|
الفصل الثاني النظام السياسي والمالي في العصر الجاهلي
الملكية المطلقة : كان العصر الجاهلي مسرحاً للحكم الجائر المستبد ، فقد كانت السياسة في هذا العصر ملكية مطلقة ، قد تقوم على تقديس البيوتات الخاصة ، كما كان في فارس ، فقد كان آل ساسان يعتقدون أن حقهم في الملك مستمد من الله، وقد عملوا كل ما في استطاعتهم للتأثير في رعاياهم حتى أذعنوا لهذا الحق الملكي المقدس ، وصارت لهم عقيدة يدينون بها ، وقد تقوم على تقديس الملوك مطلقاً، فكان الصينيون يسمون ملكهم الإمبراطور : ابن السماء ، ويعتقدون أن السماء ذكر ، والأرض أنثى ، وقد ولدا الكائنات ، وكان الإمبرطور ختا الأول هو بكْرُ هذين الزوجين ([1]) ، وكان الإمبراطور يُعتبر كالأب الوحيد للأمة ، له أن يفعل ما يشاء ، وكانوا يقولون له :" أنت أبو الأمة وأمها " . ولما مات الإمبراطور ( لي يان ) أو ( تاي تسونغ ) لبست الصيت ثوب الحداد ، وحزنت الأمة حزناً شديداً ، فمنها من أثخن وجهه بالإبر، ومن قطع شعره ، ومن ضرب أذنيه بجانب النعش . وقد تقوم على تقديس بعض الشعوب والأوطان كما كان في المملكة الرومية،فكان المبدأ الأساسي هو تقديس الوطن الرومي ، والشعب الرومي. ولم تكن الأمم والبلاد إلا خادمة لمصلحتها وعروقاً يجري منها الدم إلى مركزها ، فكانت الدولة تستهين في ذلك بكل حق ومبدأ ، وتدرس كل شرف وكرامة ، وتستحل كل ظالم وشنيعة ، ولا يمنع بلاداً من هذا الحيف والظلم اشتراك في دين وعقيدة ولا إخلاص ووفاء للمملكة ، ولا يعترف لها في زمن من الأزمان بحق حكمها نفسها بنفسها والتمتع بحقوقها في أرضها، إنما هي ناقة ركوب في بعض الأحيان ، حلوب في بعضها ، لا يقدم لها من العلف إلا ما يقيم صلبها أو يدر ضرعها . يقول : ( Robert Briffault ) عن الدولة الرومية : " لم يكن سبب انقراض الرومية وسقوطها الأساسي الفساد الزائد ( كالرشوة وغيرها ) بل كان الفساد والشر وعدم المطابقة بالواقع ، مما صحب نشوء هذه الدولة من أول يومها وتغلغل في أحشائها. إن كل مؤسسة بشرية تقوم على أساس زائف منها ، ولا تستطيع أن تنقذ نفسها بذكاء أو نشاط ، ولما كان الفساد مما قامت عليه هذه الدولة ، فكان لابد أن تبيد يوماً وتنهار ، لقد رأينا أن الدولة الرومية إنما كانت وسيلة لرفاهية طبقة صغيرة على حساب الجماهير الذين كانت هذه الطبقة تستغلهم وتمتص دماءهم . لقد كانت التجارة تسير في رومة بأمانة وعدل وقد كان ذلك مما طُبعت عليه هذه الدولة ، وقد كانت فائقة في قوة الحكم والقضاء ، وفي الكفاءة ، ولكن هذه المحاسن كلها لم تكن لتحفظ الدولة من عواقب الزيف الأساسي والخطأ " ([2]) .
