|
ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين ؟!! أبو الحسن علي الحسني الندوي
بسم الله الرحمن الرحيم
بسم الله الرحمن الرحيم قصة كتاب يحكيها مؤلفه : الحمد لله رب العالمين، والصلاة و السلام على رسوله الأمين ، وعلى آله وصحبه أجمعين ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين . أما بعد: فلعل كثيراً من القراء الفضلاء لا يعلمون أن هذا الكتاب كان باكورة مؤلفاتي ، وكان بداية تاريخ التأليف ، وقد ألفت هذا الكتاب وأنا قد جاوزت الثلاثين من عمري تقريباً ([1]) . وكان أضخم من أن يتناوله مثلي في مثل هذه السن المبكرة ، وفي بلد بعيد عن مركز اللغة العربية وآدابها وثقافتها ، وقد وُلدت في الهند ونشأت وتعلمت فيها ، ولم يقدر لي أي سفر خارج الهند ، وكانت الرحلة الأولى المباركة التي وفقني الله لها هي بعد تأليف هذا الكتاب لأداء فريضة الحج سنة 1366هـ (1947م) يعني بعد تألف هذا الكتاب بثلاث سنوات ، فكانت في الحقيقة مغامرة علمية لم أكن متهيئاً ولا مرشحاً لها ، وكان من الجسارة أن أتناول هذا الموضوع الذي كان جديراً بقلم أكبر من قلمي ، وبعقل أوسع من عقلي ، وبتجربة أطول وأوسع من تجربتي كمؤلف ولكن الله يفعل ما يشاء. لقد كنت أشعر برغبة غامضة ملحة لم أستطع أن أغالبها، كأن سائقاً يسوقني إلى الكتابة في هذا الموضوع ، ولو استشرت العقل واعتمدت على تجارب المؤلفين ، وعلى مقاديرهم ومكانتهم العلمية ، لأحجمت ولعدلت عن هذه الفكرة ولو ذكرت ذلك لأحد من العقلاء العلماء ، والكتّاب الفضلاء لأشاروا عليّ بالعدول عن خوض هذه المعركة العلمية العقلية ، ولكنه كان من الخير أنني لم أستشر أحداً ، كما يقول الدكتور محمد إقبال :" ليس من الخير أن تستشير عقلك دائماً ، فتحّ عقلك جانباً في بعض الأمور ، فإن العقل يصوّر لك الخوف في معارك خطيرة ، ويشير عليك الابتعاد عن مثل هذه التجارب المريرة " . وكانت المراجع العربية التي لكان لابد أن أستشيرها في هذا الموضوع قليلة ، لأن ذلك العهد كان قريباً بالحرب العالمية الثانية ، وكانت الصلات تكاد تكون منقطعة بين الهند والبلاد العربية ، فكانت الهند تستورد قليلاً من البضاعة العلمية والمراجع التاريخية والثقافية باللغة العربية، التي كانت تزخر بها البلاد العربية بصفة عامة ، ومصر بصفة خاصة ، أما المراجع العلمية باللغة الإنجليزية والأوردية فكانت متوفرة ، وكانت بمتناول يدي ، وكان في لكهنؤ - مدينة العلم والثقافة - مكتبات غنية فيها أحدث المطبوعات الإنجليزية والموسوعات بعض المكتبات الشخصية ، وكان من تيسير الله تعالى والإرهاص لتأليف هذا الكتاب ؛ إني كنت طالت قريباً في تاريخ أوروبا سياسة واجتماعياً ، وديانة وخُلقاً ، وحضارة وثقافة ، بنهامة في توسّع وعمق ، وعنيتُ بموضوع الصراع بين الديانة والعام ، والبلاط ، والكنسية ؛ دراسة اختصاصية ، وتاريخ الأخلاق في أوروبا وتطوّرها ، والعوامل التي صاغتها صياغة خاصة ، انتهت بها إلى هذا المصير المادي، الذي أثر في مسيرة الشعوب الغربية والشرقية واتجاهاتها تأثيراً عاماً وحاسماً. هذا عدا تاريخ الأقطار الشرقية والإسلامية ، ودياناتها وحركاتها وفلسفاتها ، وتاريخ الإسلام والمسلمين ، وتاريخ العرب في الجاهلية والإسلام ، من خلال الكتب المختصة بهذا الموضوع ، ومن خلال الشعر والأدب ، فكان أيسر لي نسبياً بفضل ثقافتي الدينية والأدبية والتاريخية ، ولأن موادها كانت متوفرة في مكتبة ندوة العلماء الكبيرة ، ومكتبات شخصية ، وبفضل الاتصال الدائم بحركة الترجمة والنشر في شبه القارة الهندية ، ومطالعة المجلات والصحف العلمية الراقية وما تنشره من بحوث ودراسات علمية . زد إلى ذلك التكوين العقلي والنفسي الممتاز ، المؤمن بخلود رسالة الإسلام ، وقيادة محمد عليه الصلاة والسلام ، وإمامته للأجيال البشرية غبر العصور ، وبالنقص الواقع في طبيعة الحضارة الغربية ، ومزاج الأمم الغربية الذي لا يفارقها في حال من الأحوال ، وظهوره - في شكل مجسّم- في قيادتها ، وذلك نتيجة تربية أخي الأكبر والدكتور السيد العلي الحسني أمين ندوة العلماء العام ، الذي كان مثالاً فريداً في الجمع بين الثقافتين الإسلامية والغربية العصرية وعمق فهمه للإسلام واتزانه الفكري البعيد عن كل غلوّ وتطرّف ، وقد جعلني كل ذلك أنتفع من دراساتي المتنوّعة - المتناقضة أحياناً المشوّشة- لكثير من القرّاء الذين لا يزالون في سن المراهقة الفكرية - وأستخرج منها نتائج إيجابية معيّنة ، و ) من بين فرث ودم لبناً خالصاً سائغاً للشاربين ( ، وتزداد ثقتي بصلاح الإسلام للقيادة والسيادة في كل عصر ، وإيماني بأن محمداً r ، هو " خاتم الرسل ، وإمام الكل ، ومنير السبل " . وكنت أشعر بخطر الموضوع وأهميته ، وبقلة بضاعتي وحداثة سنّي وقلّة أعواني ، وجدّة موضوع الكتاب وطرافته ، ولكن لم أكن في الحقيقة مخّيراً ، بل كنت مسيّراً ، كأن هاجساً يهجس في ضميري ، ويقول لي : لابدّ من وضع كتاب في هذا الموضوع . كان من أسباب استرعاء هذا الكتاب انتباه كثير من الناس وإثارته لدهشة الكثير منهم ، أن الموضوع كان طريفاً مبتكراً : " ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين " ، هل للمسلمين صلة وثيقة بالمصير الإنساني وبالأوضاع العالمية ، حتى يجوز أن يقال : ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين ، أو ماذا سيربح العالم ويجنبه من الفوائد ، بتقدّم المسلمين وتسلّمهم لقيادة البشرية ؟ كان الناس قد اعتادوا في ذلك العصر ، وقبل العصر الذي أُلِّف فيه هذا الكتاب ، أن ينظروا إلى المسلمين من خلال التاريخ العالمي ، أو ينظروا إلى المسلمين كشعب عادي وكأمة من أمم كثيرة ،ولكن تشجّع مؤلف هذا الكتاب وتخطّى هذه الحدود المرسومة ، وخرج من الإطار التقليدي الذي فرض على المؤلفين والكتّاب في العرب والعجم ، فأراد أن ينظر إلى العالم من خلال المسلمين ، وشتّأن ين النظرتين ؛ نظرة ينظر بها المسلمين من خلال العالم ومن خلال الحوادث التي جرت في العالم ، ومن خلال التطورات التي حدثت في التاريخ ، المسلمون شعب من الشعوب ، يخضعون لما يجري في العالم في إطار عام واسع ، فكان المنهج الفكري العام وأسلوب البحث الدائم ، ماذا خسر المسلمون بسبب الحادث الفلاني؟ وبسبب انقراض الحكومة الفلانية ، ماذا خسر المسلمون بسبب نهضة الغرب الحديثة ؟ ماذا خسر المسلمون بسبب الثورة الصناعية الكبرى التي حدثت في الغرب؟ ماذا خسر المسلمون بانقراض الخلافة العثمانية ؟ وماذا خسر المسلمون بفتح الغرب لكثير من قلاع الإسلام والمسلمين ، ماذا خسر المسلمون بفقرهم في الاقتصاد ، وفي السياسة ، وفي القوة الحربية ؟ كان ذلك الطريق المرسوم التقليدي الذي اعتاده الناس ، ولكن الله سبحانه وتعالى ألهمني وشرح صدري لأن أكتب في موضوع ( ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين ) ، كأن المسلمين هم العامل العالمي المؤثر في مجاري الأمور في العالم كله ، ليس في بقعة جغرافية محدودة ، أو منطقة سياسية خاصة ، هل المسلمون حقاً في وضع يمكن أن يُقال إن العالم فقد خسر شيئاً بانحطاطهم ، هل المسلمون على مستوى يجوز أن يقال إن العالم قد خسر بتقهقرهم ، وبتخلّفهم عن مجال القيادة العالمية ، إنني أخاف و أخشى أن كثيراً من الكتّاب الإسلاميين الذين كانت لهم مواقف جليلة ، وكانت لهم سوابق عديدة ، لم يفكّروا هذا التفكير ، إنّ تشويه التاريخ الإسلامي والنظر إليه من زاوية ضيقة ، ومركّب النقص الذي أُصيب به الجيل الجديد المثقّف ، كان يعوق كثيراً من الكتّاب الإسلاميين الذين كانت لهم مواقف جليلة ، وكانت لهم سوابق عديدة ، لم يفكروا هذا التفكير ، إن تشوّيه التاريخ الإسلامي والنظر إليه من زاوية ضيقة ، ومركّب النقص الذي أُصيب به الجيل الجديد المثقّف ، كان يعوق كثيراً من الباحثين عن أن يربطوا قضية المسلمين بقضية العالم وبقضية الإنسانية ، أين المسلمون من القيادة العالمية ؟ المسلمون فقراء ، المسلمون ضعفاء ، المسلمون محكومون من الغرب ، المسلمون خاضعون للثورات الحديثة ، فهل صحّ أن يُربط مصير العالم أو مصير الإنسانية بمصير المسلمين لهم من الأهمية والخطر والتأثير ، ومن المكانة ما يؤهلّهم لهذا البحث ويسوِّغ لمؤلف أن يؤلّف كتاباً ، فيبحث عن مدى خسارة العالم الإنساني والعالم المعاصر بانحطاط المسلمين ، إن الموضوع كان خطيراً ، وكان البحث فيه شبه مجازفة ومغامرة علمية ، ولكن الله سبحانه وتعالى أعان على ذلك . ألّفتُ هذا الكتاب على تردّد وتخوّف ، لأنني كنت جديداً في مجال التأليف ، خصوصاً في اللغة العربية ([2]) ، فقد كانت صلتي بها صلة دارس يولد بعيداً عن مركز الثقافة العربية وعن مركز العلوم الإسلامية الأصيل ،وكان يساورني شك ، هل ينال هذا الكتاب تقديراً في البيئات العربية والإسلامية البعيدة ، فأرسلتُ قائمة محتويات إلى الدكتور أحمد أمين بك رئيس لجنة التأليف والترجمة والنشر في مصر ، ورئيس الإدارة الثقافية في جامعة الدول العربية ، وقد نالت كتبه خصوصاً سلسلة " فجر الإسلام" و " ضحى الإسلام " إعجاب القرّاء الباحثين ، كان لها دويُ في الأوساط العلمية ، وكنت معجباً بها ، وقد درستها عميقة ، وعلّقت على آرائه بالموافقة في الغالب ، وبالنقد والاختلاف في بعض الأمكنة ، وأعجبت بأسلوبه المركّز الذي يجري مع الطبع ، وآثرت أن يصدر هذا الكتاب من هذه المؤسسة العلمية التي كانت لها ولما يصدر منها قيمة علمية كبيرة في الشرق العربي ، فيقبل على قراءته الشباب المثقف والمعنيون بالأبحاث العلمية والدارسات الموضوعية ، وأنا لا أعلم مصير هذه الأوراق التي تعطي فكرة إجمالية عن الكتاب ، ومؤلفه مجهول ليس له أثر علمي ولا شافع ولا مُزَكِ. وفوجئتُ بكتاب تلقيته منه يطلب مني فيه نموذجاً من هذا الكتاب ، فأرسلتُ إليه قطعة من الكتاب . وقعتْ موضوعات الكتاب ، والعناوين الجانبية التي كانت تدلّ على محتويات الكتاب ، وما حوته من مادة وبحوث ، من الدكتور مَوْقعاً حسناً، ولكنّه تخوَّف أن يكون هذا الكتاب الذي صدر من قلم عالم ديني ، نشأ وتثقف بعيداً عن العالم الغربي، يغلب عليه الطابع الديني واللغوي - شأن علماء الأزهر والمعاهد الدينية القديمة - فسأل هل استفاد المؤلف من المراجع الأجنبية ؟ فملا كان الجواب بالإيجاب ، وأرسل المؤلف ثبت المراجع الإنجليزية ؛ اطمأن قلب الدكتور ، وأخبر بأن اللجنة قررت طبع هذا الكتاب ، وأبدى إعجابه بالكتاب سواءّ من الناحية الأدبية أو الناحية المعنوية ، وكان اليوم الذي تلقّى فيه المؤلف هذه الرسالة من الدكتور، من أعظم أيام العمر فرحاً وسروراً ، لا ينساه المؤلف حتى اليوم . ومضت على ذلك شهور ، وأنا لا أعلم مصير هذا الكتاب ، وقد سافرتُ في أثناء هذه المدة إلى الحجاز للمرة الثانية ، وذلك في سنة 1369هـ (1950م) ، وفوجئتُ بنسخة مطبوعة عند سفير سورية الأستاذ جواد المرابط عضو المجمع اللغوي بدمشق ، كان قد استصحبها من القاهرة وكان يبدي إعجابه بعمق فكر علماء الهند وأصالته ، مستشهداً بهذا الكتاب، الذي وقع إلى يده في زيارته القريبة لمصر ، وهو لا يعرف أنه يتحدث إلى مؤلفه ، ومن السهل الميسور تقدير فرح المؤلف الشاب المغمور، الذي يفاجأ بأثره العلمي التأليفي الأول ، الصادر من أكبر دور النشر ، فاستعاره من سعادة السفير ليرده إليه بعد مطالعته ، ولكنه فوجئ كذلك بأن المقدمة الصغيرة التي قدّم بها الدكتور أحمد أمين هذا الكتاب ، لم تكن فيها تلك القوة التي كان يتوقعها المؤلف من كاتب إسلامي كبير كالدكتور أحمد أمين، وكان متحفّظاً شديد التحفّظ في إبداء انطباعه عن الكتاب ومؤلفه . ولم يكن الأمر غريباً - وإن كان ثقيلاً على المؤلف - فليس كل من يقدّم كتاباً يتحمّس للموضوع الذي كتب فيه ، فلا يكون ذلك إلا إذا كان المقدًّم يتجاوب مع فكرته ، ويؤمن بها إيماناً عميقاً ، وليس كل باحث علمي وكاتب كبير - وإن كان في درجة الدكتور أحمد أمين بك - يرى أن العالم فقد خسر حقاً ، والإنسانية قد نُكبت نكبة كبيرة بانحطاط المسلمين ، وانسحابهم عن ميدان القيادة والتوجيه العالمي ، فذلك نمط خاص للتفكير والتفسير للتاريخ ، ليس من اللازم أن يقتنع به كل مؤلف ودارس ، وليست التبعة على الدكتور أ؛مد أمين - وفضله لا ينكر في نشر هذا الكتاب من لجنة التأليف والترجمة والنشر الموقرة - ولكن التبعة على مؤلف الكتاب الذي أمّل فيه الآمال البعيدة ، وحمّله ما لم يتهيّأ له فكرياً وعلمياً، ولم تساعد ظروفه التربوية والدراسية الخاصة على انتهاج هذا المنهج ، ثم لعل الدكتور أحمد أمين الذي كان يعتبر من أساتذة الجيل الجديد ومن كبار المؤلفين والأدباء ؛ خاف - وله الحق - أن يُعطي المؤلف - الذي لا يعرفه معرفة شخصية ، ولم يتحقق من مستواه العلمي والنظرة التي ينظر بها إليه مواطنوه وعلماء بلاده - أكثر مما يستحق ، فيقال إنه كساه ثوباً سابغاً فضفاضاً أكبر من قامته وقيمته ، وسامحه الله وجزاه عن المؤلف والقرّاء أحسن الجزاء فقد كان السبب في وصول هذا الكتاب إلى الأوساط العملية والمتنّورة التي لا تعير كتاباً يصدر عن مؤسسة دينية شيئاً من العناية والاهتمام . واتفقتْ رحلة المؤلف إلى مصر في يناير 1951م بعد ما مضى على صدور هذا الكتاب شهران أو أكثر ، فوجد أن الكتاب قد شقّ طريقه إلى الأوساط العملية والدينية ، وحلّ منها محلاًّ لم يكن يتوقعه المؤلف بل يحلم به ، وقد قرئ في نطاق واسع من المثقفين والمعنيين بقضية الإسلام وانتفاضته ، وصَحْوة المسلمين ، وكان نشاط " الإخوان المسلمون " قد بدأ يدبّ ، وخُفِّف الخناق عليهم بعض التخفيف ، وكأن هذا الكتاب قد جاء في أوانه ومكانه ، وتناغَمَ مع شعورهم وما يَدْعون إليه، وكان الجرح عميقاً ودامياً : شهادة الإمام الشهيد حسن البنّا ، وحلّ حركة الإخوان ، فجاء هذا الكتاب مسلِّياً معزّياً ، بل كسلاح علمي يدافعون به عن فكرتهم ، وشحنة جديدة وزاداً ومدداً (لبطاريتهم ) فقرؤوه في المعتقلات ، وقرّروه في منهج الدراسة والمطالعة ، واستشهدوا ببعض عباراته في المحاكم ، واستقبلوا - بطبيعة الحال - مؤلفته بحماس وحب ، وكان الكتاب خير معِّرف للمؤلف الزائر الجديد ، وممهّداً للثقة به والحديث معه . وكان الكاتب الإسلامي الكبير الأستاذ سيد قطب في مقدمة من رحِّب بهذا الكتاب ، وعني به ، وشجع تلاميذه وإخوانه في مطالعته ، وفي يوم من الأيام ([3]) تلقَّى المؤلف دعوة من الأستاذ سيد قطب لحضوره ندوة تجتمع في منزله بحلوان كل جمعة ، وتبحث في موضوع إسلامي ، أو تستمع إلى تلخيص كتاب بقلم أحد الحاضرين وتتناول البحث فيه ، وكان الموضوع ذلك اليوم كتاب ( ماذا خسر العالم ) ولقد لخّصه أحد تلاميذه من خريجي جامعة فؤاد الأول ، فلبّى المؤلف هذه الدعوة الكريمة الحبيبة ، التي هي رمز لتقدير مجهوده العلمي الكتابي المتواضع وتشريف له ، فحضر هذه الندوة وساهم في البحث و أجاب عن بعض الأسئلة الموجّهة إليه كمؤلف . وهناك بَدَت له فكرة الطلب من الأستاذ سيد قطب ليقدِّم هذا الكتاب بقلمه المؤمن القوي، وأسلوبه العلمي الهادف ، وقبل الأستاذ سيد قطب هذه الدعوة بسرور وحماس ، وكتب تلك المقدمة القوية التي زادت في قيمة الكتاب وقوته . وصادف ذلك طَلَبُ الأستاذ الفاضل والعالم المؤمن الدكتور محمد يوسف موسى ، أستاذ كلية أصول الدين في الأزهر ، ورئيس جماعة الأزهر للتأليف والترجمة والنشر - الذي كان من كبار المعجبين بهذا الكتاب المنوّهين به ، والحافزين على قراءته - إصدارَ الطبعة الثانية المنقحة من جماعة الأزهر ([4]) ، فسمح له المؤلف شاكراً مسروراً ، وأخذ الدكتور التصريح والموافقة من الدكتور أحمد أمين ، وكتب مقدمة يتجلًّى فيها إخلاصه وحبه ، واستجابته للفكرة ، حلَّى بها جِيد الكتاب ، وفاجأ المؤلِّف صديقه الدكتور أحمد الشرباصي- أحمد علماء الأزهر وأساتذته - في إحدى زياراته ، فاختلس منه معلومات عن أسرته وبيئته ونشأته ، ودراساته وحياته ، لا يعلم المؤلف ماذا سيصنع بها ، فكوًّن بها مقالاً عن المؤلف عنونه بـ " أخي أبو الحسن " ( صورة وصفية ) ، وضمًّه إلى الكتاب ، ولم يعلم به المؤلف إلا حين صدرت الطبعة الثانية سنة 1953م ، وتلَت هذه الطبعة طبعات وترجمات في لغات الشرق والغرب ، وهاي هي ذي الطبعة الثالثة عشر القانونية . وهذه قصة الكتاب في إيجاز وصدق وصراحة ، ولله المنُّ والفضل أولاّ وآخراً . 20 رجب 1401هـ أبو الحسن علي الحسني الندوي 25 مايو 1981م ندوة العلماء - لكهنؤ
مقدمة الطبعة الثامنة : الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين ، وخاتم النبيين محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين . أما بعد : فيسرُّني ويسعدني - كأي مؤلف وكاتب ، وداع إلى فكرة ، وعامل لدعوة - أن أكتب مقدمة للطبعة الثامنة لهذا الكتاب الذي لم أكن أتوقع حين صدرت له الطبعة الأولى ، أن تتلوها هذه الطبعات المتكررة الكثيرة ، وأن ينال هذا القبول والانتشار في العاَلمين العربي والإسلامي ، وأن تتخطَّفه الأيدي ، وتتنافس في نشره المكتبات الكثيرة التي تعنى بالكتاب الإسلامي ، وأن يُنقل إلى عدة لغات وتكرر فيها الطبعات ([5]) ، ولم يكن ذلك إلا بنصر الله وتأييده ، وهو دليل على وجود القبول الطيب ، والتجاوب الروحي مع الفكرة التي يحملها هذا الكتاب ، والغاية التي يدعو إليها . ومن غريب المصادفات ، أن هذا الكتاب الذي كان أول مؤلَّف عربي للمؤلِّف ، لم ينل حظه من التنقيح والزيادة ، رغم طبعاته المتكررة ([6]) ، كما نالت مؤلفاته الأخرى ، إلا ما كان من زيادة يسيرة في الطبعة الثالثة ، وبقي هذا الكتاب يعاد طبعه من غير تنقيح وزيادة ، وينفد سريعاً ، ولا يجد المؤلف فرصة للنظر فيه ، وضمِّ بعض ما سنح له من آراء أو معلومات ، ولا ينتظر الناشرون - لسرعة نفاد النسخ المطبوعة وكثرة طلبها - أن يتناوله المؤلف بالتنقيح والزيادة ، فكانت الطبعات كلها صورة واحدة ، ونسخة صادقة للطبعة الثالثة ، حتى هيأ الله هذه الفرصة في شهر الله المحرم سنة 1389هـ ( مارس - إبريل 1969م ) ، حين أرادت دار القلم - الكويت طبع هذا الكتاب من جديد ، فانقطع المؤلف إلى قراءته ومقابلته بالنصوص والمراجع ، فصحح بعض الأخطاء ، وخرَّج الأحاديث الواردة فيه، وأحال الآيات إلى مواضعها في المصحف الشريف ، وزاد زيادات لا يكثر عددها ، ولكنها تزيد في قوة الكتاب وقيمته ، وتملأ فراغاً كان يشعر به المؤلف . وبذلك كله تصدر هذه الطبعة أكثر ضبطاً وإتقاناً، وأحسن تنقيحاً وتهذيباً ، و أغنى مادة ، ولله الأمر من قبل ومن بعد ، وله الحمد في الأولى والآخرة .
