ، ويسمعه الناس يقول : " يا أيها الناس إن الله قد أذهب عنكم عيبة الجاهلية وتعظمها بآبائها ، فالناس رجلان : برُّ تقيُّ كريم على الله تعالى([15]) ، ورجل فاجر شقي هَيِّنُ على الله تعالى " ، ويقول : " إن أنسابكم هذه ليست لمنسبة على أحد ، كلكم بنو آدم ، طف الصاع لم يمنعوه، ليس لأحد فضل إلا بدين وتقوى "([16]) ، وعن أبي ذر رضي الله عنه أن النبي r قال له :" انظر فإنك لست بخير من أحد ولا أسود ، إلا أن تفضله بتقوى الله " ويسمعه الناس يقول فيما يناجي به ربه في آخر الليل : " و أنا شهيد أن العباد كلهم إخوة "([17]) .
ليس منا من دعا إلى عصبية : واقتلع r جذورها الجاهلية وجراثيمها ، وحسم مادتها ، وسد كل نافذة من نوافذها ، فقال :" ليس منا من دعا إلى عصبية ، وليس منا من قاتل على عصبية وليس منا من مات على عصبية " ([18]) وعن بن عبد الله قال : " كنا في غزاة فكسع رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار ، فقال الأنصاري : يا للأنصار . فقال المهاجرين : يا للمهاجرين . فقال النبي r دعوها إنها منتنة " ([19]) وحرم الجاهلية ، وقيد ذلك التناصر الذي جرت الجاهلية العربية على إطلاقه ، فكان من الأمثال السائرة وشرائع الجاهلية الثابتة : ( انصر أخاك ظالماً أو مظلوما ً) ، قال النبي r :" من نصر قومه على غير الحق ، فهو البعير الذي ردى فهو ينزع بذنبه "([20]) ، وتغيرت بذلك نفسية العربي السائر ، فلما قال النبي r مرة :" انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً " لم يملك نفسه ، فقال : يا رسول الله هذا نُصْرته مظلوماً ، فكيف أنصره ظالماً ؟ قال r : " تمعنه من الظلم فذاك نصرك إياه "([21]) .
كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته : وأصبحت الطبقات والأجناس في المجتمع الإسلامي متعاونة متعاضدة لا يبقي بعضها على بعض ، فالرجال قوامون على النساء بما فضَّل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم ، والنساء صالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله ، لهن مثل الذي عليهن بالمعروف ، وأصبح كل واحد في المجتمع راعياً ومسؤولاً عن رعيته ؛ الإمام راع ومسؤول عن رعيته ، والرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته ، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها ، والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته([22]) ، وهكذا كان المجتمع الإسلامي مجتمعاً رشيداً عاقلاً مسؤولاً عن أعماله .
لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق : و أصبح المسلمون أعواناً على الحق ، أمرهم شورى بينهم ، يطيعون الخليفة ما أطاع الله فيهم ، فإن عصى الله فلا طاعة له عليهم ، وأصبح شعار الحكم : ( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) ([23]) وأصبحت الأموال والخزان التي كانت طعمة للملوك والأمراء ودُولة بين الأغنياء مال لله الذي لا ينفق إلا في وجهه لا يخرج إلا في حقه ، وأصبح المسلمون مستخلفَين فيه ، والخليفة كولي اليتيم إن استغنى استعفَّ و إن افتقر أكل بالمعروف ، وأصبحت الأرض التي اغتصبها الملوك والأمراء يفسحونها لمن يشاؤون ويضيقونها على من يشاؤون ويقطعها بعضهم بعضاً كما يقطع الثوب ، أصبحت أرض الله التي من ظلم قيد شبر منها طُوَّقه من سبع أرضين .