الحكم الروماني في مصر والشام : يقول الدكتور ألفرد . ج . بتلر عن الحكم الروماني في مصر : " إن حكومة مصر ( الرومية ) لم يكن لها إلا غرض واحد ، وهو أن تبتزَّ الأموال من الرعية لتكون غنيمة للحاكمين ، ولم يساورها أن تجعل قصد الحكم توفير الرفاهية للرعية أو ترقية حال الناس والعلو بهم في الحياة أو تهذيب نفوسهم أو إصلاح أمور أرزاقهم ، فكان الحكم على ذلك حكم الغرباء لا يعتمد إلا على القوة ولا يحس بشيء من العطف على الشعب المحكوم " ([3]) . ويقول مؤرخ عربي شامي عن الحكم الروماني في الشام : " كانت معاملة الروماني للشامين بادء بْدءٍ عادلة حسنة مع كانت عليه مملكتهم في داخلها من المشاغب والمتاعب ، ولما شاخت دولتهم انقلبت إلى أتعس ما كانت عليه من الرق والعبودية ، ولم تضعف رومية بلاد الشام مباشرة ولم يصبح سكانها وطنيين رومانيين ، ولا أرضهم أرضاً رومانية ، بل ظلوا غرباء ورعايا ، وكثيراً ما كانوا يبيعون أبناءهم ليوفوا ما عليهم من الأموال ، وقد كثرت المظالم والسخرات والرقيق ، وبهذه الأيدي عمَّر الرومان ما عمروا من المعاهد والمصانع في الشام([4]). " حكم الرومان الشام سبعمئة سنة ، بدأ معهم في البلاد النزاع والشقاق والاستبداد والأنانية وقتل الأنفس ، وحكم اليونان الشام 369هـ سادت في عهدهم الحروب الطاحنة والمظالم ، وظهرت المطامع اليونانية بأعظم مظاهرها ، وكان حكمهم من أشد الولايات وأشأم النكبات على الأمة الشامية "([5]) . وبالاختصار كانت الولايات الرومية والفارسية غير مرتاحة في حكم الأجانب ، وكانت الأحوال السياسية والاقتصادية مضطربة حتى في مراكز الدولة وعواصمها .
نظام الجباية والخراج في إيران: لم يكن النظام المالي والسياسة المالية في إيران عادلة مستقرة ، بل كانت جائرة مضطربة في كثير من الأحوال ، تابعة لأخلاق الجباة العاملين وأهوائهم والأحوال السياسية والحربية . يقول مؤلف ( إيران في عهد الساسانيين ) : " كان الجباة لا يتحرزون من الخيانة واغتصاب الأموال في تقدير الضرائب وجباية الأموال ، ولما كانت الضرائب تختلف كل سنة وتزيد وتنقص لم يكن دخل الدولة وخرجها مقدرين مضبوطين ، وقد كانت الحرب تنشب في بعض الأحيان وليست عند الدولة أموال تنفقها على الحرب ، فكان يلجئها ذلك إلى ضرائب جديدة ، كانت المقاطعات الغربية الغنية - وخاصة بابل - هدف هذه الضرائب دائماً "([6]) .
كنوز الملوك ومدخراتهم : ولم يكن ما ينفق على أهل البلاد في إيران من مالية الدولة شيئاً كثيراً . وقد اعتاد ملوك إيران من القديم أن يكتنزوا النقود ويدخروا الطُّرف والأشياء الغالية ([7]) ، ولما نقل خسروا الثاني في المدائن أمواله إلى بناية أحدثها سنة 607-608م ، وكان ما نقله 460 مليون وثمانية ملايين مثقال ذهب ، وذلك ما يساوي 370 مليون وخمسة ملايين فرنك ذهبي، وفي العالم الثالث عشر من جلوسه على العشر كان في خزانته 800 مليون مثقال ذهب ([8]) .
الفصل الشاسع بين طبقات المجتمع : كان الغنى لأفراد معدودين والفقر لمعظم الأهلين ، يقول مؤلف ( إيران في عهد الساسانيين ) عن أخصب عهد من عهود إيران وعن أعدل ملك من ملوكها وهوى كسرى أنوشروان : " إن ما قام به كسرى من إصلام النظام المالي كان في مصلحة مالية المملكة أكبر منه في مصلحة الرعية ؛ فلم تزل العامة يعيشون في الجهل والضنك كما كانوا في السابق ، وما شاهد الفلاسفة البيزنطيون من فوارق نسبية بين طبقات المجتمع والفصل الشاسع بينها ، والبؤس الذي كان يعيش فيه رجال الطبقات المنحطة أقلق خاطرهم وانتقدوا المجتمع الفارسي بقولهم : إن الأقوياء فيه يقهرون الضعفاء ، ويعاملونهم بظلم وبقسوة شديدة "([9]) . وكانت المناصب وقفاً على بعض البيوتات والسلائل ذات الثروة والجاه والنفوذ عند الحكام . ويقول( Robert Briffault )عن النظام الطبقي في الدولة الرومية: " مما جرت العادة أنه إذا أصيبت مؤسسة اجتماعية بالزوال والانحطاط لا يرى القائمون عليها حيلة إلا أن يمنعوها من الحركة والتطور، لذلك كان المجتمع الرومي ( في عهد الانحطاط ) خاضعاً لنظام طبقي جائر يرزح تحته ، وما كان لأحد في هذا المجتمع أن يغير حرفته ، وكان لابدَّ للابن أن يتخذ حرفة أبيه " ([10]) .