28 محرم الحرام 1389هـ أبو الحسن علي الحسني الندوي يوم الأربعاء 16 / 4/196م ندوة العلماء - لكهنؤ
مقدمة الطبعة الرابعة :
الحمد لله ، وسلام على عباده الذين اصطفى . أما بعد ، فقد ظهرت الطبعة الأولى لكتاب ( ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين ) سنة 1369هـ / 1950م فكان الإقبال عليه عظيماً تخطّى قياس المؤلف وجاءه ، فقد كان كتاباً لا يسترعي اهتمام القراء إلا موضوعه - الذي يكاد يكون طريفاً - وما يحتوي عليه ما مادة ومعنى ، ولم يكن من ورائه شخصية المؤلف وشهرته ، فمل يكن قد ظهر لمؤلفه كتاب آخر قبل هذا الكتاب في العالم العربي ، ولم يعرفه الناس في هذه الأقطار ، فكانت العناية بهذا الكتاب عناية خالصة مجرَّدة للكتاب وللموضوع، ليس فيها نصيب لشخصية المؤلف وشهرته . ولا يُعلل هذا الإقبال النادر الذي حظي به الكتاب إلا بفضل الله تعالى ولطفه ، وبعد ذلك بأن هذا الكتاب قد جاء في أوانه ، وصادف رغبة غامضة واتجاهاً مُبهماً في النفوس ، وبأنه يتجاوب مع شعور كثير من المفكرين والمثقفين في العالم العربي ، ويلتقي مع أفكارهم وآرائهم ودراستهم . وعلى كُلِّ فقد كان الكتاب واسع الانتشار في العواصم العربية والأوساط العلمية ، وتناولته طبقات الأمة وبعض قادة الفكر بالدراسة والبحث ، وأشار المربُّون والمعلمون على الشباب بمطالعة هذا الكتاب ، والحمد لله الذي بعزّته وجلاله تتم الصالحات . وقد قامت لجنة التأليف والترجمة والنشر في القاهرة بالطبعة الأولى، وكان لها - ولاشك - فضل في ظهور هذا الكتاب في مظهر جميل لائق، وفي نفوذه الأوساط العلمية والأدبية ، وحرصت جماعة الأزهر الشريف للنشر والتأليف - وفيها أصدقاء المؤلف - على إعادة طبع الكتاب ، فصرَّحت لها بذلك ، ووافق عليها المرحوم الأستاذ الكبير أحمد أمين (بك) رئيس اللجنة ، فظهرت الطبعة الثانية سنة 1370هـ -1951م ، وفيها مقدمات للدكتور محمد يوسف موسى ، والكاتب الإسلامي الأستاذ سيد قطب وصديق المؤلف الشيخ أحمد الشوباصي ، زادت في قيمة الكتاب . ظهرت الطبعة الثانية ، وأنا في جولتي في الشرق الأوسط ، فلم أتمكن من أن أضمّ إليها زيادات كنت أفكر فيها وأشعر بالحاجة إليها ، وهيأ الله أسباب الطبعة الثالثة ، ووقعت إلَّي مصادر جديدة ، وجدّ عندي بعض الآراء ونواح جديدة فألحقتها بالكتاب ، وتأخرت هذه الطبعة لبعض الأسباب إلى سنة 1379هـ -1959م ، ونفدت في مدة قريبة ، وها هي الطبعة الرابعة مزيدة منقحة . وأسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفع بهذه الطبعة - وما يليها من طبعات إن شاء الله - كما نفع بالطبعات الأولى ، وأن يجعل هذا الكتاب وسيلة للوعي الجديد، والإيمان الجديد الذي تشتدّ حاجة العالم الإسلامي إليه، إنه على كل شيء قدير .
أبو الحسن علي الحسني الندوي لكهنؤ ( الهند )
تصدير بقلم فضيلة الأستاذ الدكتور محمد يوسف موسى
اتصال السماء بالأرض لأداء رسالة من الله المتفرِّد في سموهِّ وعليائه، إلى عبيده المحتاجين لهديه وإرشاده حدثُ من الأحداث العظام ، وخرق لنواميس الطبيعة التي لا تتغير من طريقها المرسوم إلا حين الحاجة القصوى ، ولغاية قدَّّرها العزيز العظيم . وليس يحدث أو يكون أمر في هذا العالم إلا عن سبب اقتضى حدوثه وكونه ، ولغاية أُريدت منه . وظهور الإسلام ، وهو أعظم ما رأى العالم من أحداث لابد له من أسبابه التي استلزمته ، وممهداته التي أعدت له ، وغايته التي تُنتظر دائماً منه . ولنسا الآن بسبيل الحديث - ولو بالإيجاز الشديد - عن هذه الأسباب والممهدات التي أُعدت لظهور الإسلام بعد أن خلال العالم الذي كان معروفاً حينذاك من المجتمع الصالح والدين الصحيح ، ولسنا كذلك بسبيل الحديث عن الغاية التي جاء الإسلام من أجلها ، وعمل نبيهّ ورجاله الأولون جاهدين على الوصول إليها ، فسعد به العالم زمناً طويلاً ، كل ذلك معروف يصبح الكلام فيه حديثاً معاداً ، ولا محلَّ لمثل هذا الحديث الآن في الكلمة التي يسعدني أن أقدم بها لهذا الكتاب ، استجابة لطلب مؤلفه صديقنا الأستاذ الجليل السيد أبي الحسن علي الحسني الندوي ، أحد دعاة الإسلام من الطراز الأول في هذا العصر الذي نعيش فيه . على أن الكتاب في غير حاجة حقاً لتقدمه مقدَّم ، فقد تقبّله القراء بقبول حسن ، وخصُّوه بحفاوة لم يظفر بها كتاب ظهر عن الإسلام في هذه الأيام ، وإنما هو تواضع وفضل من المؤلف المؤمن الصادق الإيمان جعلاه يطلب من هذه الكلمة . وأشهد لقد قرأت الكتاب حتى ظهرت طبعته الأولى في أقل من يوم ، وأُغرمت به غراماً شديداً ، حتى لقد كتبت في آخر نسختي وقد فرغت منه : ( إن قراءة هذا الكتاب فرض على كل مسلم لإعادة مجد الإسلام ) ، وكل هذا قبل أن أعرف المؤلف الفاضل ، فلما سعدت بمعرفته والحديث معه مرات عديدة ، فهمت كيف ولماذا فُتنت بالكتاب ، وعرفت أن مردَّ هذا كله - فوق ما فيه من ثمرات التوفُّر على البحث ونشدان الحق - إلى معرفة الكاتب بالإسلام معرفة حقه ، وأخْذِ نفسه في حياته به ، و الإخلاص في الدعوة الصحيحة له . لقد أحس صديقنا الفاضل أبو الحسن ما نحسه جمعياً في حسرة بالغة، وألم شديد وهو ما ارتضته الدول الإسلامية لنفسها من السير في المؤخرة وراء العامل الغربي ، تميل إلى ما يميل ، وتقبل حكمه فيما يعرض له من شؤونها ، وترضى ما يقره من (قِيَم) حسب موازينه الخاصة به ؛ وكان من هذا أن فقد العربي - والمسلم بعامة - ثقته بنفسه وجنسه ودينه ومعاييره ، وقيمة العالية التي كان يحرص عليها أجداده وأسلافه الأماجد ، ويحلُّونها من أنفسهم المكان العلي المرموق ، وهذه علتنا التي يجب علينا أن نجد الحل الناجع لها من صميم ديننا وتاريخنا وتراثنا الروحي العقلي الخالد ، وإلى هذا كله نظر مؤلف كتاب ( ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين) وإليه جميعه عنى نفسه وعمل جهده . حقاً ليست مشكلة العالم الإسلامي اليوم في عدم الدعاوة للإسلام بين غير المسلمين ، ولا في اكتساب مسلمين جدد، وإنما هذه المشكلة هي انصراف المسلمين عن الإسلام ، وعن الشرق إلى الغرب بحضارته وقِيَمه التي يدعو إليها وموازينه التي يزن بها الأمور ، ومن ثَمَّ صرنا مسلمين بالاسم والولادة والموقع الجغرافي فحسب ، وعزفنا عن الإسلام بالفعل ، حتى أصبحنا ولا نعرفه في تشريعنا وتقاليدنا التي نأخذ هذه الأيام أنفسنا بها ولسنا في حاجة في هذا لضرب الأمثال التي نحسبها ونلمسها جميعاً في رجال الحكم ، وفي ممثلي البلاد الإسلامية في الشرق والغرب ، و فيمن يجب أن يكونوا القدوة الطيبة بحكم مناصبهم الدينية في مصر وغير مصر ، والأمر لله من قبل ومن بعد . ولقد اختتم الله بالإسلام رسالته للعالم ، فليس لنا أن ننتظر اتصالاً جديداً من السماء بالأرض يطهرها مما كاد يعمُّها من شرك وضلال وفساد ، ولا نبياً آخر بعد رسول الإسلام ، يخرج العالم برسالة جديدة من الظلمات إلى النور ، ولا قرآناً جديداً يهدي الإنسانية الحائرة إلى سبيل الرشد والسعادة ، ولكن الله الرحمن الرحيم ترك فينا بعد