حلول الرسول محل الروح والنفس من المجتمع : وكان المجتمع البشري قد فقد نشاه وأريحته في الحياة وفي كل ما يأتي ويذر ، وكان مجتمعاً مرهقاً مخنوقاً ، فكان مدفوعاً إلى ساحة الحرب من غير أن ينشط أو يتحمس لأغراض أولي الأمر ، وكان مدفوعاً إلى الصلح ولم يقض من الحرب وطراً ولم يشف نفسه ، وكان الرجال في هذا المجتمع يرغمون على التضحية والإيثار ومكابدة المتاعب ومعاناة الأمور الشاقة من غير هوى ومن غير وجدان ومن غير عاطفة ، لا يحبُّون القادة ولا يحبهم القادة ، فكانوا مرغمين على أن يطيعوا من لا يحبونه ، ويفدوا بأرواحهم وأموالهم من يبغضونه ؛ فانطفأت جمرة القلوب وبردت العواطف، ونشأ الناس على النفاق والرياء والخَتَل ، ونشأت النفوس على الذي وتحمًّل الضيم والصًّغار . كانت العاطفة القوية - التي يرجع إليها الفضل في غالب عجائب الإنسانية ومعظم الآثار الخالدة في التاريخ ، تلك التي يسميها الناس( الحب) - تائهة ضائعة ، ولم يظهر منذ قرون من يشغلها ويستثمرها ؛ فضاعت في ألوان الجمال الزاهية والمظاهر الخلاَّبة الفانية مما تغنَّى به الشعراء قديماً وحديثاً . في هذا المجتمع الحائر المظلوم قام محمد r فحلَّ عقاله وفك إساره ثم حلَّ منه محلَّ الروح والنفس ، وشغل منه مكان القلب والعين ، وهو البشر الذي جمع الله له أسمى صفات الجمال والكمال وأبلغ معاني الحسن والإحسان ، من رآه بديهة هابه ، ومن خالطه معرفة أحبه . يقول ناعته : لم أر قبله ولا بعده مثله ، فاندفع إليه الحب الصادق كما يندفع الماء إلى الحدور ، وانجذبت إليه النفوس والقلوب انجذاب الحديد إلى المغناطيس ، كأنما كان من القلوب والأرواح على ميعاد ؛ وأحبه رجال أمته وأطاعوه حباً وطاعة لم يُسمع بمثلهما في تاريخ العشاق والمتيَّمين . ووقع من خوارق الحب والتفاني في طاعته وإيثاره على النفس والأهل والمال والود ما لم يحدث قبله ولن يحدث بعده .
نوادر الحب والتفاني : وُطئ أبو بكر بن أبي قحافة يوماً بعدما أسلم ، وضُرب ضرباً شديداً، ودنا منه عتبة بن ربيعة فجعل يضربه بنعلين مخصوفين ويحرفهما لوجهه، ونزا على بطن أبي بكر حتى ما يعرف وجهه من أنفه ، وحملت بنو تيم أبا بكر في ثوب حتى أدخلوه منزله ولا يشكٌّون في موته ، فتكلم آخر النهار فقال : ما فعل رسول الله r ؟ فمسُّوا منه بألسنتهم وعذلوه ، ثم قاموا وقالوا لأمه أم الخير : انظري أن تطعميه شيئاً أو تسقيه إياه. فلما خلت به ألحَّت عليه ، وجعل يقول : ما فعل رسول الله r ؟ فقالت : والله ما لي علم بصاحبك . فقال : اذهبي إلى أم جميل بنت الخطاب فاسأليها عنه . فخرجت حتى جاءت أم جميل فقالت : إن أبا بكر يسألك عن محمد بن عبد الله . قالت : ما أعرف أبا بكر ولا محمد بن عبد الله ، وإن كنت تحبين أن أهذب معك إلى ابنك ذهبت ، قالت: نعم . فمضت معها حتى وجدت أبا بكر صريعاً دنفاً ، فدنت أم جميل وأعلنت الصياح وقالت : والله إن قوماً نالوا هذا منك لأهل فسق وكفر . وإني لأرجو أن ينتقم الله لك منهم . قال : فما فعل رسول الله r ؟ قالت : هذه أمك تسمع ! قال : فلا شيء عليك منها . قالت : سالم صالح ! قال : أين هو ؟ قالت : في دار ابن الأرقم ، قال : فإن الله عليّ أن لا أذوق طعاماً ولا أشرب شراباً أو آتي رسول الله r ، فأمهلتا حتى إذا هدأت الرِّجل وسكن الناس خرجتا به يتكئ عليهما حتى أدخلتاه على رسول الله r ([24]) . وخرجت امرأة من الأنصار قُتل أبوها وأخوها وزوجها يوم أحد مع رسول الله r فقالت : ما فعل رسول الله r ؟ قالوا: خيراً ، وهو بحمد الله كما تحبين ! قالت : أرونيه حتى أنظر إليه . فلما رأته قالت : كل مصيبة بعدك جلل([25]). رفعوا خبيباً رضي الله عنه على الخشبة ونادوه يناشدونه : أتحب أن محمداً مكانك؟ قال : لا والله العظيم ما أحب أن يفديني بشوكة يشاكها في قدمه . فضحكوا منه([26]) . وقال زيد بن ثابت : بعثني رسول الله r يوم أحد أطلب سعد بن الربيع فقال لي : إن رأيته فأقرئه مني السلام ، قل له : يقول لك رسول الله r : كيف تجدّك ؟ قال : فجعلت أطوف بين القتلى فأتيته وهو بآخر رمق ، وفيه سبعون ضربة ما بين طعنة رمح وضربة سيف ورمية بسهم ، فقلت: يا سعد ، إن رسول الله r يقرأ عليك السلام ويقول لك : أخبرني كيف تجدّك؟ فقال : على رسول الله r السلام ، قل له : يا رسول الله أجد ريح الجنة ، وقل لقومي الأنصار : لا عذر لكم عند الله أن خُلِص إلى رسول الله r وفيكم عين تطرف ، وفاضت نفسه من وقته ([27]) . وترَّس أبو دجانة يوم أحد على رسول الله r بظهره والنبل يقع فيه وهو لا يتحرك ([28]). ومص مالك الخدري جرح رسول الله r حتى أنقاه ، قال له: مُجَّه . قال : والله ما أمجُّه أبداً ([29]). وقدم أبو سفيان المدينة فدخل على ابنته أم حبيبة ، فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله r طوته عنه ، فقال : يا بنية ، ما أدري أرغبت بي عن هذا الفراش أم رغبت به عني . قالت : بل هو فراش رسول الله r وأنت رجل مشرك نجس([30]) . قال عروة بن مسعود الثقفي لأصحابه بعدما رجع من الحديبية : أي قوم ، والله قد وفدتُ على الملوك ، على كسرى وقيصر والنجاشي ، والله ما رأيت ملكاً يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمداً ، والله إنْ تنخَّم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده ، وإذا أمرهم ابتدروا أمره ، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه ، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده ، وما يحدُّون إليه النظر تعظيماً له ([31]).
عجائب الانقياد والطاعة : ولم يزل الانقياد والطاعة من جنود ( الحب ) المتطوعة ، فلما أحبه القوم بكل قلوبهم أطاعوه بكل قواهم ، يمثل ذلك خير تمثيل ما قال سعد بن معاذ عن نفسه وعن الأنصار قبل بدر : " إني أقول عن الأنصار وأجيب عنهم ؛ فاظعن حيث شئت ، وصِلْ حبل من شئت ، واقطع حبل من شئت ، وخذ من أموالنا ما شئت وأعطنا ماشئت ، وما أخذت منا كان أحب إلينا مما تركت ، وما أمرت فيه من أمر فأمرُنا تبعٌ لأمرك ، فالله لئن سرت حتى تبلغ البرك من غمدان لنسيرن معك ، والله لئن استعرضت بنا هذا البحر خضناه معك " ([32]) . وكان من شدة طاعتهم له r أنه r نهى أهل المدينة عن كلام الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك ، فما كان من الناس إلا أن أطاعوه وأصبحت المدينة لهؤلاء كأنها مدينة الأموات ليس بها داع ولا مجيب ، يقول كعب : ونهى رسول الله r عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه ، قال : فاجْتَنَبنَا الناس ، أو قال تغيروا لنا ، حتى تنكَّرت لي نفس الأرض فما هي الأرض التي أعرف ، إلى أن قال : حتى إذا طالَ عليُ من جفوة المسلمين مشيت حتى تسوَّرت جدار حائط أبي قتادة - وهو ابن عمي وأحبُّ الناس إليَّ - فسلمت عليه ، فوالله ما رد عليّ السلام ، فقلت له : يا أبا قتادة أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله ؟ فست ، فعدت فناشدته فسكت ، فعدت فناشدته ، فقال : الله ورسوله أعلم ، ففاضت عيني ، وتوليت حتى تسورت الجدار ([33]). وكان من طاعته أيضاً وهو في موضع عتاب وجفوة أن رسول الله r يأتيه ويقول له : إن رسول الله r يأمرك أن تعتزل امرأتك ، فقال : أطلقها أم ماذا أفعل ؟ فقال : لا بل اعتزلها فلا تقربنها ، فقال لامرأته : الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله من هذا الأمر ([34]) . وكان من حبه للرسول r وإيثاره على كل أحد في الدنيا أن مَلِك غسان يخطب ودَّه ويستلحقه بنفسه ، وتلك محنة عظيمة في حال الجفوة والعتاب، وكنه يرفض ذلك ، قال :" بينما أنا أمشي في سوف المدينة إذ نبطئُّ من نبط أهل الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول : من يدلني على كعب بن كعب بن مالك ، فطفق الناس يشيرون له إلي حتى جاءني ، فدفع إلي كتاباً من ملك غسان - وكنت كاتباً - فقرأته فإذا فيه : أما بعد : فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جافاك ، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة ، فالْحَقْ بنا نُواسيك . فقلت حين قرأتها : وهذه أيضاً من البلاد ، فتيممت بها التنور فسجرتها ([35]). ومن غرائب الطاعة وسرعة الانقياد ما حدث عن نزول النهي عن الخمر في مجلس الشرب ، فعن أبي بريدة عن أبيه قال : بينما نحن قعود على شراب لنا ونحن نشرب الخمر حلة ، إذ قمت حتى آتي رسول الله r فأسلم عليه وقد نزل تحريم الخمر ) يا أيها الذين ءامنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون( - إلى قوله : ) فهل أنتم منتهون ( . فجئت إلى أصحابي فقرأتها وبقي بعض في الإناء ، فقال بالإناء تحت شفته العليا كما يفعل الحجام ، ثم صبوا في باطيتهم فقالوا : انتهينا ربنا ، انتهينا ربنا ([36]). ومن غرائب الطاعة للرسول وإيثاره على النفس والأهل والعشيرة ما روي عن عبد الله بن عبد الله بن أُبي ، روى ابن جرير بسنده عن ابن زيد قال : دعا رسول الله r عبد الله بن عبد الله بن أبي قال : ألا ترى ما يقول أبوك ؟ قال : ما يقول بأبي أنت وأمي ؟ قال : يقول لئن رجعنا إلى المدينة لنخرجن الأعزَّ منها الأذلَّ ، فقال : فقد صدق والله يا رسول الله أنت والله الأعز وهو الأذل ، أما والله لقد قدمتَ المدينة يا رسول الله وإن أهل يثرب ليعلمون ما بها أحد أبَرّ مني ، ولئن كان يرضى الله ورسوله أن آتيهما برأسه لأتيتهما به ، فقال رسول الله r : لا . فلما قدموا المدينة قام عبد الله بن عبد الله بن أبي على بابها بالسيف لأبيه ، ثم قال : أنت القائل لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعزل منها الأذل ؟ أما والله لتعرفن العزة لك أو لرسول r ، والله لا يأويك ظله ولا تأويه أبداً إلا بإذن من الله ورسوله ، فقال : يا للخزرج ، ابني يمعني بيتي، يا للخزرج ابني يمنعني بيتي !! فقال : والله لا يأويه أبداً ، إلا بإذن منه ؛ فاجتمع إيه رجال فكلموه فقال : والله لا يدخله إلا بإذن من الله ورسوله. فأتوا النبي r فأخبروه فقال : اذهبوا إليه فقوله له خَلَّه ومسكنه . فأتوا فقال : أما إذا جاء أمر النبي r فنعم([37]) .