الفلاحون في إيران : أثقلت الضرائب المتنوعة المتجددة كاهل الجمهور حتى ترك كثير من المزارعين أعمالهم ، أو دخلوا الأديرة فراراً من الضرائب والخدمة العسكرية لأمة لا يحبونها أو لغرض لا يتحمسون له ؛ وفشت في الناس البطالة والجنايات وطرق غير مشروعة للكسب . يقول مؤلف ( إيران في عهد الساسانيين ) : " كان الفلاحون في شقاء وبؤس عظيم كانوا مرتبطين بأراضيهم ، وكانوا يُستخدمون مجاناً ويكلَّفون كل عمل ، يقول المؤرخ ( إميان مارسيليون ) : إن هؤلاء الفلاحين البؤساء كانوا يسيرون خلف الجيوش مشاة ، كأنه قد كتب عليه الرق الدائم ، ولم يكونوا ينالون إعانة أو تشجيعاً من راتب أو أجرة ([11]) ، وكانت علاقة الفلاحين بالملاَّك أصحاب الأرضي كعلاقة العبيد بالسادة " ([12]) .
الاضطهاد والاستبداد : واضطُهد اليهود في الشام والعراق ، واليعقوبيون في مصر اضطهاداً كبيراً واستبد الحكام استبداداً شديداً وعاثوا في البلاد والدماء والأموال والأعراض . وتصامَّ أهل الحل والعقد عن شكواهم ، حتى صار الناس يعدون هذه الأوضاع الفاسدة ضربة لازب وقضاء محتوماً ، وصاروا في بعض الأيام يفضلون الموت على الحياة .
المدينة المصطنعة والحياة المترفة : استحوذت على الناس في الدولتين - الفارسية والرمية - حياة الترف والبذخ ، وطغى عليهم بحر المدنية المصطنعة والحياة المزوَّرة وغرقوا فيه إلى أذقانهم ، فكان ملوك فارس والروم وأمراء الدولتين سادرين في غفلتهم لا همَّ لهم إلا اللذة والتهام الحياة ، وبذخوا بذخاً عظيماً تخطى القياس ، ودققوا في مرافق المعيشة وفضول المدينة وحواشي الحياة تدقيقاً عظيماً جداً ، فكان لكسرى أبرويز 12ألف امرأة ، وخمسون ألف جواد ، وشيء لا يحصى من أدوات الترف والقصور الباذخة ومظاهر الثورة والنعمة ، وقصره مثال في الأبهة والغنى ([13]) . يقول مكاريوس : " لم يُرْوَ في التاريخ أن مليكاً بذخ وتنعم مثل الأكاسرة الذين كانت تأتيهم الهدايا والجرايات من كل البلدان الواقعة ما بين الشرق الأقصى والشرق الأدنى ([14]) ، ولما خرجوا من العراق في الفتح الإسلامي تركوا في الخزائن من الثياب والمتاع والآنية والفضول والألطاف والأدهان ما لا يدرى ما قيمته ". " وقد وجد العرب قباباً تركية مملوءة سلالاً مختمة بالرصاص ، قال العرب : فما حسبناها إلا طعاماً فإذا هي آنية الذهب والفضة "([15]) . ووصف المؤرخون العرب بهار كسرى الذي أصابه المسلمون يوم المدائن فقالوا : " هو ستون ذراعاً في ستين ذراعاً ، بساط واحد مقدار جريب ، أرضه بذهب ووشيه بفصوص ، وثمره بجوهر ، وورقه بحرير وماء الذهب، فيه طرق كالصور وفصوص الأنهار ، وخلال ذلك كالدير ، وفي حافاته كالأرض المزروعة والأرض المبقلة بالنبات في الربيع من الحرير على قضبان الذهب ، ونواره بالذهب والفضة وأشباه ذلك ، وكانوا يعدونه للشتاء ، إذا ذهبت الرياحين ، فكانوا إذا أرادوا الشرب شربوا عليه فكأنهم في رياض " ([16]) .