هذا ، أو بسبب هذا، كتاباً لن يضل من اتبعه وشريعة لن يشقى من عمل بها . وكل ما يجب أن نعمل له ، لنخرج والعالم كله من هذه الجاهلية التي احتوتنا من جميع الأطراف ، هو إعادة الثقة بديننا حتى يكون أساس حياتنا في كل مقوماته ، وليس لنا أن نطلب من أحد أن يؤمن بهذا الدين قبل أن نؤمن نحن أولاً به ، ولن يكون هذا الإيمان إلا بالقدوة الطيبة الصالحة نقدمها للناس جميعاً . إن العالم - وهذا أمر لمسناه بأنفسنا لمساً بأوروبا - يتخذ من فشل المسلمين سياسياً واقتصادياً دليلاً حاسماً على عدم صلاح الإسلام لقيادة المسلمين ، بَلْه العامل كله ! مع أن هذا العالم المسيحي نفسه حين كان المسلمون مسلمين حقاً من ناحية العقيدة والعمل على السواء ، قد تزعزع من مسيحيَّته عندما شاهد ما أحرزته سيوف المسلمين من نجاح منقطع النظير ، إذ اعتقدوا - بحق - أن نجاح المسلمين هذا دليل قاطع على صدق دينهم ، مادام الله لا يؤتي نصره إلا لعباده المختارين ([7]) . وليس ما نقول من أثر القوى الطيبة الصالحة في الدعاوة للإسلام ، بالقول الذي لا يرتكز على دليل وشواهد من التاريخ الصحيح ، إن صاحب كتاب الدعوة إلى الإسلام نفسه يذكر ما يأتي حرفياً : " ويظهر أن أخلاق صلاح الدين ، وحياته التي انطوت على البطولة ، قد أحدثت في أذهان المسيحيين في عصره تأثيراً سحرياً خاصاً، حتى أن نفراً من الفرسان المسيحيين ، قد بلغ من قوة انجذابهم إليه ، أن هجروا ديانتهم المسيحية ، وهجروا قومهم وانضموا إلى المسلمين ، وكذلك كانت الحال عندما طرح النصرانية فارس إنكليزي من فرسان المعبد ( روبرت أف سانت البانس ) (Robet of st. Albans ) عام 1185م واعتنق الإسلام ، ثم تزوج بإحدى حفيدات صلاح الدين ، وبعد عامين غزا صلاح الدين (فلسطين ) وهزم الجيش المسيحي هزيمة نكراء في واقعة (حطين) وكان جوي (goy) ملك بيت المقدس بين الأسرى . وحدث في مساء المعركة أن ترك الملك ستة من فرسانه ، وفروا إلى معسكر صلاح الدين بمحض إرادتهم " ([8]) هذا شاهد من الشواهد التي لا تحصى كثرة ، والتي تزخر بها كتب التاريخ في القديم والحديث ، ومنها نعلم أثر القدوة الطيبة في النفوس ، حتى في نفوس غير المسلمين الذين كنا نراهم خصوماً لنا وأعداء ؛ ومنها نعلم أيضاً سبباً من الأسباب القوية التي يسرَّت للمسلمين ما تفح الله عليهم من فتوح ، وما ظفروا به من أمجاد . إن هذا الإسلام لا يصلح اليوم إلا بما صلح به في الأمس ، إيمان به إيماناً يخالط شغاف قلب المؤمن ، واستعذاب للتضحية في سبيله بما يعتز به المرء من المال ونفس، واعتزاز بما جاء به من تشاريع ومبادئ وتقاليد صالحة لإنهاض العالم و إسعاده ، ودعوة له بالعمل الصالح والقوى الطيبة، وعدم القضاء إلا بحكمه ، وجعل الحياة في كل جوانبها لا تقوم إلا عليه . علينا إذا أردنا أن نأخذ مكاننا من جديد في قيادة الإنسانية أن نعتقد اعتقاداً حقاً يظهر أثره في كل ما نقول أو نعمل - ما يراه شاعر الإسلام الدكتور محمد إقبال - من أن المسلم لم يخلق ليندفع مع التيار ، ويساير الركب البشري حيث اتجَّه وسار ، بل خُلق ليوجَّه العالم والمجتمع والمدينة، ويفرض على البشرية اتجاهه ، ويملي عليها إرادته ، لأن صاحب الرسالة وصاحب العلم اليقين ، ولأنه المسؤول عن هذا العالم وسيراه واتجاهه، فليس مقامه مقام التقاليد والاتباع ، إن مقامه مقام الإمامة والقيادة ومقام الإرشاد والتوجيه ، ومقام الآمر الناهي ، وإذا تنكر له الزمان ، وعصاه المجتمع وانحرف عن الجادة ، لم يكن له أن يستسلم ويخضع ويضع أوزاره، ويسالم الدهر ، بل عليه أن يثور عليه وينازله ، ويظل في صراع معه وعراك ، حتى يقضي الله في أمره . إن الخضوع والاستكانة للأحوال القاسرة والأوضاع القاهرة ، والاعتذار بالقضاء والقدر من شأن الضعفاء والأقزام ، أما المؤمن القوي فهو بنفسه قضاء الله الغالب وقدره الذي لا يرد ([9]). وبعد : ماذا أريد أن أقول بعد ذلك في هذا الكلمة التي أحسبها طالت بعض الشيء في تقديم كتاب هو بنفسه وبكاتبه غني عن كل تقديم ، كما قلت في أول الحديث ؟ إني - عِلم الله - لست أذكر فيما قرأت من القديم والحديث كتاباً حوى من الخير ما حواه هذا الكتاب ، ولا كتاباً وضع أيدينا على دواء ما نشكو منه من أدواء وأمراض ، كما فعل هذا الكتاب ، ولا كتاباً نفذ كاتبه إلى روح الإسلام ، وأخلص ويخلص في الدعوة له ، ويقف كل جهوده على هذه السبيل كهذه الكتاب . علنيا إذاً أن نفيد من هذا الكتاب ، ومن الوسائل التي يدعو مؤلفه الفاضل لاصطناعها ، لنصل إلى النهضة المرجوةَّ، والكرامة والمجد في هذه الحياة ، وفي الحياة الأخرى ، وذلك ما لا يكون لنا إلا إذا غيَّرنا من أوضاع التعليم ومناهجه وغاياته عندنا ، وإلا إذا جعلنا همًّمنا تربية النشء على أسس إسلامية صحيحة وجعلنا الغاية من التربية والتعليم عندنا: النهضة بالعالم الإسلامي حتى يصل إلى ما يجب أن يكون له من مكانة ملحوظة في هذا العالم واصطنعنا لهذا الوسائل الناجعة حقاً . إن هذا حين يتم ، إن أراد الله لأمة الإسلام إفاقة من نوعها، ونهضة من كَبوتها ، يجعل من تلاميذ اليوم رجالات مسلمين حقاً في المستقبل ، يحسنون تصريف شؤون الأمة حين توضع أمور الأمة بين أيديهم ، ويجعل منهم رجالاً شجعاناً لديهم وأمتهم ، ولا همَّ لهم في حياتهم إلا إعادة مجد الإسلام والعالم الإسلامي . والوسائل الناجعة للوصول إلى تلك الغاية المجيدة من التربية والتعليم جد كثيرة ومعروفة إن أردناها ، ولكن يحسن أن نختم هذه الكلمة بقبس من كلام الأستاذ أبي الحسن الندوي نفسه ، إنه يقول : " والقرآن وسيرة محمد r قوَّتان عظيمتان تستطيعان أن تشعلاً العالم الإسلامي نار الحماسة الإيمان ، وتحدِثا في كل وقت ثورة عظيمة على العصر الجاهلي ، وتجعلا من أمة مستسلمة منخذلة ناعسة : أمة فتية ملتهبة حماسة وغيرة وحنقاً على الجاهلية ، وسخطاً على النظم الخائرة. إن علة العلل في العالم الإسلامي اليوم هو الرضا بالحياة الدنيا والاطمئنان بها ، ولا يزعجه انحراف ، ولا يهيجه منكر ، ولا يهمه غير مسائل الطعام اللباس ؛ ولكن بتأثير القرآن والسيرة النبوية ، إن وجدا إلى القلب سبيلاً، يحدث الصراع بين الإيمان والنفاق ، واليقين والشك ، بين المنافع العاجلة والدار الآخرة ، بين راحة الجسم ونعيم القلب ، وبين حياة البطولة وموت الشهادة ، صراع أحدثه كل نبي في وقته ، ولا يصلح العالم إلا به حينئذ يقوم في كل ناحية من نواحي العالم الإسلامي ، وفي كل أسرة إسلامية )فتية ءامنوا بربهم وزدناهم هدى (13) وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السموات والأرض ولن ندعوا من دونه إلهاً لقد قلنا إذاً شططاً(. هنالك تفوح روائح الجنة ، وتهب نفحات القرن الأول ، ويولد للإسلام عالم جديد لا يشبه العالم القديم في شيء " . من هذه الكلمات التي قبسناها من هذا الكتاب الذي نكتب هذا التقديم له ، نرى أي روح كبيرة أملَتْ على المؤلف ما كتب ! نفع الله به وبكل آثاره ، وجزاءه عن الإسلام وأمته خير الجزاء .