الفصل الرابع : كيف حول الرسول خامات الجاهلية إلى عجائب الإنسانية
بهذا الإيمان الواسع العميق والتعليم النبوي المتقن ، وبهذه التربية الحكيمة الدقيقة وبشخصيته الفذة ، وبفضل هذا الكتاب السماوي المعجز الذي لا تنقضي عجائبه ولا تخلق جدَّته ، بعث رسول الله r في الإنسانية المحتضرة حياة جديدة . عمد إلى الذخائر البشرية وهي أكداس من المواد الخام لا يعرف أحد غناءها ، ولا يعرف محلها وقد أضاعتها الجاهلية والكفر والإخلاء إلى الأرض ، فأوجد فيها بإذن الله الإيمان والعقيدة وبعث فيها الروح الجديد’ وأثار من دفائنها وأشعل مواهبها ، ثم وضع كل واحد في محلة ، فكأنما خُلق له ، وكأنما كان المكان شاغراً لم يزل ينتظره ويتطلع إليه ، وكأنما كان جماداً فتحول جسماً نامياً وإنساناً متصرفاً . وكأنما كان ميتاً لا يتحرك فعاد حياً يملي على العالم إرادته وكأنما كان أعمى لا يبصر الطريق فأصبح قائداً بصيراً يقود الأمم : ) أو من كان ميتاً فأحييانه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها ( [الأنعام : 122]. عمد إلى الأمة العربية الضائعة وإلى أناس من غيرها فما لبث العالم أن رأى منهم نوابغ كانوا من عجائب الدهر وسوانح التاريخ ، فأصبح عمر الذي كان يرعى الإبل لأبيه الخطاب وينهره ، وكان من أوساط قريش جلادة وصرامة ، ولا يتبوأ منها المكانة العليا، ولا يحسب له أقرانه حساباً كبيراً، إذا به يفجأ العالم بعبقريته وعصاميته ، ويدحر كسرى وقيصر عن عروشهما ويؤسس دولة إسلامية تجمع بين ممتلكاتهما وتفوقهما في الإدارة وحسن النظام فضلاً عن الورع والتقوى والعدل الذي لا يزال فيه المثل السائر . وهذا ابن الوليد كان أحد فرسان قريش الشبان انحصرت كفاءته الحربية في نطاق مَحلَِي ضيق ، يستعين به رؤساء قريش في المعارك القبلية فينال ثقتهم وثناءهم ، ولم يحرز الشهرة الفائقة في نواحي الجزيرة؛ إذ به يلمع سيفاً إليهاً لا يقوم له شيء إلا حصده ، وينزل كصاعقة على الروم ويترك ذكراً خالداً في التاريخ . وهذا أبو عبيدة كان موصوفاً بالصلاح والأمانة والرفق ، ويقود سرايا المسلمين ، إذا به يتولى القيادة العظمى للمسلمين ويطرد هرقل من ربوع الشام ومروجها الخضراء ، ويلقي عليها نظرة الوداع ويقول: سلام على سورية سلاماً لا لقاء بعده . وهذا عمرو بن العاص كان يُعد من عقلاء قريش ، وترسله في سفارتها إلى الحبشة تسترد المهاجرين المسلمين فيرجع خائباً ، إذا به يفتح مصر وتصير له صولة عظيمة . وهذا سعد بن أبي وقاص لم نسمع به في التاريخ العربي قبل الإسلام كقائد جيش ورئيس كتيبة ، إذا به يتقلد مفاتيح المدائن ، وينيط باسمه فتح العراق وإيران . وهذا سلمان الفارسي كان ابن موبذان في إحدى قرى فارس ، لم يزل ينتقل من رقَّ إلى رقَّ ، ومن قسوة إلى قسوة ، إذا به يطلع على أمته كحاكم لعاصمة الإمبراطورية الفارسية التي كان بالأمس أحد رعاياها ، وأعجب من ذلك أن هذه الوظيفة لا تغير من زهادته وتقشفه، فيراه الناس يسكن في كوخ ويحمل على رأسه الأثقال . وهذا بلال الحبشي يبلغ من فضله وصلاحه مبلغاً يقلبه فيه أمير المؤمنين عمر بالسيد . وهذا سالم مولى أبي حذيفة يرى فيه عمر موضعاً للخلافة يقول : لو كان حيالاً ستخلفته . وهذا زيد بن حارثة يقود جيش المسلمين إلى مؤتة ، وفيه مثل جعفر بن أبي طالب وخالد بن الوليد ، ويقود ابنه أسامة جيشاً فيه مثل أبي بكر وعمر . وهذا أبو ذر ، والمقداد ، وأبو الدرداء ، وعمار بن ياسر ، ومعاذ بن جبل ، وأبي بن كعب ،تهب عليهم نفحة من نفحات الإسلام ، فيصبحون من الزهاد المعدودين ، والعلماء الراسخين . وهذا علي بن أبي طالب ، وعائشة ، وعبد الله ب مسعود ، وزيد بن ثابت ، وعبد الله بن عباس ، قد أصحبوا في أحضان النبي الأمي r من علماء العالم ، يتفجر العلم من جوانبهم ، وتنطق الحكمة على لسانهم ، أبرّ الناس قلوباً ، وأعمقهم علماً ، وأقلهم تكلفاً ، يتكلمون فينصت الزمان ، ويخطبون فيسجل قلم التاريخ .