وهذا يدل على ما وصل إليه البذخ والترفُّة في المدينة الفارسية . كذلك كان الشام في الدولة الرومية وحواضرها ، وكانت الدولتان المدنيتان - الفارسية والرومية - كفرسي رهان في البذخ والترفه في دقائق المدنية ، وقد بذخ الأباطرة ونوابهم وأمراؤهم في الشام بذخاً عظيماً، وحوى بلاطهم وقصورهم ومجالس شربهم ولهوهم من آلات الترفه وأسباب الرفاهية شيئاً كثيراً ، وبلغت من الترف والأناقة شأواً بعيداً ، وقد وصف حسان بن ثابت الشاعر المخضرم مجلس جَبَلة بن الأيهم الغساني فقال:" لقد رأيت عشرة قيان : خمس روميات يغنين بالرومية بالبرابط ، وخمس يغنين غناء أهل الحيرة أهداهن إليه إياس بن قبيصة ، وكان يفد إليه من يغنيه من العرب من مكة وغيرها ، وكان إذا جلس للشراب فُرش تحته الآس والياسمين وأصناف الرياحين ، وضُرب له العنبر والمسك في صحاف الفضة والذهب ، وأُتي بالمسك الصحيح في صحاف الفضة ، وأوقد له العود المندَّى إن كان شاتياً ، وإن صائفاً بطِّن بالثلج ، وأتى هو و أصحابه بكسى صيفية يتفضل هو و أصحابه بها في الصيف ، وفي الشتاء الفراء الفنك وما أشبهه " ([17]) . وكان الأمراء والأقيال والأغنياء ورجال البيوتات الشريفة وأفراد الطبقة الوسطى على آثار الملوك ، يحاولن أن يقلدوهم في لباسهم وطعامهم ومجالسهم وترفهم ، وكانوا يأخذون أنفسهم بعاداتهم ومناهج حياتهم ، وارتفع مستوى الحياة ارتفاعاً عظيماً وتعقدت المدينة تعقيداً عظيماً ، وصار الواحد ينفق على نفسه وعلى جزء من لباسه ما يُشبع قرية أو يكسو قبيلة، وكان لابد منه لكل شريف أو وجه ، حتى إذا أخلَّ به وأغفله أُشير إله بالبنان وتفادته العيون ، حتى صار ذلك واجباً من واجبات الحياة وشريعة من شرائع المجتمع التي لا يحل العدول عنها . عن الشعبي قال : كان أهل فارس يجعلون قلانسهم على قدر أحسابهم في عشائرهم ن فمن تم شرفه فيمة قلنسوته مئة ألف ، وكان هرمز ممن تم شرفه فكانت قيمتها مئة ألف وكانت مفصصة بالجواهر ([18]) ، وتمام شرف أحدهم أن يكون من بيوتات السبعة وأن الأزادية كان مرزبان الحيرة أزمان كسرى ،وكان قد بلغ نصف الشرف ، وكانت قيمة قلنسوته خمسين ألف([19])، وبيع ما على رستم بسبعين ألفاً ، وكانت قيمة قلنسوته مئة ألف([20]) . درج الناس على هذه المدينة المترفة وعاداتها الفاسدة ، ورضعوا لبانها ونشؤوا عليها حتى أصبحت لهم الطبيعة الثانية ، وعز عليهم الفصال وشق عليهم أن يتنازلوا إلى الحياة الطبيعية البسيطة حتى في ساعة عصبية وفي فاقة واضطرار ، ذكروا أن يزدجرد آخر ملوك فارس لما فر من المدائن أخذ معه ألف طاه وألف مغن وألف قيِّم للنمور وألف قيم للبزاة وآخرين ، وكان يستقل هذا العدد ([21])، واستسقى الهرمزان ملك الأهواز أمام عمر فأتي به في قدح غليظ ، فقال :" لو متُّ عطشاً لم استطع أن أشرب في مثل هذا . فأتي به في إناء يرضاه " ([22]) . الزيادة الباهظة في الضرائب : كانت نتيجة هذا البذخ والترف الطبيعية الزيادة الباهظة في الضرائب وسن القوانين الجديدة لابتزاز الأموال من طبقات الفلاحين والصناع والتجار وأهل الحرف حتى وصلت إلى حد الإرهاق ، وأثقلت كاهل الأهلين وأنقضت ظهورهم . يقول مؤلف ( إيران في عهد الساسانيين ) : " وقد جرت عادة ملوك إيران بقبول الهدايا والتقديمات من الرعية ، وكانوا يسمون ذلك ( آيين ) وكان ذلك علاوة على الضرائب الرسمية ، وكنوا يأخذون من الناس الهدايا جبراً يوم نوروز والمهرجان ، وكانت مناجم الذهب في أرمينيا ملكاً للملك ولنفقاته الخاصة " ([23]) . ويقول