محمد يوسف موسى
مقدمة بقلم الكتاب الإسلامي الأستاذ سيد قطب ما أحوج المسلمين اليوم إلى من يرُدَّ عليهم إيمانهم بأنفسهم ، وثقتهم بماضيهم ، ورجاءهم في مستقبلهم .. وما أحوجهم لمن يرُدَّ عليهم إيمانهم بهذا الدين الذي يحلمون اسمه ويجهلون كنه ، ويأخذونه بالوراثة أكثر مما يتَّخذونه بالمعرفة . وهذا الكتاب الذي بين يدي :" ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين" لمؤلفه ( السيد أبي الحين علي الحسني الندوي ) من خير ما قرأت في هذا الاتجاه ، في القديم والحديث سواء . إن الإسلام عقيدة استعلاء ، من أخصَّ خصائصها أنها تبعث في روح المؤمن بها إحساس العزَّ من غير كبر ، وروح الثقة في غير اغترار، وشعور الاطمئنان في غير تواكل ، وأنها تشعر المسلمين بالتبعة الإنسانية الملقاة على كواهلهم ، تبعة الوصاية على هذه البشرية في مشارق الأرض ومغاربها ، وتبعة القيادة في هذا الأرض للقطعان الضالة ، وهدايتها إلى الدين القيّم ، والطريق السوي، وإخراجها من الظلمات إلى النور بما آتاهم الله من نور الهدى والفرقان ) كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ( [ آل عمران :110] .. ) وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً ( [ البقرة : 143]. وهذا الكتاب الذي بين يدي يثير في نفس قارئه هذه المعاني كلها، وينفث في رُوعه تلك الخصائص جميعها ، ولكنه لا يعتمد في هذا على مجرّد الاستثارة الوجدانية أو العصبية الدينية ، بل يتّخذ الحقائق الموضوعية أداته ، فيعرضها على النظر والحسّ والعقل والوجدان جميعاً، ويعرض الوقائع التاريخية والملابسات الحاضرة عرضاً عادلاً مستنيراً؛ ويتحاكم في القضية التي يعرضها كاملة إلى الحق والواقع والمنطق والضمير ، فتبدوا كلها متساندة في صفة وفي صف قضيته ، بلا تمخُّل ولا اعتساف في مقدمة أو نتيجة ، وتلك مزية الكتاب الأولى . إنه يبدأ فيرسم صورة صغيرة سريعة - ولكنها واضحة - لهذا العالم قبل أن تشرق عليه أنور الإسلام الأولى .. يرسم الصورة لهذا العالم شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً ، من الهند والصين إلى فارس والروم ، صورة المجتمع وصورة الضمير في هذا الدنيا العريضة ، في الجماعات التي تظلها الديانات السماوية ، كاليهودية والمسيحية ، والتي تظلها الديانات الوثنية، كالهندوكية والبوذية الزرادشتية .. وما إليها . إنها صورة جامعة تعرض رقعه العالم وتصِفُها وصفاً بيناً ،لا يعتسف المؤلف فيه ، ولا يستبدل به ، إنما يشرك معه الباحثين والمؤرخين من القدامى والمُحْدَثين ، ممن يدينون بغير الإسلام ، فلا شبهة في أن يكونوا مغرضين له ، وللدور الذي أدَّاه في ذلك العالم القديم . إنه يصفُ العالم تسيطر عليه روح الجاهلية ، ويتعفّن ضميره ، وتأسن روحه ، وتختل فيه القيم والمقاييس ، ويسوده الظلم والعبودية، وتجتاحه موجة من الترف الفاجر والحرمان التاعس ، وتغشاه غاشية من الكفر والضلال والظلام ، على الرغم من الديانات السماوية ، التي كانت قد أدركها التحريف ، وسرى فيها الضعف ، وفقدت سيطرتها على النفوس ، واستحالت جامدة ، لا حياة فيها ولا روح ؛ وبخاصة المسيحية . .. فإذا فرغ المؤلف من رسم صورة العالم بجاهليته هذه ، بدأ يعرض دور الإسلام في حياة البشرية ، دوره في تخليص روح البشر من الوهم والخرافة ، ومن العبودية والرق ، ومن الفساد والتعفن ، ومن القذارة والانحلال ، ودوره في تخليص المجتمع الإنساني من الظلم والطغيان ، ومن التفكك والانهيار ، ومن فوارق الطبقات واستبداد الحكام واستذلال الكهّان، ودوره في بناء العالم على أسس من العفّة والنظافة والإيجابية والبناء والحرية والتجددّ ، ومن المعرفة واليقين ، والثقة والإيمان، والعدالة والكرامة ، ومن العمل الدائب لتنمية الحياة وترقية الحياة ، وإعطاء كل ذي حقُّ حقه في الحياة . كل أولئك في إبان الفترة التي كانت القيادة فيها للإسلام في أي مكان، والتي كان الإسلام فيها يعمل ، وهولا يستطيع أن يعمل إلا أن تكون له القيادة لأنه بطبيعته عقيدة استعلاء ،ومنهج قيادة ، وشرعة ابتداع لا اتّباع. ثم تجئ الفترة التي فقد الإسلام فيها الزمام ، بسبب انحطاط المسلمين وتخلّيهم عن القيادة التي فرضها عليهم هذا الدين ، والوصاية التي يكلّفهم بها على البشرية ، والتبعات التي ينوطها بهم في كل اتجاه . وهنا يستعرض المؤلف أسباب هذا الانحطاط الروحية المادية ، ويصف ما حلَّ بالمسلمين أنفسهم عندما تخلَّوا عن مبادئ دينهم ، ونكصوا عن تبعاتهم ، وما نزل بالعالم كلّه من فقدان لهذه القيادة الراشدة ، ومن انتكاسة إلى الجاهلية الأولى ، ويرسم خط الانحدار الرهيب الذي ترتكس فيه الإنسانية في ذات الوقت الذي تفتح فيه آفاق العلم الباهرة .. يرسم هذا الخط عن طريق التأمل الفاحص ، لا بالجمل النارية والتعبيرات المجنَّحة ، فالحقائق الواقعة كما عرضها المؤلف غنية عن كل بهرج وكل تزويق. وخلال هذا الاستعراض ، يحسَّ القارئ ، بمدى الحاجة البشريّة الملحّة إلى تغيير القيادة الإنسانية ، وردّها إلى الهدى الذي انبثق ليُخرج من الظلمات إلى النور ، ومن الجاهلية إلى المعرفة ، ويشعر بالقيمة الكلية لوجود هذه القيادة في الأرض ، وبمدى الخسارة التي حلّت بالبشر جميعاً ، لا بالمسلمين وحدهم في الماضي وفي الحاضر ، وفي المستقبل القريب والبعيد . كذلك يثور في نفس المسلم بصفة خاصة روح الندم على ما فرّط ، وروح الاعتزاز بما وهب ، وروح الاستشراف إلى القيادة التي ضيَّع. ولعلَّه مما يفلت النظر تعبير المؤلف دائماً عن النكسة التي حاقت بالبشرية كلها منذ أن عجز المسلمون عن القيادة بكلمة (الجاهلية ). وهو تعبير دقيق الدلالة على فهم المؤلف للفارق الأصيل بين روح الإسلام ، والروح المادي الذي سيطر على العالم قبله ، ويسيطر عليه اليوم بعد تخلّي الإسلام عن القيادة .. إنها ( الجاهلية ) في طبيعتها الأصلية ، فالجاهلية ليست فترة من الزمن محدودة ،ولكنها طابع روحي وعقلي معين، طابع يبرز بمجرّد أن تسقط القيم الأساسية للحياة البشرية ، كما أرادها الله، وتحلّ محلَّها قيم مصطنعة تسند إلى الشهوات الطارئة ، وهذا ما تعانيه البشرية اليوم في حالة الارتقاء الأولى ، كما كانت تعانيه من قبل في أيام البربرية الأولى . فرسالة العالم الإسلامي هي الدعوة إلى الله ورسوله والإيمان باليوم الآخر ، وجائزته هي الخروج من الظلمات إلى النور ، ومن عبادة الناس إلى عبادة الله وحده ، والخروج من ضيق الدنيا إلى سَعَتها ، ومن جَوْر الأدبيان إلى عدل الإسلام .. وقد ظهر فضل هذه الرسالة ، وسهل فمهما في هذا العصر أكثر من كلّ عصر ، فقد افتضحت الجاهلية ، وبدت سوءتها للناس، واشتدّ تذمّر الناس منها فهذا طور انتقال العالم من قيادة الجاهلية إلى قيادة الإسلام ، لو نهض العالم الإسلامي ، واحتضن هذه الرسالة بكل إخلاص وحماسة وعزيمة ودان بها " كالرسالة الوحيدة التي تستطيع أن تنقذ العالم من الانهيار والانحلال " ، كما يقول المؤلف الفاضل قرب نهاية الكتاب . وأخيراً ، فإن الخصيصة البارزة في هذا الكتاب كله هي الفهم العميق لكلّيّات الروح الإسلامية في محيطها الشامل ، وهو لهذا لا يُعدُّ نموذجاُ للبحث الديني والاجتماعي فحسب ، بل نموذجاً كذلك للتاريخ كما ينبغي أن يُكتب من الزاوية الإسلامية . لقد مضى الأوروبيون يؤرّخون للعالم كلّه من زاوية النظرية الغربية، متأثّرين بثقافاتهم المادية ، وفلسفتهم المادية ، ومتأثّرين كذلك بالعصبية الغربية والعصبية الدينية - شعروا بذلك أم لم يشعروا - ، ومن ثَمّ وقعت في تاريخهم أخطاء وانحرافات ، نتيجة إغفالهم لقيم كثيرة في هذه الحياة ، لا يستقيم تاريخ الحياة ولا يصح تفسير الحوادث والنتائج بدونها ؛ ونتيجة عصبيتهم التي تجعل أوروبا في نظرهم هي محور العالم ومركزه دائماً ، ولإغفالهم العوامل الأخرى التي أثَّرت في تاريخ البشرية ، أو التهوين من شأنها إذا لم يكن مصدرها هو أوروبا . ولقد درجنا نحن على أن نتلقَّف التاريخ من أيدي أوروبا كما نتلقَّف كل شيء آخر .. نتلقَّفه بأخطائه تلك ، وهي أخطاء في المنهج بإغفال قيم كثيرة وعوامل كثيرة ، وأخطاء في التصوير نتيجة النظر من زاوية واحدة للحياة البشرية ، وأخطاء في النتائج تبعاً للأخطاء المنهجية والتصويرية . وهذا الكتاب الذي بين يدي نموذج للتاريخ الذي ينظر للأمور كلها، وللعوامل جمعيها ، وللقيم على اختلافها .. ولعلًّ القارئ لم يكن ينتظر من رجل مسلم، واثق بقوة الروح الإسلامي ، متحمّس لردّ القيادة العالمية إليه، أن يتحدًّث عن مؤهّلات القيادة ، فلا ينسى بجوار ( الاستعداد الروحي) أن يلحّ في ( الاستعداد الصناعي والحربي ) و ( التنظيم العلمي الجديد) وأن يتحّدث عن ( الاستقلال التجاري والمالي ) . إنَّه الإحساس المتناسق بكل مقّومات الحياة البشرية ، وبهذا الإحساس المتناسق سار في استعراضه التاريخي ، وفي توجيه للأمة الإسلامية سواء ، ومن هنا يُعدُّ هذا الكتاب نموذجاً للتاريخ ، كما يجب أن يتناوله المسلمون مستقلّين عن التأثُّر بالطريقة الأوروبية ، التي ينقصها هذا التناسق وهذه العدالة وهذا التحقيق . وإنه ليسعدني أن أتحدَّث عن هذا الكتاب بذلك الإحساس ذاته ؛ وأن أسجّل هذه الظاهرة ، وأنا مغتبط بهذه الفرصة التي أتاحت لي أن أطلّع عليه في العربية .. اللغة التي آثر صاحبه أن يكتب بها ، وأن ينشره في مصر للمرة الثانية ) إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ( [ سورة ق : 37] .