كتلة بشرية متزنة : ثم لا يبلث العالم المتمدن أن يرى من هذه المواد الخام المبعثرة التي استهانت بقيمتها الأمم المعاصرة ، وسخرت منها البلاد المجاورة ، لا يلبث أن يرى منها كتلة لم يشاهد التاريخ البشري أحسن منها اتزاناً ، كأنها حلقة مفرغة لا يعرف طرفها ، أو كالمطر لا يُدري أأوله أم آخره ، كتلة فيها الكفاية التامة في كل ناحية من نواحي الإنسانية . كتلة هي في غنى عن العالم ، وليس العالم في غنى عنها ، وضعت مدنيتها ، وأسست حكومتها ، وليس لها عدل بها ، فلم تضطر إلى أن تستعير رجلاً من أمه ، أو تستعين في إدارتها بحكومة ، أسست حكومة تمد رواقها على رقعة متسعة من قارتين عظيمتين ، وملأت كل ثغر وسدت كل عوز برجل يجمع بين الكفاية والديانة ، والقوة والأمانة ،تأسست هذه الحكومة المتشعبة الأطراف ، فأنجدتها هذه الأمة الوليدة التي لم يمض عليها إلا بعض العقود - كله جهاد ودفاع ومقاومة وكفاح- برجل من الرجال الأكفاء ، فكان منها الأمير العادل ، والخازن الأمين ، والقاضي المقسط ، والقائد العابد ، ، والوالي المتورع ، والجندي المتقي . وكانت بفضل التربية الدينية التي لا تزال مستمرة ، وبفضل الدعوة الإسلامية التي تزال سائرة ، مادة لا تنقطع ومعيناً لا ينضب ، لا تزال تسند الحكومة برجال يرجِّحون جانب الهداية على الجباية ، ولا يزالون يجمعون بين الصلاح والكفاية ، وهنا ظهرت المدينة الإسلامية بمظهرها الصحيح ، وتجلت الحياة الدينية بخصائصها التي لم تتوفر لعهد من عهود التاريخ البشري . لقد وضع محمد r مفتاح النبوة على قفل الطبيعة البشرية ، فانفتح على ما فيها من كنوز وعجائب ، وقوى ومواهب ، أصاب الجاهلية في مقتلها وصميمها ، فأصمى رميته ، وأرغم العالم العنيد بحول الله على أن ينحو نحواً جديداً ويفتتح عهداً سعيداً ، ذلك هو العهد الإسلامي الذي لا يزال غرة في جبين التاريخ .
([1]) منعت حكومة أمريكا الخمر ، وطاردتها في بلادها ، واستعملت جميع وسائل المدنية الحاضرة كالمجلات والجرائد والمحاضرات والصور والسينما لتهجين شربها وبيان مضارها ومفاسدها ، ويقدرون ما أنفقته الدولة في الدعاية ضد الخمر بما يزيد على 60 مليون دولار ، وأن ما نشرته من الكتب والنشرات يشتمل على 10 بلايين صفحة .وما تحملته في سبيل تنفيذ قانون التحريم في مدة أربعة عشرة عاماً لا يقل عن 250 مليون جنية وقد أعدم فيها 300نفس ؛ وسجن 532335 نفس ، وبلغت الغرامات إلى 16 مليون جنية ، وصادرت من الأملاك ما يبلغ 400 مليون وأربعة ملايين جنية . ولكن كل ذلك لم يزد الأمة الأمريكية إلا غراماً بالخمر وعناداً في تعاطيها ، حتى اضطرت الحكومة سنة 1933م إلى سحب القانون وإباحة الخمر في مملكتها إباحة مطلقة ( من كتاب تنقيحات ، للأستاذ أبي الأعلى المودودي ) . ([2]) البداية والنهاية ، لابن كثير الدمشقي : ص 43 / 3 . ([3]) إن غاندي الزعيم الهندي الكبير هدف من أول حياته السياسية والروحية إلى مبدأين عظيمين ، حصر فيهما زعامته السياسية وشخصيته الروحية القوية النادرتين في هذا العصر جعلها شعاراً لمبدئه . الأول :" لا عنف ولا مقاومة " ، وقد دعا إلى