المؤرخ العربي الشامي : " كان يقضى على الشعب الشامي أن يؤدي الجزية وعشر غلاَّته وأتاوة من المال ورسماً على كل رأس ، وللشعب الروماني موارد معمة من الجمارك والمناجم والضرائب والحقول الصالحة لزرع الحنطة والمراعي يؤجرونها من شركات المتعهدين يسمونهم العشارين ، يبتاعون من الحكومة حق جباية الخراج ، وفي كل ولاية عدة شركات من العشارين ، ولكل شركة مستخدمون من الكتاب والجباة يظهرون في مظهر السادة ، ويتناولون أكثر مما يجب لهم أخذه ، ويسلبون نعمة الأهلين ، وكثيراً ما يبيعونهم كما يباع الرقيق " ([24]) . "وأوجز أحدهم السياسة الإمبراطورية في الرومان بقوله : الراعي الصالح يجز صوف غنمه ولا ينتفه ، فمضى القرنان و أباطرة الرومان يكتفون بجز سكان مملكتهم يسلبون منهم كثيراً من الأموال ، ولكنهم يحمونهم من العدو الخارجي " ([25]) .
شقاء الجمهور : وهذا أصبح أهل البلاد في كلتا المملكتين طبقتين متميزتين تمام التميُّز : طبقة الملوك والأمراء ورجال البلاط الملكي وأسرهم وعشائرهم والمتصلون بهم والأغنياء ، فكانوا يعيشون بين الأزهار والرياحين ويتقلبون في أعطاف النعيم ، وينعلون أفراسهم عسجداً ، ويكسون بيوتهم حريراً وسندساً . وطبقة الفلاحين والصناع والتجار وأهل الحرف والأشغال ، كانوا في جهد من العيش : يرزحون تحت أثقال الحياة والضرائب والإتاوات ويرسفون في القيود والأغلال ويعيشون عيش البهائم ، لاحظَّ لهم في الحياة إلا العمل لغيرهم والشقاء لنعيمهم ، ولا همَّ لهم إلا الأكل والعلف ، فإذا سئموا هذا العيش المر تعللوا بالمسكرات والملهيات ، وإذا تنفسوا من هذا العناء رتعوا في المحرمات ، ورغم هذا الجهد في المعيشة يجهدون أنفسهم في تقليد رجال الطبقة العليا في كثير من أساليب حياتهم ، فكان ذلك أشد من الجهد في سبيل الكفاف من الرزق والبلغة من العيش ، فتنغص حياتهم، يويتكدر صفوهم ويشتغل بالُهم .
بين غنى مطغِ وفقر منسٍ: وهكذا ضاعت رسالة الأنبياء ، والأخلاق الفاضلة والمبادئ السامية في العالم المتمدن المعمور بين غني مطغ وفقر منس ، وأصبح الغني في شغل عن الدين والاهتمام بالآخرة والتفكير في الموت وما بعده بنعيمه وترفه ، وأصبح الفلاح أو العامل في شغل عن الدين كذلك لهمومه و أحزانه وتكاليف حياته ، وأصبحت الحياة ومطالبها همَّ الغني والفقير وشغلهما الشاغل ، وكانت رحي الحياة تدور حول الناس في قوة لا يرفعون فيها إلى الدين والآخرة رأساً ولا يتفرغون لما يتصل بالروح والقلب والمعاني السامية ساعة. تصوير الجاهلية : وقد صور أحد كبار علماء الإسلام([26]).هذه الحال فأجاد التصوير ،قال : " أعلم أن العجم والروم لما توارثوا الخلافة قروناً كثيرة وخاضوا في لذة الدنيا ونسوا الدار الآخرة واستحوذ عليهم الشيطان ، وتعمقوا في مرافق المعيشة وتباهوا بها ، وورد عليهم حكماء الآفاق يستنبطون لهم دقائق المعيشة ومرافقها ، فما زالوا يعملون بها ويزيد بعضهم على بعض ويتباهون بها ، حتى قيل إنهم كانوا يُعيِّرون من كان يلبس من صناديدهم مِنْطَقة أو تاجاً قيمتها دون مئة ألف درهم ، أو لا يكون له قصر شامخ وآبزن ([27])وحمام وبساتين ، ولا يكون له دواب فارهة وغلمان حسان ، ولا يكون له توسُّع في المطاعم وتجمل في