سيد قطب
صورة وصفية : أخي أبو الحسن بقلم فضيلة الدكتور أحمد الشرباصي لقيت أخي أبا الحسن أول مرة في شتاء سنة 1951م بدار ( الشبان المسلمين ) ([10]) في القاهرة ، عقب محاضرة من ( من محاضرات الثلاثاء)، وقد أقبل علي يطلب في أدب جم وتواضع ظاهر ليلة من ليالي الثلاثاء، ليلقي فيها محاضرة عن ( العالم في مفترق الطرق ) ، فرأيت رجلاً نحيف البدن ، نحيل العود ، له لحية سمراء وملابس قليلة خفيفة الوزن والثمن، ونظراته عميقة نفاذة ، ونبراته دقيقة أخاذة ، فيها بحة ، عرفت فيما بعد أنها ملازمة له من جهد وإجهاد ؛ وبعد اللقاء الأول العاجل توثقت بيني وبينه أسباب الأخوة والمحبة وعن خبر به أكتب هذه السطور . هو العالم المؤمن، الداعية ، المحتسب ، السيد أبو الحسن علي الحسني الهندي الندوي ، من المنتسبين إلى عترة الحسن بن علي رضوان الله عليهما ، ووالده هو الشريف العلاَّمة عبد الحي بن فخر الدين بن عبد العلي ، ينتهي نسبه إلى عبد الله الأشتر بن محمد ذي النفس الزكية بن عبد الله المحض بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب ، ولوالده كتب كثيرة ، منها المطبوع ، ومنها المخطوط ، أشهرها ( نزهة الخواطر ) في ( ثمانية مجلدات ) ([11]) .وقد توفي سنة 1341هجرية . وقد ولد السيد أبو الحسن في مديرية بالهند ، تسمى (رائي بريلي)، وهي تبعد عن (لكهنؤ) سبعين كيلو متراً تقريباً ، وكانت الولادة بقرية (تكية) في شهر المحرم سنة 1332هـ ، مدَّ الله له في عمره ، وأدام به نفع الإسلام والمسلمين . وأسرة أخي أبو الحسن من أصل عربي ، لا تزال تحافظ على أنسابها إلى هذا اليوم ، وهي تحافظ على صلاتها بأصلها ، وإن كانت تتكلم الهندية، وتعيش في الهند منذ قرون ، ( وتمتاز بالمحافظة على التوحيد والسنة ، والبعد عن البدع ، والدعوة إلى الله ، والجهاد في سبيله ) وللسيد أبي الحسن أخ أكبر منه هو الدكتور السيد عبد العلي عبد الحي ([12]) ، وهو طبيب وقد تخرج من ندوة العلماء ، ومعهد يوبند ، كما تخرج في جامعة لكهنؤ بتفوق وامتياز ، فهو بذلك يجمع بين الثقافتين الدينية والعصرية ، وله فضل كبير في تربية السيد أبي الحسن وثقافته ، ويدير ندوة العلماء خلفاً لأبيه الراحل ، ( وقد عني بأخيه - وهو يتيم في التاسعة من عمره - عناية الوالد العطوف بالولد الأثير الحبيب ) . بدأ السيد أبو الحسن تعلُّمه القرآن الكريم في البيت ، تعاونه أمه، (وأمه من فضليات النساء الفاضلات الصالحات ، تحفظ القرآن ، وتكتب وتؤلف وتقول الشعر ) ([13]) ، ثم تعلمن اللغتين الأورديةَّ والفارسية ، ( على عادة أبناء المسلمين في الهند ) ، ثم بدأ وهو في الثانية عشرة من عمرة ، يتعلم الإنجليزية والعربية معاً ، وبدأ تعلم العربية على الشيخ خليل بن محمد اليماني([14]) . ، وتوفر سنتين كاملتين على دراسة الأدب العربي وحده ، وقرأ كثير من كتب الأدب ، وشغف بها على خلاف العادة يومئذ في الهند ، لأنهم يزهدون في الأدب العربي ، وقرأ كثيراً لأصحاب الأساليب ، ونوابغ المنشئين في القديم والحديث ، واطلع على مصادر الأدب العربي القديمة ، وعني عناية خاصة بالعكوف على كتب أربعة هي : كليلة ودمنة لابن المقفع ونهج البلاغة للشريف الرضي ، ودلائل الإعجاز للجرجاني ، والحماسة لأبي تمام . ثم التحق بجامعة لكهنؤ ، وهي جامعة تدرَّس العلوم المدينة باللغة الإنجليزية ، وفيها قسم لآداب اللغة العربية ، التحق به السيد أبو الحسن وكان يومئذ أصغر طلاب الجامعة سنَّاً ، وضاق بدروس القواعد أولاً ، فأخَّره ذلك قليلاً ، ثم سار في تعلمه ممتازاً فائقاً سابقاً ، ثم أتم دراسته الأدبية على الدكتور تقي الدين الهلالي المراكشي([15]) رئيس تدريس الأدب العربي في ندوة العلماء - يومئذ - وهي جمعية تشرف على دار العلوم هناك - ، ثم دخل الندوة ومكث بها سنتين ، يدرس علوم الحديث ، واستفاد كثيراً من شيخ الحديث الشيخ حيدر حسن خان([16])، ومكث في دار العلوم ديوبند مدة شهور ، وحضر دروس العالم الكبير المجاهد الشيخ حسين أحمد المدني ([17]) في الحديث . وكانت أول محاولة أدبية كتابية له مقالاً ضافياً في ترجمة السيد الإمام أحمد بن عرفان الشهيد (1246) إمام الدعوة إلى التوحيد ، والسنَّة، والجهاد في سبيل الله ، كتبه بإشارة أخيه الأكبر الدكتور السيد عبد العلي ، وأرسله الدكتور تقي الدين الهلالي إلى العلاَّمة السيد رشيد رضا صاحب مجلة ( المنار) الغراء ، فنشره في مجلته ، وأفرده في رسالة طبعها بعنوان ( ترجمة السيد الإمام أحمد بن عرفان الشهيد - في سنة 1350- ، فكان أول مجهود أدبي ظهر له بالعربية ، وسنة تتراوح بين السابعة عشر والثامنة من العمر ) . وسافر إلى لاهور ، وقرأ التفسير على المصلح الكبير ، والداعية العظيم الشيخ أحمد علي([18]) . المفسر المشهور، ( ولاهور مدينة العلم والثقافة ، ومركز النشر والصحافة في الهند غير المتقسمة يومئذ) وانتهز أبو الحسن هذه الفرصة الثمينة ، فقابل كبار المعلمين و الأستاذة ، (ومشاهير الأدباء والشعراء وقادة الفكر ، أجدرهم بالذكر شاعر الإسلام الدكتور محمد إقبال ، فحضر بعض مجالسه وأنس به الشاعر العظيم([19])، رغم حداثة سنة وعدم شهرته ) . ولم تكن دراسته في أغلب أدوارها دراسة نظامية بشهادات ، بل كانت دراسته حرة لوجه العلم والمعرفة . ولما أتم دراسته ، رجع إلى لكهنؤ وعُيِّن مدرساً في دار العلوم لندوة العلماء هناك ، ومكث فيها عشر سنوات يدرَّس علوماً مختلفة ؛ واشتغل بجوار ذلك بالكتابة في مجلة ( الضياء) العربية ، التي تصدرها ندوة العلماء ، ورئيس تحريرها الأستاذ مسعود الندوي ([20]) .، واشتغل كذلك بالتأليف في الأوردية ، و أظهر كتابه ( سيرة السيد أحمد الشهيد ) ( وهو لم يتجاوز الخامسة والعشرين من عمره ) ، فكان الإقبال عليه عظيماً حتى طبع أربع مرات . ثم انتقل إلى دلهي ، والتقى بالداعية المجدد العظيم محمد إلياس ، وكان هذا اللقاء نقطة تحول في حياة أبي الحسن ، لأن الشيخ محمد إلياس كان مرشداً شعبياً ، له صلة عميقة وثيقة بالجماهير عن طريقة الدعوة إلى الله ، وأبو الحسن لم يكن متصلاً بالشعب قبل ذلك ، بل كان مقتصراً على الدراسة والتأليف ، فأخذ يتصل بأهل القرى والدساكر ، ويقوم برحلات إسلامية قد تستغرق الواحد منها شهراً ، لنشر الدعوة في قرى الهند ومدنها ، وكان الشيخ إلياس - ولا يزال - هو مَثَلُ أبي الحسن الأعلى في الحكمة الدينية العميقة ، وفي قوة الإيمان ، لأن الشيخ إلياس - كما يقول أخونا- كان صورة من السلف الصالح ، وكان مخلصاً غيوراً ، يتألم لحال المسلمين ، ويعمل من أجلهم ، ويسير في شؤونهم ، ويحترق بروحه القوية الوثابة في سبيلهم([21]) . . وتلقى التربية الروحية من العارف الجليل ، المربي الكبير الشيخ عبد القادر الرائي بروي ([22]) واستفاد من صحبته ومجالسه . و رأس أبو الحسن تحرير مجلة ( الندوة ) العلمية التي كانت تصدر بالأوردية وكان لسان حال الندوة، وكلَّفته الجامعة الإسلامية في (عليكرة) بوضع منهاج ، لطلبة ( اللسانس ) في التعلم الديني ، فألف في ذلك كتاباً أسماه ( إسلاميات ) وقبلت الجامعة هذا الكتاب ، وكافأت صاحبه عليه ، ودعي لإلقاء محاضرات في موضوع : ( الدين والمدينة ) كانت موضع الاستحسان ، ونشرت فكان لها تأثر واسع النطاق . وألَّف في هذه الفترة كتباً لطلبة المدارس العربية في الهند ، منها كتاب ( مختارات في الأدب العربي ) ، وقد قررت دار العلوم في الهند ، وبعض الجامعات تدريسه ، ومنها كتاب ( قصص النبيين للأطفال ) في ثلاثة أجزاء ، وغير ذلك من الكتب ، وأصدر مجلة ( التعمير ) التي كانت تصدر بالأوردية مرتين في الشهري ، وأسس جمعية للتبشير بالإسلام بين الهندوس ، وأصدرت هذه الجمعية التبشيرية الإسلامية عدة رسائل وبحوث عن الملة الغرّاء باللغة الإنجليزية المنتشرة هناك ، وأسس ( المجمع الإسلامي العلمي ) في لكهنؤ في آخر سنة 1378هـ ( 1959م) ، وله نشاط وإنتاج في اللغات : الإنجليزية والهندية ، والأوردية ، والعربية ، ومطبوعات قيمة . وألَّف هذا الكتاب - ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين - سنة 1364هـ (1945م ) وهو في الثانية والثلاثين من عمره ، وقد تأخر طبعة وظهوره ، وهو يزيد موادّه ، ويتناوله بالتنقيح والتهذيب ، إلى أن صدرت له الطبعة الأولى في مصر ، عام 1369هـ ( 1950م) . وأخي المفضال أبو الحسن له غرام أصيل عميق باقتناء الكتب ومسامرتها ، والحديث عنها ، وأعز ما يحرص عليه من عَرَض الحياة هو كتبه ، وأغلى ما يُهدى إليه كتاب يرضيه ويغذيه ، ولا يقتني أبو الحسن الكتب ليزين بها داره ، بل ليهضمها قراءةً وبحثاً ونقداً ، وكتاباته المختلفة فيها دلائل واضحة على ذلك ، وقد أفادته هذه المطالعات والمسامرات - بجوار الهبة والتجربة - قدرة على الارتجال بالعربية فهو يتدفق فيها كالسيل بغلة بليغة فيها الصور البيانية والتعبير الجميل ، وأغلب محاضراتهن يستعد لها ، وكثيراً ما يكتبها . وأسلوبه يغلب عليه العنصر العاطفي الملتهب ، ومع ذلك إذا طرق باب البحث أجاد وأفاد وأمتع أيضاً، وهو - كما عرفت عنه ، وكما حدثني مراراً - لا يحب أن يهجم على الحديث عن موضوع ذي بال ، إلا إذا احتفل به وتهيأ له ، وليس عن قلة بضاعة ، ولكنه احتراس العالم الذي يريد أن يستيقن ويثبَّت!