هذا المبدأ كديانة وفلسفة ، وظل سنين طوالاً يدعو إليه بخطبه ومقالاته وصحفه ، واستنفد في ذلك جهوده ؛ ولما لم يكن ذلك عن طريق التغيير النفسي وعن طريق الدعوة الدينية الأساسية لم تؤثر دعوته في نفسية أمته تأثيراً عميقاً ، وقد جعلت هذه الأمة دعوته هباءً منثوراً في الاضطرابات الطائفية العظيمة التي وقت في بنجاب الشرقية ودلهي عاصمة الهند في سبتمبر سنة 1947م التي قتل فيها من المسلمين أكثر من نصف مليون وكانت مجزرة هائلة وقع فيها من القسوة والهجمية والاعتداء على الأطفال والنساء والأعراض ما لا يكاد يصدقه المؤرخون ، حتى انتهت باغتيال هذا الرجل العظيم الذي بلغت به أمته حد التقديس والتأليه . والمبدأ الثاني :" نسخ اللمس المنبوذة " ولم ينجح في مهمته هذه كذلك نجاحاً يعتد به ، فكان ذلك برهاناً ساطعاً على أن طريق الأنبياء هو الطبيعي الصحيح في الإصلاح والتغير . ([4]) البداية والنهاية : 3/33 . ([5]) صحيح مسلم ، كتاب الحدود . ([6]) تاريخ الطبري : 4 /16 . ([7]) البداية ، ج 3 . ([8]) متفق عليه . ([9]) رواه مسلم . ([10]) رواه مسلم . ([11]) زاد المعاد : 3/135 . ([12]) زاد المعاد : 3/190 ([13]) زاد المعاد : 2/332 ([14]) تفسير ابن كثير ، سورة الحجرات . ([15]) رواه ابن أبي حاتم . ([16]) رواه الإمام أحمد . ([17]) رواه أبو داود . ([18]) رواه أبو داود . ([19]) رواه البخاري . ([20]) تفسير ابن كثير . ([21]) حديث متفق عليه . ([22]) حديث متفق عليه . ([23]) متفقه عليه . ([24]) البداية والنهاية : 3/30 . ([25]) رواه ابن إسحاق إمام المعازي ؛ ورواه البيهقي مرسلاً . ([26]) البداية والنهاية :4/63 . ([27]) زاد المعاد : 2/134. ([28]) المصدر الساق : 2/130 . ([29]) المصدر السابق : 2/136 . ([30]) سيرة ابن هشام : ذكر الأسباب الموجبة للمسير إلى مكة . ([31]) زاد المعاد : 3/125 . ([32]) المصدر السابق : 3/130 . ([33]) متفق عليه . ([34]) متفق عليه . ([35])متفق عليه . ([36]) رواه ابن جرير بسنده في التفسير عند قوله تعالى : ) يا أيها الذين ءامنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون ( . تفسير الطبري ، ج7 . ([37]) تفسير الطبري : ج28.
H E R A A FOR RESEARCH, PUBLISHING & DISTRIBUTING Thikana, 504/30A, Taigor Marg, Nadwa Road Lucknow 226020, India Email: heraa@nadwi.net.in ربيع الأول 03, 1426 عنوان الموقع الرسمي لندوة العلماء بالهند Nadwatul Ulama`s Website http://nadwatululama.orgعنوان البريد الإلكتروني لندوة العلماء E-mail address nadwa@sancharnet.inعنزان البريد الإلكتروني الخاص برئيس ندوة العلماء E-mail address of Nazim Nadwatul Ulama nadwi@nadwi..net.in |
|
H E R A A ربيع الأول 13, 1426
عنوان الموقع الرسمي لندوة العلماء بالهند Nadwatul Ulama`s Website http://nadwatululama.orgعنوان البريد الإلكتروني لندوة العلماء E-mail address nadwa@sancharnet.inعنزان البريد الإلكتروني الخاص برئيس ندوة العلماء E-mail address of Nazim Nadwatul Ulama nadwi@nadwi..net.in
|