الملابس ، وذكر ذلك يطول ، وما تراه من ملوك بلاد يغنيك عن حكاياتهم . فدخل كل ذلك في أصول معاشهم ، وصار لا يخرج من قلوبهم إلاّ أن تمزع ، وتولَّد من ذلك داء عضال دخل في جميع أعضاء المدنية ، وآفة عظيمة ، ولم يبق منهم أحد من أسواقهم ورستاقهم وغنيهم وفقيرهم ، إلا قد استولت عليه وأخذت بتلابيبه ، وأعجزته في نفسه وأهاجت عليه غموماً وهموماً لا أرجاء لها ، وذلك أن تلك الأشياء لم تكن لتحصل إلا ببذل أموال خطيرة ، ولا تحصل تلك الأموال إلا بتضعيف الضرائب على الفلاحين والتجار وأشباههم والتضييق عليهم ، فإن امتنعوا قاتلوهم وعذبوهم ، وإن أطاعوا جعلوهم بمنزلة الحمير والبقر تستعمل في النضح والدياس والحصاد، ولا تقتنى إلا ليستعان بها في الحاجات ، ثم لا تترك ساعة من العناء ، حتى صاروا لا يرفعون رؤوسهم إلى السعادة الأخروية أصلاً ، ولا يستطيعون ذلك ، وربما كان إقليم واسع ليس فيه أحد يهمه دينه"([28]) .
([1]) تاريخ الصين ، لجيمس كاركن . ([2]) Robert Briffault : The Making of Humanity , P.159 ([3]) فتح العرب لمصر ، للدكتور الفرد . ج . بتلر ، تعريب محمد فريد أبو حديد . ([4]) خطط الشام ، للأستاذ محمد كرد علي : 1/ 101 ([5]) المصدر السابق : 1/103 ([6]) إيران في عهد الساسانيين ، ص 160. ([7]) المصدر السابق ، ص 162 . ([8]) المصدر السابق ، 611 . ([9]) إيران في عهد الساسانيين ، ص 589-590 . ([10]) The Making of Humanity,p160 ([11]) إيران في عهد الساسانيين ، ص 324 ([12]) المصدر السابق ، ص 424 ([13]) تاريخ إيران لشاهين مكاريوس ، طبع 1898م ص 90 . ([14]) تاريخ إيران ، ص 211 . ([15]) تاريخ الطبري . ([16]) تاريخ الطبري : 4 /178 . ([17]) الأغاني ، لأبي الفرج الأصفهاني : 1/2 ([18]) تاريخ الطبري : 4/6 . ([19]) المصدر السابق :4/11 . ([20]) المصدر السابق : 4/134. ([21]) إيران في عهد الساساينين ، لأرتهر كرستين ، ص 681 ([22]) تاريخ الطبري : 4/161. ([23]) إيران في عهد الساسانيين ، أرتهركستين ، ص 161 ([24]) خطط الشام ، للأستاذ كرد علي : 5 /47 . ([25]) المصدر السابق نفسه . ([26]) وهو شيخ الإسلام أحمد بن عبد الرحيم المعروف بولي الله الدهلوي (م 1176هـ) ([27]) فسقية . ([28]) حجة الله البالغة ، باب إقامة الارتفاقات وإصلاح الرسوم .
H E R A A FOR RESEARCH, PUBLISHING & DISTRIBUTING Thikana, 504/30A, Taigor Marg, Nadwa Road Lucknow 226020, India Email: heraa@nadwi.net.in ربيع الأول 13, 1426
عنوان الموقع الرسمي لندوة العلماء بالهند Nadwatul Ulama`s Website http://nadwatululama.orgعنوان البريد الإلكتروني لندوة العلماء E-mail address nadwa@sancharnet.inعنزان البريد الإلكتروني الخاص برئيس ندوة العلماء E-mail address of Nazim Nadwatul Ulama nadwi@nadwi..net.in |
|
H E R A A ربيع الأول 13, 1426
عنوان الموقع الرسمي لندوة العلماء بالهند Nadwatul Ulama`s Website http://nadwatululama.orgعنوان البريد الإلكتروني لندوة العلماء E-mail address nadwa@sancharnet.inعنزان البريد الإلكتروني الخاص برئيس ندوة العلماء E-mail address of Nazim Nadwatul Ulama nadwi@nadwi..net.in
|