… وقد غلب النثر على أبي الحسن فلم تطاوعه قريحته يوماً على نظم الشعر … وقد ظل الأستاذ أبو الحسن يمارس ألواناً من الألعاب الرياضية ، كرة القدم ، والسباحة ، والصيد ( الهوكي والتنس ) ثم انقطع عنها أخيراً ، وعلى الرغم من هذا أصابته أمراض استمرت مدة طويلة ، وخاصة في الصدر ، ثم عافاه الله منها ، وبقي له سعال يعاوده من حين لآخر . وهو يكره التصوير بجميع أنواعه ، ويحرِّمه على نفسه في تشديد ملحوظ ولقد زرت معه إحدى دور الطبع والنشر الكبرى بالقاهرة ، ورغب مصور الدار أن يلتقط لنا صوراً تذكارية ، فرفض أبو الحسن ، وأصر على الرغم من طول المحاولة والرجاء ، وذكر أن المسلمين في الهند ( متفقون) على حرمة التصوير . ولقد سألته ذات مرة عن السابقين الذين تأثر بهم ، فأجابني بأنهم : الإمام أحمد بن حنبل صاحب الموقف المعروف في المحنة ، وشيخ الإسلام ابن تيمية ، والشيخ أحمد السر هندي ( من سرهند ، بلد في البنجاب ) المتوفَّى سنة 1034هـ صاحب الرسائل الخالدة في الشريعة والحقيقة ، ومحاربة البدع ، والمجدد للملِّة؛ والشيخ ولي الله الدهلوي ، المتوفَّى سنة 1176هـ، الباحث الإسلامي العظيم ، صاحب ( حجة الله البالغة ) ، والسيد أحمد الشهيد مؤسس أول دولة شرعية في الهند في القرن الثالث عشر الهجري ([23]) ، وقد استمرت هذه الدولة عدة شهور ، ثم ثار عليها الإنجليز بمؤامراتهم فأخذوا عليها الطريق . وأعظم آمال أبي الحسن أن يرى الإسلام سائداً على الأرض، وأن يرى الدول الباغية معذبة مقهورة حتى يسلِّي نفسه ويستبشر ، ويرى انتقام الله من الذين حاربوا الإسلام وأذلوا المسلمين ، وهو يعتقد ويرى أن بقاء القلة المسلمة في الهند من الخير ، وفيه فائدة ترجى للهند ، فلعل للإسلام مستقبلاً ذا بال هناك . ولقد رحل أبو الحسن إلى الحجاز في سنتي 1367هـ -1369هـ (1947-1950م) ، ثم تبعتها رحلات متتابعة ، وقدم إلى مصر سنة ( 1370هـ / 1951م ) ، وطَوَّف بأغلب العالم الإسلامي ، وزار تركيا (1375هـ /1956م) وزار عواصم أوروبا الكبرى بما فيها أشهر مدن الأندلس الإسلامية : مرة في سنة 1382هـ ، وثانية في 1383هـ ( 1962-1963م ) فرأى وشاهد ([24]) ، ودرس وكتب ، وحاضر وخطب ، وكان له في كل ارض نزل بها مجهود وجهود ، وعهود . وقد انتُخب أميناً عاماً لندوة العلماء على أثر وفاة أخيه الأكبر الدكتور السيد عبد العلي الحسني سنة ( 1380هـ / 1962م) ، واختير عضواً مراسلاً في المجمع العلمي العربي بدمشق سنة ( 1957م ) ، ودعي لإلقاء محاضرات كأستاذ زائر في جامعة دمشق سنة 1375هـ ( 1956م) ([25]) ، واختير عضواً في المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي في مكة المكرمة سنة 1380هـ ( 1961م) ، وعضواً في المجلس الاستشاري الأعلى للجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، وانتخب رئيساً لهيئة التعليم الديني في الولاية الشمالية في الهند سنة ( 1959م). وقد سألته وهو بيننا في مصر عن حسنات مصر ، فقال موجزاً ، الإيمان بالله ، والدين ، والمحبة للمسلم ، وخاصة إذا كان غريباً ، ورقة القلب ، وسلامة الصدر، وكثرة الأعمال المنتجة .. ثم سألته عن السيئات ، فتحرج ثم أجاب : السفور ، وعدم التستر، والصور الخليعة في الصحف والمجلات ، واستهانة بعض العلماء ببعض الحرمات ، وعدم المحافظة على الجماعات في المساجد برغم كثرتها ، والاندفاع في تقليد الحضارة الغربية بلا تبصُّر . وأخي أبو الحسن بعد هذا كله عدو للمظاهر الكاذبة ، يتخفف في ثيابه وطعامه وفراشه ، ويكره التكلف والمجاملة الزائدة ، ولا يقيم للمال وزناً في حياته ، وثقته بربه فوق كل شيء ، ومثابرته على النضال في سبيل ما يؤمن به مضرب الأمثال ، وإخلاصه العميق سر نجاحه ، بينما يفشل الآخرون . لقد طال الكلام ، ومع ذلك لم أقل كل شيء عن أخي أبي الحسن !…
القاهرة شوال سنة 1370هـ أحمد الشرباصي أغسطس 1951م المدرس بالأزهر الشريف
بسم الله الرحمن الرحيم تقديم للأستاذ عبد الرحمن حبنكة الميداني الحمد لله العليّ الوهّاب ، آتي رسوله محمّدَ بن عبد الله r الكتاب والحكمة وفصل الخطاب ، وجعله أحكم داع إلى ربّه ، وجعله المربّي الأمثل والقدوة الحسنة لأولي الألباب . وجعل وارثي رسالته عن أمَّته الرّبّانييّن ، هم الحكماء الراشدين ، المجاهدين في سبيل ربّهم على منهاجه ، بكلّ ما آتاهم منْ هبات وطاقات ، والظاهرين بالحقّ ، ما تعاقبت العصور ، وتوالت الأحقاب ، ومهما اختلفت أحوال الأمم ، وكثُر الظلام وعمَّ الضَّبَاب ، لا يضرُّهم من خالفهم حتَّى يأتي أمرُ الله . وبعد:فقد احتلّ هذا الكتاب " ماذا خسر العالم بانْحِطاط المسلمين " للعالم الرّبّاني ، الداعية الناصح المرشد الحكيم ،سماحة الشيخ " أبي الحسن علي الحسني النَّدْوي"مكانة مرموقة عند أهل الفكر والعلم ، منذ ظهوره الأول سنة(1369هـ -1950م)،إذ اشتمل على وصْف تاريخيَّ لأحوال شعوب الأرض قبل ظهور الإسلام،وما كانت عليه هذه الشعوب من انحطاط فكريٍّ وعلميّ،وتخلُّف حضاريّ،ووثنيات سخيفات،وجاهليات قبيحات،وظلم شنيع واستبداد واستعباد،من ذوي القوّة والسلطان والقهر والطغيان،للسواد الأعظم من الجماهير البشرّية،التي لا تمْلك ما تدافع به القُوى الطَّاغية الآثمة،وتُحرّرُ به أنفسها من الذُّل والاستعباد،وسطوات الاستبْداد . وجاء فيه بيان كيف أنّ الإسلام جاء منقذاً للعالم من ويلاته ونكباته وتخلفُّه الحاضريّ ، وممّا كانت تُعاني الجماهير البشرّية فيه من ظُلْم وطغيان وبغْي وعُدْوان وكيف أنّ الإسلام قدْ كان قُوة انتصار لكرامة الإنسان وتحُقيق أحكام الحقّ والعدل في المجتمع البشري . وجاء فيه تأكيد أنّ انحطاط المسلمين قد سبّب خسارة عظمية للعالم مُنذرة بخطر جسيم للإنسانية جمعاء ، إذا مَلَكت الدُّول العظْمى في الأرض مقاليد القّوة المدمّرة للعالم ، دون أن تمْلك معها الدّين الحقّ الذي هو درْع الأمان الواقي من انفجار القّوة يوماً ما بأيدْي أصْحاب أهواء لا يخْشون الله ولا اليوم الآخر ، وفي نفوسهم شهْوة امْتلاك كُل شْيء في الأرض ؛ من أشياء ولا أحياء وشُعوب إنسانية . وجاء فيه بيان كاف لكثير من قضايا العالم المعاصر الاجتماعية ، وما فيه من انحرافات مُنْذرات بالدّمار ،مع اشتماله على استشهادات كثيرات بأقوال كبار أهل الفكر الغربيين ، وهذه الأقوال تُؤيّد في مضامينها القضايا التي جاء في الكتاب بيان وجْه الحقَّ فيها . وسماحة الشيخ " أبي الحسن علي الحسني الندوي " غنيِّ عن أن يُعرَّف به وبكتاباته النفسية أحد ، بعد أن ذاعت شُهرته في أرجاء العالم الإسلامي . وكلمتي هذه بمثابة من يحمل كشَّافاً عادياً بيده ، ليدُل بنوره الضئيل بعْض ذوي الأبصار ، حتى تتوجّه أعيُنُهم لرؤية مصْباح كهربائي عظيم ، يُنيُر مساحات واسعات على امتداد جوانب دائرته . وأخيراً أسأل الله العليّ القدير ، أن يُطيل عُمُر الشيخ مع كمال العافية ويَجْعل النفع بما كتب من مؤلّفات وأسَّس من مؤسَّسات مُمتدّاً مادام على وجه الأرض إنسان قابل لأنْ ينتفع لدينه ودنياه . وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سّد الأوّلين والآخرين ، وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين . مكة المكرمة عبد الرحمن حبنكة الميداني في 18 شعبان 1418هـ 18/12/1997 ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين لم يكن انحطاط المسلمين أولاً ، وفشلهم وانعزالهم عن قيادة الأمم بعد ، وانسحابهم من ميدان الحياة والعمل أخيراً ، حادثاً من نوع ما وقع وتكرر في التاريخ من انحطاط الشعوب والأمم ، وانقراض الحكومات والدول ، وانكسار الملوك والفاتحين ، وانهزام الغزاة المنتصرين ، وتقلص ظل المدنيات والجزر ، السياسي بعد المد .. فما أكثر ما وقع مثل هذا في تاريخ كل أمة ، وما أكثر أمثاله في تاريخ الإنسان العام ! ولكن هذا الحادث كان غريباً لا مثيل له في التاريخ . مع أن في التاريخ ؛ مثلاً وأمثلة لكل حادث غريب . لم يكن هذا الحادث يخص العرب وحدهم ، ولا يخص الشعوب والأمم التي دانت بالإسلام ، فضلاً عن الأسر والبيوتات التي خسرت دولتها وبلادها بل حقيقة هذه الكارثة ، ولو عرف مقدار خسارته ورزيتَّه ، وانكشف عنه غطاء العصبية ، لا تَّخذ هذا اليوم النحس - الذي وقعت فيه - يوم عزاء ورثاء ونياحة وبكاء ، ولتبادلت شعوب وأممه التعازي ، ولبست الدنيا ثوب الحداد ؛ ولكن ذلك لم يتم في يوم ، وإنما وقع تدريجياً في عقود من السنين، والعالم لم يحسب إلى الآن الحساب الصحيح لهذا الحادث ، ولم يقدره قدره ، وليس عنده المقياس الصحيح لشقائه وحرمانه . إن العالم لا يخسر شيئاً بانقراض دولة ملكت حيناً من الدهر ، وفتحت مجموعاً من البلاد والأقاليم ، واستعبدت طوائف من البشر ، ونعمت وترفهت على حساب الضعفاء والمحكومين ، وإن الإنسانية لا تشقي بتحول الحكم والسلطان والرفاهية والنعيم من فرد إلى فرد آخر من جنسه ، أو من جماعة إلى جماعة أخرى مثلها في الجَوْر والاستبداد وحكم الإنسان للإنسان ، وإن هذا الكون لا يتفجع ولا يتألم فقط بانحطاط أمة أدركها الهرم وسرى فيها الوهْن ، وسقوط دولة تآكلت جذورها وتفككت أوصالها ، بل بالعكس تقتضي ذلك سنة الكون ، وإن دموع الإنسان لأعز من أن تفيض كل يوم على ملك راحل وسلطان زائل ، وإنه لفي غنى وإنه لفى شغل عن أن يندب من لم يعمل يوماً لإسعاده ، ولم يكدح ساعة لصالحه ، وإن السماء والأرض لتقسوان كثيراً على هذه الحوادث التي تقع وقعت كل يوم ، ووقعت ألوف المرات ) كم تركوا من جنات وعيون (25) وزروع ومقام كريم (26) ونعمة كانوا فيها فاكهين (27) كذلك و أورثناها قوماً ءاخرين (28) فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين( . بل إن كثيراً من هؤلاء السلاطين والأمم كانوا كلاَّ على ظهر الأرض ، وويلاً للنوع الإنساني ، وعذاباً للأمم الصغيرة والضعيفة ، ومنبع الفساد والمرض في الجسم السليم ، فكان لابد من عملية جراحية ، وكان قطع هذا الجزء السقيم وإبعاده من الجسم السليم مظهراً كبيراً لربوبية رب العالمين ورحمته ، يستوجب الحمد والامتنان من جميع أعضاء الأسرة الإنسانية ، بل من جميع أفراد الكون ) فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين( ( الأنعام : 45) . ولكن لم يكن انحطاط المسلمين وزوال دولتهم وركود ريحهم - وهو حملة رسالة الأنبياء ، وهم للعالم البشري كالعافية للجسم الإنساني - انحطاط شعب أو عنصر أو قومية ، فما أهون خطبه وما أخف وقعه ، ولكنه انحطاط رسالة هي للمجتمع البشري كالروح ، وانهيار دعامة قام عليها نظام الدين والدنيا . فهل كان انحطاط المسلمين واعتزالهم في الواقع مما يأسف له الإنسان في شرق الأرض وغروبها ، وبعد قرون مضت على الحادث ؟ وهل خسر العالم حقاً - وهو غني بالأمم والشعوب - بانحطاط المسلمين هذه الأمة شيئاً ؟ وفيم كانت خسارته ورزيَّته ؟ وماذا آل إليه أمر الدنيا ، وماذا صارت إليه الأمم بعد ما تولت قيادها الأمم الأوروبية حتى خلفت المسلمين في النفوذ العالمي ، وأسست دولة واسعة على أنقاض الدولة الإسلامية ؟ وماذا أثر هذا التحول العظيم في قيادة الأمم وزعامة العالم في الدين والأخلاق السياسة والحياة العامة في مصير الإنسانية ؟ وكيف يكون الحال لو نهض العالم الإسلامي من كبْوته وصحاً من غفْوته ، وتملك زمام الحياة ؟ ذلك ما نحاول الإجابة عنه في الصفحات الآتية … أبو الحسن علي الحسني الندوي
([1]) كان تأليفه بين 1363-1364هـ ( 1944-1945م ). ([2]) سبق للمؤلف تأليف سلسلة " قصص النبيين للأطفال " (1-2) و " القراءة الراشدة " (1-2-3) و " مختارات من أدب العرب " . وكلها كتب دراسية أِّلفت لأبناء المسلمين الذين يدرسون اللغة العربية في المعاهد الدينية في الهند . ([3]) كان ذلك في 19/8/1370هـ (25 نيسان 1951م) ، ( مذكرات سائح في الشرق العربي ) . ([4]) وذلك في 3 حزيران 1951م . ([5]) صدرت للترجمة الإنكليزية ثلاث طبعات إلى حين كتابة هذه السطور ، وطبعتان للترجمة الفارسية في (قم) إيران ، وطبعة على الأقل في التركية ، وظهرت الطبعة السادسة للترجمة الأردية في عام 1968م. ([6]) مما يؤسف له المؤلف ذكره أن بعض المكتبات طبعت هذا الكتاب من غير استئذان ولا علم المؤلف ، ولم تعن بالضبط والتصحيح ، بل وقع في بعض الطبعات قلب في المواد المطبوعة وخبط في الصفحات . ([7]) انظر في هذا كتابَ ( الدعوة إلى الإسلام ) للسير توماس أرنولد ، الإنجليزي المعروف ص 7 من الترجمة العربية للدكتور حسن إبراهيم وآخرين . ([8]) ص 82-83 من الكتاب المذكور . ([9]) من بحث للأستاذ أبي الحسن الندوي نفسه عنوانه ( شاعر الإسلام الدكتور محمد إقبال ص66-86). ([10]) العبارات التي جاءت بين القوسين زيادات في الطبعات الأخيرة إتماماً للترجمة وإكمالاً للصورة . ([11]) ظهر هذا الكتاب في أجزاء ثمانية في دائرة المعارف في حيدر اباد الهند ، والكتاب يشتمل على نحو خمسة آلاف ترجمة لأعيان الهند ، وظهر للمؤلف كتاب ( الثقافة الإسلامية في الهند ) طبع المجموع العلمي العربي في دمشق . ([12]) توفي إلى رحمة الله في 21 ذو القعدة 1380هـ ، والموافق 7 مايو 1961م . ([13]) نشرت لها عدة كتب ، ومجموعتان للشعر ، وكله مناجاة لله تعالى ، ودعاء ، ومدح للنبي r . تلقيت بالقبول ، توفيت إلى رحمة الله تعالى ( لست خلون من جمادى الآخرة 1388هـ ) 31 أغسطس 1968م. ([14]) هو حفيد المحدث الجليل الشيخ حسين بن محسن الأنصاري اليماني نزيل بهو قال ، الهند ، أصل هذا البيت من الحُديدة . كانت له ملكة راسخة في تعليم اللغة والأدب وذوق عربي أصيل ، توفي في كراتشي ، لتسع خلون من جمادى الأولى 1386هـ . ([15]) هو رائد النهضة الأدبية العربية في الهند ، والداعي إلى إصلاح مناهج تعليم اللغة العربية ، مكث في ندوة العلماء ثلاث سنوات ، وتخرجت على يده جماعة من الأدباء أشهرهم الأستاذ مسعود الندوي ، ومحمد ناظم الندوي . ([16]) كانت وفاته في 15 جمادى الأولى 1361هـ . ([17]) توفي إلى رحمة الله في 13 من جمادى الأولى 1377هـ . ([18]) استأثرت به رحمه الله في رمضان 1381هـ . ([19]) سجَّل السيد أبو الحسن قصة هذه الزيارة وما جرى فيها من حديث في مقدمة كتباه ( روائع اقبال). ([20]) انتقل إلى رحمه الله في رجب 1373هـ ، الموافق 16 مارس 1954م . ([21]) توفي إلى رحمه الله تعالى عام 1362هـ ، و للسيد أبي الحسن تأليف في سيرته في أردو ، وحديث عنه في محاضرته ( الدعوة الإسلامية في الهند وتطوراتها ) وجماعته التي تعرف غالباً بجماعة التبليغ من أنشط الجماعات، و أوسعها نطاقاً في العصر ، لها نشاط ملموس ، وجولات دائمة في آسيا ، وأفريقيا ، وأوروبا ، وأمريكا ، ومراكزها في دلهي ، عاصمة الهند . ([22]) انتقل إلى رحمة الله تعالى في لاهور 15 ربيع الأول 1382هـ ( من أغسطس 1962م) ، وللسيد أبي الحسن تأليف في سيرته . ([23] ) هو من نفس أسرة أبي الحسن ، ومن أشهر رجالها ورجال الهند ، ولد سنـة 1201هـ في رائي بريلـي ( الهند) ، واستشهد في سبيل الله في بالاكوت ( باكستان الآن ) سنة 1346هـ . ([24] ) طبعت مذكراته في القاهرة بعنوان ( مذكرات سائح في الشرق العربي) سنة 1373هـ (1954م) ([25] ) ظهر مجموع هذه المحاضرات التي ألقاها الأستاذ أبو الحسن في مدرج الجامعة الكبرى في دمشق ، وهي اثنتا عشر محاضرة باسم ( رجال الفكر والدعوة في الإسلام ) من مطبعة جامعة دمشق سنة (1379هـ/1960).
H E R A A FOR RESEARCH, PUBLISHING & DISTRIBUTING Thikana, 504/30A, Taigor Marg, Nadwa Road Lucknow 226020, India Email: heraa@nadwi.net.in ربيع الأول 13, 1426
عنوان الموقع الرسمي لندوة العلماء بالهند Nadwatul Ulama`s Website http://nadwatululama.orgعنوان البريد الإلكتروني لندوة العلماء E-mail address nadwa@sancharnet.inعنزان البريد الإلكتروني الخاص برئيس ندوة العلماء E-mail address of Nazim Nadwatul Ulama nadwi@nadwi..net.in |
|
H E R A A ربيع الأول 13, 1426
عنوان الموقع الرسمي لندوة العلماء بالهند Nadwatul Ulama`s Website http://nadwatululama.orgعنوان البريد الإلكتروني لندوة العلماء E-mail address nadwa@sancharnet.inعنزان البريد الإلكتروني الخاص برئيس ندوة العلماء E-mail address of Nazim Nadwatul Ulama nadwi@nadwi..net.in
|